للمعرفة القبلة وأوقات الصلاة

 

 

  

 
 
 

 

 

 

 
















 

 

 

K.binxetê.14.03.07.10.00.GMT


الباب الثاني:
آراء -كردية –عربية- في الأحداث


يوم الجمعة الدامي
إبراهيم محمود
14/3/2004

ماجرى في مدينة القامشلي،يوم الجمعة بتاريخ ،3،12من هذه السنة ، سيشكل الحدث الأبرزالذي سأظل أذكره محلياً، من خلال التواطؤ الموجود بين المسؤولين، وعلى أعلى المستويات في المحافظة، والذين قدموا من دير الزور-بحجة مشاركة فريقهم
"الفتوة" في مباراة كرم القدم-، الهاتفين مطولاً وحتى اليوم بحياة رمزهم المفدى-صدام حسين- المخلوع، رغم أنهم في بلد آخر، وفي ظل نظام آخر، له رمزه،بآلافهم المؤلفة، وسياراتهم، الكبيرة والمتوسطة الحجم، وعليهاكتابات تهتف بحياة صدام الذي لن يعود إليهم، ومعهم لافتات مجهزة من -هناك-،تعبر عن أحقاد تفعًلت في داخلهم، ضد كل من يقول لا لرمزه الدموي المذكور، وخصوصاً الكرد ورموزهم، حيث أثبتوا، قبل الآن ، أن الحدود لا تحدد مشاعرأحدهم، وأن الحديث عن الديمقراطية طوال نصف قرن ونيف،لايعني مدنيتهم، وإنما هو الشعور الآخرالذي يتجاوز كل ما يتعلق بالمجتمع المدني، والأخوة الواحدة، والشعب الواحد، رغم تعدد أثنياته -والكرد خصوصاً- ، وحتى الدين الواحد، والخرافة العملية لـ- إنما المؤمنون أخوة-.
ماجرى في ضح النهار، كان خيانة كبرى للنظام وعلى أعلى المستويات، إلا إذا كان هناك تواطؤ من نوع آخر لم يصرح به هذه المرة أيضاً، خيانة لشعار الوحدة التي لا تعني وحدة الشعب، والحرية التي لا تعني كذلك إنسانية هذا الشعب، والاشتراكية التي لا تعني كما يبدو المساواة ولو جزئياً بين أفراد الشعب، خيانة للدين الواحد الذي يوحد ولا يفرق-وها هو ، وكما عهدناه طويلاً، يفرق ولا يوحد-، خيانة للقيم التي تشدد على بناء الوطن الواحد، وها هي تشدد على نسف هذا المفهوم ، على أن الوطن المذكورلا علاقة له في عرف من أصبحوا أبطال الشرالوطني والبؤس القومي في يوم الجمعة الدامي بالقامشلي، بكل الذين ولدوا وليس على جبينهم حفر بالمداد الإلهي ونبيه، كما يبدو، يمثل حرف الضاد.
إن طريقة التحضير للقتل وحصارالناس الذين -لاناس دونهم كما يبدو- ومواجهتهم بالحجارة-في يوم رجمهم العظيم، بعد طوافهم بهتافاتهم المرعبة في شوارع القامشلي،ومسدسات كاتمة للصوت، ربما لأنهم كانوا لابسي قبعات الاخفاء، لهذا غض
المسؤولون عن لفظ النظام، وحفظ الفوضى، عن هيئاتهم المشبوهة، في حملة الربيع الطويلة من دير الزور إلى قامشلي الغور، وبتشجيع منهم-هذه المرة أصبح أعضاء الفريق الفعليون من خارج حوزة الكرة، الذين أرفقوا معهم فريقهم ليروا بأم أعينهم كيف تكون المباراة الحقيقية التي لطالما انتظروها منذ سقوط الدموي بنظامه: صدام، وكان مشجعوهم هذه المرة :الشرطة، قتلة النظام، كانت طريقةمخططاً لها بدقة.
العين أصدق إنباء من الكتب ، نعم، هذا ما رأيت،ولم أرمشاهد كالتي رأيتها طوال حياتي، كان ثمة إعداد لمجزرة، أو شبه مجزرة، بحيث لا يخرج أي متفرج إلا وهو متضرج بدمائه، هو إعداد لدرس عملي، من قبل من قدَموا أنفسهم الأكثر قابلية لتنفيذ المهمة، فأن تحاصر أناساً مسالمين، مستغفلاً إياهم بطريقة همجية، يعني أن تتوفر فيك الشروط التالية : أحقاد متراكمة، ثقافة تغذي شهوة القتل والضرب والنيل ممن يخالفك في اللغة، والرأي، القيام بالدورالهمجي دون رادع من ضمير.
وهذا ما تم فعلاً، وبمباركة من أعلى سلطة سياسية في المحافظة، حيث كان يتم توجيه الرصاص إلى الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين سنة، يعني أنهم يشكلون ذخر الوطن، فباتوا نخر الوطن، وكان هناك صغار سقطوا جرحى وقتلى، دون سابق انذار، هي المرة الأولى التي أشاهد فيها ماذا يعني أن ترى الحقد وقد تفجَر من الداخل، لامزاح هنا، فالرصاص الحي تعبير عن الهمجية المدروسة-هل أبالغ في وصف ما أرى،وقد رأيت ما لم أره في أي بلد آخر في العالم وفي وضع كهذا؟-، وأثبت السيد المحافظ الجدير بثقة النظام وبطانته المسلحةوهو يصدر أوامره إلى المسؤولين من دونه مقاماً: إليكم بهم، حيوا على الضرب ، حيوا على القتل. تجاوباً مع جماهيره العروبوية القادمة من دير الزور، في حملة التطهير العرقي التي لم تتم، وليدخل التاريخ ببزته العسكرية، هو ومن ساندوه، وهم يتلمظون لرؤية الناس العزًل يتساقطون هنا وهناك،وتتم مطاردتهم حتى في الشوارع ، لأنهم دافعوا عن الحياة التي وهبهم الله إياها، وليس إلههم الناطق باسمهم،,إعني بهم مراراً وتكراراً-الكرد الحمر-، تلك هي الوليمة البشرية الأدسم في تاريخ المنطقة، في يوم الجمعة العظيمة هذه المرة، مع اختيار القرابين بشرية، وأمام مرأىمن أعين العالم قاطبة. وليثبتوا أنهم لا يريدون وطناً حراً كريماً ، إنما الوطن الذي يتغذى بدماء وصرخات أبنائه وعويل نسائه، وهن يرثين ويبكين أطفالهن ورجالهن.

لم يمت صدام ، كما أثبتت أحداث يوم الجمعة-فوجوه"طاغية"يموت ستخلف الجاني طغاة-. إنني أستغرب من بلد بمثل هذاالسفورمن الحقد الموجه تجاه الآخر، وفي هذه المنطقة بالذات، بمثل هذا الالتفاف على العجز عن مواجهة الذات ، ومواجهة الأعداء الحقيقيين للبلاد، ليصبح كل ناطق بالديمقراطية والوطنية الفعلية ووحدة البلد، منذوراً للقتل أو للإهانة.بلد حريصون نحن على بنائه، رغم صنوف الإهانات الموجهة إلينا، نحن كل من يمثل مفهوم الوطن حقيقةً، بلد نحن نخاف عليه حتى آخر قطرة من حريتنا وانتمائنا، مهما اختلفت ألسنتنا، رغم أنف أنف من جعلوا يوم الجمعة الدامي اليوم الأبرز في حياتنا، والذي حفر في ذاكراتنا الجمعية، ولن ينسى.إن محاسبة أبطال الشرالمعروفين، لن تعيد إلى القتلى الأبرياء-الشهداء الفعليين- حياتهم، ولاإلى الجرحى الحياة التي عاشوها، فالجراح لن تندمل ، بقدر ما ستصبح ذاكرة الجسد الكردي وسواه ، في هذا -البلد المستباح- كما يبدو، ولا إلى الذين شاهدوا بأم أعينهم ما شاهدوا الحد الأدنى من الاستقراربعد الصدمة الجمعاوية، بل ربما تخفف المحاسبة السريعة من غضبهم المشروع وحقدهم المشروع وعداوتهم لأخوتهم
من غير لسانهم الذين لم يرتضوا بأخوتهم. هي اللحظات الحاسمة التي تتطلب حكمة القرار الفاعل، والأمل الذي لازال منه بقية.

-------------------------------------------------------------

أحداث القامشلي:
مسؤولية النظام و أوهام التطرف القومي
أكرم البني
كاتب سوري-النهار

من تبسيط الأمور اعتبار ما جرى من صدامات دامية في مدينة القامشلي شمال شرق سورية يومي الجمعة والسبت -12-13- من هذا الشهر، وامتد الى مناطق ومدن اخرى في محافظتي الحسكة وحلب والعاصمة دمشق، فعلا خارجياً لعملاء مندسين يضمرون شراً لزعزعة استقرار البلاد وأمنها.
كما من الخطأ والخطر في آن واحد إخفاء الأسباب الداخلية لهذا الحدث والتي تُفاقم التوتر والاحتقان السياسي والاجتماعي في البلاد عموماً وبين العرب والاكراد على وجه الخصوص، ومنها ما يتعلق بحالة القلق والاحباط التي يعيشها المواطن السوري، ومنها ما يتعلق بتنامي شعور الكرد بالغبن والظلم مع استمرار سياسات التمييز وتجاهل مطالبهم المشروعة وهم يراقبون إخوانهم في العراق ينالون حقوقهم السياسية والثقافية كاملة.
واذا غضضنا النظر عن الطرف البادىء وتفاصيل المواجهات المؤلمة، يغدو مفهوماً ان تندلع الشرارة الاولى من شمال شرق سورية حيث محافظة الحسكة أهم معقل للكرد وحيث تتميز محافظة دير الزور بتعاطفها القوي سياسياً وعشائرياً مع النظام العراقي وبإحساس بالغدر والخيانة جراء سياسات الاحزاب الكردية العراقية مما انعكس سخطاً وغضباً على الكرد أينما كانوا!

عودة الى الوراء...

يصل عدد الكرد السوريين الى ما يقارب المليوني نسمة ينتشرون في معظم المدن والمناطق السورية ويتركزون بكثافة لافتة في معظم مدن محافظة الحسكة وقراها، كالقامشلي وعامودا والمالكية ورأس العين، وفي حيي الشيخ مقصود والاشرفية في مدينة حلب ومناطق إعزاز وعفرين وعين العرب وجرابلس من ريفها. وفي حيّي ركن الدين ووادي المشاريع في مدينة دمشق.
ويعتبر الكرد تاريخياً "على كثرتهم" جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري، شاركوا في مختلف أنشطة الحياة بصورة طبيعية ودون تمييز، وتبوأ بعضهم مناصب قيادية وسياسية مهمة، فمنهم من قاد المعارك ضد الاحتلال الفرنسي كابرهيم هنانو، ومنهم من وصل الى مناصب عليا سياسية وعسكرية بما في ذلك رئاسة الجمهورية كفوزي السلو وحسني الزعيم. لكن بدأت تتضح في سورية معالم "مشكلة قومية كردية" بفعل تعاقب سياسات غير ديموقراطية استمدت نسغها من أيديولوجيا مشبعة بالتعصب القومي، تتجاهل التنوع والاختلاف واحترام حقوق الانسان ومصالح القوميات الاخرى، مما وضع حجر الاساس لنمو شروخ عميقة في اللحمة الوطنية، زادها عمقاً انتعاش المشاعر القومية لأكراد سورية مع تواتر الحراك الكردي الخارجي في العراق أو تركيا وانجرار بعض تنظيماتهم الى "لعبة" الصراع الاقليمية والعالمية، مما أشاع مناخاً من الشك والريبة وعزز الاندفاعات الشوفينية العربية ضدهم، وشجع بعض غلاة التطرف القومي على ابتكار أساليب متنوعة لاضطهاد الاكراد وسلبهم حقوقهم كمواطنين تميهداً لتغييب دورهم كأقلية قومية في التكوين الاجتماعي السوري.
فكان أول إجراء تمييزي، لا يزال الاكراد السوريون يعانون منه الأمرّين، مشروع الاحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي حرم اكثر من سبعين الف كردي من الجنسية السورية، ليبلغ عددهم اليوم ما يقارب المئتين وخمسين الفا، دون احترام لحقوقهم كبشر ولمستقبل أسرهم وأطفالهم. ومن يومها عرف المجتمع السوري ظاهرة جديدة اسمها "المكتومون" او "البدون" وهم المجردون من الجنسية الذين فقدوا حق المساواة أسوة بغيرهم من المواطنين في الهوية والتملك والتعليم والتقاضي والعمل والصحة... الخ، وباتوا أجانب، غرباء عن مجتمع عاشوا بين ظهرانيه مئات السنين.
ثم جاء مشروع الحزام العربي هادفاً الى تفريغ الشريط الحدودي بين سورية وتركيا في محافظة الحسكة او الجزيرة بعمق 10 الى 15 كلم من سكانه الاكراد الأصليين، وتوطين أسر عربية بدلا منهم لقطع أواصر الارتباط الجغرافي بينهم وبين أقربائهم وامتداداهم القومية خارج الحدود السورية.
واغتنمت السلطات فرصة بناء سد الفرات ومشروع اعادة توزيع الاراضي الزراعية لتستولي على أراضي الفلاحين الاكراد وتقيم مزارع نموذجية مزودة بالمياه والمدارس والحماية الامنية وتمليكها لفلاحين عرب غمرت مياه السد قراهم، وبالفعل تم توطين اكثر من أربعة آلاف أسرة عربية في الشريط الحدودي وتوزيع أكثر من 700 الف دونم من الاراضي المصادرة عليهم. ورافق ما سبق سياسة ممنهجة تهدف الى طمس الهوية الكردية وصهر الكرد "كأفراد" في بوتقة القومية العربية، تجلت في استمرار قمع الحركة السياسية الكردية واعتقال نشطائها وحرمان الاكراد من التحدث بلغتهم الخاصة ومنع الموسيقى والاغاني الكردية وتغيير الاسماء التاريخية الكردية لمئات القرى والبلدات والتلال والمواقع واستبدالها بأسماء عربية.

النظام السوري، مسؤولية مزدوجة...
تتحمل السلطات السورية مسؤولية مزدوجة تجاه ما جرى، مرة بإصرارها على تجاهل خصوصية الوضع الكردي وإهمال مطالبه وحقوقه المشروعة مما انعكس إحباطا سياسياً واحتقاناً اجتماعياً في صفوفهم، ومرة باللجوء الى الخيار الامني والعسكري لمعالجة التوترات الاخيرة.
وليس غريباً أن يهمَل وضع الكرد ولا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه من قبل السلطات على خطورته وحساسيته الراهنة، مثلما لم يكن غريباً أن يهمل الاصلاح السياسي الديموقراطي وتجمد حركته على أهميته في تحرير الطاقات كافة وتهيئتها لمواجهة الضغوط والاخطار الناهضة امام المجتمع.
زاد الأمر خطورة استسهال بعض أطراف السلطة إطلاق الرصاص في غير مكان على حشود المواطنين الكرد العزّل ما أدى الى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى تبعه اعتقالات عشوائية طاولت المئات من الشبان الاكراد، وحصار لا يزال مستمراً حول بعض الاحياء والبلدات التي تضم غالبية كردية، ولعل ما يزيد الطين بلة الاخبار التي يجري تناقلها عن تسليح القرى والعشائر العربية المتاخمة للقرى الكردية واطلاق دورها قمعاً وارهاباً.
ومن ثم جاء دور الاعلام لتمرير الحل الامني وتبريره بتصعيد لهجة العداء القومي للكرد وشحن النفوس شوفينياً ضدهم ربطاً مع اتهامات بالعمالة والتواطؤ مع الخارج والتشهير بأنهم يبيتون فتنة وهدفاً انفصالياً، وبصرف الانظار عن جوهر المشكلة والاكتفاء بعرض اعمال التخريب والاندفاعات الغوغائية لبعض المتطرفين الكرد الذين بدوا ان لا رابط يربطهم بالمجتمع السوري خاصة عندما رفعوا شعارات استفزازية تستقوي بالخارج وباميركا ت تحديداً ومزقوا العلم الوطني ونادوا بسورية عراقا ثانيا... كذا!

القوى الوطنية، سلوك ناضج ومتزن...
في المقابل تميز موقف القوى الوطنية العربية والكردية على حد سواء بالاتزان والموضوعية في التعامل مع مثل هذا الحدث النوعي والحساس فدعت في بيان حمل اسم نداء عاجل وقعته اطراف المعارضة السياسية السورية ومنظمات حقوقية ومدنية وكل من التحالف الوطني الديموقراطي الكردي والجبهة الوطنية الديموقراطية الكردية الى "وقف العنف فوراً والى بذل كل الجهود لمحاصرة الحدث وإيقاف تطوراته تمهيداً لمعالجته بتغليب لغة العقل في مواجهة التشنج والانفعالات والحسابات الضيقة ما يقطع الطريق على أية ذريعة يمكن ان تستخدمها اطراف خارجية للنيل من لحمة مجتمعنا وتكاتفه"، ووجدت "في لجوء أجهزة السلطة الى الحل الامني والعنف وبالا على المجتمع والوطن" داعية الى "معالجة سياسية اجتماعية شاملة على قاعدة بنية مجتمعية يكون فيها المواطن المتساوي في الحقوق اساس اللحمة بعيداً عن أية تمايزات عشائرية او طائفية او قومية"، وايضاً الى رأب الصدع الذي حصل "بتشكيل لجنة تحقيق وطنية عامة تحظى بقبول جميع الاطراف من اجل تقصي حقيقة ما جرى وتحديد المسؤولين ومحاسبتهم".
وتم نقل هذه الافكار الى احد المسؤولين السوريين في لقاء عاجل ضم ممثلي معظم القوى المشاركة في التوقيع على هذا البيان، جنباً الى جنب مع دور ميداني قام به عدد من النشطاء الحقوقيين والمدنيين لتهدئة النفوس ووقف الاندفاعات الاستفزازية خصوصا في وادي المشاريع والمدينة الجامعية بدمشق، وفي زيارة قامت بها مجموعة اخرى من النشطاء الى مدينة القامشلي التقت بعض المثقفين الكرد، على قاعدة تسكين ا لتوتر والتشجيع على الاحتكام للموضوعية والعقل.
ولعل من دواعي العدل والانصاف القول ان تطور الحس القومي لأكراد سورية لم يكن يوماً على حساب ولائهم لوطنهم السوري، فاذا استثنينا قلة من الاصوات المغالية في التطرف والتي تروج افكارها عبر الانترنت فان الحركة السياسية الكردية وهي اكثر من عشرة احزاب تفرعت عن جذر واحد هو الحزب الديموقراطي الكردي، تتفق جميعها على شعارات تؤكد على الانتماء السوري وتدعو الى تمتين اواصر الاخوة العربية الكردية والحريات العامة والديموقراطية. لكن ما يشوب سياساتها ويتركها عرضة للأخذ والرد انها دأبت في أحيان كثيرة على تقديم شعاراتها الخاصة المتعلقة برفع الظلم والاضطهاد القومي على حساب المطالب الديموقراطية العامة، مما رسم مسافة واضحة بينها وبين القوى الديموقراطية العربية التي تعتبر المسألة الكردية جزءا لا يتجزأ من القضية الديموقراطية العامة وتجد في انتصار الاخيرة انتصارا للحقوق القومية العربية والكردية على حد سواء.
وزاد في اتساع هذه المسافة موقف غالبية القوى الكردية السورية مما حدث في العراق وغزلها السياسي مع الحركة الكردية العراقية وإحجامها المقصود عن اعلان موقف من طابع الحرب الاميركية وأهدافها، ما دفع بعض المتطرفين العرب الى كيل اتهامات العمالة والتخوين ضد الاكراد، ردت عليها المشاركات النضالية الكردية والعربية وأشكال تنسيق سياسية ومدنية متنوعة لمصلحة العمل الديموقراطي العام مما لعب دوراً مهماً في حصار الشحن القومي وازالة بعض ما يعتمل في النفوس من ضغائن، وفي خلق حوار جدي حول وحدة النضالين العربي والكردي بدأ يأخذ مكانه ببطء وبثقة في صفوف المجتمع السوري.
وهنا يجب الاعتراف بالأثر التاريخي للحراك الكردي في الجوار على مزاج الجمهور الكردي وحراكه في سورية وكلنا يتذكر حركة التطوع الواسعة لأكراد سورية من أجل دعم البيشمركة في شمال العراق قبل توقيع اتفاقية آذار ،1975 وأيضاً كيف أذكى الوجود شبه العلني لحزب العمال الكردستاني في الساحة السورية الروح القومية الكردية مجنداً غالبية الشباب والفتية الاكراد للقتال في جبال كردستان، الامر الذي أكره الاحزاب الكردية السورية كاتجاه عام على توسل تطورات النضال الكردي الخارجي في خطابها السياسي، لا خصوصية الوضع السوري ومعانيه المميزة، مما أفقدها القدرة على انتزاع ثقة الناس واحترامم كما ثقة الجماهير السورية، واذا أضفنا ما شهدته تاريخياً من صراعات داخلية نشطت فيها آليات التفكك والانقسام بأفق الحسابات الذاتية والمصالح الضيقة، يمكن ان نفسر لماذا بدت القوى الكردية السورية في الاحداث الاخيرة في واد والشارع الكردي في واد آخر.
لاشك في أن التطرف يولد التطرف، وبالتالي من الخطر تعميم أفكار شوفينية تطعن بحق الوجود الكردي في سوريا، في محاولة دأبت عليها قوى التعصب القومي العربي، ان خارج السلطة او داخلها، لرسم تاريخ تكون المجتمع السوري على هواها، فألغت دور الكتلة الكردية وادعت بأن ما هو قائم من تشكيل قومي هو نتاج موقت وطارىء صنعه الاستعمار ومصالح القوى المتصارعة في المنطقة.
ان محاولة الاستقواء بقراءة متحزّبة قومياً لتاريخ المجتمع السوري هي محاولة خاطئة، بل تفضي الى إشكالات عميقة لا تحمد عقباها. فأي ضير من الاحتكام الى الراهن والاعتراف بالحقائق القائمة التي تؤكد ان لحمة هذا المجتمع هي خليط من قوميات مختلفة، عرب وكرد وأرمن وشراكس واشور وغيرهم، ساهموا جميعهم في صوغ تاريخه وإيصاله الى ما وصل اليه اليوم.
في المقابل لا نعرف ما ا ذا كان قصد بعض المتطرفين الاكراد من حرق الاعلام السورية ورفع الاعلام الكردية وشعارات أميركا، هو رسالة موجهة للشعب السوري وقوى العمل الديموقراطي، ودعوة صريحة لحرف الصراع نحو أبعاد قومية شوفينية قاتلة وضارة بمصالح كلا الشعبين.
ومن طبيعة الشعارات التي رفعت اعمال الشغب التي مورست بتدمير المباني والمشنآت العامة يمكن القول بصراحة أن ثمة تحللا من أي التزام وطني يمكن ان يدل على وعي طفولي او عدم نضج سياسي في الشارع الكردي عندما يرى في الانفكاك حلا لأزماته ومشكلاته، وكأنه لم يعتبر من الدروس المستخلصة من الهزائم والانكسارات التي شهدها نضاله في ثوراته المعاصرة.
الامر الذي يفترض ان يدفع الى الامام رؤية جديدة، تعتمد اساسا النضال الديموقراطي طريقا آمنا لنيل الحقوق القومية، مما يضع الشعب الكردي وقواه الحية في صلب قوى العمل من اجل بناء مجتمع ديموقراطي في كل بلد يوجد فيه، واعتماد هذا الخيار منهجاً أكيداً وثابتاً لا مجرد عمل تكتيكي ظرفي وموقت.
ان تبني الديموقراطية طريقا رئيسا لحل المسألة القومية الكردية سيعمق بلا شك حال التلاحم النضالي بين كل القوى السياسية والاجتماعية التي يوحدها هدف التغيير الديموقراطي، ويبني أواصر ضرورية من الثقة والاطمئنان بين الشعب الكردي والشعوب التي يقاسمها العيش المشترك مزيلا عند العرب "شعور التوجس والشك" بأن الكرد يخفون وراء نضالاتهم حسابات ومصالح ذاتية ليس الا، وأنهم يترقبون الفرصة المناسبة لتحقيقها دون اعتبار لمصلحة المجتمع الذي يعيشون في كنفه.
كما يزيل في المقابل الاحساس لدى الاكراد بأنهم كانوا جسرا عبرت فوقه احزاب وتنظيمات نحو أهدافها السياسية الخاصة وتناست في ما بعد ما رفعته من شعارات لنصرة حقوقهم القومية، مما يقطع الطريق تاليا على مختلف الاطراف والانظمة في اللعب بالمسألة الكردية.
نظرة الى المستقبل...
يصح القول إن الازمة لم تنتهِ بعد ولا تزال قابلة للاستمرار والتفاقم، وما حدث مرشح ان يتكرر وربما بصورة اكثر حدة واتساعاً تاركا الباب مفتوحا على العديد من الاحتمالات السيئة وبالتالي من الخطر الاستكانة الى لحظة هدوء مزيفة والاستمرار في الترويج لنظرية المؤامرة والاصرار على إدارة الازمة امنياً، خاصة انك تجد ويا للاسف، من لا يزال يتوهم ان التعبئة الوطنية ضد الاخطار المحدقة تعني اطاحة الحريات والديموقراطية، وان تجميد الداخل وحجزه في القمقم الامني واطلاق دور القوة العسكرية يمكن ان يصنعا نصراً، كما من المؤسف ان تسمع اصواتاً لا تزال تفاخر بنجاعة خيار العنف والقمع في مواجهة الاحداث الراهنة مثلما نجح في مواجهات سابقة، دون ان تأخذ في الحسبان خصوصية ما يحصل وانه يتم في ظل متغيرات نوعية عالمية واقليمية لا سابق لها، تنذر بعواقب مأسوية ووخيمة على حاضر البلاد ومستقبلها!
وبغض النظر ان كانت للخارج اصابع في ما حدث ام لا، فان استمرار اسبابه الداخلية يشكل موضوعياً مرتعاً خصباً لدور الخارج وتأثيراته في ظل الظروف العصيبة والضاغطة التي نعيشها، فليس ثمة امكان حقيقي لافشال نيات الخارج ومخططاته من خلال القفز فوق مهمات اولية، هي ملك يدنا، تستدعي معالجة الاسباب الداخلية وازالة المنغصات السلبية في شأن الحريات وحقوق الانسان التي لا تزال تؤخذ علينا وتضعف مجتمعنا وتمكن الخارج منه! ولنفترض جدلا اننا رفضنا أي تغيير او إصلاح ديموقراطي وتصالحنا مع واقع الفساد والاستبداد، أين تقودنا هذه الطريق؟ هل نتقوى في مواجهة الآخر الخارجي ام العكس؟! ولنفترض في المقابل ان الوضع الراهن غير ما هو عليه وان لدينا سلطة عادلة تضمن حرية الانسان وحقوقه وحكم المؤسسات والقانون، وتنصف المواطنين الكرد السوريين فأي فرصة يمكن ان تبقى للاجنبي كي يتدخل في شؤوننا؟!
ان الشروع في الاصلاح الديموقراطي وتحقيق نتائج مهمة على طريق بناء المواطنة وضمان الحريات وتوسيع فرص التعددية وحقوق التعبير لا يسبب اية خسارة على صعيد شروط مواجهة التحديات الخارجية بل على العكس لن تستقيم هذه المواجهة طالما يُقهر الانسان وتُدمر روح المبادرة والمساواة لديه، ويفقد احساسه بأنه يبذل ويضحي من اجل وطن حر كريم لا من اجل دوام حال الفساد والقهر والتمييز. الامر الذي يستدعي ارادة واضحة نحو التغيير تحكمها رؤية بسيطة لمستقبل الحياة السورية تعتبر الوطن، وطن الجميع، مما يخلق دينامية اجتماعية تشجع الناس على بذل الجهد والدفاع عن بلدهم دون ان تكون هذه المهمة مفروضة عليهم بالقوة او بالاذعان، فليس من وسيلة للرد على ما حصل والتصدي لمختلف التحديات الماثلة امامنا الا بالارتقاء بآليات عملنا ديموقراطياً وتغيير المناخات السياسية والقانونية والاطر النفسية التي يرعاها الخوف والاضطهاد، ودون ذلك يصعب رأب الصدع وتجنب الاندفاعات الحادة والمرضية وتخليص الناس من حال الشلل الوطني والسياسي العام.



ساعة الحقيقة الكردية

الشرق الأوسط – 24 آذار2004
عدنان حسين - صحفي عراقي
لا تدور عجلة الزمن إلى الوراء. والعراق لن يعود إلى ما كان عليه في الماضي، لا في عهد صدام حسين ولا في العهود السابقة. في العراق الجديد لن يستطيع احد أن يتراجع ويلغي ما كسبه أكراد العراق أخيرا ـ بعد معاناة شديدة طويلة ونضال مثابر شاق ـ من اعتراف شعبي ورسمي بحقهم في الحكم الذاتي وفي اختيار نوع علاقتهم بالدولة العراقية، وقد اختاروا علاقة الاتحاد الفيدرالي.
هذا، بطبيعة الحال، سيؤثر على أوضاع الأكراد في كل البلدان المجاورة للعراق التي يتوزعون عليها، عدا عن التأثير المؤكد، هو الآخر، للأوضاع الدولية المتغيرة التي أصبحت خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة أكثر تفهما ودعما لحقوق الجماعات. فتركيا، على سبيل المثال، لم تجد مناصاً من الاعتراف تدريجيا بحقوق الأكراد فيها بفعل الضغوط الدولية، ومنها شروط الاتحاد الأوروبي لقبول أنقرة عضوا فيه، فضلا عن الإدراك المتزايد للنخب التركية الحاكمة بفشل سياسات الصهر القومي والقمع وكلفتها الباهظة.
الحكيم والحليم من يعتبر بتجربته وبتجارب غيره، وبالأخص جيرانه. ومن الواضح أن تركيا تظهر الآن اعتبارا بتجربتها وبتجربة جارها الجنوبي، بخلاف نظام صدام حسين الذي لم يرد أن يعتبر حتى بتجربته المهلكة.
لم تترك الحكومات العراقية والتركية والإيرانية المتعاقبة منذ أوائل القرن الماضي أي وسيلة لحمل الأكراد على التخلي عن حقوقهم وتطلعاتهم.. من شراء الذمم والضمائر وإغداق الأموال والامتيازات على الزعماء المحليين إلى استخدام القوة المسلحة على نحو سافر وانتهاج سياسات الأرض المحروقة والترحيل الجماعي. وكان لجوء نظام صدام حسين إلى الأسلحة الكيماوية وحملات الأنفال ذروة ما يمكن أن تفعله أي حكومة ضد أي جماعة.
نظام صدام، وقبله نظام شاه إيران والحكومات التركية المختلفة، أصبحت الآن في ذمة التاريخ.. بل انتهت إلى مزبلة التاريخ، فيما بقي الأكراد امة حية، وسيظلون كذلك إلى ابد الآبدين مثل سائر أمم الأرض.
سورية تواجه الآن ساعة الحقيقة الكردية التي واجهها من قبل العراق وتركيا و إيران. ولكي لا تكون هذه المواجهة مكلفة ومؤلمة لسورية، بعربها و أكرادها، مثلما كانت كارثية للعراق وشبه كارثية لتركيا، وإيران إلى حد ما، يتعين تذكير دمشق بان بغداد وأنقرة وطهران سبقتها في محاولات الهروب بعيدا إلى الأمام من مواجهة المشكلة الكردية بالبحث عن عوامل وذرائع خارجية واتهام قوى وعناصر من وراء الحدود، وباعتماد أساليب القمع، ولم يظهر حتى الآن إن أيا منها كانت على حق، فيما ثبت العكس تماما، وهو أن المشكلة الكردية مشكلة داخلية بكل عواملها وعناصرها، مثلما ثبت أن حل هذه المشكلة لن يكون أبدا بالهروب إلى الأمام.
ليس الأكراد وحدهم وإنما العرب أيضا تحملوا وطأة الكلفة الباهظة لجهود الحكومات العراقية المتعاقبة من اجل حل المشكلة الكردية عسكريا وامنيا. عرب العراق كانوا اكبر ضحايا تلك السياسات. ويهمنا أن تعتبر سورية بالتجربة المريرة لجارها الشرقي وان توفر على نفسها الآلام والويلات والمحن التي كابدها العراقيون دهرا طويلا.. بالإصغاء جيدا إلى دقات ساعة الحقيقة الكردية.
خمر تمور العراق يُسكر الأكراد السوريين
نايف سلوم
الحوار المتمدن
21/3/2004
في شتاء 2002 طلبت مني مجلة "أجراس" الفصلية الكردية أن أكتب لها مقالة بخصوص العلاقة العربية الكردية . وقد كان ذلك بمقالة بعنوان "العلاقة الكردية العربية- تعدد مستويات المقاربة" . وكما بات معروفاً فهذا التاريخ 27 شباط تاريخ المقالة يسبق الحرب الأميركية على العراق بأقل من شهر. وهذه مناسبة أخرى للحديث عن الأحداث السورية الأخيرة.
وقبل أن أقتبس من مقالتي السالفة الذكر سوف أقتبس من افتتاحية أجراس [نواقيس] عبارات تحْدسُ بالمستقبل القريب وتحذر العرب والأكراد كشعوب بـ ألاّ يقعوا في المصيدة الأميركية الإمبريالية وأن يكون الحوار رايتهم الاستراتيجية لألّا يُحرق شعب في مواجهة الآخر وعلى مذبح المصالح القذرة للإمبريالية الأميركية . تقول افتتاحية أجراس: "الحوار مظهر حضاري... ومن هذا المبدأ المتسامي سيكون لزاماً على المتحاورين البريئين وضع زهور بيضاء على ياقات قمصانهم، وينسون لعبة العصي التي لا تُطربُ سوى بسيول الدماء الجارية بين أصابعنا ، وعلى ظلال رموشنا" [ أجراس ص3 ] وقد يظن القارئ أننا نبالغ في الإنشاء، ولكن ليت ذلك كان مجرد إنشاء ذهني. لقد حولت الشروط الجديدة الإنشاء إلى دم وحماقات وعدا وات بين العرب والكرد السوريين . لقد أفقدت الهدية الأميركية المسمومة والمقدمة لأكراد العراق أفقدت أكراد سوريا خاصة في الشمال والشرق السوري عقولهم . ووضعتهم في شقاق مع الشعب العربي السوري . وحتى لا نتسرع بالحكم على هذا الرأي سوف أعود لأقتبس من مقالتي المؤرخة في 27 شباط 2002 والمنشورة في أجراس نظراً لراهنية القول الذي ورد فيها:
"تحت عنوان : العلاقة العربية الكردية- تعدد مستويات المقاربة " جاء الحديث عن المستوى الثالث بالقول : "المستوى الثالث هو المستوى الإقليمي، وعلاقة الأقليات الكردية وحكوماتها الذاتية في العراق خاصة بمشروع العولمة الأمني الأميركي . حيث بات معروفاً حاجة الولايات المتحدة الأميركية . في ترتيباتها الجديدة للوضع العالمي إلى أقليات دينية أو إثنية أو قومية لتلعب دور المرشد والشريك الأصغر في الدخول إلى بلد من بلدان العالم المتخلف. مثال ذلك مسلمي كوسوفو، والألبان منهم ، ومسيحيي تيمور الشرقية، ، وطاجيك وأُزبك الشمال الأفغاني الخ.. والولايات المتحدة الأميركية بحاجة إلى أقلية في سعيها لـ "فتح" العراق. وهنا يتوجب التعاطي مع المسألة الكردية في العراق على سبيل المثال من زاوية شكل تعاطي "حكم" بارزاني وطالباني مع هذا التعاطي الأميركي الخطر على الشعوب العربية والكردية معاً. مع ملاحظة خطره على المسألتين القوميتين العربية والكردية ، ونشير هنا إلى أن المسألة الكردية في لحظتيها التركية والعراقية غير متناغمتين دوماً. وهي تحتمل التناقض والتعقيد ، تعقيد مشروع النهوض القومي العربي الديمقراطي ومسألة الدولة القطرية. وعلاقة المسألتين بالعو لمة الأمنية الإمبريالية كعلاقة صراع أو تعاون وارتباط سياسي.. أما موقفنا كديمقراطيين ماركسيين فيعني أول ما يعني العمل على طرح مسألة العلاقة العربية الكردية من ناحيتين:
الأولى تكريس التعاون الديمقراطي بين الشعبين على أساس العداء للمشروع الصهيوني ، والعداء لمشروع العولمة الأمنية الإمبريالي . بالتالي تكريس حق الأقليات القومية كمؤشر على صحة مشروع النهوض القومي العربي الديمقراطي . والثاني تكريس حق المواطنة للأقليات على المستوى القطري بما يخص الأقلية القومية الكردية والتأكيد على حقوقها الثقافية . كما يتوجب علينا التنبيه إلى خطر الاستغلال الأميركي فيما لو حصل للمسألة الكردية العراقية كمرشد وشريك أصغر لغزو العراق وحصار المنطقة بالكامل . كما ننبه إلى خطر أي تعاون كردي عراقي إسرائيلي على مستقبل علاقة الشعوب الكردية بالشعوب العربية، وخطر ذلك على المسألتين العربية والكردية .. أخيراً أقول إن التعصب القومي آفة خطرها بحجم خطر العدمية القومية وبحجم خطر تكريس العولمة الأمنية الأميركية " [أجراس ص 35]
وبعد أن تم غزو العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة وحلفائها وبعد أن أفقدت "امتيازات" أكراد العراق العقلاء من أكراد سوريا صوابهم . نقول كلمة: التحرك الذي يحمل ملمح الانفصال لأكراد سوريا يحرمهم من تعاطف الشارع السوري اللامسيس ويحرمهم من تعاطف المعارضة السورية بكل ألوانها وأطيافها لأن المطلب الكردي معناه تهديد البيت السوري بالكامل بالتشظي . أما المطلب الكردي السوري بالمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات فهذا مطلب حق . لكن الذي حدث أن الاندفاع الكردي المخمور ب"النصر" الكردي العراقي أضاع هذه الفرصة للتعاطف السوري العام . لكن وبالرغم من الالتباس الذي أحدثه التحرك الكردي السوري الأخير تبقى هناك إمكانية لرأب الصدع عبر معالجة منصفة ومحقة لأكراد سوريا المحرومين من حقوق المواطنة ومن الحق الثقافي في ممارسة شعائرهم ولغتهم تحت خيمة الوطن الواحد
----------------------------------------------------
لماذا كل هذا الاجتهاد في صبّ الزيت على النار ؟
نظرة إلى تغطية قناة الجزيرة للأحداث المأساوية في القامشلي

ميشيل الشركسي
سياسي سوري
في تغطيتها للأحداث المأساوية التي جرت في القامشلي بسورية وامتدت الى مناطق أخرى وراح ضحيتها عشرات من القتلى الأكراد والمئات من الجرحى بالاضافة الى الآلاف من المعتقلين، كانت قناة الجزيرة صامتة في البداية صمت القبور وكأن هكذا أحداث هي خارج نطاق اختصاصها ، وبعد صمتها المشكوك فيه ذاك طلعت علينا بأحد الموتورين من الأكراد وهو رئيس ما يسمى بالمؤتمر الوطني الكردستاني ، لكي ينطق كفراْ وكلاماْ غير مسؤول عن كردستان الغربية المحتلة في سوريا وأنه على المحتلين أن يخرجوا من بلادنا .
لايخفى أن تصريحات كهذه في هذا الوقت العصيبب بالذات أقل ما يقال عنها أنها متطرفة ومجافية للصواب ولاتخدم سوى صب الزيت على نار الفتنة التي حدثت على واقع عشرات السنين من القهر والظلم والشوفينية التي مورست على المواطنين الأكراد في سورية . وهذه التصريحات تبرر للسلطة الديكتاتورية ماتكيله من اتهامات بأن أصابع خارجية متآمرة هي وراء ما حدث وهو ما يلحق الضرر بالنضال من أجل سورية ديمقراطية حرّة من كل أنواع العسف والظلم ، فيها كل المواطنون متساوون.
وعند الخوض والتأكيد على مسألة اللحمة الوطنية ، فنحن لاننطلق من مفهوم حزب البعث والأحزاب المنضوية في جبهته - المناضلة - وبعض الأحزاب المعارضة خارجها ، بل من منطلق التأكيد على وجود قضية كردية في سورية. وان نظرية المؤامرة والانفصال التي ترددها دوائر النظام في سورية لايمكن الاّ أن تزيد المشكلة تفاقماْ بدلاْ من أن تحاول أن تصلح وترد المظالم الى أهلها .
----------------------------------------------------
مشكلة الأكراد
الخاسر الوحيد هو الوطن
18-4-2004 د.عبدالرزاق عيد
إن ما حدث في الجزيرة السورية يؤشر إلى بداية التشقق في بنية العمارة السلطوية الشمولية التي بنت جمهورية -الخوف والصمت- في سورية، أي بداية تشقق خطاب -قوموي- بلاغي شعاري، يقوم على التوحيد اللفظي للوطن، إنطلاقا من وعي سحري يرى الحقيقة قائمة في الاسم وليس في الجسم، في الكلمات وليس في الوقائع، فحسبنا أن نتغنى بالوحدة الوطنية لكي تستدعى هذه الوحدة كواقع متحقق، بغض النظر عن كل الاحتقانات الاثنية والخراجات الطائفية التي تتعاور جسد الوطن.
المهم ان لا نذكرها ، أن لا نتلفظ باسمها، فالذكر ، الاسم هو الذي يستدعيها ، تماما كما نتعوذ بالله من ذكر الشيطان أو الجن أو الحديث عن -ذلك المرض- أي -السرطان- الذي ينخر العظام، والخلايا ...
فسرطان الفئوية الطائفية والاثنية الذي يعشش في الدماغ الثقافي والوعي الاجتماعي السوري، علينا أن لا نذكره لكي لا يحضر، ففي ذكره يكمن حضوره، فالخطورة –إذن- لا تكمن في واقعه، بتموضعه، بتمفصله في كل الجسم الوطني، بل بالتفوه بـ"ملفوظه" عندها ستنطلق التهم والإدانات والتنديد بالطائفية، وتنبثق كل الأرواح الشريرة الساكنة تحت السطح.
الفئوي يحقق على الارض منجزاته ومكاسبه وامتيازاته، واستحواذه -النضالي- النهم الذي لا يشبع والذي ليس له قرار على كل ماتطاله يداه باسم الوطن والعروبة والحرية والاشتراكية، لكنك ستكون أنت العلماني التنويري العقلاني الديموقراطي طائفيا حتى ولو كان لك عشرات المؤلفات الداعية إلى كل المعاني السالفة ، لأنك تفوهت بذكر شيطان المحظور!
يموت مريض السرطان في بلادنا، بلاد التعوذ بسحر الكلمات، دون أن يجرؤ –يوما- هو ومن حوله من التلفظ بذكر السرطان،حتى بعد موت المريض،يقولون:ماتـ-بذاك المرض-...
كان يكفي الأكراد في سورية أن نشبع حاجتهم لتحقيق الذات الثقافية والوطنية والقومية، أن نقدم لهم من كرمنا العربي كميات فخمة من المفردات البيانية والصفات البلاغية، فنمنحهم وسام شرف الانتماء للعروبة ليثملوا منتشين معنا بالرسالة الخالدة، دون ان ننظر بجدية لفتح ملف أرضي يعالج سرطان الوذمات ماقبل الوطنية –اثنية وطائفية- التي تخترق كيان الوطن والمجتمع، لننظر في شأن - 100 أو 200 أو 300 ألف- كردي بلا جنسية، لافرق من حيث الرقم لأن الله وحده هو الأعلم بالأعداد لأنه في بلادنا لا يعرف حقيقة العدد والرقم إلا خالق الأعداد والأرقام. يكفيهم ان نمنحهم شرف العروبة انتماء للبهاء اللغوي، ونحرمهم على الارض من الحقوق الأولى للمواطنة، وهي امتلاك الجنسية.هم يريدون المواطنة، ولهم عشرات السنين، وهم لا يتركون بابا إلا ويطرقونه من أجل مشكلة -البدون-، يرفعون العرائض، ويجرون الاتصالات مع الاحزاب والمثقفين، وصولا إلى القيادة القطرية، ورئاسة الجمهورية، وهم لا يحصلون في المآل إلا على شرف منحهم وساما فخما من أوسمة الاستحقاق السحري اللغوي البلاغي، وهو وسام الانتماء إلى العروبة ، في حين أن مطالبهم أكثر تطامنا من هذا البذخ البلاغي إذ لا يبتغون أكثر من وثيقة الجنسية السورية موفرين علينا -عروبتنا - راضين بكرديتهم، فالمطلوب ليس أكثر من مجرد وثيقة ورقية مثلهم مثل مواطنيهم العرب – -الغلابة-- الذين لا يملكون من جنسيتهم ومواطنيتهم سوى الأوراق! وأن يكون لهم مدارس خاصة يتعلمون بها لغتهم ويتعرفون على ثقافتهم أسوة بمواطنيهم السريان والأرمن ، ... الخ.ما عدا ذلك فنحن لا نسمع من أطياف الحركة الكردية في سورية أكثر من هذه المطالب ، هذا إذا ضربنا صفحا عن الأصوات الموتورة التي تأتينا من الخارج عبر مواقع الانترنيت أو عبر بعض الفضائيات ، فكل الأحزاب الكردية في سورية تجمع على هذه المطالب التي لا تتجاوز حقوق المواطنة السورية.كان الأكراد يلجؤون إلى أشقائهم المثقفين العرب -كتابا ومفكرين وفنانين - ليضموا صوتهم معهم في سبيل مطالبهم العادلة، لكن المثقف العربي المبهظ بإفلاس مشروعه القومي والمثخن الوجدان بجراحات الهزيمة، كان في طور مراجعة منظومته الفكرية القومية التي قادته إلى كل هذا الحطام، هذا المثقف العربي المطعون بشرفه القومي لم يكن في وضع ثقافي وعقلي- بعد أن يئس من طغاته قادة احلامه القومية- ليصغي ويتفاعل مع الهموم القومية للآخر حتى ولو كان الشقيق الكردي في الوطن الواحد، فالوعي المثقل بالهزيمة أصبح مهجوسا بهم نهضوي تنويري حداثي يتجاوز الخطاب القومي التقليدوي -عربيا كان أم كرديا- ، ففي حين راح ينكفيء الوعي القومي العربي باتجاه الكشف عن "رذائله القومية" على حد تعبير النهضوي المنسي عمر فاخوري وهو يتمثل مواقف استاذه أناطول فرانس داعية الكشف عن الرذائل القومية ، كان الأكراد –على العكس- يستعيدون صبوات أشواقهم الحارة إلى امتلاك الأنا ايديولوجيا، ظانين أن العرب قد أنجزوا المرحلة التي يصبو الأكراد إليها، دون ان يتملوا عمق مأساة هذه الأمة -الفيل- المطاردة من قبل -الفأر- الاسرائيلي !لكن مع ذلك فإن الأكراد شانهم شأن العرب في بروز ذلك الميل منذ عقدين إلى الانتقال من المطلق إلى النسبي، أي من الطوبى القومي إلى الممكن الوطني، دون التخلي بالضرورة عن القومية كحلم مشروع.هذه الفيقوقة للوطنية السورية الجديدة هي التي تفسر اضمحلال الخطاب الشعبوي -القوموي العروبي- في مصفوفة خطابات الحركة الديموقراطية المعارضة في سورية، التي– أي سورية - كانت تحضر بالوجدان والوعي السوري بوصفها كيانا اقليميا مؤقتا عابرا باتجاه دولة الوحدة العربية، دولة الوطن /الأمة العربية !هذه الأدلوجة الطوباوية المشدودة النظر إلى مستقبل حلمي، كان يمارس تحت غلافها الطيفي أشد انواع الخراب الإداري والقانوني والحقوقي والتشريعي والتعليمي والفني والأخلاقي على المستوى الوطني، فتطامنت الأحلام القومية الكبرى، إلى مستوى إنقاذ الأوطان من التفتت الداخلي الذي يهيئه الطغيان الداخلي للاستعمار الخارجي .كان الأكراد ، وتحت ضغط ظروف ممائلة ومتشابهة قي سورية على الأقل، يميلون باتجاه التجذر الوطني السوري، عبر الاستقلال عن المرجعيات الكردية الخارجية ، خاصة البرزانية.
والتأكيد على هوية المواطنة السورية بوصفها انتماءا سوريا نهائيا، وعلى هذا وجدت أن مستقبل مواطنيتها هذه رهن بمستقبل الحركة الوطنية الديموقراطية السورية كمشروع استراتيجي ، لا يقبل المساومات المؤسسة على استراتيجية فئوية وطائفية تستقوي بتحالفات أقلوية على مجتمعها ووطنها ، بعد أن أظهرت الأحداث الأخيرة أن هكذا تحالفات –عبر وطنية- لايمكن إلا ان تكون هشة وفخارية ومؤقتة ، لأن ما يتأسس على مابعد الوطن ، لا يمكن إلا وأن تأتي نتائجه على حساب الوطن بغض النظر عن النوايا !فالوعي الوطني المدني الديموقراطي الكردي راح يتلمس خياراته الوطنية الاستراتيجية عبر الاندماج المواطنوي، لا التحالفات الأقلوية، التي أرادتها بعض النخب الفئوية المتسلطة مع بعض النخب الكردية التقليدية، ليبدو الاكراد- ولفترة طويلة- وكأنهم حلفاء لبعض المتنفذين من طغم الفساد في عيون عرب "الجزيرة السورية" الذين كانت تلاحقهم لعنة التعاطف والإتهام بالولاء لصدام حسين ... هذا النزوع للاندماج المواطنوي عبر الانخراط في الحركة الديموقراطية ، كان يعبر عنه بالصوت الكردي القائل: إن مصير اعتقال عارف دليلة ومجموع ناشطي ربيع دمشق أهم بالنسبة لنا كمواطنين سوريين أكراد من مصير اعتقال أوجلان ذاته.ولذلك فقد وجدت نخب التسلط الفئوي والفساد في هذا التوجه الاندماجي تعزيز لقوة الحركة الوطنية والديموقراطية السورية، وقد تمثلت في فعاليات ونشاطات مشتركة أكثر ما عبرعنها حالة التضامن مع الناشطين الـ14، حيث كان الحضور الكردي لافتا أمام المحكمة العسكرية في حلب.ومن هنا فإن الرد الأحمق والطائش من قبل محافظ الحسكة بإطلاق الرصاص على مواطنيه تعبير مضمر انتقامي ضد الحركة الديموقراطية السورية ذاتها بعربها وأكرادها، وما استمرارية الاعتقالات والتنكيل إلا تأكيد على رغبة السلطة باستغلال هذا الحدث حتى الحدود القصوى بإعادة البلاد إلى مملكة الخوف والصمت، من خلال إظهار القبضة الحديدية لإخراس الجميع، تماما كما تم استغلال أحداث سنة الثمانين لهزيمة السياسة من المجتمع والمجتمع من السياسة باسم هزيمة الاسلاميين !لقد قال أحد المتهوسين الأمنيين الاشاوس لأحد المثقفين وهو يحقق معه ، يهدده ويتوعده، بأن أيام العز قادمة وسنريكم!ونتمنى أن لا يخطئ هؤلاء الحساب فيظنون ان أيام العز قد أتت، لأنها –ببساطة- لن تأتي يوما في المستقبل قط ، فأيام العز التي قد وجدت فردوسها المفقود في سرادق كواليس الحرب الباردة والتعيش على متناقضاتها انتهت إلى غير رجعة ، ومسار العالم باتجاه احترام الحريات وحقوق الانسان لن يقرره نجاح بوش أو سقوطه المراهن عليه –عربيا- لكسب الوقت، إذ أن روح العصر لم يعد يتقبل صفقات مع وكلاء دكتاتوريين لايفهمون معنى للسيادة الوطنية سوى معنى اطلاق أيديهم برقاب شعوبهم وثروات بلادهم ، فحتى الوكلاء الذين يشترون كرسي حكمهم من النظام العالمي الجديد كالقذافي ، لن يتاح لهم ان يستعيدوا أيام العز، بل سيكونون دكتاتوريين صغار صاغرين بلا مخالب ولا أنياب بما فيها على شعوبهم ...نقول: تحاول بعض الاطراف المتنفذة أن تدفع بموضوعة قمع الأكراد حتى نهاياتها رغبة في استعادة أيام العز، أيام ممالك الصمت لإخراس الجميع، وقد تكون قد نجحت في إشاعة هذه المناخات، وقد تكون نجحت في تأليب بعض الأوساط الشعبية العربية نحو مواطنيهم الأكراد، محولة شعورها بالإحباط والسلبية تجاه الجبروت العسكري الأمريكي، إلى شعور تعويضي يستبدل استشعار العجز والهزيمة ، باستشعار القوة والغطرسة نحو أبناء بلدهم الأكراد الطيبين، لتتحول النقمة من الآخر-الخارجي- المتغطرس إلى الجزء الضعيف من -الأنا الوطني- لتحميلها كل الشرور التي أدت إلى واقع الهزيمة الذي يصنعه النظام العربي القائم بكل جدارة، فالأوطان التي تعيش تحت نير الإستبداد تفقد معنى وطنيتها – لأن لا وطن حيث لا قانون- فلا يبقى من معنى الوطنية سوى معنى احتقار الأمم الأخرى حسب توصيف سان جوست ...إذا صح ان نعتبر انتصار سلطة –أية سلطة - على شعبها انتصارا، لكنه لا يمكن أن يكون هذا الانتصار - وبكل المقاييس- سوى هزيمة للوطن، لأنه ولأول مرة في سورية بدأت ترتسم ظلالات شروخ وانكسارات واحتمالات انفجارات فئوية أخرى، كانت كلها تمور تحت السطح.إن هذه الجيوب الإلتهابية والعقد السرطانية -الفئوية: الإثنية والطائفية- التي تنتشر في خلايا الجسد الوطني، هي التي تؤهل الداخل بوصفه مريضا يعسر علاجه إلا في المشافي -الاجنبية- لإختراق الخارج ، لأن الخارج لا يخترق الداخل إلا عندما يكون الداخل مخترقا بالأصل ، هكذا تمكن الامريكان من اختراق شرف وكرامة بغداد المخترقة سلفا بالطغيان... .إن مساعدتنا للأخوة الأكراد الوطنيين الديموقراطيين العقلانيين المعتدلين في ضبط الإندفاعات الغريزية لقطاعات واسعة في أوساط شعبنا الكردي السوري، تكمن في رفع أصواتنا المتضامنة مع حقوقهم الثقافية والمواطنوية المشروعة، والتنديد بكل أشكال العنف وأساليب القمع التي يمارسها السفهاء منا ، متوجهين بتعازينا القلبية إلى أسر كل الذين سقطوا ضحايا العنف، مطالبين بمحاسبة كل أولئك الذين ساهموا في إشعال هذه الفتنة من كل الأطرف وأولهم اولئك الذين استهانوا بدماء ابناء وطنهم ، لكن ان تتم المحاسبة للجميع ليس بأساليب الترويع البائدة عبرالمداهمات والإعتقالات ، بل بأساليب مدنية حقوقية قضائية تحترم حقوق الإنسان وكرامة المواطن .

الأكراد والمعارضة السورية
محمد سيد رصاص الحياة 1/4/2004

عندما كان الطالباني - البارزاني في شمال العراق, وأوجلان وحزبه الكردي التركي, حلفاء للسلطة السورية, كانت الاحزاب الكردية السورية -وهي تتوزع ولاءاتها بين البارزاني والطالباني ثم بعد 1985 بينهما وبين أوجلان- في صف بعيد من المعارضة السورية, متوزعة بين مجلس الشعب ومجالس الادارة المحلية, فيما كان الأكراد الداخلون في احزاب غير كردية بعيدين عن المعارضة لمصلحة احزاب موجودة في "الجبهة" الموالية للسلطة, مثل حزب خالد بكداش الذي وقف مع الأكراد المنضوون في الحزب الشيوعي السوري -حوالى 25 في المئة من عضوبة الحزب آنذاك- اثناء انشقاق 1972.
وبعدما سقطت ورقة اكراد تركيا من يد السلطة السورية في خريف 1998, وبدأت الولايات المتحدة استعداداتها لغزو العراق, تغيرت الامور عند الاحزاب الكردية السورية فغلب عليها الاتجاه الى معارضة السلطة منذ ذاك, وسجل ارتفاع في وتيرة مطالباتها السياسية الخاصة ومحاولتها الاقتراب واللقاء والتنسيق مع احزاب المعارضة السورية في البرنامج والمطالب والتحركات والاعتصامات. ولا يمكن عزل ذلك عن أربيل والسليمانية, او عن الوضع الذي اصبح فيه البارزاني والطالباني لاعبين اساسيين عند واشنطن بعدما كانا لاعبين بيد طهران وأنقرة ودمشق.
في السابق كان يغلب الطابع اليساري على أكراد سورية, ولم يكن ذلك مقتصراً على الشيوعيين منهم بل كان يشمل احزابهم الكردية الطابع. إلا أن الملاحظ على هذه الاحزاب, منذ النصف الثاني من السبعينات عندما بدأ المد اليساري بالتراجع, ميلها الى تأكيد طابعها القومي على حساب ذلك "اليساري" الامر الذي ترافق مع ميلان الكفة لمصلحة الاحزاب الكردية القومية على حساب الشيوعيين في المدن والبلدات والأحياء ذات التجمعات الكردية, وهو ما تعزز مع سقوط الاتحاد السوفياتي واتجاه البارزاني والطالباني الى اعتماد التحالف مع "القطب الواحد".
وكما كانت الماركسية والاشتراكية رائجتين في الوسط الكردي السوري حلت بدلاً منهما, الآن, مقولة "الحقوق الثقافية" مع محاولة ربطها بـ"الديموقراطية", واستبدلت شعبية السوفيات السابقة بأخرى تخص الولايات المتحدة لتظهر أبعاد ذلك في رفع العلم الاميركي في اضطرابات القامشلي الاخيرة من جانب الاكراد وفي تظاهرة الاكراد السوريين امام السفارة الاميركية في العاصمة السويسرية, تماماً مثلما كان واقع الحال اثناء استقبالات جاي غارنر في أربيل والسليمانية المختلفة عما حصل في بغداد والبصرة.
لا يمكن عزل كل ما سبق عن عملية التحول التي اصابت الاحزاب الكردية السورية, باتجاه "اصطفافها" في المعارضة: اذا قارنا الاحزاب الكردية مع احزاب وأطر وهيئات المعارضة السورية والتي لم تستطع ان تتجاوز, في فترة ما بعد 10 حزيران -يونيو- 2000, كونها بقايا احزاب و"نخب مثقفة" لا تجد تواصلاً مع مجتمع ما زال صامتاً عن السياسة, فإننا نجد الاولى ذات جذور اجتماعية قوية في الوسط الكردي السوري, ويسودها العنصر الشاب والطالبي في صفوفها -في وضع شبيه بوضع المعارضة السورية في السبعينات بشقيها الاسلامي واليساري-, كما انها تملك عنصري المال والاتصالات الخارجية, اضافة الى البراعة في اتقان العملية الاعلامية, وكلها عناصر مفتقدة عند المعارضة السورية القائمة.
ومن جانب آخر فإننا نجد, حتى عند العناصر الشابة في الاحزاب الكردية, نسبة عالية من التثقف والمتابعة السياسية, مع تعبئة ايديولوجية عالية, مرفوقة بأسطرات تاريخية, تربط الحثيين والميديين ومملكة ماري بالأكراد, من اجل التسويغ الميثولوجي للدعاوى السياسية الراهنة, من دون ان تهز اقتناعهم بها مسألة السند العلمي التاريخي او غيره.
ويترافق ذلك مع جرعة براغماتية عالية في فهمهم للسياسة, وتجعلهم تدرجيين وعمليين, مع باطنية في السياسة, ليجتمع ذلك عندهم مع اخفاء ما هو اعلى الذي لا يظهر إلا في زلات اللسان او في مصادمات كلامية غاضبة -نزع كلمة العربية من اسم الجمهورية العربية السورية " خرائط جديدة... الخ-, لمصلحة تثبيت مفاهيم جديدة يريدون انزياح المعارضة السورية نحوها -الاعتراف بوجود "مسألة كردية" في سورية على غرار العراق و"الحقوق الثقافية" للأكراد " مسألة "مكتومي الجنسية"... الخ-, وهو ما نجحوا فيه في السنوات الاخيرة مع معارضة سورية تنظر الى السياسة من منظار حقوقي او من خلال نظرة ثقافية وليس من خلال ربط المصالح مع المبادئ والسياسات, الشيء الذي يترافق مع عدم قدرة المعارضة السورية على الارتفاع الى علو لا تحصر فيه سياسة المعارضة بزاوية الضدية للسلطة لتكون بمستوى التفكير كرجال دولة ووطن.
ساهمت احداث القامشلي - الحسكة في نزع القناع عن هذه التدرجية والباطنية عند الاحزاب الكردية السورية, والتي كانت اياديها واضحة في تنسيق تلك الاحداث وتنظيمها, اذ كان واضحاً وصولها الى مربعات اعلى من "الحقوق الثقافية" و"المكتومين" لتقفز الى خطوط حمر, متمثلة في انزال -العلم الوطني- واستبداله بآخر "كردي" وحرق المؤسسات العامة واللجوء الى السفارة الاميركية في سويسرا طالبين الحماية للأكراد السوريين, هذا اذا لم نتحدث عن حديث بعضهم عن الخط الممتد بين القامشلي وعفرين بوصفه "كردستان الغربية".
من غير المرجح ان تقبل المعارضة السورية بأن تُستخدم, كما فعل الملا البرزاني -وصولاً الى ابنه مسعود وجلال طالباني- مع المعارضة العراقية, لما نقلوا الأخيرة من "الحقوق المشروعة للأكراد" الى "الحكم الذاتي" انتهاء "بالفيديرالية", فيما لم يستطع ذلك اوجلان مع الاحزاب التركية, او عبدالرحمن قاسملو وخلفائه مع المعارضين الايرانيين. ثم: هل يقبل من يطرح "الحقوق الثقافية" للأكراد السوريين بأن تكون سورية وطناً نهائياً لأكراد سورية مقابلاً لذلك, ويعترف بالأرض الساكن عليها ارضاً عربية يحق للجميع التوطن والعمل فيها, بدلاً من التحدث عن "الحزام العربي" و"أهل الغمر" -من سكن في محافظة الحسكة بعد ان غمرت اراضيه إثر قيام سد الفرات-, وكأن العرب الموجودين في محافظة الحسكة والآتين اليها مثل مستوطني الضفة الغربية؟ وأخيراً هل يمكن حل موضوع "مكتومي الجنسية" الذين نزعت جنسيتهم من حكومة الانفصال في الحسكة, من دون تحقيق ما سبق, ومن دون البحث في مسألة من استوطن في الحسكة من اكراد تركيا والعراق؟
يمكن بناء وطن يتساوى فيه الجميع, تحت ظل الديموقراطية, في الحقوق والواجبات, لا فرق بين عربي وكردي, ومسلم ومسيحي, إلا أن الطريق الى ذلك يتم في ظل البيت المشترك وضمنه حصراً, من دون مد اليد الى الخارج عبر النوافذ, او فتح الابواب والكوات له للولوج الى الداخل.
كاتب سوري
----------------------------------------------------

الأكراد ومنطق الرصاص - رد على مقال محمد سيد رصاص
بدرخان علي
14/4/2004
كاتب و ناشط سياسي كردي من سوريا
اطلعت مؤخراً على مقال نشره الكاتب والسياسي السوري المعارض " محمد سيد رصاص" في جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 1/4/2004 بعنوان -الأكراد والمعارضة السورية-، يتعرض فيها للعلاقة بين الأحزاب الكردية والمعارضة السورية وأحداث القامشلي الأخيرة، بمنطق سطحي وتشكيكي للغاية.فهو في بداية مقاله يتحدث عن "تحالف" الطالباني –البارزاني –أوجلان مع السلطة السورية دون أن يقدم إشارة واحدة عن الظروف الإقليمية وحاجات النظام السوري نفسه،التي أنتجت ما يسميه " تحالفاً " بين النظام السوري والأحزاب الكردية العراقية على خلفية الصراع بين البعث السوري والعراقي حول قضايا لا علاقة لها بالموقف من الأكراد وحقوقهم القومية المشروعة، اللهم اتفاقهم الضمني على أن قمع الأكراد في كل بلد منهما -سوريا والعراق- هو من واجب و اختصاص النظام المعني المحكوم في كلتا الحالتين بإيديولوجيا قوماوية عنصرية إلغائية للآخر القومي!!. أما عن تحالف النظام السوري و حزب العمال الكردستاني الذي تزعمه أوجلان فكان وراءه غايات لم تعد خافية على أحد منها استغلال الورقة الكردية لابتزاز تركيا بسبب الخلاف المستديم حول قضايا إقليمية ونزاعات حدودية كمشكلة المياه ولواء اسكندرونة ورأينا جميعاً كيف تخلت سوريا عن أوجلان ليلقى مصيره المعروف ولتقوم سوريا بعدها بملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني وتسليمهم إلى تركيا وفاءً لإتفاقية أضنة الشهيرة بين تركيا وسوريا.
في هاتين الحالتين، لم يشعر النظام السوري بأن تناقض سياسي وأخلاقي بين التحالف مع القوى الكردية خارج سوريا والقمع المتواصل للأكراد في سوريا. لا بل أن هناك دافعاً آخر قد يبدو خافياً للبعض وراء هذا التحالف هو تحويل أنظار أكراد سوريا خارج ساحة نضالهم الحقيقية وهي دمشق وحلب وبقية المدن السورية، وقد نجح النظام السوري في ذلك إلى حد بعيد خصوصاً في حالة حزب العمال الكردستاني....
كل ما سبق يغيب عن مقال السيد رصاص الذي يريد تثبيت فكرته التي تقول بـ:موالاة الأكراد للسلطة السورية كما يفهم من مقاله. وهذا تجن فاضح على أحزابنا الكردية التي لم تكن قط وفي يوم من الأيام" متوزعة بين مجلس الشعب ومجالس الإدارة المحلية" كما يزعم السيد رصاص. فقد كانت تلك الأحزاب محاصرة و مستهدفة على الدوام عبر هجمات قمعية مستمرة ،ولم تخلُ السجون السورية من المعتقلين الأكراد يوماً ما منذ قيام الوحدة السورية –المصرية وحتى يومنا هذا باختلاف السلطات و الحكومات. لست هنا بصدد الاستفاضة في شرح واقع القمع الذي يتعرض له الكرد – كشعب وحركة سياسية- في سوريا. فقط سنورد العناوين الرئيسية لهذا الاضطهاد القومي الذي يضاف للقمع السياسي الذي يتعرض له مجموع الشعب السوري: حرمان الشعب الكردي في سوريا من ممارسة حقوقه الثقافية الخاصة كنشر وتعلم لغته الأم وإحياء فلكلوره وتراثه – عدم الاعتراف بدوره في بناء الدولة السورية وحمايتها بدءاً من الاستقلال وحتى يومنا هذا – الشطب على وجوده التاريخي في سوريا – تجريد وبقاء أكثر من ربع مليون إنسان كردي محروم من الجنسية السورية وما ينجم عن ذلك من مظالم يومية – نزع ملكية الأراضي عن أصحابها الحقيقيين وتوزيعها على فلاحين استقدموا من محافظة حلب والرقة بحجة غمر مياه الفرات لأراضيهم وحرمان أصحاب الأراضي الحقيقيين بدون مصدر رزق....
وباعتبار الحركة السياسية الكردية ممثلة لهذا الشعب المضطهد ومطالبه الإنسانية العادلة فكيف لها أن تتحالف مع السلطة السورية بفرض أن تلك الأحزاب ترغب بذلك؟
أما عن التقارب والتفاهم الذي حصل في السنوات الثلاث الأخيرة بين المعارضة السورية المتمثلة برموز ونخب سياسية وثقافية هنا وهناك تفتقد إلى حامل اجتماعي" وهذا مفهوم بالنسبة لنا ولنا نعيب المعارضة في ذلك" مرده إلى الحراك السوري العام الذي نشأ في أعقاب "ربيع دمشق" وحركة المثقفين والمنتديات و الحوارات التي تناولت قضايا المجتمع السوري ومن بينها قضية الأكراد، وليس إلى نوايا خبيثة لدى الأحزاب الكردية لتستخدم المعارضة السورية لأغراضها الخاصة كما يزعم السيد رصاص، ونرفض بنفس الوقت أن نستخدم كحصان طروادة لمن يطالبنا بالسكوت عن همومنا ومطالبنا القومية الخاصة لصالح قضية الديمقراطية وحسب وحصراً بالشكل الذي يطرحه البعض " كلنا سوريون كلنا عرب" أو "كلنا سوريون كلنا مسلمون" أو طروحات من هذا القبيل.
يقول السيد رصاص :--بعدما سقطت ورقة أكراد تركيا من يد السلطة السورية في خريف 1998، وبدأت الولايات المتحدة استعداداتها لغزو العراق، تغيرت الأمور عند الأحزاب الكردية السورية فغلب عليها الاتجاه إلى معارضة السلطة منذ ذاك ، وسجل ارتفاع في وتيرة مطالباتها السياسية الخاصة ومحاولتها الاقتراب واللقاء والتنسيق مع أحزاب المعارضة السورية....--. نعتقد أن السيد رصاص يعلم جيداً بأن الساحة الوحيدة للعمل السياسي والحوار الوطني كانت، طوال عقدين على الأقل، محصورة في السجون والمعتقلات السورية فحسب التي كانت تعج بالمئات من المثقفين و النشطاء والسياسيين ، وحتى في هذه الحالة لم يكن الكرد- المنخرطين في الأحزاب الكردية أو أحزاب شيوعية كحزب العمل الشيوعي مثلاُ..- ببعيدين عن ذاك "الحراك" الذي انتقل إلى خارج السجون في السنوات القليلة المنصرمة.
ندرك تماماً الوضع الهش والاستثنائي لأحزاب المعارضة السورية ومدى قدرتها المحدودة جداً في التأثير على السلطة السورية من جهة والمجتمع السوري من جهة أخرى، ولكننا كأبناء بلد واحد نعاني من اضطهاد سياسي عمومي كسريان حالة الطوارئ و الأحكام العرفية منذ 41 عاماً في عموم البلاد و الاعتقالات المستمرة للنشطاء وأصحاب الرأي وغياب قانون للأحزاب أو صحافة حرة والواقع الاقتصادي المزري لغالبية الشعب السوري، أليس من واجبنا العمل سوية لتكون سورية دولة حق وقانون لا بلاد الخوف والرعب والجوع؟! دولة لكل المواطنين!
قلنا ومازلنا نقول أن الديمقراطية هي المناخ الأفضل والخطوة الحاسمة للنضال القومي الكردي في سوريا، فما هو الخطأ والعيب في ذلك؟!
وهل بهذا الأسلوب "الرصاصي" يقابل به التوجه الوطني الديمقراطي للحركة الكردية في سوريا والتقاءها مع فصائل الحركة الديمقراطية في البلاد؟
أليس من المفروض أن يكون السيد رصاص، المعارض الذي اجتمع بالأكراد في سجون الاستبداد، من أوائل الداعمين لهذا التوجه الديمقراطي لدى الأكراد، لكي يجتمع بالأكراد،ذات يوم، في بلد الديمقراطية والحرية والحق والقانون والمساواة؟
أليست السلطة وحدها مستفيدة من طروحات السيد رصاص وأمثاله الداعين لتهميش الأكراد وعزل حركتهم الديمقراطية عن الحراك السياسي والثقافي العام في البلاد؟! وللمناسبة نقول أن السلطات لطالما عملت بهذا الاتجاه لضرب الحركة الديمقراطية العامة من جهة و محاصرة الحركة الكردية وحرمان الأكراد من الأصدقاء و المدافعين عن قضيتهم من جهة أخرى.
أما عن أحداث القامشلي الأخيرة فيتعرض لها كاتبنا بشكل هجومي على الأكراد دون أن يذكر أسباب اندلاعها ومن هو البادئ؟
"جماهير الفلوجة" القادمون من دير الزور مصطحبين معهم صور الطاغية صدام حسين المخلوع هاتفين باسمه في شوارع مدينة القامشلي، مطلقين الشتائم البذيئة بحق الأكراد ورموزهم السياسية، كابتزاز مقصود وسافر لا مثيل لمشاعر الشعب الكردي.... التواطؤ الأمني الواضح قبيل اندلاع الأحداث ومن ثم إطلاق "الرصاص" الحي على مواطنين عزل في ملعب القامشلي كان بالإمكان تفريقهم بخراطيم المياه أو أي وسيلة غير القتل..... الشحن القومي العنصري ضد الأكراد طوال عقود.... لماذا لا يتعرض السيد رصاص لكل هذا؟ لماذا لا يدين استخدام الرصاص الحي ضد مواطنين أبرياء عزل، كما سمعنا أصواتاً كثيرة من الوسط العربي الديمقراطي وقفت بمسؤولية وطنية و إنسانية حيال الأحداث؟
لماذا التركيز على ممارسات خاطئة وطائشة- كإنزال العلم الوطني والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة...- أدانها السياسيون والمثقفون الأكراد، من قبل بعض الشباب الهائج الذين شاهدوا إخوانهم يتخبطون في الدماء دون ذنب أو جرم، سوى أنهم أكراداً؟ وهذه الممارسات ،المرفوضة من قبلنا، بحد ذاتها ما هي إلا نتاج القمع والتهميش وضرب شعور المواطنة والانتماء إلى هذا البلد.
ماذا لو كان السيد رصاص ،الديمقراطي جداً ، في مركز القرار الذي أمر بإطلاق الرصاص الحي.؟‍
نعتقد أن مسؤولية الجانب العربي تجاه قضيتنا الكردية في سوريا تزداد يوماً بعد يوم، ويجب أن نعمل سوية ،الآن أيضاً، كي لا يتحقق هدف من يريد عزل الأكراد وتشويه قضيتهم وتصويرهم كمتآمرين ضد البلد و وحدته وأهله، لأنها بكل بساطة قضية شعب مضطهد محروم من أبسط حقوقه الإنسانية المشروعة، حتى لو كان المرء متحفظاً على مواقف الأحزاب الكردية كما هو حال السيد رصاص.

بدرخان علي - سوريا
----------------------------------------------------
قطع الطريق على الفبْركة
بقلم: محمد جمال باروت *
أخبار الشرق - 1 نيسان 2004
ما يسميه العرب "قرى الغمر" في منطقة الجزيرة السورية هو ما يسميه الأكراد "الحزام العربي". وإثر الاضطرابات الاثنية المريعة الأخيرة ما بين العرب والأكراد والتي اندلعت تداعياتها في الثاني عشر من مارس الماضي انطلاقاً من مدينة القامشلي السورية، أخذت كلمة "المستوطنات" وأحياناً "قطعان المستوطنين"، و"المستعمرين العرب" بكلّ ما تنطوي عليه وتثيره من شحناتٍ ومقارناتٍ شديدة الاستفزاز والتوتير للبغض القومي، تحلّ بشكلٍ مكثفٍ في المعجم السياسي التداولي لبعض النخب الكردية القومية محل كلمة "الحزام العربي".
وبينما يشكو الأكراد مما يسمونه بسياسات "التعريب" فإن العرب يشكون مما يسمونه بسياسات "التكريد"، ويواجهون ما يمكن اعتباره ببروز ثقافة الكراهية القومية التي يوحي بها لفظ "قطعان المستوطنين" بأن أكراد الجزيرة ليسوا إلا مهاجرين أتراكاً فرّوا من الاضطهاد التركي، وغضّت السلطات النظر عنهم بسبب رعايتها لحزب العمال الكردستاني -بي كي كي-. ويستدل بعضهم على ذلك في إطار سجالٍ عقيمٍ بمنشورات حزب العمال الكردستاني نفسه الذي أعاد بناء نفسه تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، دون حتى استخدام كلمة الكردي في اسمه.
يضيع في هذا الصمم المتبادل حقيقة "قرى الغمر" أو "الحزام العربي" الذي يستند إليه بشكلٍ أساسيٍ وصف "الاستيطان". فلقد عوّضت الحكومة السورية في عام 1973 سكان القرى التي غمرتها بحيرة الأسد على سد الفرات ببناء قرى بديلةٍ منها في منطقة الجزيرة. ووصل عدد هذه القرى إلى 42 قرية يقدّر وسطي عدد أسر كلٍ منها وفق معطياتٍ زوّدنا بها أحد الباحثين السوسيولوجيين في المنطقة بحوالي مائة أسرة، ويكون المجموع التقريبي حوالي 4000 أسرة لا يشكلون سوى نسبةٍ صغيرةٍ من عدد سكان محافظة الحسكة الذي يبلغ تقريباً مليون و300 ألف نسمة.
يوحي وصف "المستوطنين" و"المستعمرين" أن هذه القرى قد أقيمت على أنقاض قرى كردية، أو فوق أراضيها، بينما بنيت في الأراضي التي تملكها الدولة، بنتيجة عمليات الإصلاح الزراعي التي طالت الملكية الكبيرة ولا سيما أراضي عشرة من كبار الملاكين العرب والأكراد معاً كانوا يملكون ما بين 70 في المائة و80 في المائة من أراضي المنطقة.
وقد استفاد الفلاحون الأكراد والفلاحون العرب ممن كانوا يعملون في تلك الأراضي من عملية الإصلاح الزراعي، وفق مبدأ "الأرض لمن يعمل بها" يومئذ. وبقي الفائض ملكاً للدولة.
لقد بنيت "قرى الغمر" بكل تأكيد في الأراضي التي تملكها الدولة بموجب الإصلاح الزراعي، وبالتالي لم يجر هدم قريةٍ كرديةٍ واحدة. وفي حين يقع حوالي 30 في المائة من قرى الغمر في مناطق الخط المطري فإن القرى المتبقية بعلية، وهو ما يفسر أن نسبة كبيرةً من سكان هذه القرى تضطر - وفق معطيات ذلك الباحث - إلى العمل في لبنان والأردن، بسبب بعلية الأراضي ومساحتها المحدودة وعدم وقوعها في الخطّ المطري.
إن البعد السياسي الذي يتعلق بما يسميه الأكراد سياسة "الحزام العربي" يقتصر هنا على بناء الحكومة هذه القرى الاثنتين والأربعين إلى جانب قرى كردية في المنطقة، وبشكلٍ تبتعد فيه القرية العربية عن القرية الكردية حوالي كيلومترين عموماً، فتمتد "قرى الغمر" على طول الشريط الحدودي الممتد من رأس العين غرباً إلى عين ديوار -المالكية- شرقاً، ما يوحي بفكرة الحزام. بينما يتمثل البعد "التعريبي" في أن الحكومة قد قامت بتأثير عوامل إيديولوجية قوماوية بعثية بطرح سياسة تعريب كل الأسماء الأجنبية سواء في المحلات أم المقاهي أم البلدات.
كان من نتيجة هذه السياسة العامة، بمعنى أنها ليست موجهةً ضد جماعةٍ ثقافيةٍ أو إثنيةٍ بعينها أن سميت بعض "قرى الغمر" بنفس اسم القرى الكردية المجاورة فيما إذا كان اسمها قريباً من العربية، واللازمة هنا هي إطلاق تسمية "تنورية الغمر" المجاورة لقرية "تنورية" الكردية، وهذه هي الحدود العليا لعملية التعريب.
لقد كانت هذه السياسة البيروقراطية العقائدية قاصرة النظر، وتنطوي على نظرةٍ إدماجية لمجتمعٍ متنوعٍ ثقافياً بغض النظر عن كيفية تحقق اجتماعه، لكنها لم تكن برسم استهداف الأكراد بقدر ما شملت الجميع، غير أن حيْفها وقع على قرى كردية وآشورية، وشكّل بكل تأكيد جرحاً تغريبياً واتهامياً، أثار ويثير مسألة الحقوق الثقافية، واستخدمته بعض الجهات الخارجية ولا سيما في البلدان الاسكندنافية لتنظيم هجرة منظمة للآشوريين من المنطقة إليها.
فلماذا لا يعطى الأكراد الحق بمدارس خاصة تعلم لغتهم القومية، وبالأبجدية التي يختارونها كما هو الحق المعطى إلى الأرمن؟ ولماذا لا يتم تجنيس الـ "بدون" وهم الــ 225 - 250 ألف كردي من حملة البطاقات التمييزية الحمر الذين استثناهم إحصاء حكومة الانفصال في عام 1962 من الجنسية السورية، على خلفية المخاوف من امتداد احتدام الصراع المسلّح بين حكم عبد الكريم قاسم بعد انقلابه على الأكراد والعراقويين عموماً إلى منطقة الجزيرة التي كان مستوى حضور السلطات الأمنية فيها بأقل من مستوى مفارز ومخافر ومجموعات درك؟
إن المبالغة في سياسة "التعريب" هو الجديد في عملية الفبْركة الجارية لـ "مشكلة كردية" في سورية بالمعنى التاريخي السياسي الذي يرتبط به مفهوم "المشكلة"، فبهذا المعنى لم تكن سياسات "التعريب" مع كل ما تثيره من اشمئزاز ورفض بكل تأكيد من نوع سياسات التتريك التي انطوت بالفعل في تركيا على استراتيجيات الإبادة الثقافية والتذويب العرقي.
وعلى الرغم من السياسات البيروقراطية العقائدية، فإن العرب يقولون إن نسب الموظفين من الأكراد في الدوائر الحكومية المختلفة تقع ما بين 70 في المائة إلى 75 في المائة. وليس هناك أي معيقٍ لتخاطبهم باللغة الكردية، وفق لهجاتها المتعددة، وإن استخدام اللغة الكردية في الدوائر الحكومية إلى جانب اللغة العربية هو أمر اعتيادي من الناحية الفعلية رقيمة لأي مرسومٍ قانونيٍ لا في تكريسه ولا في منعه أو الحدّ منه.
الواقع أنه في فترة الرعاية السورية لحزب العمال الكردستاني -بي كي كي- قد كان هناك تحالف عميق وكبير بين الأجهزة السورية وبين التنظيمات الكردية. ولقد أثّر الصراع السوري - العراقي المستدام على مدى العقود الثلاثة المنصرمة في تقريب أجهزة السلطة للأكراد وليس للعرب، وذلك لدوافع سلطوية تقوم على المخاوف من استخدام النظام العراقي السابق للامتدادات العشائرية العربية بين سورية والعراق، والحذر من مخاطرها على الأمن الداخلي على النظام، فالميول العراقية العامة للعرب في تلك المنطقة التي لم يصلها البث التلفزيوني السوري إلا بشكلٍ متأخرٍ كانت تثير ريبة البيروقراطية السياسية بهشاشة ولائها للنظام.
وهذا هو المنطق النمطي الذي يردّ به عرب المنطقة على منطق "الاضطهاد" المزعوم للأكراد، وعلى المسؤولين الأمنيين الحكوميين في المنطقة، وسياسات الحكومة المركزية في الإهمال التنموي لمنطقة تعتبر أهم مصدر للدخل القومي السوري من خلال المحاصيل والثروات الاستراتيجية.
خلاصة ذلك، أن هناك من يبالغ قوموياً في فبركة "مشكلةٍ كرديةٍ"، ويسوّق في ظل المتغيّر الاستراتيجي الكبير في العراق مصطلحاتٍ جديدةً في المعجم الكردي السياسي السوري مثل مصطلح "كردستان سورية" أو "الجزء الكردستاني الملحق بسورية" أو "كردستان الغربية" .. إلخ، تنطوي كلها على روائح "انفصالية".
لقد انخرط الحزبان الكرديان الكبيران في كردستان العراق وهما الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود البارازاني وحزب الاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني في عملية الفبْركة هذه من خلال استخدام مصطلح "كردستان سورية" في البيانات التي تعلق على الاضطرابات الأخيرة، والتي تصاحبت مع رفع المتظاهرين الذين قادهم كل من الحزبين في إطار حكومته مذكّرةً إلى عدة جهات كان من بينها الحاكم الأمريكي للعراق بريمر للعمل على حماية أكراد ما سمي بكردستان سورية.
وفي حدود التضامن القومي يكون ذلك مفهوماً، لكن في حدود البعد الاستراتيجي فإنه ينطوي في فرضياتٍ أو خطط تصورٍ مستقبليةٍ على احتمال التكامل أو حتى ضم ما يسمى بكردستان سورية في حال انحلال النظام أو وجود نيةٍ أمريكيةٍ لإعادة تصغير سورية إلى كردستان العراق حيث الثروات المائية والنفطية والزراعية، استناداً إلى إمكانية ذلك من حيث صعوبتها في تركيا.
تشكّل الفبْركة هنا تمهيداً لمثل تلك الفرضيات. بينما لا تستخدم الأحزاب الكردية الوطنية السورية الأحد عشر المنضوية في إطاريْ "الجبهة" أو "التحالف" أو خارجهما، بما في ذلك الحزبان اللذان يعتبران امتداداً واجهياً أو حتى عضوياً للحزبين الحاكمين في كردستان العراق، وهما الحزب الديمقراطي الكردي بزعامة المحامي نذير مصطفى والحزب الديمقراطي التقدمي بزعامة حميد حاج درويش هذا المصطلح أو معادلاته، بل تطرح "الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية للشعب الكردي في إطار وحدة البلاد"، التي تتضمن حقوقاً ثقافيةً خاصةً بالأكراد كما تشتمل على حقوقٍ مرتبطة بحقوق كل المواطنين السوريين في بناء دولة الحق والقانون.
إن حقوق الأكراد السياسية والاجتماعية والثقافية في إطار وحدة سورية تلك شيء، وفبْركة "مسألة كردية" تثير ثقافة الكراهية القومية والعرقية، يتم في سياقها رفع أعلام أمريكية وصور بوش مقابل حرق الأعلام السورية شيء آخر.
إن للأحزاب الكردية الوطنية السورية الأحد عشر مسؤولية أساسية في ذلك، وتحديداً في الجانب الوطني بغض النظر مؤقتاً عن حالة الرحيات في سورية، فمواجهة فبركة مشكلة كردية له علاقة بالسيادة التي تقصدها تلك الأحزاب بوحدة البلاد وليس بمسائل السياسة، أي مسائل الخلاف والصراع والتنافس.
يجب أن يتم تلبية تلك الحقوق في إطار أجندةٍ وطنيةٍ بقدر ما يجب قطع الطريق على الفبْركة، التي تستهدف سورية كلّها وليس مجرد نظامها، لأسباب لا علاقة لها بحقوق الأكراد.
• كاتب وباحث سوري – حلب
----------------------------------------------------
تعقيبٌ على مقالة
-قطع الطريق على الفبركة- – للأستاذ محمد جمال باروت
سردار بدرخان
عفرين – نت 5/4/2004
قرأت المقالة التي نشرها الكاتب والباحث السوري الأستاذ محمد جمال باروت بالعنوان المدوّن أعلاه في موقع أخبار الشرق 1-نيسان 2004م . ونظراً لما تحمل المقالة المذكورة من أفكار ومعلومات غير دقيقة -مع احترامي للكاتب- ، فإنني أستميح الأستاذ محمد جمال عذراً في تبيان بعض الحقائق التي قد تكون أغفلت عنه ، أو أنه استقى معلوماته من مصادر تبغي ليّ عنق الحقيقة التاريخية والسياسية ، وسأتوقف عند بعض النقاط لتوضيحها للقارئ العربي الكريم ، لأننا في الحقيقة أحوج ما نكون للحوار الحر والمباشر المستند على احترام الآخر بعيداً عن تهميشه وإلغائه .
بداية ، تبدو لهجة التشنج حيال واقع وجود جزء من الشعب الكردي يعيش على أرضه في سوريا واضحة وضوح الشمس ، فهو ، وفي سياق حملة التنكر لهذا الوجود الذي لا يحتاج إلى براهين وأدلة أكثر مما هي عليها الواقع ، يصوّر الأكراد بأنهم وافدون و فارّون من بطش النظام التركي خلال مواجهاتها مع حزب العمال الكردستاني ، ولجأوا إلى سوريا التي استضافتهم وكرّمتهم ...!!
الحقيقة التاريخية ماثلة للعيان ، وتتمثل بأن الشعب الكردي قد تعرّض أرضاً وشعباً للتقسيم الاستعماري وفق اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916م ، وتم تجزئته بنفس المقص الذي قصّ أوصال الوطن العربي وشعبه ووضعه تحت الانتداب الغربي . فوجود الأكراد على هذه الأرض تمتدّ لمئات السنين ، أي قبل تشكل الدولة السورية بزمن طويل ، وهم ينتمون إلى إحدى أعرق وأقدم الشعوب الشرقية ، والدلائل على هذا الوجود التاريخي اكثر من أن تعدّ أو تحصى ، وبعد نشوء الدولة السورية ، ساهم الكرد جنباً إلى جنب مع باقي أبناء سوريا في بناء دولته ، والدفاع المستميت عنها بغية توطيد دعائمها ورفعة شأنها .
ومع ظهور الفكر العروبي المتطرف في البلاد ، واستئثاره بالقرار السياسي والاقتصادي ، جرت محاولات إلغاء الكرد دوراً و وجوداً وتاريخاً . ففي ظل حكومة الانفصال ، تعرض الشعب الكردي إلى سياسة التمييز العنصري ومورست بحقه مختلف أشكال الاضطهاد القومي وإخراجه من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، والنظر إليه بشك دائم وكأنه قنبلة موقوته معرضة للتفجير بأي لحظة ، ليس هذا فحسب ، فقد صدر مرسوم تشريعي بائس عام 1962م يقضي بإجراء إحصاء استثنائي خاص بمحافظة الجزيرة لمدة يوم واحد فقط ، وبموجبه ، وبين ليلة وضحاها ، تمّ تجريد عشرات الألوف من الأكراد من جنسيتهم التي كانوا يحملونها ، وكان البعض منهم قد أدوا خدمة العلم !! فجاءت نتائج الإحصاء كارثية ومرعبة على شعبنا ، فأصبح الأب أجنبياً ، بينما بقي الابن محتفظاً بجنسيته !! ، أو أن الابن أجنبي لأب مواطن ... وهكذا ، حتى أن رئيس الأركان في الجيش السوري نظام الدين قد ورد اسمه في عداد المجردين من الجنسية ؟؟!!
وللأسف ، سارت الحكومات البعثية المتعاقبة على دست الحكم على هدى وأسس حكومة الانفصال تلك ، بل زادت من قسوة تعاملها مع شعبنا ، وتعمدت التنكر لوجوده ودوره في البلاد ، ومارست – ولا تزال – المزيد من السياسات والمشاريع العنصرية ، واهتدت بمنظّر الفكر الشوفيني -محمد طلب هلال- ضابط الأمن في محافظة الجزيرة ، الذي اقترح على القيادة السياسية صهر الأكراد ومحوهم عبر سد أبواب العلم والعمل في وجههم ، وإنشاء حزام من العرب وتوطينهم في المناطق الحدودية السورية – التركية وإخراج الأكراد من مناطق سكناهم الأساسية وإبعادهم عن الشريط الحدودي لاحقاً ، للفصل بينهم وبين أشقائهم في كردستان تركيا ، والسعي الدؤوب لتغيير الطابع الديموغرافي للمناطق الكردية .
بصورة عامة ، هناك سياسة تمييزية صارخة على أرض الواقع ضد الأكراد ، وهذه حقيقة لا مبالغة فيها ، وكل باحث يتوخى التعرف على الحقائق بحياد ، يستطيع التعرف إليها والوقوف على تفاصيلها بدقة تامة ودون صعوبة تذكر . فطالما هناك شعب يتعرض لهذه السياسة ومحروم من أبسط حقوقه القومية والإنسانية ، فهذا يعني أن هناك قضية ، وليست فبركة ، وهذه القضية تستوجب الحل الوطني الديمقراطي . فالقضية الكردية في سوريا ليست وليدة اليوم أو البارحة ، وإن طرحها والمطالبة بحلها ليست مرتبطة بالمتغيرات الحالية في العالم وفي جوارنا ، بل كانت هذه القضية موجودة قبل الاحتلال الأمريكي للعراق ولا تزال قائمة ، وستظل قائمة طالما بقي الظلم والاضطهاد والحرمان جاثماً على صدر الشعب الكردي ، ومن المغالطة بمكان ربط المطالبة بحل هذه القضية بعوامل خارجية ، تلك التهمة الجاهزة لدى الأجهزة الأمنية السورية ، التي توسم بها من تريد ، بغية تأليب الرأي العام العربي ضده ومن ثم التفرد به لاحقاً .
يقول الأستاذ محمد جمال باروت : { ... وبينما يشكو الأكراد مما يسمونه بسياسات "التعريب"، فإن العرب يشكون مما يسمونه بسياسات التكريد } !!!أعتقد أن مجانبة الحقيقة واضحة تمام الوضوح في طرحٍ من هذا القبيل ، ولا أدري أيّ عرب قابلهم الأستاذ باروت ، أولئك الذين شكوا له ظلم الأكراد ، أصحاب السلطة والنفوذ ، الساعين لصهر العرب في بوتقة القومية الكردية !!!... ثم إننا لا نوجه لومنا واحتجاجنا بخصوص سياسات التعريب إلى الأخوة العرب ، بل هي موجهة أساساً إلى السلطة السياسية في البلاد ، صاحبة القوة والقرار ، فبأمر من هذه السلطة ، وليس من الأخوة العرب ، صدرت عشرات القرارات القاضية بتعريب أسماء القرى والبلدات والمدن الكردية ، بل تعدى الأمر إلى أن وصل إلى منع تسجيل الولادات الكردية بمسميات كردية !! .
فسياسة التعريب الجارية حيال الأكراد هي واقع موجود على الأرض وليس خيال أو إدعاء باطل ، ويمكن التوقف عندها بيسر وسهولة عبر الذهاب إلى أية قرية أو بلدة كردية ، وقراءة اسمها -المعرّب- على الشاخصة ، والسؤال عن اسمها الحقيقي من الأهالي ، عندها تتوضح الأمور وتنكشف الأسرار . كما لا أعتقد بأن من يحرّم التعريب على نفسه ، يحلل التكريد على غيره من الشعوب ، فمن يذق مرارة التفرقة العنصرية والاضطهاد ، لا يرضى بإذاقتها لأحد من بني البشر !!.
وفي موضع آخر من مقالته ، يقول الأستاذ محمد جمال باروت : { ... يوحي وصف المستوطنات أن هذه القرى قد أقيمت على أنقاض قرى كردية أو فوق أراضيها ، بينما بنيت في الأراضي التي تملكها الدولة نتيجة عمليات الاصلاح الزراعي التي طالت الملكية الكبيرة..} .
حقاً ، إن القرى النموذجية -المستوطنات- لم تقم على أنقاض القرى الكردية ، لكنها أقيمت على الأراضي الكردية ، وهذه حقيقة . فالأراضي الزراعية التي استملكتها الدولة كانت في حوزة الفلاحين الأكراد ، يدفعون حصة صغيرة منها للمالك وينفقون الباقي على عائلاتهم ، وكانت في الواقع هي أرضهم ولكن بأسماء كبار المالكين ، وبعد استملاكها وتوزيعها لاحقاً على الفلاحين العرب الذين أتت بهم السلطات من محافظتي حلب والرقة ، بقيت عشرات الألوف من تلك العوائل الفلاحية في قراها دون أرض زراعية ، وبالتالي دون وارد مالي!!... فمن كان الأولى بتلك الأراضي يا ترى ؟ الفلاحون الأكراد الذين كانوا يستثمرونها أصلاً أم أولئك الفلاحين الذين استصلحت أراضيهم في حوض الفرات وتحولت من أرض بعلية إلى أرض مروية ؟!!.
ومن نتائج تطبيق مشروعي الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي في منطقة الجزيرة ، نزوح الألوف من الفلاحين الأكراد ممن استملكت أراضيهم إلى أطراف المدن السورية وإلى خارج البلاد بحثاً عن لقمة عيش أطفالها ، وليس بحثاً عن ترف أو استجمام أوجاه ، فإنهم يفضلون العيش في قراهم واستثمار أراضيهم عن النزوح والهجرة ، ولكن الأمر فرض عليهم عنوة ودون أن يكون لهم رأي فيما آلت إليه أوضاعهم .
أود في إطار محاربة المواطن الكردي بلقمة عيشه إيراد حالة من آلاف الحالات التي يعيشها مواطننا المغبون في وطنه ، وهي أن أحد خريجي الجامعات السورية – قسم الجيولوجيا تخرج على أمل التوظيف وبناء مستقبله ، ولكنه فوجئ برفض طلبه للتوظيف رغم وجود الشاغر ، ولدى السؤال من رئيس أحد الفروع الأمنية عن سبب رفضه للتوظيف ، أجاب بكل فظاظة : - في عمالة في توظيف ، ما في عمالة ما في توظيف - !! ، هذا منذ أكثر من عشر سنوات ، طبعاً رفض هذا الرجل العمل مخبراً على شعبه ، وهو يعمل الآن عتالاً في إحدى المحطات يحمل أكياس القمح وينزلها !! ... أتساءل ، ترى ، هل الوطنية الحقة تقتضي هذا النوع من التعامل مع المواطنين الأكراد ، وكيف يمكن لشخص من هذا القبيل بعد أن لاقى هذا النوع من التعامل ألا يشعر بالغبن والاستياء والامتعاض ؟!...
لا أريد أن أستطرد مزيداً في إيراد المظالم التي يتعرض لها الأكراد ، فقد باتت معلومة للقاصي والداني ، وباتت خلفياتها السياسية طافية على السطح ، ولكن ما أريد التأكيد عليه هو أن الشعب الكردي لم يطالب بالانفصال عن سوريا يوماً كما تطبّل له وتزمر أجهزة إعلام السلطة ، بل يطالب من خلال حركته الوطنية الكردية بحلول وطنية عادلة لقضيته ، وتم اعتماد النضال السلمي الديمقراطي من أجل تحقيق ذلك الهدف المشروع ، ونعتقد بأنها قضية وطنية عامة كسائر القضايا التي تنتظر الحلول من القيادة السورية ، بدءً من قضية الديمقراطية وحرية التعبير وإلغاء قانون الطوارئ ، إلى احترام المواطن السوري كإنسان في عموم البلاد ، وهي قضية تهم كل أبناء سوريا الذين يتوجب عليهم النضال من أجل حلها سلمياً . كما أننا لسنا معنيين برفع الشعارت المتطرفة والأعلام الأجنبية والهتاف بحياة رؤساء دول أخرى ، وما هي سوى ردود فعل على الجرائم التي ارتكبت بحق المواطنين الأبرياء الذين سقطوا بالرصاص المتفجر المحرم دولياً لقوات الأمن السورية ، والتي تعد سابقة خطيرة في تعامل الدول مع شعوبها ، تستوجب من الجميع التصدي لها وإدانتها . وما تهويل السلطة في المبالغة للخسائر المادية والحرائق التي رافقت المسيرة السلمية أثناء دفن الشهداء ، إلا تهرباً من محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم ، وهي برمتها-الخسائر المادية- ، لا تعادل سرقة موظف أو مسؤول حكومي كبير لشهر من الزمان ، كما أنها لا تعادل قطرة دم واحدة من دماء الشهداء الأبرياء !!...
وهنا ، أحني هامتي لكل الأقلام العربية الوطنية الخيرة التي وقفت مع الحق وأدانت هذا التعامل اللامسؤول للسلطة مع مواطنيها ، وطالبت بالحلول العقلانية الموضوعية لتلك المشكلة المفتعلة عبر حوار وطني هادئ ومعالجتها بالطرق السياسية وليس بمزيد من العنف والاعتقالات وممارسة الإرهاب بحق المواطنين . وأناشد حملة الفكر والقلم الغيورين على مصلحة هذا البلد التصدي لمهامهم الوطنية وعدم الانجراف مع التيار الداعي إلى بث المزيد من السموم في حياتنا ، فإن الشعب والوطن هما الخاسران الوحيدان في هذه الصراعات التي لا تخدم أحداً سوى أعدائنا ، فلنعمل معاً ، كرداً وعرباً وقوميات أخرى من أجل إنقاذ الوضع المتردي هذا ، والعمل من أجل إزالة التوتر والاحتقان ، وتعزيز مفهوم الأخوة العربية الكردية على أرض الواقع ، ونشر المحبة والتآخي والوفاق بين كافة أطياف المجتمع السوري، للعيش معاً بتفاهم ووئام.
----------------------------------------------------
لمـــاذا الآن
لمصلحة من قتل الأكراد وافتعال هذه الإحداث ؟
عفرين – نت 27/3/2004 مشعل التمو*
سؤال سمعته كثيرا خلال الأيام الماضية , سواء من أصدقاء وكتاب , أو قراءته من كتابات مختلفة التوجه وحتى متباينة الهوى والمرام ؟
لماذا الآن , بمعنى توقيت انتفاضة أو مقاومة أو دفاع القامشلي عن ذاتها , ولن اختلف هنا على التسمية حتى لا يغضب السيد نعسان اغا , رغم أن أي فعل جماهيري مطلبي يمكن تسميته بالانتفاضة وحتى ولو كانت للمطالبة بتخفيض أسعار الخبز ؟ ومعلوم أن مجرد رفع أسعار الخبز في بلد ما قد يؤدي وبالاحرى أدى فعلا إلى انتفاضة جماهيرية عارمة , ولم تسال تلك الجماهير عن التوقيت ومدى ملاءمته لهبتها .
إذا هناك دائما شرارة صغيرة تطلق هبة كبيرة , خاصة إذا كانت الغابة جافة ولسنوات طويلة عجاف , وبالتالي يتساءل العاقل عن مصدر الشرارة ويخضعها للبحث والتمحيص , بحكم إنها السبب في حريق تلك الغابة , وليس دفاع الأهالي لحماية أنفسهم وممتلكاتهم سوى نتيجة ورد فعل لما يواجههم , وما يحصل راهنا هو التعمية وتسويغ السبب سواء باخفاءه , أو عكس اتجاهه , خاصة عندما يأتي التوقيت سيفا مسلطا على النتيجة من جهة , وعندما يحاكم رد الفعل ويترك الفعل المسبب حرا طليقا ؟.
لماذا الآن ؟
بمعنى لو كانت هذه الهبة في توقيت آخر لكانت صحيحة وفق وجهة النظر هذه , ولكنها الآن خاطئة , والخطأ في التوقيت فقط ؟ والمدلول هنا مراوغ وبلا معنى , يتجاهل ليس فقط الواقع الراهن وإنما يتجاهل حتى الحقيقة المثبتة وثائقيا , وهي التي دفعته للمراوغة ودخول سراديب المؤامرة والتآمر , وعلى اقل تقدير لإخفاء حقيقة جزئية يحملها , متدثرا بالوضع الدولي والإقليمي وما تتعرض له سوريا من ضغوطات , وهي حقيقة يراد بها باطل , - وهي موضوع يحتاج إلى بحث منفصل - ولكن هذا التدثر يخفي مدى رفض الآخر ومدى العصبية القوموية , وهي التي تفضحها مراميها وتتعلق بالوجود الكوردي في سوريا والرؤية إليه , وفيما إذا كان يحق له المطالبة بحقوقه , أم لا ؟ يحق له أن يعلن وجوده الشرعي والإنساني أم لا ؟
لماذا الآن ؟
تساؤل يفترض سلفا أن ما حدث كان معدا ومهيأ , والافتراض الجزمي المؤامراتي هذا , يسقط التساؤل وحياديته , ويحيله إلى نقيضه , بمعنى تساؤل كهذا هو المعد سلفا وبعناية , ويستخدم دائما لمواجهة أية حالة جماهيرية أو سياسية ؟ حتى وان المتتبع لتطور المجتمع السوري يستطيع أن يجمع أكواما من _ لماذا الآن _ وفي كل المراحل والظروف والسنين ؟ فدائما كان هناك ضغوطات , ودائما كانت هناك مرحلة حرجة ودقيقة , ودائما كانت هناك مصلحة عليا , حتى بات - لماذا الآن - يمتلك فقهه الخاص به والذي هو فقه الإلغاء وتأصيل الإقصاء , ويضاف إلى ذلك الثقافة والتفسير العبثي لـ- لماذا الآن _ التي أوجدت في المجتمع بيئة حاضنة للريبة والشك والخوف من الآخر ؟
لماذا الآن ؟
وهل اختار الأكراد التوقيت أصلا" ؟
اجزم بان الشعب الكوردي في سوريا ومختلف تعبيراته السياسية والثقافية والاجتماعية , لم تكن أو لم يكن يخطر لها أن تحدث انتفاضة بهذا الشكل , وكل مطلع على الواقع الكوردي السوري لا بد وان يدرك بان ما حدث له العديد من الأسباب والمعطيات والتراكمات والاحتقانات ولكن لا يمتلك شيء واحد هو الإعداد المسبق ؟ ما حدث لم يعد له احد , والتوقيت فرضه منطلق القوة وتهميش الآخر , ما حدث فرضه منطق الصهر القومي المتبع ومنذ الستينات , من اختار التوقيت هو منطق المعالجة الأمنية والحلول الأمنية , ولا علاقة للشعب الكوردي لا في اختيار التوقيت , ولا في الإعداد المسبق ؟
ينسى البعض ويحتار البعض الآخر , من حجم التكاتف والتضامن الكوردي , وهو على ما يبدوا , أما انه غير مستوعب , أو انه نتاج حيرة أمنية ليس إلا ؟ فمن يلم بالقضايا القومية وقوة ومتانة الرابطة القومية المضطهدة , اعتقد بأنه سيدرك الحقيقة , ومن هاله هذا التضامن والتكاتف بعد عهود طويلة من استراتيجية تفكيك المجتمع السوري وإحالته إلى ذرر اجتماعية وسياسية لا فاعلية لها , سيعيد الأمر حكما إلى منطق الـ - لماذا الآن _ واسطوانة الخارج -وهي أيضا سأعالجها في مقال آخر - ؟ بمعنى التكاتف الكوردي اثبت فشل سياسة التفكيك الاجتماعي والقيمي في الحالة الكوردية , وهو الأمر الذي لا يجد أصحابه القدرة في أنفسهم للاعتراف به , وتصحيح ما زرعوه بأنفسهم حرصا على الوطن والمواطن معا.
لماذا الآن ؟
يحمل في طياته حكما مسبق قد يكون أصوليا أو أيديولوجيا أو قومويا , ولكنه معبر أيما تعبير, والمستتر في هذه الحالة هو عدم امتلاك القدرة على الاعتراف بوجود مشكلة كوردية في سوريا , وهي قضية سياسية , وطنية وديمقراطية , والاعتراف بوجودها وحلها هو المطلوب وطنيا , وليس دفن الرأس واعتماد منطق الادنة ؟
الشعب الكوردي في سوريا لم يختر التوقيت , وإنما فرض عليه فرضا , والمقاومة الشعبية العارمة كانت دفاعا عن الذات في مواجهة عقول انتفت لديها الإنسانية , ولمن يريد تتبع مسار – لماذا الآن – كرديا , عليه أن يعود إلى الوراء , ولا باس أن ساعدته قليلا مع التعريف بان كل المطالبات الكوردية سلمية وديمقراطية وفي الإطار الوطني البحت :
- في عام 1957 عندما أعلن عن تأسيس أول حزب سياسي كوردي قومي قيل لنا _ لماذا
الآن _؟
- في عام 1960 عندما حل عبد الناصر الأحزاب السياسية ورفض الحزب الكوردي ذلك اعتقل 5 آلاف كوردي وقيل لنا _ لماذا الآن _؟
- في عام 1962 رفض الأكراد الإحصاء الاستثنائي جوبهوا بقسوة كبيرة وقيل لنا – لماذا الآن - ؟
- في عام 1963 طالب الأكراد بحقوقهم القومية والوطنية , اعتقل البعض وقيل لنا – لماذا الآن - ؟
- في عام 1966 عندما اقر مشروع الحزام العربي وصودرت الأراضي الكوردية , رفض الأكراد الأجراء العنصري هذا وقيل لنا – لماذا الآن - ؟
- في عام 1967 وقف الأكراد بقوة لمواجهة الهزيمة وسخروا كل ما يستطيعون في المواجهة وتوفير أسباب النهوض ؟
- في عام 1972 عندما بدا بتطبيق مشروع الحزام , اعتقل الكثير من الكورد وقيل لنا – لماذا الآن - ؟
- في عام 1973 وقف الشعب الكوردي بصلابة مثله كمثل كل أبناء الشعب السوري دفاعا عن أرضه المغتصبة وقدم العديد من الشهداء ؟
- في عام 1976 صعد الأكراد من مطالبتهم بحل سياسي لقضيتهم القومية , قيل – لماذا الآن- ؟
- في كل السنين اللاحقة والمتتابعة لم يخلو عام واحد من المطالبة الكوردية , وفي كل السنين كان يقال لنا – لماذا الآن - ؟
- في السنين الأخيرة كان هناك الكثير من العرائض والكثير من اللقاءات سواء مع القيادة القطرية أو مع سواها من الشخصيات الفاعلة والقريبة من مصدر القرار السوري , وكان يقال دائما ستحل هذه المسالة ولكن – ليس الآن - ؟
- بعد أحداث 11 أيلول وتداعياتها والاحتلال الأمريكي للعراق وما نتج عنه من معطيات , طالبنا بحل هذه القضية الوطنية لأنها وطنية حقا وتهم الشعب العربي في سوريا بذات المقدار الذي تهم به الشعب الكوردي في سوريا , وعدنا خيرا وقيل – لماذا الآن - ؟
لماذا الآن ؟
تساؤل ليس جديدا وإنما بات سمجا ؟
اعتقد بان من يعمل في الشأن العام السوري – ولا يحمل عقدة الهوية – وكذلك من يعمل في الشأن القومي الكوردي الخاص وأيضا – الذي لا يحمل عقدة الهوية – يعلم وبالملموس تفاعلات ومعطيات ومطالبات الشعب الكوردي في سوريا , وبما انه هناك سبب ونتيجة , والعقلانية تفترض التوقف على السبب أولا , ومن ثم مناقشة النتيجة وتقييمها ثانيا , وليس كما يفعله البعض في تضخيم النتيجة للنعميم على السبب , سيدرك وسيوافقني الرأي عندما أتساءل: لماذا الآن ؟ ولمصلحة من قتل الأكراد وافتعال هذه الإحداث ؟.
*كاتب كردي سوري – ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا

قليلاً من العقلانية والإنصاف
هفال نيو
عفرين – نت 27/3/2004
استدعى قيام بعض الأشخاص، أثناء أحداث القامشلي، بإحراق العلم السوري، ردود أفعالٍ عنيفة في الشارع العربي عموماً، ولدى القوى السياسية القومية والوطنية كذلك، وصلت بعضها إلى حدِّ الاتِّهام بالخيانة والدعوة إلى ضرب من ارتكبوا هذا الفعل بيدٍ من حديد، وهو ما يجري الآن، على أية حال.
إذا أردنا الإعراض عن بعض البيانات والمقالات، التي صدرت هنا وهناك، التي اقتصرت على التعبير عن الاستنكار والإدانة، المريحان فكرياً ونفسياً، والتي لم يكلِّف أصحابها أنفسهم طرح السؤال الطبيعي التالي: لماذا قد يقدم شخص على هذا العمل؟ واكتفوا بما تصوِّره لهم أوهامهم الخائفة، والمخيفة في الوقت نفسه، من "هذه النزعة الانفصالية"، فإني أودُّ الإشارة إلى التحليل المنصف، الذي ذكره الكاتب أكرم البني في مقالةٍ منشورة في جريدة النهار، بعنوان: "أحداث القامشلي: أوهام التطرف القومي"، والمعاد نشرها في موقع "الرأي"، حيث يصف هذا الفعل بأنه نتاج وعي طفولي، وعدم نضج سياسي، وهو ما أريد التوسّع فيه قليلاً.
غنيٌّ عن البيان القول إنَّ من قام بهذا العمل لم يفعل ذلك بعد أن شرح لنفسه المعاني الرمزية لألوان العلم السوري، وفكرّ في دلالاتها السياسية والثقافية، ومن ثمَّ قام بعمله تعبيراً عن موقف رفض واعٍ، حتى يبدو الأمر موجهاً ضدَّ العرب والعروبة، أو ضد سوريا كبلد، كما إنه لم يقم بذلك بناءً على تكليف حزبي ليتمّ اتهام الحركة الكوردية بأنها تُبطن غير ما تُظهر، كما قال أحد الذين يتمترس في خندق التغيير الديمقراطي إلى جانب هذه الحركة، والمطَّلع بالتالي على برامجها السياسية، وأنشطتها الميدانية.
لا أريد أن أبدو في موقع المدافع عن الحركة الكوردية، التي لا أنتظم في صفوفها، ولكني أدعو إلى تجنُّب هذه التفاسير المبسّطة لتفاصيل الأحداث، الأمر الذي يهدر دماء القتلى فكرياً، بعد أن أُهدِرَت مادياً. فمن أجل بناء تصوُّر سليم وواقعي، لا بدَّ من القيام بأبحاثٍ عميقة وواسعة، بالاستناد إلى مناهج العلوم السياسية والاجتماعية والنفسية وغيرها، ليتم الإحاطة بكافة الأبعاد، ولنكتشف، بالتالي، أنَّ لحرق العلم السوري أكثر من دافع ودلالة. وقد يقودنا البحث، بهذه الطريقة، إلى تبرير الفعل، من خلال فهمه، ولكنه لا يهدف إلى ذلك، لأنَّ الإدانة أو التبرير إنما يعبِّران عن مواقف تستند إلى أحكام قيمية وتقييمية، ولكنهما لا يساعدان على فهم الفعل نفسه. حيث يتمُّ تسليط الضوء على الفعل، دون البحث في الأسباب المؤدية إليها، في معالجةٍ تفتقر إلى أدنى مقومات التحليل المنطقي، مما يفضي إلى ظلمٍ متكرر ومضاعف.
إنَّ أي محاولة لتفسير هذا الفعل لا بدَّ أن تنطلق من رمزية العلم السوري في الوعي الجمعي الكوردي، وليس إلى رمزيته المجرّدة. لأنَّ معنى العلم وقيمته، وبالتالي درجة قدسيته، تختلف في الوعي -أو اللاوعي- الكوردي منه في العربي السوري. فهو لا يرمز عند الكوردي إلى وطنٍ ينبغي صيانته، أو انتماءٍ يبعث على الفخر والاعتزاز، بل يرمز إلى السلطة التي تمارس في حقِّه كافة أشكال السياسات التي لا تعمل على إقصائه وتغريبه فحسب، بل وإلى إلغاء وجوده كهوية وثقافة متميزة، وهو ما حاول الناطق الرسمي الالتفاف عليه، من خلال تصوير الفعل على أنه ليس ضدَّ النظام، بل ضدَّ الوطن، مستغلاً سذاجة الفعل في بعده السياسي، وتلقَّفه الشارع العربي المهيّأ، منذ حرب العراق، لتصديقه كمسلّمة لا تحتاج إلى برهان، مع العلم أنّ هذا الشارع لا يصدِّق الناطقين الرسميين عادةً، الذي يكثرون من استخدام أدوات التسويف.
والأمر نفسه ينطبق على شعار "عاشت كردستان"، الذي تمَّ ترديده في مسيرة اليوم الثاني للأحداث، حيث لا يجب التعامل معه كمشروع سياسي، فهنا لكردستان بعد وجداني، يتوافق مع دلالة كلمة home الإنجليزية، التي تشير إلى الموطن والرَّحم، حيث الخلاص والشعور بالأمان، وهذا الشعور ذو منبع وجودي نعثر عليه عند كل شعوب العالم، ولا يزال الهندي الأحمر، بعد ما يزيد على نصف ألفية يحنّ إلى كوخه وقبيلته، مهما كانت درجة رفاهيته، ويتفاقم هذا الشعور ليصبح ذا طبيعة مادية عند الأزمات والشعور بالخطر. وخصوصاً أنَّ الكوردي لم يتحرر من شعوره بالغبن التاريخي، بسبب السياسات التي تمارس ضده في الدول التي توزَّع عليها منذ أن تشكَّلت هذه الدول، مما يبقي على تصوّر كردستان التاريخية في ذاكرته قوياً، وأن يأخذ هذا التصوّر بعداً مفارقاً "انفصالياً" مع عدم قدرة هذه الدول على ضمّه واستيعابه، وبالتالي فعلى من لا يعجبه هذا الأمر، ويخيفه، أن يعمل من أجل أن يجد الكوردي كردستانه في سوريا، لا أن يصطف إلى جانب من يقوّي لديه هذا الشعور. وعندها لن تصبح قضيته "قضية أرض وشعب" أو "شعب بلا دولة" كما هي الآن، بل ستأخذ اتجاهاً نحو داخل الدائرة، بدلاً من محاولة الانعتاق منها نهائياً.
من هذا المنطلق، فمن غير المرجَّح أن تنجح الحركة الكوردية في توجيه الرأي العام الكوردي وجهةً "وطنية"، مع بقاء سياسة التمييز العنصري، لا لأنها لا تهيمن عليه فحسب، بل لأنَّ "المزاج" الكوردي العام يتشكَّل لما يتناسب مع ميكانيزم سياسات المركز، بحسب القانون الفيزيائي "الفعل وردّ الفعل". ومع تفاقم يأس الكورد من السلطة المركزية، التي لا تفتقر إلى حلٍّ لقضيتهم فحسب، بل ولا تعترف بوجود مشكلة، يصبح التماهي مع المثال العراقي مفهوماً، ومبرراً لدى الكثيرين. وحين تقف السلطة السورية إلى جانب العربي "ابن البلد" ضدَّ الكوردي باعتباره "غريباً"، يصبح من الإجحاف مطالبة هذا الأخير بأن يكون وطنياً.
عندما "احتلّ" بعض الشباب الكورد السفارة السورية في بلجيكا لمدة قصيرة، قال لي أحد الأصدقاء: "صار لدي شعور بأنكم أجانب وغرباء عن سوريا"، فقلت له: "وهذا هو شعور الإنسان الكردي، إنه لا يشعر بأن هذه السفارة تمثّل بلداً ينتمي إليه، لأنَّ سوريا ترفضه ككردي". وعندما كتبت عن ضرورة الدفع باتجاه التعايش، هاتفني أحدهم وقال: "كفاك كتابةً عن التعايش، إنهم يرفضون وجودنا، إلا إذا قبلنا أن نكون في درجةٍ أدنى".
بالتالي، ولفهم حادثة إحراق العلم السوري، لا بدَّ من وضع مفاهيم مثل "الوطن" و"الشعب السوري"... وغيرها تحت المجهر، لنكتشف بأنَّه تمَّ استبدال الوطن بكيان سياسي، وبأنه لا وجود لشعب، بل مجرّد سكان، وأنَّ الـ"تجمعات" البشرية في سوريا، والتي تنضوي في ظلِّ عباءات محلية متنوعة، لم تصبح مجتمعاً بعد. لدينا "أشباه" وطن، وشعب، وحكومة، وبرلمان، و...، و...، وهو الأمر الذي يتجاهله أهل التطوير والتحديث، ودعاة الإصلاح والتغيير. وكما يقول زياد الرحباني: حتى نطوّر النظام، لا بدَّ أن يكون هناك نظام أولاً
وجهة نظر كردية حول أحداث القامشلي
فاروق حجي مصطفى
تنشر "قضايا النهار" هذه الرواية لأحداث القامشلي مع كل التحفظات الضرورية عن كونها تعبّر عن وجهة نظر فئوية.

فيما كانت وسائل الاعلام تتحدث عن العقوبات التي ستفرضها واشنطن على سوريا، وعن التظاهرات في بيروت المطالبة بخروج سوريا من لبنان، وعن انتقادات قانون ادارة الدولة العراقية، والدور الذي يلعبه اكراد العراق، فوجئ الجميع بالمجزرة التي حدثت في القامشلي -وهي المدينة الكردية الاولى في سوريا-، والتي سقط فيها عشرات القتلى والجرحى نتيجة الصدامات بين اهالي دير الزور واهالي القامشلي، وقد اختاروا ان يكون ملعب القامشلي ميدانا لافراغ الاحتقانات المتراكمة وجسرا لنقل الاحتقانات من خارج الحدود السورية الى الداخل. بدأت المجزرة بعدما رفع اهالي دير الزور صورا لصدام حسين وشعارات استفزازية للاكراد وخصوصا البارزانيين -والمعروف ان البارزاني الاب يعتبر خطا احمر في اوساط الاكراد باعتباره الاب الروحي للاكراد جميعا- الامر الذي دفع الاكراد -اهالي القامشلي- الى الرد بقدر ما يملكون وحدث ما حدث... والغريب ان تبعات هذه المجزرة امتدت الى المناطق الكردية الاخرى -العامودة، رأس العين، ديريك، الحسكة، كوباني بالاضافة الى بعض الاحياء التي يتواجد فيها الاكراد بكثافة في دمشق وحلب-. يمكن المراقب ملاحظة ان الذي يقف وراء هذه الحادثة جهات غريبة لها المصلحة في احداث خلل في العلاقة الكردية السورية التي يسودها الهدوء وبالتالي احداث الخلل في العلاقة العربية الكردية التي يسودها الاحترام المتبادل وضرب سوريا ونظام الحكم فيها. بمعنى آخر الهدف من هذه المجزرة زعزعة امن البلاد والوصول بسوريا الى طريق مسدود باستغلال عواطف بعض شباب الكرد والثغر الموجودة في العلاقة السورية - الكردية... لا شك في ان هذه الجهة الغريبة عن الكرد والمجتمع السوري بشكل عام استطاعت ان تستغل الظروف الآتية: 1- رهان بعض الفئات الكردية من قاصري الرؤية والوعي والافق السياسي على الظروف الدولية. 2- العاطفة الكردية حيال ما حصل في العراق خصوصا الفيديرالية الكردية... 3- التهديدات لسوريا. 4- الحالة الاستثنائية التي يمر بها الكرد في سوريا، حيث هناك محرومون من الجنسية لم يعد باستطاعتهم التحمل وبما ان هذه الحالة كثير من عواملها ليس من نتاج "الحركة التصحيحة" فانها تتطلب حلولا جدية لها. والحال كان مطلوبا من جهتي الاكراد والدولة تجنيب البلد المخاطر والعواقب، كان مطلوبا منهما تهدئة الوضع ومباشرة التحقيق في ما جرى وتحويل المسؤولين عن الجريمة الى القضاء لقطع الطريق امام اختراقات الجهات الغريبة عن المجتمع الكردي وعن احزابه. بقي القول انه من مصلحة الطرفين ان يبحثا عن الحلول ويرجعا الى العقل والموضوعية حيال الواقع الجديد. فأعمال العنف لا تجدي نفعا وعلى الوسط الكردي ان لا يكون جسرا تعبر عليه جهات لتحقيق مآربها. فالاستقرار "قيمة" والتفريط به جريمة، والامن سمة حضارية، وخصوصا إن مستقبل المنطقة المنظور غير معلوم الملامح، وربما يعرف الجميع ان الوحدة الوطنية هي الشعار الذي يجب ابرازه دائما. والسؤال: كيف يمكن تحكيم العقل والموضوعية في العلاقة بين الطرفين؟ لا شك في انه المطلوب من الطرفين استثمار هذه الحادثة لبناء علاقات جديدة مبنية على الأسس الصحيحة.
فاروق حجي مصطفى -- صحافي كردي سوري النهار17/3/2004
رسائل وعرائض قبل أحداث الحسكة:
أحزمة الفقر بالقامشلي أعطت إنذارات بما سيحدث قبل الانفجار
قاسيون
في الخامس والعشرين من شهر شباط 2004 وصل إلى جريدة قاسيون تحقيق عن أحزمة الفقر في القامشلي، أي قبيل الأحداث التي شهدتها المنطقة والتي باتت معروفة لدى الجميع بأيام قليلة، تضمن التحقيق سلسلة طويلة من المشاكل التي تعانيها العديد من مناطق المحافظة، بتفاصيلها ووقائعها، منبهاً للوضع الذي لم يعد يحتمل في أحزمة الفقر. وحذر كاتب التحقيق في نهاية المقال من أن الوضع بات حرجاً، وأن «استمرار استهتار المعنيين بالأوضاع المتدهورة ينذر بالكثير..».
عند وصول التحقيق إلى الجريدة، ونتيجة ضغط المواد ارتأت هيئة تحرير «قاسيون»، أن تؤجل التحقيق إلى العدد التالي، لكن الوضع كان قد انفجر، والآن بات نشر هذا التحقيق ضرورة، لتسليط الضوء على مساحة من الأرض السورية، باتت مهملة إلى حد كبير، ولتسليط الضوء بشكل أفضل على ما يعرف اليوم بأحزمة الفقر في المدن، وسيكون هذا التحقيق جزءاً من سلسلة من التحقيقات ستعمل على ملامسة مشاكل أحزمة الفقر بشكل أفضل، وللوقوف على أسباب نشوء هذه المناطق وما يحصل فيها وكيف يعيش السكان فيها مع العلم أن أي مدينة في سورية لا تخلو من أحزمة الفقر التي يتوجب إيجاد حلول لمشاكلها بأسرع وقت ممكن قبل أن تتحول إلى أحزمة جاهزة لتتفجر في أي وقت.
تعريف بأحزمة الفقر
أحزمة الفقر في القامشلي:
باتت الأمراض التي تعاني منها بعض بنى مؤسسات الدولة معروفة لدى الجميع من بيروقراطية وفساد وروتين وغيرها من الأمراض الشائعة في أجهزة الدولة المختلفة، كما أن ِأسباب هذه الأمراض والتحليلات والمعاينات المرافقة لها باتت معروفة أيضاً، ولا داعي للخوض في غمار تحليلات جديدة في هذا الموضوع. ومن المعروف أن هذه المعضلات راحت تلقي بظلالها على حياة المواطنين عامة وفي كافة المجالات.. إلاّ أن أكثر المتضررين من هذه الأمراض هم الأشخاص الأكثر بؤساً من أبناء شعبنا السوري. ومن هؤلاء قاطنو أحزمة الفقر في مدينة القامشلي التي عانت لفترة طويلة الكثير من المشاكل.. ولن نعرض في تحقيقنا الموجز لكافة القضايا التي تعاني منها المنطقة بل سنوجز في مطالب من المفترض أنها من الحقوق.
حي يتحول إلى مصب للمياه
فمدينة القامشلي تعاني الكثير من مشاكل الخدمات الفنية من صرف صحي وتزفيت للشوارع أو فرش بقايا مقاطع في وضع خطير، هذه الأمور ليست من الكماليات بل باتت في وضع يهدد حياة سكان بعض هذه المناطق، البعض من هذه المطالب قد تحققت، وما تحقق منها حتى الآن جاء بعد سنوات -بالمعنى الحرفي للكلمة- من المطالبة والعرائض والوساطات، تعرض خلالها أهالي أحياء أحزمة الفقر للتجاهل وعدم الرد والابتزاز وطلب الرشوة في أحيان كثيرة، وغالباً ما كانت النتائج تتجلى في التنفيذ السيىء لهذه المطالب. والذي يهدد حياة القاطنين، إذ أصبحت العديد من المناطق ضمن هذا الحزام مناطق منكوبة. فالمنطقة المسماة مرج حلكو وبسبب انخفاض منسوبها عن بقية الأحياء المحيطة بها فقد تحولت إلى مصب ومركز لتجمع المياه بكل أشكالها، مما أدى إلى تهديم بيت أحد المواطنين وتشريد عائلات أخرى بعد أن غمرت المياه بيوتهم. وهو أمر حذر منه أبناء الحي رئيس البلدية السابق غير مرة، ولم يكن من رئيس البلدية السابق إلاّ أن يقابل معظم طلباتهم بالإهمال والتسويف والتأجيل بدعوى عدم وجود إمكانيات مادية لتغطية تكاليف مثل هذا المشروع،مع العلم أن الحي المذكور يدخل ضمن المخطط التنظيمي للمدينة.
جاءت استغاثة أبناء الحي قبل أيام أثناء تدفق مياه الأمطار من كل حدب وصوب، بسبب عدم وجود فتحات لتصريف هذه المياه في أي من الشوارع المحيطة بالحي..
وبعد العديد من النداءات ورسائل الاستغاثة، تم الرد علىها متمثلة بحضور مدير منطقة القامشلي ولكن...!!
ماري أنطوانيت والسيد مدير منطقة القامشلي
السيد مدير المنطقة وجد أن المشكلة لا تكمن في تقصير الجهات المسؤولة بل أن المشكلة في الأساس عند أهالي الحي فسأل: كيف تسكنون في هذه المنطقة؟ كيف تستطيعون أن تعيشوا في هذه الأحياء..؟ هل هذه بيوت.؟؟ مذكراً بماري أنطوانيت عندما خرجت من شرفتها وعاتبت المتظاهرين المطالبين بالخبز وسألتهم لماذا لا يأكلون الكاتو.. وهذا يتقاطع مع رأي مدير المنطقة .. فكأن سكان المنطقة تركوا فيلاتهم ومساكنهم الفاخرة التي قدمت لهم كمساكن، واختاروا المجيء إلى أحزمة الفقر كنوع من الترف الفكري.
فبدل من أن يوجه حديثه إلى رئيس البلدية المرافق له عاتب الضحية مع وعود بأنهم لن يتركوا أبناء الحي في هذا الوضع المزري.. ولكنه لم يفعل شيئاً جديداً حتى تاريخ كتابة المقال.
مجرور قيد التنفيذ على الورق
لا تتوقف المشاكل المرتبطة بالبلدية ومهماتها، ولا ترتبط بمنطقة معينة بل تمتد إلى الكثير من المناطق وليست هذه المشاكل إلا عينة بسيطة عما يحدث، فأهالي الحي الغربي /منطقة القابي/ تقدموا بمعروض لتنفيذ شبكة الصرف الصحي، وطبقاً لنفس السيناريو السابق طال الأمد قبل وبعد الموافقة على إحضار المواد اللازمة للتنفيذ لتؤخذ ثانية إلى جهة غير معلومة ويبقى سؤال أهالي الحي لماذا..؟؟
اختفى المجرور وبقيت مشكلة الصرف الصحي معلقة، ويخشى سكان الحي من أن يكون المجرور قد نفذ على الورق وتم صرف الاعتمادات اللازمة لهذا المشروع..
النتائج باتت واضحة وهذه هي الأسباب
تعاني كل مدارس القامشلي من كم هائل من المشاكل والتي يرتبط جزء منها بالجانب التربوي والعلمي، وجزء آخر بالجانب البنائي، فمعظم المدارس وصلت إلى حالة مزرية، فالكثير منها يتسرب من أبوابها الهواء إلى قاعات الصفوف، وبلور النوافذ محطم وبعضها بلا نوافذ، ويتعلل القيمون على هذه المدارس بأنه لا توجد اعتمادات لاصلاحها حيث أن مديرية التربية تصادر كل النقود التي تجمع تحت بند «التعاون والنشاط».
لتكتمل الصورة مع تخفيض كمية المازوت الممنوح لمدارس المنطقة هذا العام، والذي يستخدم كما هو معروف لتدفئة الطلاب أثناء الدروس، دون أي مبرر مقنع أو معلن وراء هذا التخفيض، لكن إذا كان المبرر هو تخفيف الهدر والسرقة المكشوفة والمستترة فيجب ألا يكون طلابنا ضحية هذا الشتاء القارس مع العلم أن المنهاج الدراسي يعلم الطلبة أن المنطقة قريبة من منابع بترولية، ومنها يأتي المازوت الذي يتدفؤون عليه.
أحد أحياء شمال قدور بك في مدينة القامشلي دون مدرسة حتى تاريخ كتابة المقال مع العلم أنه منذ سنة تم تخصيص الموقع من قبل الخدمات الفنية والبلدية ولم يتم المباشرة بالعمل. وأطفال الحي المعني يضطرون إلى السير على الأقدام مسافة طويلة حتى يصلوا إلى مدرسة تقع في حي آخر.
سوء التخطيط أم تخطيط السوء
أعلنت وزارة التربية مؤخراً عن نتائج آخر مسابقة للمدرسين، والتي تقدم لها ما يقارب 1000 ممن تتوافر لديهم الشروط. لم يتم قبول إلاّ 400 اسم فقط من المتقدمين، إلى هنا كان الأمر ضمن إطار المعقول لكن أن المفاجأة جاءت عندما تم استقدام ما يقارب 500 مدرس من خارج المحافظة ليعملوا على التدريس فيها.. مما يترك الكثير من الأسئلة لدى سكان المنطقة.. أليس منطقياً أن تكون أولوية التوظيف والقبول لأبناء المحافظة .. وتتضح الصورة بشكل أفضل عندما ترشح معلومات أن أسباب رفض قبول البعض بعد هذه المسابقة كان لأسباب تتعلق بـ-مقتضيات المصلحة الوطنية- التي يتم تحديدها من قبل قلة من الأشخاص الذين يوزعون شهادات بذلك.
الزراعة.. غيض من فيض
وتمتد المشاكل في المحافظة على أكثر من مجال. ففي مجال الزراعة تتراكم أيضاً المشاكل لكن بإصرار. فحتى تاريخ كتابة هذا المقال لم يتم توزيع المبيدات على الفلاحين مع العلم أن ثمنها يقتطع من فواتير الفلاحين في كل موسم زراعي، ليلقى السماد المصير نفسه، والحق يقال أن الأسمدة متوفرة، لكن هذه الوفرة في السوق السوداء فقط مع العلم أن الفلاح يعاني الأمرين في الحصول على هذه المادة الحيوية بشكل نظامي والفارق بين سعر كل من السوقين هو 300 ليرة سورية فقط، لصالح السوق السوداء.
وإلى الآن لا يملك أغلبية الفلاحين في محافظة الحسكة سندات تمليك بالأرض التي يعملون بها، مع العلم أنهم ورثوها أباً عن جد، مع العلم أن ما يسمى بفلاحي الغمر المستقدمين منذ عقود فقط حصلوا عليها..
وكيف ستصل الشكاوى إن كانت هناك مشاكل في الاتصالات:
في مدينة القامشلي مركزان للهاتف وتكلفة تركيب خط هاتفي مباشر في المركز الأول 5900 ل.س وفي المركز الثاني 7900 ل.س وذلك دون أي مبرر فني أو تقني.
رسم التسجيل في العلب البريدية في جميع مناطق القطر 200 ل.س إلاّ في منطقة القامشلي 800 ل. س وذلك بناءً على قرار خاص بذلك.
إلى هنا ينتهي التحقيق، ويبقى السؤال مطروحاً، من المسؤول، ليرتبط بأسئلة من نوع ما الذي يخلق الغوغاء والمهمشين، من يملأ رحم الوطن بكل ذلك.
----------------------------------------------------
فلاشات... الوجه الآخر لأحداث القامشلي
قاسيون
هل إنكار وجود مشاكل يلغي وجودها؟ أم أننا بحاجة إلى النظر في أوضاعنا من الداخل دون اتهام الخارج دوماً بأنه سبب كل مصائبنا، ربما يكون الخارج أقذر مما نتخيل لكن الحصانة الداخلية تكتسب فقط بتقويتنا وحل مشاكلنا وإزاحة الضغوط الداخلية المتمثلة بالفقر والتهميش والحرمان، وعدم الاكتراث لمعاناة الناس على اختلاف فئاتهم. كيف جرى تمتين اللحمة الوطنية؟ من أين أتت الغوغاء؟ هل حقاً لا توجد مشكلة؟
ذعر الفقراء من بطش العشواء
● لم يجد سردار مكاناً يختبئ فيه سوى خزان الماء على سطح منزله لكن يبدو أن خبرته في لعبة القط والفأر ضعيفة حيث تضاريس المنطقة كمدرجات جعلته مكشوفاً للواقفين على سطح الجيران عندما رفع رأسه مستكشفاً من فتحة الخزان.
● لسامية خبرة طويلة في لف السندويش للأطفال لكنها هذه المرة لفت زوجها في لحاف وكدسته مع باقي اللحف... هذه ليست جريمة قتل بل محاولة لإنقاذه من العشواء.
● فاز علي بسباق المسافات القصيرة في سباحة الأنهر السريعة بعدما قطع بردى سباحة في منطقة الرز من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية وكان الدافع لفوزه أعين المراقبين للسباق وتم تتويجه في كامل ملابسه المبلله في مكان آخر.....
● انتقلت عدوى التنكر من السيرك الصيني إلى سيرك وادي المشاريع بعدما تم اكتشاف صلاح متنكراً في ثياب زوجته ونائماً بين الأطفال ولكن حجمه الضخم كشف عملية التنكر واضطر للذهاب مع رجال مكافحة التنكر.
● أمضى رضا أيام العاصفة مختبئاً في سقيفة منزله آكل شارب نايم بسبب عدم استتباب الأمن في الطوابق السفلية.
● استطاع بعض المكتشفين من العوجاء اكتشاف استعمال جديد لأكوام القمامة المتراكمة قرب منازلهم فاختبأ أحدهم بين أكياس النايلون وتحت طبقة من أوراق الشجر والبقايا المنزلية لكن حربة أحد البنادق خربت اكتشافه ولم يعد صالحاً للتسجيل في سجلات الاختراعات.
● يبدو الموت أهون مما توقعه سمير في النزهة التي دعي إليها لذا قرر التهديد بقتل نفسه أمام عائلته إن أجبر على الذهاب.
● اختبأ أبا حسن في الداخل كي تعرض عليهم أم حسن ابنها ذو السبع أعوام حسن على أنه الذكر الوحيد الباقي في المنزل.
الإرهاب المصنّع محلياً
● إن التعليمات الموجهة لإحراق مخازن الحبوب تجعل القمح الأمريكي يقفز إلى أذهاننا مباشرة في محاولة لكسر أمننا الغذائي الذي نعتز به.
● ليست غوانتانامو، ولكن مئات المدججين يدلونك أنك وصلت للمدينة الجامعية.
● إنها ليست المخيمات المحاصرة ولكنها وادي المشاريع ودمر الرز ومزة 86 المحاصرة وأربعة منازل في سبينة بتهمة سكن أفقر الأكراد فيها.
● خرج حوالي أربعمائة شخص في مظاهرة في وادي المشاريع يوم 13 آذار تبين فيما بعد أن فيها خمسة عشر شخصاً فقط من أبناء المنطقة والباقي من «الغرباء».
انفصام شخصية
● يعاني عمر من شيزوفرينيا حادة تجعله يخرج في اليوم الأول مع الغوغاء وفي اليوم التالي مع من يدينها.
● شوهد أحمد يحمل الخليوي مساعداً في توجيه حركة التخريب والحرق ومديناً هذه الحركة ذاتها بعد يومين في مقابلة تلفزيونية.
● أصدر أبو سلمان بياناً على الانترنت يشجع استمرار الفوضى، كما ادعى أنه يشارك في المساعي الوطنية لوقف هذه الأعمال.
● قام بعض ممثلي الأحزاب الكردية المتطرفة في بعض العواصم الأوربية بتشويه صورة الأكراد في سورية وتصويرهم على أنهم وراء الحدث وتابعت أحد الفضائيات التابعة لتلك الأحزاب الأحداث دقيقة بدقيقة.
● لقد كانت مناسبة طيبة لإخفاء السرقات والنهب من المؤسسات الحكومية الذي تجاوزت خسائره كل ما نتوقعه في تلك المؤسسات.
● من الغريب تأكيد الإعلام على الشخصية المزدوجة لفاعلي الحدث فهم «الغوغاء» و«الجزء العضوي» من المجتمع السوري، ما هو الخط الفاصل؟ ربما يكون التهميش والفقر.
● رفع بعض الأشخاص أعلاماً أمريكية وشعارات تهتف لبوش، يبدو أن هناك أصابع تلعب بالبعض كالدمى المتحركة.
كرامة الوطن والمواطن
● المداهمات لم تشمل فقط اعتقال الأشخاص ولكن تم استغلالها من البعض الآخر لسرقة بعض ما خف حمله وغلا ثمنه من منازل الفقراء الذين حلموا طويلاً بشراء ما يملكونه.
● لماذا طال التخريب العديد من الممتلكات العامة التي تخدم أبناء محافظة الحسكة كالبلديات والمراكز الثقافية والمستشفيات والمدارس؟. يبدو أن المقصود تسريع تدهور المنطقة بقصد التجهيل والتهميش وتحوير الموقف الوطني لكل أبناء المنطقة.
● يتم توزيع شهادات «وطني» أو «غير وطني» حالياً من قبل البعض وذلك بعد فحص دقيق يتم على أيدي أهم الخبراء.
تعزيز اللحمة الوطنية
إطلاق سراح المعتقلين الأبرياء ضرورة وطنية- إعادة المفصولين من الجامعات بتهم سياسية
● يبدو أن القيام بـ «أعمال ذات طابع سياسي» أصبحت تهمة يمكن من خلالها فصل الطلاب من الجامعات وكأن حياتنا خارج إطار التاريخ والسياسة. فمن أجل تفويت الفرصة على مهندسي اللعبة، وهي خطيرة، لا بد من حل المشاكل العالقة في محافظة الحسكة، ووقف الاعتقال العشوائي والإسراع في كشف ملابسات الأحداث، وكشف الذين خططوا ونفذوا، ومدى مسؤولياتهم من أية جهة كانوا.
● استغرب بعض المحللين السياسيين هذا التزامن الملفت للنظر بين تصعيد الضغوط الخارجية على سورية والأحداث الهادفة إلى الضغط الداخلي وكأن مهندس اللعبة واحد.
● خبأت عائلة من دير الزور ثلاث فتيات من القامشلي خشية عليهن من الفوضى وأوصلهن صاحب المنزل إلى ذويهن واحدة واحدة في اليوم التالي دليلاً على روح التضامن التي تفوق أي روح أخرى قادمة من الغرب.
● أثناء أحداث الشغب التي تبعت مباراة كرة القدم خبأ العديد من أهالي القامشلي ضيوفهم من مشجعي فريق الفتوة في منازلهم حماية لهم من الفوضى العارمة التي اجتاحت المدينة.
● لمحت بعض الأحزاب المعروفة بارتباطاتها إلى أن الأحداث كان من المفترض أن تجري في عيد النيروز ولكن حدث خطأ في التوقيت مما يؤكد أنها مخططة مسبقاً في مطابخ السياسة الأمريكية.
● باءت كل الجهود الخارجية الحثيثة لإذكاء روح العنصرية القومية بالفشل لأن التاريخ المشترك أقوى من المصالح الحالية، فالعديد من الأسر خبأت الهاربين من طيش العشواء، غير معترفين بما يتم فرضه عليهم.
● إن إنكار المشكلة لا يلغي وجودها بل يفقد من ينكرها مصداقيته كما حصل مع وزير الداخلية ومدير وكالة سانا وغيرهم عندما أنكروا وجود سوريين محرومين من الهوية.
● صدرت بيانات عديدة في واشنطن ولندن تؤيد ما حدث وتدافع عن «الديمقراطية» المنشودة في سورية، وكأن السوريين لا يعرفون كيف يطالبون بها بأنفسهم، أو كأنهم بحاجة إلى مدافع أمريكي أو بريطاني عن الديمقراطية على الطريقة المتبعة حالياً في العراق.
ولا زال حتى وقت كتابة هذه السطور آلاف من المشكوك بغوغائيتهم في السجون، والحملة مستمرة من الخارج لتأجيج الموقف.
شجار القامشلي
سمير عطا الله
16/3/2004

بعد قليل من انفجار احداث القامشلي، سألت مذيعة من الـ«بي.بي.سي» العربية صحافياً من دمشق عن حقيقة الاحداث وطبيعتها، فقال انها مجرد مناوشات بين هواة كرة القدم «يحدث مثلها في كل مكان، خصوصاً في بريطانيا، حيث يتشاجر المناصرون». اتمنى ان تتحول سوريا الى اعلام اكثر جدوى لها، ولدورها، ولموقعها السياسي، فالرئيس بشار الاسد نفسه كان قد صرح لـ«نيويورك تايمس» عندما سئل عن اغلاق منتدى سياسي في دمشق، بأن المنتدى اغلق فقط عندما تعرض للوحدة الوطنية وعندما تحدث احدهم عن الوضع الكردي.
في سوريا واقع كردي لا يمكن تجاهله: مليونان من اصل 18 مليون مواطن. وهذا الواقع تأخذه دمشق في الاعتبار دوماً، سواء تطلعت الى الخارج او الى الداخل. وهذا الواقع الداخلي يؤثر على مواقفها الخارجية، سواء في اتجاه العراق او في اتجاه تركيا. فعندها لا يعود الاكراد مجرد مليوني مواطن بل يتحولون، على الاقل جزئياً، الى فرع من حركة اوسع لها مطامح واحلام، تهدد شكل الصيغة الوطنية في البلدان الثلاثة.
هذه المسألة اصبحت اكثر الحاحاً وحساسية الآن بسبب ظهور الشخصية الكردية في العراق. والعراق المقبل لن يعود كما كان. ويخشى، بكل وضوح، ان يؤدي التحول في شمال العراق الى دفع جديد في اتجاه القومية الكردية، واضطرابات القامشلي، حيث تقيم اكثرية كردية، كأن قد سبقها اعمال مشابهة في شمال العراق، حيث تعرض العرب للترحيل او للثأر او لعملية تصفية حسابات عن اعمال ماضية، يوم لم يكن للاكراد اليد الطولى.
تعطي سوريا اي حدث داخلي في هذه المرحلة بعدا خارجياً. فالولايات المتحدة تحرك في وجهها «قانون المحاسبة» وحصار العقوبات على نحو تدريجي. والمطالب الاميركية من سوريا، تزداد. فهي لم تعد محصورة في فلسطين بل توسعت ايضاً الى لبنان والعراق. والبعد الخارجي لاحداث القامشلي حمل الرئيس حسني مبارك على السفر بصورة عاجلة الى مطار دمشق لعقد القمة مع الرئيس الاسد. فالجميع يقفون اليوم على عتبة القمة وتحديات «الشرق الاوسط الكبير». ولا احد يعرف حتى الآن ما هو هذا الشرق الغامض الممتد الى باكستان.
ولا احد ايضاً يدري نوع الديمقراطية التي ستطرح عليه. فالحليف الاول للديمقراطية الاميركية هو الجنرال برويز مشرف والمؤسسة العسكرية التركية. وقد فتحت اميركا في العراق باباً لكل الرياح النائمة وغير النائمة. وكل تغير في العراق، او كل تطور، سوف ينعكس في مكان آخر. وبشكل او بآخر. ومن حق الكثرة الكردية في العراق ان تطالب بالإنصاف والحرية والمساواة. ولكن من حق العرب في بلدانهم في كل مكان، ان يحرصوا على وحدة الارض ووحدة الشعب وسلامة الوطن وقدسية الاستقرار.
لا نعرف الكثير عما حدث في القامشلي. لكن ما حدث ليس بالتأكيد شجاراً بين «هوليغانز» كرة القدم كما قال زميلنا من دمشق في نغمة اعلامية كانت مملة فأصبحت مسيئة. انها قضية تعني سورية وأمنها واستقرارها. ومن الافضل للجميع ان تكون حادثاً منعزلاً من النوع الذي يغلب عليه حماس الغباء لدى فريقين حماسيين، على ان يكون مدبراً وسيء النية والهدف
المصدر جريدة الشرق الاوسط

----------------------------------------------------
رسالة مفتوحة إلى السيد الرئيس بشار حافظ الأسد
ابراهيم محمود
عفرين – نت14/3/2004
لاأريد مخاطبتكم بلغة المفرد، فهذا ما لايليق بمقامكم، وأنتم رئيس دولة، ولاأنا أرتضي ذلك، لأنه لايليق بي، أن أتنكر لأخلاقيات مخاطبة رئيس دولة، كما علمتني لغتي الأم، واللغة التي أكتب بها رسالتي هذه. أخاطبكم بلغة الجمع، لأنكم تضمون في ذاتكم جمعاً غفيراً هو شعب كبيرمتعدد الأعراق، وإن كان يعرف بلغات عدة، وفي دولة تديرون شؤونها ، وفي نظام تمثلونه، فأنتم هنا المنبع والمصب لكل صادر ووارد في هذا البلد الكبيروهو يعرف بكل أطيافه السياسية والاجتماعية، وأنتم ولي أمره، فلا مناص من مخاطبتكم التي لطالما أردتها في السراء لأنكم مرغوب فيكم بقدر ما يعيش هذا الجمع الغفير الذي هو شعب سورية حياته المستقرة ولو نسبياً، لأن هناك تحديات كثيرة تتربص الدوائربكم،و بهذا البلد الذي نريده البلد الأمين، بشعبه في مجموعه، بنا-وهنا أتحدث عن مجموع آخر، يمثل الكرد، وأنا منهم، وهم وأنا جزء من المجموع العام:شعب سوريا-،وفي الضراء الذي لانريده، طالما يتهدد من خلاله أمن البلد، وأمن الشعب، وأمن الدولة، فأنتم في الحالتين تمثلون أهل الحل والعقد.
أخاطبكم من هنا وعلى طريقتي في الكتابة اتي تعوَدتها، وبي أكثر من لوعة على بلد لآأريده أن يتلوع تفجعاً على أبنائه، فهم في الأصل لبناء البلد وحماينه ، طالما أنهم محميون من خلاله، وهم متساوون مع الآخرين. من هذا الموقع المحلق، رغبة في رغبة أمنيةعامة،وأنا واثق ، أن ما أكتبه ستطَلعون عليه،أ وستنقل صورة منه إلى سيادتكم، وليتني استطعت مخاطبتكم مباشرة، لأن الدافع ليس في نيل منصب أوامتياز شخصي، وإنما سلامة واستقرار البلد، وأعتقد جازماً أنكم معنيون به، وكيف لا، وكل صغيرة أو كبيرة تنسب إليكم، مهما كان مضمونها، لأعبر لكم عن أهم واجب كتابي لي، كمثقف، وهو أن المثقف شاهد على ما يجري في بلده، يقول كلمته التي قد تكون آلمة، ولكنها لاتخرج عن إطار السمعة الحسنة والمنشودة للبلد، وهذه هي اللحظة الأكثر إيلاماً لي وللبلد برمته، وفي هذا المكان، حيث الرصاص بأزيزه هو الذي يضع الناس في هذه المنطقة المنكوبة، والمتشنجة ، التي يسمونها الجزيرة، وضمناً -القامشلي-، في أقصى درجات توترهم، خوفاً من نتائج ما حصل في -يوم الجمعة الدامي- ، من جهة الذين تعرضوا للقتل والضرب ولإصابات عدة، ومن نتائج ما سيحصل لاحقاً.
لآبد أن سيادتكم سمعتم بما جرى، ومهما كانت الصورة المنقولة إليكم ، فإن ثمة الكثير مما يخاف منه وعليه، وأنا علي قناعة تامة، أن سياتكم قادرون على وقف هذه المأساة، التي تتفاعل مجريات أحداثها، وتتفعَل في النفوس هنا.
إن تدخلكم: حضوراً شخصياً إلى هذه المنطقة التي استقبلتكم بهتافات الود قبل الآن، أو باطلالة على شعبكم ، ومخاطبة الجميع في هذا المكان، وطمأنتهم بأن الوضع سيعود إلى ما كان عليه:هدوءاً واستقراراً ، لمؤثر جداً.
عذراً ياسيادة الرئيس، إذا كان في هذا الكلام ، ما يعتقد أنني أعطي توجيهات أو تعليمات، فأنتم بغنىً عن ذلك، ولكنه طلب من مثقف لا يجد نفسه إلا، وهو تحت وطأة الشعوربالواجب الوطني، يكتب إليكم بالطريقة هذه.
هم شعبكم، لاأعني بهم الأكراد فقط الذين حاول الذين خططوا للعبة للنيل من وحدة الوطن، منهم باسمه، وهم يهتفون بحياة من أنتم سيادتكم أشرتم إليه-صدام حسين- بوصفه القاتل لشعبه، وكان المهدد لأمن سوريا طويلاً، وهاهو بعد خلعه، يهتف باسمه جهاراً ومن قبل من أرادوا أن تكون مباراة كرة-قدمهم- مباراة الثأرللمخلوع، وهم يعتبرون أنفسهم -جماهير الفلوجة-، انتقاماً من شعب، وضمناً ممن خلقهم الله أكراداً، أعتقد أنهم كانوا أقرب إليكم منهم على مدار تاريخ سورية الحديث.هم مواطنوكم رغم أنهم في غالبهم غير معترف بهم، ولكنهم يصرون على اعتبار أنفسهم مواطنيك، نعم هم أكرادك، مثلما يكون هناك عربك، مثلما يكون هناك آشوريوك ، مثلما يكون هناك أرمنك، ومثلما هم في المحصلة شعب سوريا، ولو أن الممارسات على أرض الواقع تمزَق فيهم وحدتهم المرتضاة للوطن.
ما أقوله ليس نميمة ياسيادة الرئيس، إنما للتعبير عن واقع الحال،حيث أناشدكم لوضع حد لما يجري هنا من فعل عنف ورد فعل عنف، أنتم قادرون على وقف حمام الدم الذي ينزفه جسد الوطن الذي تهمكم سلامته.
أناشدكم بضرورة التدخل ، كي لايتحول هذا الجزء النفيس من الوطن إلى خراب، وأحقاد تنفجرلا تبقي على شيء، ولايكون الخاسر الأكبر سوى الوطن، وأنتم رمزه الوحيد وليس أياً كان، وهو بانتظاركم. وشكراً.
أحد شهود المأساة :ابراهيم محمود

-----------------------------------------------------------------------------------------
أهي مصادفة أنها اندلعت في المحافظات الشرقية المنبوذة المنسية؟
المسألة الكردية في سورية: تمييز عنصري وحقائق متفجرة

صبحي حديدي-كاتب وناقد أدبي سوري- مقيم في باريس
الحوار المتمدن20/3/2004
ذات يوم، في شهر أيلول -سبتمبر- من العام 1973، أعلنت إذاعة دمشق أنّ الرئيس السوري حافظ الأسد سوف يزور المحافظات الشرقية في مطلع الشهر القادم، تشرين الأول -أكتوبر-. وكان الأسد قد دشّن عهده، بعد نجاح الإنقلاب العسكري الذي أطاح بمجموعة 23 شباط واستتباب مقاليد السلطة في يده، بزيارات استعراضية صاخبة إلى المحافظات السورية، كان خلالها يخطب في "الجماهير"، ويبشّرها بالوعد تارة والوعيد طوراً -كما حدث حين أيّد جعفر النميري وغمز من قناة هاشم العطا، وكان يعني أهل البيت فـــي المقام الأوّل-.
المحافظات السورية، إذاً، ولكن... باستثناء الشرقية منها: الرقة، دير الزور، والحسكة! ويُقال إنّ الأسد كان يعتبر هذه المحافظات معادية له شخصياً مثلما هي مناهضة لنظامه، إذْ أنّ عواطف أهل الرقة ودير الزور هي مع العراق تاريخياً بسبب أواصر القربى والثقافة واللهجة، وعواطف أهل الجزيرة -وغالبيتهم أكراد- مع كردستان حتى إذا كان وطنهم موجودا في حيّز الافتراض وعلى الخريطة فقط. وزير الإعلام الأسبق محمد سلمان، وقبل أن يتولى منصبه الوزاري هذا، كان قد عُيّن محافظاً للرقة. ويروي أحد معارف سلمان أنّ الأسد استقبله ليزوّده بتوجيهاته، فقال له: لا تنسَ يا محمد أنك ذاهب إلى محافظة معادية!
وفي نظر أهل هذه المحافظات، الذين لم تكن لديهم أوهام حول مدى ما يتعرّضون له من إهمال في دوائر العاصمة والسلطة المركزية، بدا الإعلان عن زيارة الأسد إلى المحافظات الشرقية غريباً وباعثاً على الآمال في آن معاً... إلى حين فقط، لسوء الحظ! ذلك لأنّ الوقائع اللاحقة كشفت أنّ أنباء الزيارة كانت خدعة من الرئاسة لذرّ الرماد في عيون الإسرائيليين، وذلك بعد اتفاق الأسد وأنور السادات والملك حسين على موعد بدء الأعمال الحربية في سياق ما سيُعرف باسم "حرب تشرين". وكان دهاء الأسد قد تفتّق عن هذه الحيلة: إذا كان سيزور المحافظات الشرقية مطلع تشرين الأول، فإنّ التقارير عن تحرّكات عسكرية سورية على جبهة الجولان لن تكون ذات مغزى كبير في ناظر غولدا مائير!
وشخصياً أذكر تماماً أنّ مرارة ما جرى بعدئذ على الجبهة، عسكرياً، امتزجت في وجدان أهل الجزيرة بمرارة إضافية هي خداع الرئاسة لهم، إذْ بدا مهيناً أنّ تُقام الزينات وتُرفع أقواس النصر وتُوضع البرامج والمسألة في نهاية المطاف ليست سوى كذبة... بيضاء أو سوداء، سيّان! وقيل يومها، بعد أن وضعت "الحرب" أوزارها ونُصبت "خيمة سعسع" وجرى ما جرى في سياقات فصل القوّات، إنّ الرئيس سوف يزور هذه المحافظات في وقت لاحق. ومضت الأعوام، ورحل الأسد دون أن تطأ قدمه شبراً في تلك "الأصقاع المعادية"! المثير في الأمر أنّ هذه المحافظات الشمالية هي "أهراء سورية" على نحو أو آخر، وفيها تتمركز ثروات البلاد ومواردها الأساسية: في الحسكة النفط وزراعة الحبوب التي تعدّ محاصيل استراتيجية، وفي دير الزور النفط، وفي الرقّة الكهرباء وسدّ الفرات!
وإذا كان التمييز البيّن يقع على مواطني هذه المحافظات الشمالية بالمقارنة مع سواهم، فإنّ التمييز الذي يعاني منه المواطنون الأكراد أشدّ وأبعد أثراً، وهو بلغ ويبلغ مستوى التجريد من الجنسية والحرمان تالياً من حقوق التعليم وتسجيل الولادات الجديدة والسفر، إذا وضعنا جانباً التحريم شبه التامّ المفروض على الحقوق الثقافية والسياسية الأساسية. وعلى سبيل المثال، والمقارنة، هنالك في مدينة القامشلي مدارس خاصة تدرّس اللغة السريانية، وأخرى خاصة تدرّس اللغة الأرمنية، ولكنّ المواطن الكردي ليس ممنوعاً من هذا الحقّ الطبيعي فحسب، بل إنّ احتفال الأكراد بأبرز أعيادهم، النيروز، يحتاج إلى إذن خاص من السلطات الأمنية.
ولعلّ مشهد الحقيقة لن يكتمل هنا إلا إذا جرت الإشارة إلى ثلاث محطات فاصلة في تاريخ التمييز الرسمي الذي حاق بالمواطنين الأكراد في سورية. المحطة الأولي وقعت سنة 1962 حين تقصدت السلطة إجراء إحصاء استثنائي مفتعل في محافظة الحسكة وحدها، أسفر عن تجريد نحو 200 ألف مواطن كردي من الجنسية وتسجيلهم في القيود بصفة "أجنبي"، كما أسفر عن تجريد 80 ألفاً آخرين ولكن دون تسجيلهم في القيود هذه المرّة، ممّا أسفر عن الحالة العجيبة التي تدعى "المكتوم". وغنيّ عن القول إنّ ضحايا هذا الإجراء يعدّون بمئات الآلاف اليوم، وذروة مأساتهم اليومية تتمثّل في استحالة تسجيل الأطفال، والحرمان من التعليم في حالات عديدة لا يتمكن فيها أهل الطفل من الحصول على بطاقة التعريف المطلوبة.
وفي سنة 1963، كان الملازم محمد طلب هلال، والذي سيرتقي بعدئذ سلّم المناصب العليا سريعاً، قد رفع إلى قيادة حزب البعث دراسته الشهيرة، العنصرية تماماً، والتي تقترح جملة إجراءات حول كيفية "تذويب" الأكراد في "البوتقة" العربية! تأسيساً على مقترحاته تلك، جري تعريب أسماء عشرات القرى والبلدات الكردية، ومُنع الأكراد من تسجيل أطفالهم إذا اختاروا لهم أسماء كردية، كما مُنعوا من الطباعة باللغة الكردية، وسوى ذلك من الإجراءات التمييزية الفاضحة.
وأخيراً، في مطلع السبعينيات فرضت السلطات إقامة حزام عربي بطول 375 كم وعمق يترواح بين 10 - 15 كلم، على طول الحدود السورية التركية، جرى بموجبه ترحيل 120 ألف مواطن كردي من 332 قرية، وإحلال سكان عرب محلّهم بعد بناء قرى نموذجية لهم.
من جانب آخر، لعلّ العديد من أكراد سورية، إذا وضعنا جانباً أكراد تركيا وأعضاء حزب الـ PKK، لم ينسوا بعد ذلك الزمن غير البعيد حين كان الزعيم الكردي عبد الله أوجلان يقيم في البقاع برعاية سورية، وكانت التقارير الصحافية الغربية مولعة بوصف تحركاته في سيارة مرسيدس مصفحة تحمل لوحة دبلوماسية سورية ويرافقها طاقم حراس شخصيين تابعين للأمن السوري. كانت علاقة حزب العمال الكردي مع سورية بمثابة المثال الأحدث عهداً لعلاقة التنظيمات الكردية بالجوار وبالقوى المحلية والإقليمية والدولية، وكيف تتضافر عوامل إقليمية ومحلية توطّد تلك العلاقة وتذهب بها إلى درجة قصوى من التحالف الذهبي، ثمّ... كيف تتبدّل العوامل المحلية والإقليمية والدولية ذاتها لكي تطيح بتلك العلاقة بما يجعلها قيداً يكبّل الكردي.
في عام 1986 وقّعت سورية بروتوكولاً أمنياً مع تركيا يقضي، صراحة هذه المرة، بوضع حدّ للمعونة السورية لفصائل الحزب. كانت هذه هي الخطوة الأولى في حرب منظّمة شنّتها تركيا على الـ PKK. والخطوات اللاحقة شملت إغارة طائرات الفانتوم التركية على معسكرات الحزب في كيشان وهيات وهفتانين وهيكاري، بتوقيت مناسب مع التسويات الواسعة التي كانت تجري علي قدم وساق في بغداد وأنقرة ودمشق وطهران وترسّخ، بين ما ترسّخ، ثقة الكردي بالجبال وحدها. لمسلسل الذي كانت آخر فصوله عقد اتفاق أمني ـ تركي أسفر عن رحيل أوجلان من تركيا، واعتقال الأمن السوري لعدد من كوادره الأساسية، وتشديد الرقابة على مَن تبقّي من أعضاء الحزب وأنصاره. وحين انحنى حافظ الأسد أمام تهديد الأتراك باجتياح سورية عسكرياً، باتت ساعات الـ "آبو" معدودة، ولم يمضِ وقت طويل حتي وقع أوجلان في المصيدة.
خلاصة هذا كله أنّ إنكار وجود مسألة كردية في سورية هو ضرب من دفن الرأس في الرمال، وما جرى من مجازر وأحداث عنف في قرى وبلدات منطقة الجزيرة ذات الأغلبية السكانية الكردية لا يدور البتة حول حساسيات كرة القدم بين فريقين يناصر كلّ منهما جمهور مختلف. ورغم أنّ عوامل كهذه لعبت دورها في التأليب والشحن والحشد والتسعير، وما أعقبه بعد ذلك من قتل على الهوية وتخريب ونهب، فإنّ جوهر هذه الأزمة الراهنة هو بالضبط جوهر كلّ أزمة مماثلة سوف تنشب بعد اليوم: المسألة الكردية، وحقوق الأكراد المدنية والسياسية والثقافية.
وليس سرّاً أنّ السلطة في سورية تبدي الكثير من العصبية تجاه أكراد سورية بعد احتلال العراق، وكأنّ رؤوس الحكم على قناعة راسخة بأنّ أكراد سورية هم حصان طروادة الذي قد يلجأ إليه الأمريكيون إذا شاؤوا زعزعة استقرار النظام الحاكم في دمشق. ولقد رأينا، قبل أسابيع معدودات، أنّ الرئيس السوري بشار الأسد أبلغ صحافيي "نيويورك تايمز" أنّ "الأظناء الـ 41" الذين أحيلوا إلى القضاء علي خلفية الحضور، أو بالأحرى نيّة حضور، ندوة حول قانون الطوارىء في حلب، هم أكراد يهدّدون الوحدة الوطنية!
ولهذا فقد لجأت السلطة فوراً إلى الهراوة الغليظة، بل الرصاص الحيّ في الواقع، وتصرّفت على نحو فاشيّ وكأنها تجتاح مدينة حماه مجدداً، ممثّلة هذه المرّة في القامشلي والحسكة وعامودا وديريك والدرباسية وعين العرب وعفرين، أو كأنها تعيد إنتاج دروس مجزرة حماه بغية تلقينها للمواطنين الأكراد. ولم يكن بالأمر الهيّن أن تُراق دماء الأبرياء دون أن تهيج المشاعر وتغلي الدماء، ويستدعي الفعل ردّ الفعل المماثل أو الأعنف.
وأياً كانت الروايات حول مختلف السيناريوهات التي قادت إلى إطلاق شرارة الفتنة واشتعال اللهيب، فإنّ الحقيقة الإحصائية تقول ــ ببساطة مؤلمة ــ إنّ الغالبية الساحقة من القتلى كانوا من المواطنين الكرد. كذلك تقول الحقائق الأحدث إنّ ماهر الأسد يرابط في المنطقة ويشرف على حصارها، وكأنه هنا أيضاً يعيد إنتاج مرابطة أمثال رفعت الأسد وعلي حيدر وشفيق فياض في تدمر وحماه وحلب مطلع الثمانينيات!
كذلك ليس سرّاً أنّ بعض الفئات الكردية أخذت تستغلّ الوضع الناشىء حديثاً في كردستان العراق، وبدأت في طرح شعارات انفصالية غير واقعية وغير جادّة ولا تقرّها كتلة الأحزاب والحركات الكردية من جهة أولى، وكذلك تطوير وإشاعة خطاب عنصري ضدّ العرب لا يصبّ الزيت على النار فحسب، بل يهدد الجماهير الكردية في المقام الأوّل. وبهذا المعنى كان حرق العلم السوري في القامشلي، أو الهتاف بحياة جورج بوش وأمريكا في ملعب المدينة، جريمة نكراء لا تُغتفر ولا يمكن تفهّم دوافعها.
وبديهي أنّ الأحزاب والقوى السياسية الكردية في سورية جزء لا يتجزأ من حركة الأحزاب والقوى السورية المطالبة بتغيير جوهري ديمقراطي في حياة البلاد. وبديهي أيضاً أن بلوغ مرتبة أرقى في النضال من أجل تغيير نظام الاستبداد سوف يشمل انتزاع المزيد من حقوق المواطن السوري، عربياً كان أم كردياً، وبصرف النظر عن خلفيته الإثنية أو الدينية أو المذهبية. وليست القوى الكردية غافلة عن هذه البديهيات، بل هي تعرفها وتؤمن بها، وعلى أساسها تتواجد وتنشط في قلب الحراك الديمقراطي السوري.
لعلّ الصدفة وحدها شاءت أن تندلع الأحداث على خلفية مباراة في كرة القدم بين ناد محلي معظم جمهوره من الأكراد المبتهجين لسقوط طاغية العراق، وناد ضيف معظم جمهوره ساخط لسقوط بغداد، أو حتى سقوط صدّام حسين لدى البعض... ولكن هل هي صدفة أيضاً أن تكون مدينة القامشلي هي حاضنة الشرارة الأولى، وأن تجري سلسلة الأحداث المؤسفة الأولى في مدن وبلدات وقرى المحافظات الشمالية ذاتها، المهملة المنبوذة شبه المنسية؟
-------------------------------------------------------------
رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية
خسرو بيربال
بعد التحية و الاحترام ...
أكتب إليكم هذه الرسالة المفتوحة , كي أطلب من سيادتكم التدخل السريع لوقف
المجازر البشعة التي تتم بحق الشعب الكوردي في سوريا ووضع حل جذري لها , هذه
المجازر و الأعمال العنيفة التي ترتكب باسمكم و باسم الشرطة و قوى الأمن في المدن
السورية : عامودا و الحسكة و ديريك و درباسية و رأس العين , سري كاني , و كوباني
وعفرين و قامشلي - كوردستان سوريا -
في هذه الرسالة المفتوحة والقصيرة , لا أود أن اسرد على سيادتكم التاريخ و الشواهد والوثائق التاريخية المعروفة المطبوعة و المنشورة في العالم العربي و الإسلامي , تلك
الوثائق التي تؤكد و تثبت تقسيم كوردستان إلى أربعة أجزاء بعد الحرب العالمية
الثانية و أن هناك حقيقة و هي وجود قسم من كوردستان في الجزء الشمالي الشرقي من
وطنكم دولة سوريا العربية .
أود أن أبين لسيادتكم أنني أعجبت بشخصكم الكريم , و بطريقة تعاملكم و خطابكم في
المؤتمر الأخير أثناء مؤتمر القمة العربية في بيروت , لقد لاحظت أفق التفكير العميق
والدقة الموضوعية في خطابكم , وتحدثت عن إعجابي هذا للكثير من الأصدقاء المفكرين و
الكتاب في كوردستان , قلت لهم : - بأن دولة سوريا الجديدة , ستكون دولة ذات سياسة
مضيئة و متجددة و حضارية ديمقراطية و متفتحة على العالم الخارجي و سياسة الرئيس
الجديد السيد بشار الأسد ستكون مختلفة جذرياً و أكثر تفتحاً من الأساليب السابقة
المتبعة من قبل الحكومة العربية السورية وبالتحديد تجاه القضايا المتعلقة بسياسة حكومتكم الداخلية و الخارجية و أقصد هنا تجاه التجربة الديمقراطية في كوردستان العراق , و بالأخص نظرتكم و تفهمكم للقضية الكردية في كوردستان الغربية كوردستان سوريا -
سيادة الرئيس بشار الأسد:
أن العالم اليوم هو عالم التفاعل والتفاهم والديمقراطية والانفتاح أمام الآخرين
هؤلاء الذين يعيشون معنا وحولنا رغم الاختلاف في اللغة والجنسية , وهناك في
دولتكم العريقة شعوب وأقليات مختلفة ومن بينهم الشعب الكوردي الذي تمثله بعض
التيارات و الأحزاب الكوردية الوطنية في سوريا .
عالم اليوم عالم صغير جداً , و كما أكدتم أنتم بمؤتمر القمة العربية في بيروت إن
الشعوب تتأثر ببعضها البعض , والحقيقة هنا يا سيادة الرئيس إن الشعب الكوردي في
كوردستان متابع و مطلع عن تطورات و تقدم الأحداث و الأمور وخاصة مجرى و خطى مسيرة التقدم والنضال الذي يسلكه الشعب الكوردي في كوردستان بأجزائها الأربعة ،الانتفاضة الشعبية في كوردستان العراق و تشكيل حكومة كوردستانية في عام 1992 , و الكورد في شتى أنحاء العالم يتتبعون كيف إن الكورد في كوردستان العراق نجحوا بإعادة بناء بلدهم وأعماره و تطوير الحياة الاجتماعية و الاقتصادية للمواطن الكوردي في كوردستان العراق ,منذ البداية لم يرغبوا في بناء دولة مستقلة , لأن البرلمان الكوردستاني تبنى مبدأ الفيدرالية مع الدولة العراقية . و في هذا الإطار القومي للقضية الكردية , فإن المطالب القومية للشعب الكردي في سوريا أثرت و سوف تؤثر كثيراً بالأحداث في العراق عامة و هذه حقيقة جغرافية وقومية و سياسية . يعيش الشعب الكردي في سوريا اليوم حالة من الظلام و الخوف والقهر, وذلك عبر اقتحام الشرطة السورية للبيوت الآمنة في كل المدن التي يتواجد فيها الكورد وإطلاق الرصاص الحي على الجماهير و هنا أسألكم يا سيادة الرئيس : أين تتوجه هذه الطلقات الحية و ما هي أهدافها ؟ تقتل من ؟ و تجرح من ؟ الضحايا هم من جلدة واحدة , وحضارة واحدة و شعوب عاشت معاً و سوف يبقون إلى الأبد , و ألتمس منكم التدخل السريع لوقف حمام الدم في المدن الكردية السورية.
سيادة الرئيس
أنني ككاتب كوردي أود أن أحيطكم علماً بأن اليوم كل الشعب الكردي في كوردستان
والخارج يتألمون ويشتكون الألم والعنف والقوة المستخدمة من الشرطة في سوريا .
أؤكد لكم بأن الشعب الكردي قبل السلطات الأمنية في سوريا , مطالبه لا تقل ولا تزيد
عن مطالبة أي إنسان فوق هذه الأرض وهي الحياة البسيطة وضمان حقوقه في اللغة الأم وحق حيازة هوية تثبت شخصيته القومية و احترام النفس و احترام ثقافته و حق تقرير
مصيره , وهذا كله تضمنه سياسة جديدة متبعة من قبل سيادتكم و الحكومة السورية
للجلوس على طاولة المفاوضات و إيجاد الحل العادل للقضية الكردية في سوريا وإقرار
مبدأ الفدرالية أو الحكم الذاتي للمنطقة الكردية و إتباع سياسة جديدة في التنمية و التقدم والعمل لازدهار البلد بصورة عامة وتنمية المجتمع السوري عامة .
نحن الكورد نؤكد على التآخي القومي بين الكورد من جهة و بين بقية الشعوب من كافة
البلدان و ثقافاتها و خاصة دول الجوار وعلى تعايشهم السلمي معاً , ونأمل أن تدعوا
سيادتكم إلى نبذ العنف و القوة في حل المشكلات حيث ثبت في كوردستان العراق أن العنف
لا يولد إلا العنف و هو غير مقبول في العلاقات بين الثقافات و الحضارات .
أنكم تستطيعون الدخول إلى التاريخ الجديد من أوسع أبوابه , و سوف تشكركم الشعوب
القاطنة في المنطقة إذا سارعتم اليوم في هذه اللحظات التاريخية بفتح الملف الكوردي
و لا خوف من قول الآخرين أن الكورد يريدون دولة كوردية , أن هذه الاتهامات ينشرها
بعض الأفراد لغرض التشويش و استمرار دوامة العنف و عدم الاستقرار في المنطقة .
الكورد اليوم يريدون ضمانا لحقوقهم الثقافية و القومية و الاجتماعية , أنكم قادرون
للدخول إلى قلوب كل شعوب المنطقة عبر إعفائكم للمسجونين السياسيين الكورد و فتح
مائدة مستديرة للأحزاب الكردية في سوريا .
عالم اليوم هو عالم التفاعل و الاتصال و التشابك و التعاون الثقافي و الاقتصادي نحن
جميعاً ندرك الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها بلدكم و هو بلد الكل , هناك
مقولة لكاتب عربي : - أن لكل إنسان بلدين , الأول بلد الولادة و الثاني هو سوريا- .
اليوم و بعد تحرير العراق من أبشع الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط يشارك الكورد والعرب و كل شعوب العراق في بناء عراق جديد و متقدم . وسوريا العزيزة دولة جارة ,
بمقدوركم يا سيادة الرئيس , تغيير وجه المنطقة و بناء جسر على فيش خابور و تطوير
المنطقة اقتصادياً و ثقافياً و اجتماعياً ... , إنكم تدركون يا سيادة الرئيس كيف
أن الاقتصاد التركي تطور بشكل ملحوظ بتحرير كوردستان في عام 1991 , و أن الحدود مع
تركيا كانت و ما زالت معبراً حيوياً لهم و كذلك استفادت الشعوب العراقية .. , لماذا
لا تبنون أنتم أيضاً جسراً على دجلة للتواصل و الاستفادة من خيرات بلدكم الثاني
العراق عبر التجارة ؟
سيادة الرئيس إنكم الآن تعيشون لحظات تاريخية حاسمة , لحظات تنتظرها شعوب المنطقة
كاملة , و الشعب الكردي خاصة , اليوم ينتظر الإنسان الكردي منكم الجلوس إلى طاولة
المفاوضات و إتباع سياسة واقعية و بناء أسس التعاون و نشر المحبة و السلام بين الشعب الكردي و شعوب المنطقة .
إن الأحداث و التطورات و السياق الزمني للقضية الكردية لا ترجع إلى الوراء , اليوم
لا رجعة عن أحقية حقوق الشعب الكردي في العيش و امتلاكه لحقوقه الثقافية والقومية وحقه في العيش بشرف وأمان تحت أجنحة الاستقرار والسلام ...
و لكم مني يا سيادة الرئيس كل الاحترام و التقدير
خسرو بيربال / كاتب من كوردستان العراق
-----------------------------------------------------------------------------------------
أحداث القامشلي واستثمارها إيجاباً

فاروق حجي مصطفى الحياة 1/4/2004
ما حدث في القامشلي, أخيراً, كان حدثاً كبيراً, لأنه كاد يدمر العلاقة العربية - الكردية ولأنه نبّه كل الأطراف, الكردية والسورية, إلى أن الظروف الدولية المستجدة قد تدفع الأكراد إلى الخروج عن صمتهم, في وقت يتربص كثيرون بسورية وربما يستغل هؤلاء الثغرات الموجودة بين الأكراد والحكم لضرب الوحدة الوطنية. لذلك لا يمكن الرهان على استمرار الاستقرار, الذي يحتاج إلى أن تؤمّن الدولة قوة الدفع له, كما فعلت في الأيام الأخيرة من الاضطرابات. فالدولة كانت حريصة ربما أكثر من كل الأطراف على الحفاظ على الوحدة الوطنية, ولعل تعاطيها الإيجابي في ما يخص تهدئة الوضع وإفساح المجال أمام الكرد للاحتفال بعيد النوروز كان دليلاً قاطعاً على أن الوحدة الوطنية كانت هاجساً كبيراً لديها. لكن ثمة أسئلة تطرح نفسها بقوة: ترى إلى أي درجة يمكن للدولة السورية أن تتعاطى مع الوقائع بإيجابية؟ وهل في إمكان الطرفين -الدولة والأحزاب الكردية- استثمار هذه الاضطرابات إيجاباً والإفادة منها وتأسيس علاقة صحيحة وبناءة عليها؟ وهل أدركت الأحزاب الكردية أهمية الشارع وأن استنفاره قد يُفلت الأمور من يدها؟ وإلى أي درجة يمكن هذه الأحزاب التحكم بالشارع وتوجيهه إلى البعد عن الخطأ ومخاطر ضرب العلاقة العربية - الكردية وإيذاء اللحمة الوطنية؟
ثمة من لا يصدق أن الاستقرار سيدوم طويلاً, ويدعم حجته بأن هناك أموراً كثيرة أدّت إلى إحداث القامشلي لا تزال تحتاج إلى حل مثل مسألة عشرات الآلاف من الأكراد المحرومين من الجنسية وتصحيح وضع الأملاك التي تقول الأحزاب الكردية إنها انتزعت من الأكراد في بداية السبعينات, وسلمت إلى عرب من الرقة السورية. والاغتراب الذي يعيشه الأكراد نتيجة بعض الإجراءات الاستثنائية المطبقة على الكرد والاستمرار في تطبيق سياسة التعريب إذ تقول الأحزاب إن 90 في المئة من أسماء القرى والبلدات الكردية عرّبت.
استمرار هذه المشاكل قد يدفع بعض قصار النظر إلى المراهنة على الظروف الدولية.
لذلك فإن الدولة مدعوة إلى التعاطي الإيجابي مع الأحزاب الكردية وتجاوز معوقات عدم دمج الأكراد في المجتمع العربي السوري, وتكمن هذه المعوقات في عدم السماح للأحزاب الكردية بدخول "الجبهة الوطنية التقدمية" وغياب مشاطرة الجانب العربي للأكراد في نضالاتهم المطلبية أساساً, وعدم تمكن النخبة السورية من الخروج من وهم انفصال الأكراد عن سورية, على رغم أن عوامل كثيرة تحول دون ذلك كالوضع الجغرافي والتوزيع السكاني وتداخله إلى غيرها من العوامل.
لكن هذا كله لا يعني أن الأكراد لا يتحملون قسطاً من المسؤولية. إذ إنهم لم يتمكنوا من التكيف مع الحال السياسية السورية ولم يستطيعوا فرض أنفسهم كمعطى من المعطيات على الواقع السوري. كما أن الخطاب الكردي المتخلف لم يتمكن من طمأنة الطرف الآخر إلى صدق النيات الكردية, كما لم يتمكنوا من الاندماج في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية إلا أخيراً. وهذه العوامل حالت دون التفاعل مع القوى السياسية والمجتمع السوري. لكن هل تكون هذه العوامل سبباً للمراهنة على قوى خارجية؟ الجواب لا طبعاً, لأن الأكراد يشاطرون المجتمع السوري الهموم والتحديات التي تواجه سورية ولأنه لا توجد أرضية لدى الأكراد السوريين ليكونوا أداة في يد جهات تعادي سورية وتعمل على ضربها من خلالهم ولأنهم حريصون على الوحدة الوطنية كغيرهم من القوى الوطنية ومقتنعون في الوقت نفسه أن حل القضايا العالقة يتم بالحوار مع مؤسسات النظام السياسية المعنية. الأكراد وغيرهم يشكلون نسيج المجتمع السوري بألوانه الجميلة وهذا النسيج يحتاج اليوم إلى الأخذ في الاعتبار في شكل واسع وموضوعي مسألة الديموقراطية من كل جهاتــها, وبهــذا يصــبح تــناول الأحداث شأناً سورياً خاصاً مرتبطاً بالمسألة الديموقراطية, أما تأجيله فيجعل كل الحلول منقوصة وغير كاملة. والأكراد أصحاب مصلحة حقيقية في الاتجاه نحو إصلاح جذري سياسي اقتصادي - اجتماعي - ديموقراطي في سورية لبناء دولة حديثة تؤسس لمجتمع مدني تتراجع فيه العصبيات القومية والقبلية والعشائرية لتحل محلها دولة القانون والمؤسسات.
بقي أن على الأكراد الذين يقولون إن تعدادهم يصل إلى 5.2 مليون نسمة في سورية أن يحرصوا على عدم السماح لأحد اللعب بمطالبهم واستغلالهم أن يثبتوا أنهم حريصون أن يكونوا مواطنين أكراداً سوريين.
* كاتب كردي.

-----------------------------------------------------------------------------------------

12 آذار والانتماء السوري للكرد
دارا كيلو- كاتب كردي سوري

لاشك أن أحداث آذار كانت مفصلا هاما في تاريخ كرد سوريا, وكذلك في تاريخ سوريا كإطار سياسيي جغرافي يرنو إلى استكمال مقومات الوطن بالمعنى الحقيقي, وقد تكون الخطوة الأولى على طريق وضع نهاية لحالة الاغتراب الجماعي التي عانى ويعاني منها الكرد, وبدرجات متفاوتة, القوميات الأخرى, في علاقتهم مع الإطار الجغرافي السياسي, الذي وجدوا أنفسهم فيه مع إخوتهم من العرب والقوميات الأخرى في سوريا, بغض النظر عن إرادتهم أو ارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية السابقة على ذلك. وقد كانت هناك حاجة لأن يمر وقت طويل, حتى يعتاد الكرد على الوضع الجديد بمستحقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكان يمكن لحالة الاغتراب هذه أن لا تدوم طويلا لو أن العرب اعترفوا بالإطار السوري كوطن نهائي لكل أبنائه, لكنهم أيضا كانوا يعانون من حالات من الاغتراب ذات أبعاد مختلفة, عبرت عن ذاتها بمشاريع سياسية إقصائية تجاه الكرد وغيرهم, مما غذى أكثر الاغتراب الكردي, أضف إلى ذلك أن هناك مشاريع سياسية كردية ساهمت أيضا في تكريس الاغتراب الكردي, وفي كل الأحوال فإن كل الممارسات التي ساهمت في تغذية الاغتراب الكردي أو غير الكردي كانت تضعف الانتماء السوري للجميع.
لقد بين حدث آذار أن هناك مشكلة كردية سورية, وأن الأكراد السوريون لهم مظالم ومطالب تستحق على الحكومة السورية, وبالتالي فهم يتجهون باتجاهها, ولو كان هذا التوجه عنيفا وحمل طابع رد الفعل, مطالبين ببعض الحقوق, أي أن لهم مشكلة تحل في دمشق وليس في آمد أو هولير. وهنا حقق الكرد السوريين ثلاث اختراقات على جبهات عملهم من أجل حقوقهم المشروعة:

الأول هو تجاوزهم للمصادرة التي تعرضوا لها على يد الإيديولوجيات الثلاث : القومية العربية التي أقصت الكرد ماديا ومعنويا, والاشتراكية استبعدت المسألة الكردية انتظارا لجنة الاشتراكية , والقومية الكردستانية التي صادرت الكرد السوريين لمصلحة مشكلات أجزاء كردستان الأخرى, وهذه الأخيرة استغلتها السلطة إلى أبعد حد من أجل توجيه أنظار الكرد السوريين خارج سوريا, حيث استضافت قيادات سياسية من أكراد العراق, ومن ثم تركيا وحاولت استخدامها ضد الحركة السياسية الكردية في سوريا, وصولا إلى انتزاع شهادة سوداء من السيد عبد الله أوجلان بأن أكراد سوريا مهاجرون من تركيا.
الثاني هو أنهم نالوا اعترافا من سلطة حاولت طوال تاريخها منع تداول كلمة الأكراد السوريين ووجودهم, فقد بدأ الإعلام الحكومي بتجاوز الخطوط الحمراء والحديث عن أكراد سوريين, وتوج ذلك بحديث رئيس الجمهورية عن القومية الكردية في سوريا, رغم أن بعض المسؤولين رددوا نكتة -أكراد عرب سوريين-.
الثالث هو اعتراف القيادات الكردية خارج سوريا وحديثهم عن كردستان سوريا في وسائل إعلامهم المختلفة.
يمكن القول هنا, مع بعض التجاوز, أن المقولة الماركسية حول - طبقة بذاتها وتحولها إلى طبقة لذاتها- تنطبق على الأكراد السوريين, الذين كانوا شعبا يمتلك مقومات خاصة, لكنهم لم يكونوا يعون ذلك بشكل كاف لأسباب كثيرة, وجاء حدث آذار لكي يبين ويساهم في إدراك الكرد السوريين لحقيقتهم: وجودا وحقوقا وطرق معالجة وآفاق مستقبل, واعتقد أن ذلك مطروح في إطار الوطن السوري.
في موضوع العلاقات بين الكرد والعرب في الإطار السوري, يرى البعض أن حدث 12 آذار خلق شرخا بين الكرد والعرب, قد يهدد الوحدة الوطنية والتعايش المشترك. أعتقد أن الأمر على عكس ذلك تماما, أي أن هذا الحدث يشكل بداية حقيقية لتعايش حقيقي وليس إقصائي بين الكرد والعرب وغيرهم, ولا بأس من ظهور آراء متطرفة هنا وهناك. لقد كانت النظرة السائدة من جانب العرب هي أن سكان سوريا عرب وليس هناك مشكلة كردية, أما من جانب الكرد الذين تعرضوا للإقصاء المادي والفكري, فإنهم قبلوا الأمر الواقع, أو أنهم أبدوا مقاومة ضعيفة تجاه ذلك أملا في ظروف أفضل, وهذا لا يعني أنه ليست هناك مشكلة. فليس من الطبيعي أن يمنع رجل لا يجيد سوى لغته الأم من الكلام بلغته, أو أن يضطر كردي أن يكتب في أوراقه الرسمية عربي سوري ونتحدث عن عدم وجود مشكلة. إن إدراك العرب وغيرهم لحقيقة وجود مشكلة كردية وعنصر كردي متميز, هو بداية التعارف الحقيقي بين مكونات الوطن, رغم أن إدراك الوضع قد يكون من زوايا خاطئة في كثير من الأحيان, إلا أن الاعتراف بوجود مشكلة والخلاف حول أبعادها وأسبابها وحلولها, أفضل من عدم الاعتراف بوجودها أو الجهل بذلك, لأن الحل الحقيقي لأي مشكلة يبدأ بالاعتراف بحقيقة وجودها, ومن ثم التفاعل بين زوايا التشخيص والحلول المختلفة. إن التعايش الحقيقي وإمكانية بناء وحدة وطنية حقيقية يبنى على وجود عناصر مختلفة تدرك حقيقة هذا الاختلاف وتقبل به من أجل التعايش, أما التظاهر بالتماثل وبناء أوهام التعايش على ذلك, فإنه كأي كذبة سينكشف عاجلا أو آجلا وستكون النتائج غير مرغوبة. لنتصور حالتين, ونقيم أيهما أكثر قدرة على تحقيق التعايش والوحدة, كردي وعربي لكل منهما خصوصية قومية, ولكل منهما أحلام قومية كبرى وهما يدركان ذلك, وقررا لسبب أو لآخر التنازل عن تلك الأحلام من أجل التعايش مع بعضهما. وحالة أخرى عربي لا يرى إلا العروبة والمشاريع العربية الكبرى ويعتبر الكردي عربيا, وكردي لا يهمه سوى إثبات شخصيته القومية ومجاراة العربي في مشاريعه الكبرى. والسؤال أي الحالتين أقدر على التعايش ؟ لا شك أن المنطق السليم يشير إلى الحالة الأولى.
أخيرا جاء حديث السيد رئيس الجمهورية لكي يدفع أيضا باتجاه تعزيز سورية الكرد بالدرجة الأولى, ومن ثم تقوية الانتماء السوري عموما, فأكراد سوريا قومية أساسية في النسيج والتاريخ السوري حسب كلام الرئيس, والمدلول الوجودي والسياسي لكلمة قومية يختلف عن الجالية أو الأقلية القومية. يفهم من ذلك أن الأكراد ليسوا ضيوفا أو مهاجرين, إنهم أناس يعيشون على أرضهم, وهذا إقرار بواقع تم تجاهله مطولا و يشكل بداية حقيقية نظريا, حيث أنها تتطلب خطوات عملية لتتجسد, لشراكة حقيقية بين كافة مكونات الوطن السوري قائمة على المساواة في الحقوق والواجبات.
هناك مجموعة من السياقات والأحداث تطرح وتدفع وتقوي الميل باتجاه سوريا كوطن حقيقي للجميع, وكون الحدود الجغرافية السياسية لسوريا قد رسمت بأيادي الغير, يجب أن لا يمنع أبناء سوريا من كافة الأطياف من تحمل واجباتهم تجاه تحدي بناء سوريا وطنا يتبادل الحقوق والواجبات تجاه كافة أبنائه. هل سيسمح الآخرون بذلك؟ قد يسمحون أو لا يسمحون , ولكن السؤال الأهم هل أبناء سوريا على مستوى التحدي؟

-----------------------------------------------------------------------------------------

هل الهوية الوطنية السورية هي الملتبسة ؟

حسيبة عبد الرحمن
كاتبة وروائية سورية -حزب العمل الشيوعي-

إن الأحداث الأخيرة شمال شرق سوريا تطرح أسئلة كبيرة و جوهرية ليست من زاوية التوقيت أو افتراض وجود قوى إقليمية وعالمية وراءها تستثمر الحدث وتجيرها لصالح سياساتها الخاصة كما جرت العادة باعتبار هذا التحميل الخارجي جزء لا يتجزأ من الإيديولوجية السائدة وهو تعليق مشاكلنا الداخلية المتفجرة على مشاجب العامل الخارجي عوضاً عن تشخيص المشكلة أو الأزمة وإيجاد الحلول لها و انتزاع فتائلها قبل أن تتفاقم أكثر كبديل عن التهم الجاهزة ضد المطالب المرفوعة أياً كانت سياسية، اقتصادية ، اجتماعية، قومية، أو ما رافق الأحداث من عنف متبادل وعدد الضحايا من الأكراد ....إلخ أو ما كشفته الأحداث من عمق المشكلة التي يعانيها الأكراد السوريين من انتقاص لمواطنتهم ورغم أهمية ما تقدم لكني أرى ومن وجهة نظري أن الأهم أن هو طرح سؤال حول ماهية الهوية الوطنية السورية والتي كشفت الأحداث الأخيرة عن الهوة العميقة في الانتماء فيما جرى حتى لو كانوا من المتطرفين وإن هناك مشكلة في الهوية الوطنية فهي إما متذرية أو مفقودة !!.
وفي هذا السياق أعتقد أن فتح الحوار حول الهوية الوطنية في سوريا من أكثر القضايا إلحاحاً
في المرحلة الراهنة فأحداث القامشلي والحسكة وغيرهما قد كشفت عن أزمة في الانتماء والهوية الوطنية كانت تظهر بشكل خجول ووجل في مواقف وأحداث متباينة أهمها حوادث السويداء قبل ثلاثة أعوام ونيف...والمشترك بينهم تنزيل العلم بما يعني ورفع علم خاص طائفي أو قومي آخر والاتهامات المتبادلة ، وقد يحدث و يتكرر لاحقاً في مناطق مختلفة من سوريا وهذا يدفع إلى سؤال مهم وهو إلى أي درجة يوجد إحساس بالهوية الوطنية؟ وإلى أي حد لدى المواطن إحساساً بالمواطنة والانتماء لهذه الرقعة الجغرافية التي تسمى سوريا...!! وما هي الأسباب والخلفيات لذلك ...إلخ ؟؟؟ !!! هل هو تاريخ سوريا وبلاد الشام الذي عرف عنه استبدال الحضارة المركزية الواحدة كما هو في الحضارة المصرية أو حضارة ما بين النهرين بحضارات وممالك عديدة الساحل، الداخل ، الشمال الشرقي السوري المتعلق ربما بالعامل الجغرافي ؟ وما هو أثر ذلك على حركة المجتمع السوري وتشكيل الدولة السورية الحديثة ؟ أم أن سوريا بحدودها السياسية الراهنة وتاريخ نخبها السياسية والاقتصادية المتناقض ومفاعيلها ما بين النخب السياسية الصاعدة إثر الاستقلال التي حاولت القفز فوق الحدود والتطلع تارةً إلى وحدة سوريا الطبيعية وأخرى إلى وحدة قومية عربية، أو وحدة أممية، أو إسلامية ، وبين بعض النخب السورية الحاكمة التي اعتبرت محاولة إلحاق سوريا بالتاج الهاشمي في بغداد هدفا لسياساتها بعد الاستقلال ، عبر عن هذا الاتجاه الإلحاقي الذي يلغ ذروته في الوحدة عام 1958 بغض النظر عن القوى التي دفعت به حيث أزيح أسم سوريا عن الخارطة إبان الوحدة السورية المصرية وكان ذلك بسبب أزمات السيطرة والهيمنة للطبقة الحاكمة ومحاولة تصديرها نحو المحيط الإقليمي مع الأخذ بعين الاعتبار المد الوحدوي ، وفي معمعة تلك الدعوات والتوجهات ضاعت الخارطة الحديثة العهد لسوريا الممزقة - فلسطين ، لبنان ، أسكندرونة ، الجولان - وتوسعت الخارطة النظرية وتمددت في الأحلام ليس إلا ومعها الطموح الجامح بعيداً عن قدرة البلد وحجمه الطبيعي ، وسيطرة فكرة التبشير التي غلفت البرامج السياسية التوسعية ، والزمن ليس زمن التبشير !!! وقد قال أحد الباحثين الغربيين : -إن الانتماءات في سوريا إما ما فوق وطنية وإما انتماءات طائفية عشائرية أسرية - !! أما من ناحية الثقافة المجتمعية السورية فبقدر ما تمنح الغريب الأمانة والتسامح بقدر ما ترفض تلك الثقافة منح أبن البلد الذي لا ينتمي للدين أو القومية أو الطائفة السائبة إحساساً بالأمان والمواطنة المتساوية مع باقي المواطنين – مواطن درجة ثانية – مشكوك في ولائه وانتمائه ووطنيته والذي كان نتاجاً للصراعات السياسية والاجتماعية والدينية !!! . وهذا ما ترك ويترك أثره النفسي والسلوكي على المواطن الذي لا تنطبق عليه شروط المواطنة من دين وقومية وطائفة رغم أن سوريا بلد التنوع ألفسيفسائي إن كان الديني ، الطائفي ، القومي ، الأثني الأكثرية فيه أقلية !! ... الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة وتاريخية ليس مجالها هنا ولست متخصصة . أما سياسات وسلوك السلطات في الدولة الحديثة سواء الراهنة أو المنصرمة فقد عززت غياب المواطنة والوطن – لم تتسائل النخب لحظة واحدة عن إزاحة أسم سوريا عن الخارطة فترة الوحدة إن كانت خاطئاً أو صحيحاً !!! وربطت المصالح السياسية لفئة أو طبقة أو مجموعة بمصالح الوطن أما السياسات المتبعة في الثلاثين عاماً الماضية فقد جرى تحول في مفهوم الدولة إلى إمارة للمؤمنين والمجتمع إلى رعية وراع ولم تسع السلطة إلى صياغة عقد اجتماعي مع المجتمع وممثليه من نخب وفعاليات أو تطبيق شروط المواطنة الحديثة كنتاج لمفهوم الدولة الحديثة والشكل الراقي والمتطور لنواظم العلاقات المقوننة الرابطة بين السلطة والمجتمع وغاب معها مفهوم تداول السلطة وأصبحت الطبقة الحاكمة تتعاطى كسلطة وحيدة مالكة ومخولة بالقرارات السياسية والاجتماعية ومنح الشهادات الوطنية وحسن السلوك للإفراد والمجتمع وكأنها مرجعية المرجعيات في إعطاء البشر صفة الوطنية أولاً ضمن نسق مفاهيمها حول الوطنية التي تعني الولاء والطاعة لها فمن يعارضها فهو لا وطني وهكذا وحدت بين الولاء لها والولاء للوطن واختلت الهوية أيما اختلال وتعزز الشعور بانعدام المواطنة الذي يتحدد هو الآخر بالولاء للسلطة الحاكمة حصراً - أنموذج العراق - . إن ما قيل سابقاً هو محاولة للإلقاء الضوء على جانب مهم مبطن لما حدث في القامشلي من جهة الشعارات والصور التي تدلل على أزمة في الهوية الوطنية السورية من جهة ومن جهة ثانية تكشف أحداث القامشلي والحسكة عن وجود مشكلة كبيرة للأكراد السوريين ليست فقط مشكلة الجنسية وإن كانت هي أحد أهم عوامل التفجير المباشر كما كانت قضية الفلاحين في سوريا عامل تفجير فترة الخمسينات أدت إلى صعود نخب الريف إلى السلطة وإنما تتعداها إلى الحقوق الثقافية والمواطنية الكاملة لهم كأقلية قومية في هذه المرحلة مرحلة النهوض القومي الكردي وتكشف في الوقت نفسه قصور وغياب طرح مشكلة الأقليات وعلى الأخص الأكراد في البرامج السياسية للمعارضة والسلطة على حد سواء والتغاضي عنها وهذا يدلل على التعصب القومي العربي الذي يدفع بدوره إلى تعصب قومي كردي يؤدي إلى انعدام الحوار وانفصام في المطالب وهذا لن يؤدي إلى صياغة برنامج ديمقراطي موحد لكل الأطراف في سوريا وضحيته الأولى سوريا الوطن الغير معترف بحدوده وهويته الوطنية . وهذا يطرح بدوره ضرورة إعادة إنتاج خطاب سياسي للمعارضة السورية القومية والوطنية تدرج فيه مطالب الأكراد كجزء لا يتجزأ من المطالب الوطنية والديمقراطية السورية وعلى الحركة السياسية الكردية أيضاً إعادة إنتاج خطابها السياسي وإدراج المطالب الديمقراطية السورية على أولويات برامجها السياسية وألا تقتصر مطالبها على جانب قومي فقط ....... الأمر الذي يدفع القوى والفعاليات السورية إلى توحيد نضالاتها الديمقراطية السلمية عرباً وأكراد كخطوة أولى باتجاه الحل الديمقراطي والوطني للمشاكل العالقة وهو أيضاً يفتح حقلاً اجتماعياً وسياسياً جديداً نحو حوار معمق وصريح حول الانتماء الهوية الوطنية والتعايش المشترك بين أفراد المجتمع السوري أياً كانت انتمائه الديني أو القومي أو الطائفي وقبول كل طرف للآخر على مستوى السلطة والنخب والفعاليات والمجتمع. أما من جانب السلطة السورية عليها أن تباشر في حل القضايا الملحة للأكراد السوريين وأولها التجنيس لمن لا جنسية له أو جرد من الجنسية إبان إحصاء 1962 السيئ الذكر والصيت وانفتاحها على الجميع والدخول في حوار شفاف حول القضايا والمشاكل السياسية والاجتماعية ومن بينها الحوار حول الهوية الوطنية والمواطنة السورية.
-----------------------------------------------------------------------------------------
رأي محايد

عماد يوسف
ما واجهته سوريا في الأيام الأخيرة من أحداث مدينة القامشلي، الحسكة، وبقية المناطق الشمالية الشرقية ، قضية في غاية الخطورة ،إن كان على الصعيد السياسي أو الوطني. إن خصوصية سوريا تفرض علينا العد حتى الألف ربما، وليس فقط المئة، قبل أن نقدم على أي عمل أو نشاط يمكن أن يقترب بالبلد أو بتنويعاته الدينية والطائفية والأثنية من درجة الخطر . لقد بدأنا الحراك السياسي منذ ثلاث سنوات ونيف تقريبا وكلنا أمل بأن نتمكن من إعادة سوريا إلى وضعها الطبيعي في إشراك كافة أطياف النسيج الاجتماعي السوري في الشأن العام وممارسة السياسة بالطريقة الصحيحة والسليمة ، والتي مارستها سوريا في حقبة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي بالرغم من تواضع تلك التجربة وقصر مدتها -نعني هنا سوريا في ظل المجتمع المدني-حيث مارس الناس جميع أشكال العمل المدني وانخرط في أطره العديدة، من الأحزاب السياسية والهيئات ، إلى المؤسسات الإعلامية الحرة، إلى النقابات والتي كانت نشاطاتها مستقلة تماما ومترفعة ، بل ويمكن القول سامية هي وغيرها بعملها عن كل ما يمكن أن نسميه أو له علاقة بالعصبيات والتمييزات بكل أنواعها ، الطائفية منها والدينية، الأثنية والإقليمية ، ولم يحصل آنذاك ما يعكر صيرورة هذا المجتمع المتناغم والمتناسق بكافة أطيافه سوى بعض الصراعات السياسية التي أخذت أشكال غير صحيحة في الكثير من الأحيان ، والتي كان لبعض القوى الإقليمية والدولية تأثير كبيرفيها، والأسباب كثيرة لسنا بوارد ذكرها الآن، هذه الصراعات التي حسمها أخيرا حزب البعث من خلال ما يسمى ثورة 8 آذار عام 1963 ، طارحا أهدافه الثلاثة في الوحدة والحرية والاشتراكية والتي كانت في ذلك الحين تحتل الأولوية الأولى بالنسبة للمواطن السوري والعربي حيث كان المد القومي في أقصى امتداد له في عمق الشارع العربي الذي ربما اعتبر في ذلك الحين بأن الطروحات القومية التي طرحها الناصريون والبعثيون خاصة، هي البديل عن مشروع نهضوي عربي أصابه الانهيار مع بداية العشرينيات من القرن العشرين .. إن أشكال العمل المطروحة على الساحة السياسية السورية منذ نهايات العام 2000 حتى الآن هي أشكال عمل سلمية بالمطلق، وكل متابع لأعمال الطيف السياسي السوري خلال السنوات الأخيرة يرى مدى سلمية هذا الحراك ،وديمقراطية هذا الحراك . إن أولى تباشير هذا العمل كانت الاعتراف بالسلطة بالرغم من أنها لم تعترف بنا -ومازالت-،ولقد عملت المعارضة بكافة شرائحها على طلب الإصلاح من السلطة ابتداء من بيان 99 وبيان الألف،إلى بيان التوافقات ، وامتدادا إلى أدبيات الأحزاب السياسية التي تنضوي تحت راية التجمع الوطني الديمقراطي والأحزاب غير المنضوية ، إلى بقية القوى السياسية الأخرى بما فيها هيئات حقوق الإنسان السورية في الداخل والخارج ، حيث طالبت كل هذه القوى بتطوير القوانين وخاصة ما يتعلق بها بقوانين الأحزاب ، الحريات، وتوزيع الدخل الوطني توزيعا عادلا لكافة أبناء الوطن، وقوانين الإعلام والصحافة، والتعبير والنشروالغاء قانون الطوارىء والمحاكم الاستثنائية ،ورفع هيمنة السلطة عن المجتمع، والإفراج عن معتقلي الرأي والحريات وإلى ما هنالك من إصلاحات أضحت من بديهيات النظام السياسي والمجمتعي المعاصر كشرط أساسي من شروط تأسيس الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون المحكومة بقوانين نزيهة ومؤسسات دستورية تكرس قيم العدالة الإنسانية ومفهوم المواطنة بين أبنائها، ذلك المفهوم المبني على عمق الانتماء الوطني ، وليس الانتماء الديني أو العشائري والعائلي أو السياسي . لقد كان هناك دوما اتفاق ضمني أو تنسيقي حينا بين كل أشكال طيف المعارضة السورية، بأن النهج المتبع للعمل السياسي هو نهج سياسي سلمي تراكمي ، يعمل من خلال الكلمة والقلم والخطاب الديموقراطي ، مستثمرا في ذلك أبسط أنواع المنابر والامكانات المتوفرة ، ابتداء من جلسة لشخصين أو ثلاث أو أكثر ضمن منزل بسيط لنا شط في الشأن العام، وانتهاء بمداخلة قصيرة في منتدى ثقافي أو سياسي هنا أو هناك ،أما ما تبقى فينشر ويدرس على طاولات المقاهي في لقاءات ممثلي هذا الطيف ممن حملوا هما وطنيا في الإصلاح والتغيير أبعد وأكبر من أعداد هذا الطيف، الذي عانى ما عاناه من قمع ، وسجن، واعتقالات، والذي لا يحوي بين نسيجه حسب تصوري مريد لمنصب، أو زاحف خلف امتيازات غير موجودة أصلا، فلنتخيل جميعا مدى سلمية هذه المعارضة الجدية والدءوبة والوطنية بامتياز..!! أما ما جرى في مدينة القامشلي والحسكة وبقية المناطق ، لهو أمر يبتعد عن مفهوم العمل السياسي ألمطلبي الذي اتخذته المعارضة السورية منهجا، وشعارا، بنت عليه آليات عملها خلال السنوات الفائتة ، فهناك دائما قضايا لايمكن المساس بها مهما احتدم الصراع ، فحرق العلم الوطني مثلا, قضية لايمكن قبولها ولو حتى على حساب الرقاب ، وحرق المؤسسات الرسمية والتي هي ملك الوطن بالدرجة الأولى وليست ملكا لسلطة، قضية لايمكن الجدال فيها . إن الأخطاء لا تصححها الأخطاء المعاكسة ، والعمل التخريبي لايمكن أن يكون عملا سياسيا مهما كانت أهدافه ، أو منابعه ، أو حتى أسبابه .. إن المطلوب هو عمل سلمي ،ديمقراطي ، يترفع عن استخدام العنف مهما كانت دوافعه . المطلوب ليس عملا انتقاميا ، أو ثأرا ، الجميع كان ضحية ، والجميع عانى الإقصاء، والخيبات ، والمرارة ، والكثير عانى احتراق شمعة حياته بطيئة في السجون والمعتقلات التي لم تفرق بين سياسيين وارها بيين، وكانت النتيجة دائما ، مرارات إضافية لأحزان تزداد عمقا.. ولكن بالرغم من كل هذا، ربما كان من الحكمة أكثر بالنسبة للسلطة أن تسمح لأكثر من خمسة أشخاص أن يجتمعوا ويناقشون قضايا يشعرون أنها من ثوابت حياتهم اليومية، وذلك دون أن يتدخل أحد بهم أو يستدعيهم إلى أحد الفروع للتحقيق بما كان يدور بينهم من نقاش ، ولتوجيه تحذير مذكر ينهم بأن البلد يحكمها قانون يدعى قانون طوارىء يثقل كاهل البشر منذ أكثر أربعين عاما، وربما كان من الأجدى أن نستمع إلى ما يقوله الآخرون ، فمن لا يتقن فن الإصغاء لا يتقن فن السياسة ، فما حصل اليوم قد يحصل غدا أو بعد غد ، إذا لم نع حقيقة المشكلة ، دوافعها ، مدلولاتها، وتجلياتها على الصعيدين الوطني والسياسي ، لم تعد السياسة و لاحكم الناس بالعصا نظرية ناجزة في تأسيس نظام الدولة الحديثة، هناك دائما آخرين لهم الحق في القرار، في المشاركة، في الرفض ، في النقد ، وفي تقديم البدائل، من يجرؤ اليوم على القول بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، المطلقة، والتي يفرضها على الآخرين ، لمجرد امتلاكه لأدوات القوة التي تحقق له غاياته .. أملنا كبير بأن يكون ما حصل في شمال شرق سوريا هو آخر الأخطاء التي تهدد الوحدة الوطنية في سوريا، وأن لا يكون العلاج دائما العصا التي تمتد لتطال أناسا قد يكونوا على خطأ، ولكن من يقرر ذلك هو محكمة نزيهة ، تسمو بقرارها عن المفاهيم العصبوية القومية، والسلطوية السياسية .
عماد يوسف ناشط لجان إحياء المجتمع المدني--- المواطن

ربيع القامشلي والامتحان الوطني
سليمان يوسف يوسف

تبدو الجزيرة السورية، حزينة كئيبة، على غير عادتها، في مثل هذه الأيام من كل عام، التي تستعد فيها لاستقبال أعياد الربيع،أعياد الطبيعة والآلهة والإنسان، -نيروز- الكردي، -أكيتو- الآشوري، -الفصح- المسيحي، الجلاء السوري.فبعد الأحداث المؤلمة التي شهدتها القامشلي وبعض مدن الجزيرة أيام 12و13/3/2004 ، ذلك على خلفية مباراة بكرة القدم بين نادي الجهاد- القامشلي- ونادي الفتوة-ديرالزور-، وما تركته من أثار سلبية على المزاج العام في المجتمع ألغيت معظم مظاهر الاحتفالات والفرح بهذه الأعياد. وعلى أثر هذه الأحداث تحولت القامشلي ،الراقدة باطمئنان وأمان في سهول الرافدين الخضراء، إلى مركز اهتمام ومحط أنظار العالم، وشهدت نشاطات ولقاءات سياسية ومشاورات مكثفة بين مختلف القوى والفعاليات الكردية والآشورية والعربية، سعت جميعها إلى التهدئة والتخفيف من حالة الاحتقان، وقد شارك في هذه اللقاءات وفد المنظمات الأهلية، الذي قدم إلى القامشلي للمساهمة بدوره الوطني في التخفيف من الآثار السلبية لهذه الأحداث على الوحدة الوطنية، وقد ضم الوفد -ناشطين من لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان ومن الجمعية السورية لحقوق الإنسان ومن لجان أحياء المجتمع المدني-.
من دون الدخول في سجال طويل حول من البادئ والمسئول عن أحداث القامشلي، أبدأ من حيث أجمع عليه معظم الحاضرين في الملعب، على أن السبب المباشر للأحداث هو اطلاق شعارات استفزازية ورفع صور لشخصيات ورموز عراقية- عربية وكردية- من قبل جمهور الفريقين، على خلفية مواقف سياسية وانتماءات قبلية عرقية/أثنية، أساءت، جميعها، للكرامة والسيادة الوطنية. لكن ما حدث لم يكن مفاجئاً في أجواء الاحتقان القومي والاجتماعي التي بدأت مع تطبيق سياسية التعريب في سوريا، منذ وصول القوميين العرب إلى الحكم في الستينات من القرن الماضي، ومضايقة القوميات الغير عربية، من آشوريين-سريان/كلدان- وأكراد وأرمن، وتراكمت هذه الاحتقانات ، مع استمرار حزب -البعث العربي الاشتراكي- الحاكم في سياسية الاستعلاء القومي وتهميش الأحزاب والقوميات الأخرى وتجاهل حقوقها التي تندرج في اطار حقوق المواطنة وحقوق الإنسان، إلى جانب تأثيرات الحالة الراهنة في العراق، الواقع تحت الاحتلال، على الوضع السوري عامة والجزيرة خاصة، التي تشكل تكويناتها القومية ومكوناتها الثقافية والاجتماعية المحرك الأساسي للحياة السياسية فيها، في ظل كل هذا، ما حدث في القامشلي ومدن الجزيرة السورية كان متوقعاً له أن يحدث . لقد أخطأ الجميع، منذ البداية، في تعامله مع المشكلة، بدءاً من القائمين على المباراة والجهات المسئولة عن حفظ الأمن والنظام في المحافظة، باستخدامها السلاح وإطلاق الرصاص في الهواء لتفريق الجماهير الغاضبة والذي تسبب بوقوع قتلى.
لا أعتقد أن -القوى الكردية- كانت قد خططت مسبقاً لمثل هذه الأعمال، كما يذهب البعض، لكن تسارع الأحداث بالشكل الدراماتيكي الذي حصل في اليوم الثاني 13/3 وامتداد التظاهرات الكردية لجميع المناطق والمدن التي يتواجد فيها أكراد هو مؤشر على أن بعض التيارات السياسية في الحركة الكردية، خاصة تلك التي هي خارج سوريا، أرادت استثمار وتوظيف الحدث لغايات سياسية قومية وحزبية في هذا الظرف السياسي الذي تمر به سوريا والمنطقة. لذلك حرفت الأحداث عن مسارها الطبيعي وبالغت فيها إلى درجة تم تصوير واعتبار، أعمال الشغب والتخريب التي حدثت في القامشلي و بعض مدن الجزيرة، على أنها مقاومة أو انتفاضة كردية لقوات احتلال أو مستعمر طالبت بخروجها من ما يدعونه بـ-كوردستان سوريا-، واقتحم بعض الأكراد السفارة السورية في بروكسل ورفع العلم الكردي فوقها.
وتمثل خطأ -القوى الوطنية- في -الحركة الكردية السورية- بتركها الساحة الكردية مفتوحة للمتطرفين والغوغائيين من الأكراد المتحللين من كل شعور وطني، الذين حولوا تشيع القتلى من الأكراد إلى مسيرات وتظاهرات رفعت فيها شعارات قومية سياسية هوجاء ،استقوت بالخارج، وحرق فيها العلم الوطني ورفع علم كردستان، كما خلت ، هذه المسيرات، من الأعلام والشعارات الوطنية التي تدعوا للتآخي القومي والعيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد على أرضية الوحدة الوطنية. فبدلاً من أن تظهر -القوى الوطنية الكردية- قائدة فاعلة،بدت منقادة خلف شعارات قومية متطرفة، انطوت على نزعة انفصالية واضحة، مما خلق، لدى مختلف قوى -الحركة الوطنية السورية-، شكوكاً في المواقف الوطنية للحركة الكردية وتخوفاً من سياساتها القومية. لهذا أرى أنها - القوى الوطنية الكردية- السورية، مطالبة بإدانة وشجب، بشكل واضح وصريح، كل هذه الممارسات والشعارات، التي مست بالوحدة والسيادة والكرامة الوطنية، خاصة مصطلح- كوردستان سوريا-الذي يتنافى مع تاريخ الجزيرة السورية، ماضياً وحاضراً ويتعارض مع ثوابتنا الوطنية،وأن تعيد هذه القوى الكردية تأسيس خطابها القومي وبرامجها السياسية على أسس وطنية، واضحة وثابتة، لا تقبل الشك والتأويل.
لا شك أن ما شهدته الجزيرة السورية كانت أحداثاً مأساوية مؤلمة أوجعت الوطن والمواطن معاً وضعت الجميع في سوريا أمام امتحان وطني حقيقي، لهذا نتمناها عابرة و عبرة ، عابرة في تاريخ سوريا لا تتكرر، وعبرة تدفع الجميع للتحرر من الفكر القومي المنغلق والمفهوم الضيق للقومية،والخروج من شرنقة ألهويات العرقية والإثنية القاتلة والتخلي عن الخرائط السياسية والأحلام القومية التي لا بد من أن تتحول على أرض الواقع إلى كوابيس مرعبة تمزق هويتنا السورية وتهدد وحدتنا الوطنية، فمن الأخطاء القاتلة أن يحول البعض خلافه مع السلطة إلى خلاف مع الوطن.
الجميع، في سوريا، مطالبون بإعادة النظر في خطاباتهم القومية وبرامجهم السياسية على أرضية الوحدة الوطنية وقبول الآخر، في اطار -هوية وطنية- يتوافق عليها الجميع، تعكس/تعبر عن التعددية القومية والدينية والثقافية التي يتميز بها المجتمع السوري.
كما نأمل أن تدفع هذه الأحداث -القيادة السورية- للوقوف بجدية على أسباب ما حدث، وعدم الاكتفاء بالحلول الأمنية، والتعاطي بموضوعية وواقعية مع كل المسائل الوطنية, ومنها مسألة -حقوق القوميات-, تمهيداً لحلها على أرضية الوحدة الوطنية والديمقراطية، والإسراع في عملية الإصلاحات السياسية والديمقراطية والاهتمام بمنطقة الجزيرة من حيث التنمية الاقتصادية والعلمية والخدمات الاجتماعية والصحية. أن تحصين الوحدة الوطنية تستدعي توطيد أواصر العلاقة بين القومية العربية الغالبة والقوميات الأخرى، من أكراد وآشوريين وأرمن وغيرهم، ذلك من خلال الإقرار بهذه التعددية والاعتراف بحقوق متساوية للجميع في الوطن السوري، فمن الخطأ والخطورة أن تبقى سوريا دولة لقومية واحدة وبثقافة ولغة واحدة و لحزب واحد ولدين واحد.
أخيراً:
عادت الحياة إلى طبيعتها في القامشلي، وباقي مدن وبلدات الجزيرة السورية، لكن ستبقى هذه الأحداث المؤلمة، بدلالتها السياسية وخلفياتها الثقافية، وبما حملته من مخاطر فتنة داخلية، محفورة في الذاكرة السياسية والاجتماعية للشعب السوري عامة والشعب الآشوري-سريان/كلدان- خاصة، الذي يشكل العمق التاريخي والحضاري، ليس للجزيرة السورية فحسب، وإنما لكل سوريا، وقد حولته الصراعات العرقية في المنطقة إلى أقلية قومية ودينة، فهو-الشعب الآشوري- أكثر شعوب سوريا شعوراً بالظلم والغبن والحرمان .
ويبقى أملنا كبير بأن تبقى الجزيرة السورية، بطيفها القومي والثقافي والديني والسياسي المتنوع، رمزاً للتآخي والتعايش المشترك بين كل ألوان هذا الطيف السوري وعنواناً لوحدتنا الوطنية.
* سورية/ القامشلي
كاتب آشوري مهتم بمسألة الأقليات.
-----------------------------------------------------------------------------------------

الموقف الرسمي من الأحداث الكردية من ارتباك الخطاب الى توسيع الفتنة
صلاح بدرالدين

مازالت "شهادات الزور" تتوالى من بعض الكتبه المتعاقدين مع الاجهزة في محاولة يائسة لاضفاء بعض المصداقية على رواية السلطة حول الاحداث الكردية التي اندلعت في الثاني عشر من آذار، وقد اختار المشرفون على هذا الملف " افراداً" من المناطق التي شهدت الاحداث وعانت من جور واعتداءات اجهزة القمع حتى يقوموا بتمثيل دور شهود عيان من عين المكان، ورغم اهمية دور الاعلام في تمرير الخطط وتحقيق الاهداف والتأثير على الرأي العام إلا ان اعلام الانظمة الاستبدادية بكل امكاناتها وخبرائها ومخبريها وشهود زورها لم يعد يحظى بالصدقية واحترام المشاهد والمستمع والقارئ خاصة اذا كان موضوع البحث يتعلق بقضايا خلافيه عميقة بين الانظمة من جهة والشعوب من الجهة الاخرى والمتعلقة اساساً بالديمقراطية والمشاركة والحقوق والقمع والاضطهاد وحقوق الاتسان وحرية الشعوب وفي الحالة المشخصه التي نتناولها الآن وهي الاحداث الكردية السورية والتي تحضر السلطات السورية لها منذ حوالي العامين ومهدت لاشعال الفتنه العنصرية بين العرب والكرد تحت ادارة اجهزة الامن وبوسائل غير معلنه. أما الجانب المعلن فقد كان عبارة عن مقالات وبرامج تلفزيونية عربية من خارج البلاد وضعت خصيصاً لتنفيذ خطة ما ضد الكرد والتي تمخضت عنها فتنة القامشلي التي انقلبت لحسن الحظ على الساحر جراء تلك المقاومة السلمية الشجاعة والرائعة من قبل الوطنيين الكرد في جميع المناطق الكردية وكذلك مدن حلب ودمشق ونالت دعماً وتضامناً من ملايين الكرد في العراق وايران وتركيا وبلدان الشتات وكذلك من القوى الدولية في اوروبا وامريكا ومختلف برلمانات العالم واوساط الرأي العام ومنظمات حقوق الانسان واخيراً وليس آخراً من العديد من المنظمات والمجموعات والافراد من داخل سورية الذين تعاملوا جميعاً. دون استثناء مع هذه الاحداث كقضية عادله لشعب مكافح وحقوق قومية وقمع وظلم واضطهاد. مع ادانه النظام السوري المعادي للديموقراطية واذا كانت الايام الاولى قد شهدت وتيرة اسرع في بث الدعايات ونشر المقالات وفبركة الاخبار وتوجيه الاتهامات الظالمة الى الكرد الذين كانوا ضحية الفتنة وفي موقع الدفاع فإن الايام الاخيره لم تخل تماماً من هذه البضاعة الفاسدة والخاسرة. والغريب أن البعض مازال مصراً على مواجهة الحقائق ونشر المواقف العدائية التي تصب في مجرى النظرة الرسمية رغم محاولة تزيينها ببراقع من هنا وهناك.
منذ اليوم الاول للاحداث بدأت الماكينة الاعلامية الرسمية بتناول الموضوع بحالة من الارتباك الواضح فوزارة الاعلام وعبر تصريحات المسؤولين فيها " اعتبروا وقوع حوادث شغب وان الاكراد العرب السوريين هم مواطنون ولامشكلة كردية في سورية" أما وزارة الداخلية فنفت " وجود اية مشكلة وليس هناك شيء اسمه قضية الاكراد ولافرق بين المواطنين وان المخربين سينالون جزاءهم" دون توضيح من هم المخربون هل الذين قتلوا المواطنين الاكراد بدم بارد أم الضحايا الذين دافعوا عن انفسهم ومدينتهم وكرامتهم.
حتى السيدة وزيرة المغتربين- بثينه شعبان- وبسبب ثقافة التجاهل والانكار وقعت في الفخ اكثر من مرة في المانيا لانها " صرحت بعدم وجود الكرد في سورية" و" نفي حصول اية مشكلة في القامشلي أو أي مكان آخر" وادى ذلك الموقف التجاهلي المضلل الى – هروبها – من قاعة المحاضرات في العاصمة الالمانية- برلين- امام احتجاجات المواطنين السوريين ومواجهتها بصور ووثائق الاحداث الكردية في سورية.
ان خطاب مثقفي السلطة واعوانها اضافة الى افتقاره الى أي مضمون اخلاقي واتسامه بالموقف المسبق المؤدلج ذهب بعيداً في تشويه الحقائق التاريخية الى درجة المس بثوابت التاريخ والجغرافيا ومعالم الحضارة والتطور السياسي والثقافي التي تتعلق بماضي الكرد وحاضرهم في موطنهم الاصلي ضمن اطار الدولة السورية الراهنة التي رسمت حدودها اتفاقية سايكس- بيكو عام /1916.
وهكذا فقد تورط اصحاب الاقلام من مثقفي السلطة والمدافعين عنها في قلب الحقائق التاريخية اولا، وتشويه مجريات الاحداث ثانياً والانحياز المطلق لرواية السلطات ثالثاً ومعاداة الكرد وحقوقهم المشروعة والتجني عليهم دائماً ومن الملاحظ أن هؤلاء في وضع لايحسد عليه وحججهم ضعيفة ان لم تكن معدومة وهم يعيشون ازمة نفسية حقيقية وفراغاً سياسياً وثقافياً ومعاناة اخلاقية في محيطهم وتجاه معارفهم.
قرأت عدداً من هذه النماذج منذ بداية الاحداث وشد احدهم نظري مؤخراً الى مادة نشرت تحت اسم "سليمان يوسف يوسف" وهي الثانية في غضون مدة قصيرة مليئة باضاليل ومغالطات ومواقف مسبقه وتناقضات على خطى سابقيه من امثال - الربيعو والسموري وكيلو وباروت - فسيادته لم يصل حتى الان الى نتيجه من" البادئ والمسؤول عن احداث القامشلي" وان " احزاب سياسية ارادت استغلال الحدث لغايات سياسية قومية حزبية في هذا الظرف السياسي الذي تمر بهه سوريا" والاصح الظروف التي يمر بها النظام الاستبدادي في سورية. واعتبار ما جرى من مقاومة سياسية شجاعة " باعمال الشغب والتخريب" ورفض مقولة كردستان سورية ولاندري على ماذا يستند في زعمه وماذا يقصد. اليس هناك شعب كردي في سورية يناهز الثلاثة ملايين؟ واين يسكن هذا الشعب؟ هل هو معلق بين الارض والسماء؟ وهل ينفي وجود موطن اصلي لهذا الشعب اسمه موطن الكرد أو بلاد الكرد أو كردستان؟ وهل يعتبر المنطقة ليست الجزيره فحسب بل كل سورية كما يستشف من مقالته " آشورستان" واذا كان يحمل هذا الادعاء في قرارة نفسه او يحلم به فلماذا لايفصح عنه بشجاعة ووضوح ولماذا الاختباء وراء الكلمات والمصطلحات التي يمكن تأويلها بشتى المعاني ويتمادى الكاتب في عدائه المدفون والمكبوت للكرد ليس برفض وجوده عندما يرفض موطنه فحسب بل عندما يحاول دق اسفين في جسم الحركة القومية الكردية الوطنية الديمقراطية المناضله منذ اكثر من سبعين عاماً عندما يقسم" الحركة الكردية السورية" الى "وطنيين" من جهه و"غوغائيين متحللين من كل شعور وطني" لانهم " حولوا تشييع القتلى -انظر وليس الشهداء- الى مسيرات وتظاهرات" نلاحظ انه يسمح لنفسه بتجريد الناس من مشاعرهم الوطنية دون ان يرف له جفن.
يزايد الكاتب على الكرد ويبيع الوطنيات في سوق القامشلي ويردد اقوالا من المرجح انه لايفقه معناها ويكتب عن " الثوابت الوطنية" دون شرحها وينادي بحل مسألة " حقوق الاقليات" على " ارضية الوحده الوطنية" دون التطرق الى الاسس والتفاصيل والمبادئ والقواعد.
وهكذا يستمر هذا الذي يصف نفسه بـ " كاتب آشوري مهتم بمسألة الاقليات" وبذلك يناقض كل اطروحاته السابقه. من جهه يدعو الكرد الى " الخروج من شرنقة الهويات العرقية والاثنية القاتلة والتخلي عن الخرائط السياسية والاحلام القومية" ومن الجهة الاخرى يعرف نفسه – أثنيا- دون الاشارة الى "سوريته" كأحد ادنى وأقل الواجبات " الوطنية" التي يتغنى بها كثيراً ، ثم انه يناقض نفسه مره اخرى عندما يبحث مسألة الكرد وهي ليست من اختصاصه لانه مهتم بمسألة " الاقليات" والكرد شعب عريق يقيم على ارضه التاريخية ويشكل القومية الثانية في سورية وليسوا اقلية اثنية كما هي انتماؤه. يثير الكاتب الشفقه عندما يعرف "الشعب الآشوري" بين هلالين -سريان / كلدان-، ففي حين لاينكر أي منصف وجود شعب في الازمان الغابره باسم الشعب الآشوري وهو معروف باالشجاعة والاباء وهناك في اجزاء كردستان الاربعة بقايا هذا الشعب وهو يعتبر شعباً كردستانياً بامتياز تاريخاً ووجوداً وحضارة، أما محاولة اعتبار السريان والكلدان آشوريين فمسألة فيها وجهات نظر، ففي كردستان العراق حيث يبلغ الكلدان النسبة الاكبر يليهم الآشورييون ثم السريان يطرحون انفسهم من جمعيات وشخصيات واحزاب وحتى رجال دين كشعب مميز له علائمه القومية ويعترفون جميعاً دون استثناء بكردستانيتهم وربط مصيرهم بمصير الكرد في وطنهم المشترك منذ آلاف السنين وهناك قسم يعتبر أن الكلدان هم مسيحييو كردستان وجزء من الكرد وآخرون وهم قلة يعتبرون انهم سامييون عرب. لقد سمعت كل ذلك شخصياًخلال ندوتين اقامتهما "رابطة كاوا للثقافة الكردية"في هولير عاصمة اقليم كردستان والتي أشرف عليها من اصدقائنا في كل من "الجمعية الثقافية الكلدانية" وكذلك " حزب الاتحاد الديمقراطي الكلداني".
في جميع الاحوال حبذا لو تفضل الكاتب وشرح حقيقة منطلقاته "القومية" أو "الاثنيه" أو"الدينية- القومية" واوضح هل أن الاشوريين بنظره جزء من الشعب العربي وكذلك السريان أو الكلدان، وكيف يفسر اعتبار الاخيرين اشوريين وما هي قصة الحضارة السورية وعلاقتها بالآشوريين على الاقل منذ ما بعد الفتح الاسلامي مروراً بالمرحلة الايوبية ثم كيف يرى مسألة العلاقة والصداقة والتحالف بين الاشوريين والكرد؟ وهل هناك حركة آشورية قومية أم دينية أم سورية؟ وبالتالي هل يطالب بحق تقرير المصير للآشوريين وأين؟ هل في سورية أم بلاد الشام أم العراق وكردستان؟ أم ان هدفه هو بناء المزيد من الكنائس لكافة الطوائف التي يعتبرها آشورية واجراء الدراسات وعقد المؤتموات حول التراث والدين؟ وما رأيه بالواقع الكلداني والآشوري والسرياني في كردستان العراق وباوضاعهم السياسية والثقافية والانسانية هناك. وما موقف الحكومة الكردستانية منهم ومن حقوقهم. ومن الذي دافع عن حقوقهم على مستوى العراق في مجلس الحكم الانتقالي؟ ارجو أن ينور الكاتب القراء باجوبة صادقة وصحيحة بعيدة عن المزايدات "الوطنجية" والتزلف الى السلطات، والتأثر بالاحقاد الدفينه والمواقف المسبقة وإلا فمن الافضل له ان لايكتب بعد الآن عن الكرد وحركتهم وقضاياهم بالشكل الذي كتبه في مقالتيه وفي بيان نشره قبل فترة وحول الموضوع ذاته باسم الحركة الاثورية لانه ابلغ الرسالة .
بسبب حججه الواهية وافتقاره الى اي سند تاريخي في مزاعمه حول الكرد وكردستان يلجا هذا "المهتم بمسالة "المعروف الاقليات " الى اكثر الشوفينيين حقدا في سورية ليذكي اطروحاته ويستقوي به وهو "سهيل زكار بمعاداته الصريحة لكل ما يمت بصلة الى الكرد ويستشهد باقواله في مداخلة له في " مؤتمر التراث السرياني " المنعقد مؤخرا في دمشق تحت رعاية السلطات السورية والذي يتم في نفس الوقت الذي تقوم فيه سلطات سورية باتخاذ اشد الاجراءات ضد الكرد وتمنع ثقافتهم وتراثهم ووجودهم وتمعن في قتل ابنائهم واعتقالهم خاصة منذ اربعين يوما حيث عشرات الشهداء من ضحايا القمع واطلاق النار والتعذيب الوحشي والمئات من الجرحى والالاف من المعتقلين مما يضفي صفة سياسية – امنية على هذالمؤتمر من حيث الهدف والتوقيت ويوحي بتنفيذ جزء من خطة الفتنه التي اشعلتها السلطات في القامشلي في الثاني عشر من اذار المنصرم وتجيير بعض العناصر الحاقدة من ابناء الاثنيات والطوائف في الجزيرة وفي بلدان المهجر وخاصة بالسويد من الذين كانوا ومازالوا اعضاء في حزب البعث أو متعاونين مع الاجهزة الامنية للادلاء بشهادات زور حول الاحداث وصب جام غضبهم المفتعل على الكرد من ضحايا الشوفينية والاضطهاد القومي , وبسبب اختلاط حيثيات ومنطلقات هؤلاء - الدينية المتزمتة والاثنية المنتقمة - لاسباب تاريخية وذاتية فانهم في موقع يسهل على الاجهزة الامنية اصطيادهم من جديد واستغلالهم ودفعهم لمعاداة الكرد مع ان مصالحهم الحقيقية تكمن في التحالف مع اصدقائهم الكرد وحركتهم التحررية الديموقراطية كما هو حاصل في كردستان العراق .
من سوء حظ هذا المؤتمر ان يكون احد مشاركيه الشوفيني العنصري – زكار – الذي حول علم التاريخ والحضارات والثقافات منذ زمن بعيد الى خانة الايديولوجيا القومية وزيف حقائقها بقوله في نفس المؤتمر ومن باب المبالغه الكلامية والتحريض العنصري الطائفي " بان السريان - وليس الاشوريين - وسوريا تضرروا بسبب العنصريات الحديثة من صهيونية وطورانية ومشروع كردستان الكبرى الذي طرح من قبل بقايا الامبراطورية البريطانية المتحالفة مع الصهيونية " نعم هذه اقوال مؤرخ ولم تخرج من افواه اطفال , فاي ملم ولو بصفحات من التاريخ يعلم ان البريطانيين هم الذين منعوا اقامة دولة كردية وان – مارك سايكس –المسؤول الاول عن ممتلكات التاج البريطاني في المشرق الذي كان مقيما في القاهرة هو من اقترح على – لندن – غض النظر عن اقامة اي كيان كردي عندما قرروا اقامة دول جديده على انقاض الامبراطورية العثمانية, ثم ان البريطانيين حلفاء الصهيونية هم الذين وقفوا وراء حركة الشريف حسين ضد الامبراطورية العثمانية – دار الخلافة – وقادوا الثورة العربية الكبرى ووضعوا علم الثورة العربية الذي اصبح علم وشعار حزب البعث الذي ينتمي اليه "سهيل زكار" ولكي نكون اكثر عدلا وبعيدين عن اي منطلق عنصري كما الاخرين ولكي لا يفهم البعض خطا باننا نثير الحساسيات على اساس عنصري نقر بوجود عناصر كردية ايضاً من اطر سياسية او خلفيات ثقافية او مدعية زورا بالنشاط في مجال حقوق الانسان تقدم خدماتها لنهج السلطة وتتحرك حسب توجيهاتها حتى خارج البلاد بتبني خطابها في الجوهر في مواجهة الخطاب الكردي القومي الديموقراطي الحقيقي الرافض للظلم والداعي الى المقاومة السلمية والتحرك السياسي من اجل رفع الاضطهاد وايقاف القمع ومحاسبة المجرمين المسؤولين عن الفتنه وتحقيق التغيير الديموقراطي وتحقيق التعاون والتنسيق بين الحركة القومية الكردية والحركة الديموقراطية السورية .

-------------------------------------------------------------------------


قراءة هادئة لأحداث صاخبة
رجاء الناصر

قامشلو.كوم 14/3/2004

لا يمكن اعتبار ما شهدته بعض المناطق السورية خلال الأسبوع الثالث من شهر آذار الحالي مجرد حدث عابر يمكن تجاهله والتغاضي عنه وإدخاله في" المسكوت عنه" ولا يمكن النظر إليه على أنه مجرد "شغب ملاعب " امتد بفعل أصابع خارجية . فما حدث خلال هذا الأسبوع الدامي سيلقي بأثره على سورية لفترة ليست بقصيرة , وهو يحمل الكثير من المؤشرات الخطرة على مجمل الحياة السياسية في سورية,فما حدث لم يكن وليد تفاعلات المباراة بين فريقين رياضيين وأنصارهما بل سبقته الكثير من المقدمات.
أولاً : تنامي محدود ولكن مضطرد للحركة الوطنية الديمقراطية " السورية" , حيث استطاعت قوى الحراك الديمقراطي أن تسجل حضوراً لها في الحياة السياسية السورية , وهو حضور رغم ضعف فعاليته أمكن من كسر -- احتكار السلطة -- للحياة السياسية . فأصبح هناك ما يعرف بالمعارضة الوطنية الديمقراطية , وتمكنت تلك المعارضة من اجتياز الكثير من المطبات والنكسات بفضل تمسكها بمسألتين أساسيتين :
أولهما: اعتمادها نهج العمل السياسي السلمي والعلني , ونبذها للعنف , وهو نهج أفقد السلطة الكثير من مبررات استخدام العنف الشديد ضدها , وعبر هذا النهج أدارت القوى الديمقراطية العديد من المعارك الصغيرة الناجحة , وكانت من أبرز تلك المعارك ما سيمت بمحاكمة النشطاء الأربعة عشرة أمام القضاء العسكري في حلب ,والتي أظهرت الحركة الاحتجاجية السورية بمظهرها الحضاري والصلب في آن واحد . يضاف إلى تلك المعركة حركة الاحتجاجات الشعبية بمناسبات وطنية وديمقراطية .
ثانيهما: ربط معركتها الديمقراطية بالمسألة الوطنية , ورفض الربط بينها وبين ما يمارس من ضغوط خارجية لتحقيق مكاسب لدول كبرى تمس المصالح القومية العليا , وكان من الواضح أن الحركة الوطنية السورية على استعداد لتحمل نتائج القطيعة مع المصالح الخارجية , ولو أدى ذلك إلى إضعاف العامل الخارجي في التأثير على السلطة السورية لتقديم تنازلات في مجال الإصلاح الديمقراطي .
ثانياً: تنامي الأصوات الأمنية المنزعجة من إضعاف دورها بالإطباق على حركة الشارع السوري , وهو دور يتعدى مجرد - عشق السلطة وعنجهية القوة - إلى ما أنتجته تلك القبضة الأمنية من مصالح ومكاسب مالية لأفراد وعناصر وقيادات في تلك السلطة الأمنية , وقد جرى التعبير عن ذلك الانزعاج بسلسلة من المواقف منها اعتقال النشطاء العشرة في دمشق في ما سمي بخريف دمشق , وملاحقة بعض متتبعي شبكة - الانترنت - ومنع النزول إلى الشارع في التظاهرات والاعتصامات في بعض المدن السورية , وصولاً إلى اعتقال النشطاء الأربعة عشرة في حلب ومن ثم محاكمتهم أمام القضاء العسكري بموجب قانون إعلان حالة الأحكام العرفية , وصولاً إلى تعرض اعتصام الطلاب السلمي والذي رفع شعار - مطالبية - تتعلق بتوظيف خريجي الجامعات , ومن ثم إصدار قرارات فصل تعسفية لعدد من أولئك الطلبة في محاولة لإجهاض الحركة الديمقراطية الطلابية .
ثالثاً: دخول الضغط الأمريكي على سورية مرحلة متطورة تمثلت بإقرار قانون محاسبة سورية وبتشكيل ما سمي بالمعارضة الخارجية - المؤيدة و المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية - ومنحها حضوراً إعلانياً واسعاً يغطي على هامشية العناصر التي شكلت الحلقة الأولى من تلك المعارضة , ومن الملاحظ هنا أن الولايات المتحدة التي لم تستطع اختراق المعارضة التقليدية السورية التي تتألف أساساً من القوى الوطنية الديمقراطية في الداخل , ومن المعارضة الإسلامية في الخارج - حيث أن كلاً من جناحي تلك المعارضة رفض أي تعاون مع الإدارة الأمريكية وشكل كل منهما بشكل منفرد وربما لأسباب متباينة حالة تعارض وتصادم مع المخططات الأمريكية والصهيونية في المنطقة , وعدم التمكن من تحقيق هذا الاختراق الأمريكي للمعارضة , اضطرها لاستعارة النموذج العراقي عبر صنع معارضة مرتبطة بها بشكل مباشر ولو كانت ضعيفة في البداية ,على أن يجري تدعيمها بعناصر أكثر فعالية في مرحلة لاحقة, كما عملت الإدارة الأمريكية على تكثيف حضورها داخل سورية عبر الاحتكاك المباشر بالمؤسسات والإدارات والهيئات الشعبية والرسمية بموافقة السلطات السورية ذاتها , فنظمت السفارة الأمريكية ووزارة الخارجية , ندوات ودورات مشتركة مع جهات سورية حكومية وشبه حكومية , واستطاعت الولايات المتحدة أن تقطع الطريق أمام المناورة السورية الاستراتيجية لتعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي لتخفيف الضغط على السلطات السورية , حين دفعت الإدارة الأمريكية الاتحاد الأوروبي للضغط على سورية من أجل تفكيك سلاحها الدفاعي الاستراتيجي ودفعها للانسحاب من لبنان .
في هذه الأجواء والمناخات بدأت بعض القوى التي تنشط ضمن الأقليات الأثنية تتحرك بسرعة للاستفادة من الوجود الأمريكي من أجل انتزاع بعض مطالبها ، وهي مطالب أججتها أحداث العراق التي حملت حلم تقسيم العراق على أسس أثنية وطوائفية من كونه مجرد حلم إلى واقع معاش متجاوزة المطالب الوطنية والديمقراطية التي تتشارك بها مع قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية , والتي تمثلت حينها بتحقيق الديمقراطية , وإزالة المظالم , واستعادة حقوق المواطنة لجميع المواطنين السوريين , ومن المهم هنا أن نلاحظ أن الأيام الأخيرة التي سبقت أحداث الشغب حملت تأجيجاً وتصعيداً واضحاً لإثارة النعرات الأقوامية من خلال الاحتفال بيوم توقيع الدستور العراقي المؤقت الذي اعتبره معظم المواطنين السوريين مشروعاً لإدامة الاحتلال ولنزع هوية العراق العربية وتقسيمه , ومن خلال إحياء مأتم القتلى الأكراد دون غيرهم من العراقيين في حوادث العنف المتبادل في العراق ، والتي جرى معظمها على خلفية المواقف من الاحتلال وليس على أساس أقوامي وطائفي كما روّج لدى بعض الأطراف.
حيث أن المتهم الأول في أحداث العنف التي استهدفت أحزاباً عراقية كردية متعاونة مع الاحتلال وفق الروايات الأمريكية ذاتها كان تنظيم أنصار الإسلام الكردي المعارض للاحتلال، كما ترافقت تلك الأحداث مع عمليات اعتقال لبعض الكوادر من حركات سياسية كردية ساهمت في حراك مطلبي سلمي.
في هذه الأجواء جاءت أحداث المباراة بين فريق الفتوة - من دير الزور - والذي يعارض أغلب مشجعيه الاحتلال الأمريكي للعراق كمعظم السوريين ، وبين فريق الجهاد ، -من القامشلي -الذي يؤيده فئات يناصر بعضها الأحزاب الكردية الانفصالية في الشمال العراقي ، وتحولت المباراة من فعل رياضي إلى فعل سياسي ، تبادل فيها الطرفان الهتافات السياسية، وكانت حالة متوقعة بشكل مسبق ، حتى أنها دعت البعض إلى طلب إلغاء المباراة أو تأجيلها وهو الأمر الذي لم تتم الاستجابة له ، فيما بدا وكأنه قبول بالاتجاه نحو الصدام أو على الأقل عدم استيعاب لما يمكن أن ينتج عنه . وكان من الممكن أن تسجل الأحداث في خانة شغب الملاعب لولا بعض الظواهر الملفتة للنظر وفي مقدمتها :
1- رفع شعارات تتعدى المواقف المقبولة في الشارع السوري ، مثل رفع أعلام انفصالية وحرق العلم السوري ورفع صور وشعارات وأعلام أمريكية في محاولة واضحة للاستقواء بأمريكا, والتعدي على مقار رسمية وهي ظاهرة ملفتة للنظر لأنها لم تكن حوادث فردية بل شبه عامة ولأنها تتعدى مطالب وطنية وديمقراطية .
2- تعميق الانقسام الوطني عبر تجييش - الرعاع - للقيام بأعمال عنف على الهوية في كلا الجانبين كفعل أو ردود فعل مقابلة ، وطالت أعمال عنف مصالح أهلية غير رسمية .
3- نقل أحداث العنف إلى مناطق وتجمعات مختلفة بشكل سريع على أسس أثنية لا وطنية عامة .
4- إتباع السلطات الرسمية الحلول الأمنية واستعمال القوة المفرطة ، بدل البحث عن حلول سياسية مرنة تستوعب الأحداث .
ومن المؤكد أن المستفيد الأول من الأحداث مجموعة من الأطراف في مقدمتها ، الإدارة الأمريكية والصهيونية التي تريد المزيد من الضغط على سورية على طريق تحقيق كامل مطالبها الاستراتيجية ، والجهات السورية الأمنية التي تسعى إلى استعادة الدولة الأمنية لمكانتها التي اضطرت للتراجع عن بعض مظاهرها خلال السنوات السابقة فيما سمي بسياسة الانفراج المحدود ، والخاسر الأكبر هو المواطن السوري والشعب السوري الذي راحت تفرض عليه بعض أجواء عقد الثمانيات وعقابيله ، والحركة الوطنية الديمقراطية السورية التي اضطرت للانكفاء المحدود وإن استعاضت عنه بذلك الجهد الكبير الذي بذلته لاحتواء الأزمة وإعادتها إلى مدرج الفعل السياسي الديمقراطي السلمي .
وأخيراً : قد يبدو أن أحداث الشغب والعنف تراجعت وأمكن السيطرة عليها ، ولكن من الخطأ الكبير الاعتقاد أنه تم تجاوز تلك الأحداث التي ستبقى كامنة وقابلة للانفجار في كل لحظة ، حيث أن استعادة العقلية الأمنية لدورها في مرحلة الثمانيات باتت مستحيلة فالتاريخ لا يعيد نفسه, كما أن حلم تحقيق انفصال في سورية على أساس اثني مستحيل لأسباب وطنية ودولية وإقليمية ، وهو مجرد وهم ، وورقة ابتزاز في أيدي القوى الخارجية .
إن فهم هذه الحقيقة يستدعي العمل الدؤوب من جميع الأطراف الوطنية من أجل حلول تلغي كوامن الأزمة وعوامل التفجير , وهي حلول تقوم على :
1ـ رفض إعادة إنتاج الدولة الأمنية تحت أي اعتبار , والضغط من أجل تحقيق إنجازات ديمقراطية في ظل تحول لصالح الدولة الوطنية الديمقراطية .
2ـ السعي لقطع الطريق أمام أي استقواء بالخارج الأمريكي ـ الصهيوني . نظراً لآثاره المدمرة على الوطن وعلى الوحدة الوطنية .
3ـ التأكيد على حق المواطنين السوريين بالتساوي أمام القانون , مع التأكيد على أن المواطنية هي حقوق وواجبات متلازمة , حيث لا يمكن المطالبة بحقوق المواطن السوري لمن لا يعترف بالهوية السورية , ويدعو لإقامة كيان انفصالي يقسم الأرض والشعب .
4ـ نبذ العنف في العمل السياسي الوطني , من قبل جميع الأطراف ورفض العنف المفرط حتى في تلك الحالات التي يفرضها القانون ومتطلبات الأمن .
5ـ التأكيد على أهمية دور القوى الوطنية في تعميق الحس ّ الوطني لدى جميع فئات الشعب وأطيافه مهما بدت الصعوبات كبيرة أمام هذا النهج , ومهما بدت عدم شعبية هذا الدور في المرحلة الراهنة لدى بعض الفئات والأطراف والشرائح الشعبية .
6ـ التأكيد على البعد الوطني في النضال الديمقراطي بحيث يُعزَّز النضال المشترك على حساب النضالات الفئوية , وتصبح المطالب الفئوية جزءاً من المطلب الوطني العام المشترك
7ـ دعوة السلطات للاستجابة للمطالب الوطنية في إطلاق الحريات العامة وفي مقدمتها حرية العمل السياسي على قاعدة التعددية وإلغاء القيود المفروضة على تلك الحريات .
*كاتب وسياسي سوري من حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي.

-ملاحظة : هذا المقال نموذج للكتابات القومجية المشبعة بثقافة الاستعلاء القومي والتي ترى في جميع الشعوب القاطنة في المنطقة عرباً أقحاح وفيما عدا ذلك عملاء للإمبريالية والصهيونية،إذ لا يستطيع كاتب المقال ذكر كلمة الكرد في مقالة مخصصة عن أحداث القامشلي إلا في معرض تخوينهم، أية عنصرية فجة هذه!! –ب. علي-

-----------------------------------------------------------------------------------------
الدم السوري الرخيص
حسين عجيب
الحوار المتمدن
نقد لنظرية استرخاص الدم الشائعة,توأم نظرية المؤامرة
لا تنسوا أبدا أن إنسان نياندرتال, يقف دائما خلف الباب
"بيير داكو"
تجنبا لسوء فهم محتمل: أرفض كل أشكال العنف-الفردي والدولي- وأعتقد أن الطور الحضاري الذي نعيش فيه, ألغى مشروعية استخدام العنف باستسناءات خاصة جدا ومحددة ,تنحصر في مجال الدفاع عن النفس, كذلك أسلوب المطالبة بالحقوق يتحدد بالوسائل اللاعنفية, وهي أكثر جدوى وفاعلية في جميع الأحوال. استخدام العنف يعطل التفكير ويفتح الباب أمام الدوافع والقوى الهمجية, الموجودة داخل كل فرد, يعيش اليوم على هذا الكوكب الجميل, والمنزوي في أقصى الكون المعتم والموحش.
الكردية أحد مكونات الهوية السورية على السواء مع العربية والإسلامية والمسيحية واليهودية وسواها من خيوط النسيج السوري , وتلك المكونات- بتعددها وتوزعها- ملحقات بشخصية الفرد, الذي هو وحدة الوجود الأساسية,وحياته سقف القيم جميعا.سأحاول الكلام بعقلانية وحياد,مع تفهمي لدرجات الانفعال من التعاطف إلى الغضب,وأعترف لو أن أحد أصدقائي:فرزند عمر أو معروف مرسكي أو عبد الحليم يوسف أو سواهم أصيب بأذى لما استطعت المحافظة على هدوئي المستفز للبعض.
عبارة الكيل بمكيالين تصرعنا طوال الوقت, واغلب من يرددونها لا يلتزمون بمكاييل أو معايير,بل يقذفون الكلام بعشوائية تلغي امكانية الفهم بالنسبة لي على الأقل. رأيي المختصر يقول أن الأكراد في سوريا لهم نفس حقوق العرب السنة في العراق والفلسطينيين في أراضي السلطة أو في دولة اسرائيل,إضافة إلى حقوقهم المماثلة لحقوق بقية السوريين, العرب وغيرهم, ولا يوجد أي تبرير للتمييز في الحقوق بين البشر.عرفت متأخرا بوجود مأساة إنسانية حقيقة في سوريا,تتمثل بوجود مئات الألوف محرومين من الجنسية تحت تسمية أكراد, هذه القضية لا تخص الفكر والآراء المختلفة, وليست قضية سياسية, هي حرمان للفرد من حقه الأساسي كإنسان.ووسائل المطالبة بهذه الحقوق ملزمة بالتقيد بالشروط اللاعنفية التي تسري على فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها,وليس لدي أي كلام أضيفه بهذا الخصوص سوى رفض استرخاص الدم الذي أعتبره سقف الإرهاب.
جفاف عاطفي أو الرماد السوري مرة ثانية:أوضحت رأيي عبر كيكا بالشخصية السورية في مقال بنفس العنوان, وهنا سأضيف إلى تصوري للجفاف العاطفي الذي يصيب الفرد والمجتمع على السواء, فكرة جديدة أعتقد من الضروري معالجتها والتوسع بها في الظروف السيئة التي تعيشها سوريا والمنطقة عموما,المفارقة اللفظية على الأقل في الجفاف العاطفي,أنه على عكس ما توحي به التسمية,يتسم بطغيان العاطفة والإنفعال على العقل والعقلانية, وهذا ما يخيفني إلى درجة الذعر,إن أفلتت ضوابط العنف الكامن
لا تترك مكانا لا للفهم ولا للتسوية,بل تسود ثنائية الأخ والعدو, وآخ من كلمة أخ كم تلطخت بالدم والإعتداء في بلادنا المريضة.
ما أن سرت حمية النشامى واسترخاص الدم ,حتى تحولت دير الزور إلى قتلة وسرايا صدامية وبالمقابل تحولت القامشلي وجبل الأكراد في دمشق طلائع التحديث في سوريا, وعند المعسكر الآخر بالعكس غوغاء في القامشلي وشرطة سويسرية وفتية يمتلئون بالحماس الرياضي والوطني على السواء. السوريون لم يهبطوا بالمظلات في عفرين ودير الزور وعامودا والرقة وحلب وبيت ياشوط,هم أهل البلد منهم الشرطي والمفكر والفنان والقاتل واللص والخائف والأكثرية صامتة دائما,والجميع عربا وأكرادا مسلمون ومسيحيون ,للأسف ما زلنا نعيش في القرون الوسطى. أكثر ما أحزنني في كل ما قرأت هذه الأيام,تلك النبرة وإن كانت خفيضة, التي تم نقلها من الفلسطينيين إلى الأكراد, وتختصر بعبارة واحدة :الإنتفاضة حتى آخر طفل فلسطيني,والكل يعرف أن أعلى الأصوات كانت وما زالت أصوات أصحاب كوبونات النفط,لا أتهم المتعاطفين مع الحقوق الكردية فأنا منهم,لكني أشير للتحريض الضمني والمأساة التي يحملها حين يطغى الإنفعال على العقل .لا توجد قضية أهم من حياة فرد أيا كان.
الجفاف العاطفي يحرم المصاب فيه,من إدراك ومعرفة الآخر,وقبل كل شئ من إمكانية التعاطف معه, على العكس يتحول التعاطف المزعوم,وفي حالاته المتطرفة حتى تجاه الإبن الفعلي,إلى التضحية به. أتمنى ألا تجرفنا الغوغائية إلى التعاطف مع الأكراد كما تعاطفنا مع العراقيين ونحن نشجع قتلهم اليومي وكما تعاطفنا من قبلهم مع الفلسطينيين.للأكراد حقوق لا تحتاج مني ومن غيري إلى التفلسف بشأنها,الطرق السلمية هي أقصر الطرق للحصول على الحقوق,والعنف كفيل بالقضاء المبرم عليها.وهذه تحيتي لأصدقائي اسماعيل وفرزند ومعروف وعبد الحليم وصبحي وابراهيم في عفرين ودير الزور والقامشلي وجبل الأكراد وفي الرقة
وسلمى وجبلة كذلك.لا تنسوا أبدا أن إنسان نياندرتال يقف دائما خلف الباب.
عزائي لأهل الضحايا وأصدقائهم ورجائي أن يتوقف الدم السوري الرخيص عن النزف.
اللاذقية_حسين عجيب
-----------------------------------------------------------------------------------------


سورية: الإشكالية الكردية تهدد النسيج الاجتماعي
غسان الإمام
16/3/2004
تربطني بكرة القدم علاقة هوى قديم. كانت أسعد الساعات في صغري تلك التي أقضيها في ملعب الكرة لاعبا أو متفرجا. وكنت اللاعب المسلم الوحيد في فريق المدرسة المسيحية التي أنتسب إليها.
سقى الله زمان دمشق. فلم يكن وجودي في المدرسة أو فريق الكرة ليثير أية حساسية لي أو لزملائي المسيحيين. بل كنت أعتبر الكرة عاملا من عوامل الألفة والمحبة التي ربطتني سنين طويلة بهؤلاء الأصدقاء، إلى أن فرقتنا الحياة في الدروب.
وكبرت فكبر هَمُّ الكرة معي، ليس كلاعب أو متفرج، إنما كمراقب لنفوذها وتأثيرها في المجتمعات المختلفة. يوما بعد يوم، تزداد خيبتي بها وقلقي منها. فقد تحولت من لعبة تعاونية وتضامنية، إلى لعبة معبرة عن الغرائز الاجتماعية المثيرة للحساسيات، والممزقة لسلام المدن والمجتمعات والدول.
في مجتمع التمزق العائلي، وفي مجتمع العنف أو الفقر والاغتراب والإقصاء، بات النادي هو العائلة، والفريق الرياضي هو الانتماء المتعصب، والملعب ساحة للصراع وأحيانا للاقتتال بين جماهير متنافسة، جماهير غوغائية غائبة عن الوعي، وغير مدركة لخطر الشعارات التي ترفعها والاستفزازات التي تتبادلها.
أصابني الحزن عندما ضرب الجزائريون اللاعبين المصريين. كان العتب المصري رقيقا ومريرا. ذكروا المراهقين الجزائريين عبثا بأن مصر هي البلد الشقيق الذي دعم نضال آبائهم من أجل الحرية والاستقلال. في الأردن، تضطر الشرطة إلى التدخل للفصل بين جمهور المخيمات الفلسطينية وجمهور المدن الأردنية. في مصر، الحساسية قديمة بين النادي الأهلي -الشعبي- ونادي الزمالك النخبوي.
الجمهور السوري لم يعد غريبا عن الظواهر السلبية التي باتت الكرة تفرزها في المدن والمجتمعات. وها هي مباراة محافظة الجزيرة -الحسكة- مع جارتها الجنوبية محافظة دير الزور تخلف عشرات القتلى والجرحى، وتترجم تصاعد التوتر الاجتماعي، وتعكس عملية الفرز المذهبي والعرقي في العراق البلد الشقيق المجاور.
في محاولة لتفسير ما جرى، أقول إن محافظتي دير الزور والرقة تشكلان الخاصرة السورية الشرقية. وهما مسكونتان بعوائل كبيرة تنتمي إلى القبائل والعشائر العربية التي ما تزال تجوب الصحراء على طول الحدود السورية ـ العراقية -600 كلم-. وتعتبر قبيلة شُمَّر الأبرز، ومعظم فروعها وبطونها يستوطن منذ القديم أرض وصحراء محافظة الجزيرة في الشمال الشرقي من البلاد.
هذه العوائل والعشائر السنية ترتبط بالقرابة وصلة التواصل المباشرة مع امتداداتها في العراق، وبالذات مع عشائر وعوائل ما يعرف اليوم بـ المثلث السني في شمال بغداد وغربها. وتكاد المشاعر والملامح واللهجات والتقاليد تتطابق على جانبي الحدود.
لذلك ليس غريبا أن يسكن هؤلاء جميعا الغضبُ العارم لما يحل بأشقائهم عبر الحدود على أيدي الأميركيين وحلفائهم وأعوانهم في العراق، وفي مقدمتهم الأكراد الذين باتوا يشكلون عددا لا يستهان به من أفراد الشرطة والأجهزة المخابراتية التي توقع بالعرب، بدءا من الموصل شمالا إلى كركوك، امتدادا إلى مدن المثلث وقراه وصحرائه جنوبا.
التركيب السكاني لمحافظة الجزيرة -في أقصى الشمال الشرقي- يختلف كليا. فإلى جانب عشائر شمر العربية، تقيم في مدن هذه المحافظة وقراها المجاورة للحدود العراقية والتركية، عوائل وعشائر كردية سنية ويزيدية، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسيحيين السريان والأرمن والآشوريين. وفيما ينخفض عدد المسيحيين بالهجرة، ازداد عدد الأكراد المتسللين الهاربين من قمع صدام وتركيا،بحيث يحتلون اليوم شريط الحدود السوريةـالتركية-800 كم-
وهكذا، شكلت كرة النار شرارة الصدام بين هذه الكتل السكانية غير المنسجمة عرقيا وسياسيا. وكان ملعب مدينة القامشلي، كبرى مدن محافظة الجزيرة، مسرحا لمأساة الصدام الدموي، بعدما جاء مشجعو فريق دير الزور حاملين معهم غضبهم العارم على الأكراد.
سورية جسر الشرق. عليه عبر تاريخيا غزاة وهاجرت إليه ومنه أقوام. شكل الفتح الإسلامي بوتقة صهر مثالية لهذه الأقوام في لغة وثقافة عربية هيأت لتعايش تاريخي سلمي. ولا أظن شعبين تزاوجا واندمجا مدنيا واجتماعيا ودينيا كما اندمج العرب والأكراد في سورية والعالم العربي. وتركز هذا الاندماج في المدن، بحيث تأسلمت واستعربت ألوف الأسر الكردية والتركية. ومنها انبثقت قيادات سياسية، كآل مردم وهنانو والقوتلي، قادت النضال الوطني والقومي العربي ضد الاستعمار.
لكن أكراد الأطراف والحدود حافظوا على عصبيتهم العرقية. ومع يقظة الذاكرة والتضخم العددي بحكم التسلل المستمر إلى بلد كسورية يفاخر بكرم الضيافة، تحاول الحركات الكردية الآن اختراق النسيج المدني بتذكير الأسر المستعربة بالعصبية المهددة للسلام الاجتماعي!
كان تعامل سورية السياسي مع الإشكالية الكردية شديد التعقيد والتناقض. وصل أبناء أسر كردية مستعربة إلى قمة الحكم -حسني الزعيم. أديب الشيشكلي. فوزي سلو. حسني ومحسن البرازي...- دون أية حساسية. وبرز الكردي خالد بكداش، الزعيم التاريخي للحزب الشيوعي، كأخطب الخطباء ومن أبرز نواب دمشق في القرن العشرين.
غير أن عروبة سورية كانت دائما شديدة القلق إزاء أكراد الحدود والأطراف وأكراد العراق. تعثر الإصلاح الزراعي عندما اكتشف عبد الناصر أن الأرض الخصبة في محافظة الجزيرة ستنتزع من قبيلة شمر، لتعطى إلى أكراد الحدود المشكوك في ولائهم. ثم دفع آخر تمرد مسلح لمصطفى البرزاني بسورية إلى إرسال قوات نظامية لمقاتلته مع القوات العراقية في الستينات.
القلق السوري من الأكراد ما لبث أن انقلب إلى غزل بين نظام الرئيس الراحل حافظ الاسد وأكراد العراق، نكاية بنظام صدام الذي راح يغازل موارنة لبنان نكاية بالأسد. واستقبلت دمشق ألوف الأكراد العراقيين، وأقامت علاقة تفاهم واختلاف مع طالباني والبرزاني الابن.
وكانت الحكمة السورية تكمن في الرغبة في استمالة أكراد العراق واجتذابهم، للنأي بهم عن إسرائيل بالذات.
غير أن العلاقة الحميمة للأكراد مع سورية حافظ الأسد، تلك التي أقامها عبد الله أوكالان الزعيم اليساري لأكراد تركيا. ومكنته هذه العلاقة من جعل سورية قاعدة لنشاطه الانفصالي في بلده، بحيث كادت تركيا تدخل في نزاع مسلح مع سورية، لولا مسارعة الأسد إلى إخراجه من البلاد.
لا شك أن مباراة القامشلي الدامية ستدفع سورية إلى إعادة النظر في التعامل مع الإشكالية الكردية المتفاقمة. فلا بد من هدهدة الانتماءات المختلفة والعواطف المتأججة في مجتمع سني شديد الوعي بعروبته، وشديد القلق لما يحدث لأشقاء له في العراق.
نعم، ليس مقبولا أن ينتقم عرب دير الزور لأهل المثلث من أكراد أبرياء، سواء كانوا سوريين أو متسللين. كذلك ليس مقبولا أن يأخذ الأكراد القانون بأيديهم، فيثأرون من الديريين بتحطيم البنى والخدمات العامة في القامشلي. وأمر خطير أن يصل الثأر الكردي إلى دمشق التي تحتضن أكرادا سوريين منذ مئات السنين، اختاروا أن يطلوا على دمشق من الجهة الشرقية لجبل المهاجرين، وكانوا مثالا للتعايش الاجتماعي السلمي بالاختلاط والزواج مع مدينة تفاخر بعروبتها على مر العهود.
سورية التي اقتُطعت أجزاء واسعة منها في القرن الماضي، لا تستطيع احتواء واستيعاب مئات ألوف المتسللين المطالبين باقتطاع أجزاء أخرى باتوا يسكنونها ويتكاثرون فيها. وإذا كانت من نصيحة لجمعيات حقوق الإنسان السورية، فهي التزام الحذر والحكمة في معالجة الإشكالية الكردية. فهذه الجمعيات تصب الزيت على النار عندما تتبنى، نكاية بالنظام، دعوات مريبة للتجنيس ولانتهاك القانون وتخريب النسيج الاجتماعي باسم حقوق الإنسان !
لم يكن النظام طرفا في الصدام، وليس من مصلحته تأجيج الصراع الاجتماعي، أو غض النظر عن التسلل. لكن التعامل بالعنف مع هذا الطرف أو ذاك ليس حلا. كان على السلطات الإدارية والحزبية والأمنية بذل جهد أكبر للمصالحة ولتهدئة العواطف، ثم للاستشفاف المبكر لما يمكن أن تحدثه كرة ملتهبة تُلقى في ملعب يشكل أتونا للصراع الاجتماعي.
المصدر جريدة الشرق الاوسط

----------------------------------------------------


انتبهوا ايها السوريون .. القصة مو لعبة..
نضال معلوف
20/3/2004
رغم انتهاء اعمال العنف التي شهدتها بعض مناطق سورية وعودة الهدوء الى بعض مدن الشمال والشمال الشرقي التي شهدت الاحداث فان تداعيات الحدث الاعلامية ما زالت ظاهرة في معظم وسائل الاعلام. والحقيقة ان التعامل - اعلاميا - مع هذا الحدث عمل في غاية الدقة، ورغم اننا نلاحظ انقلاباً في الرسالة الاعلامية التي تقدمها بعض المصادر - منها وكالات انباء عالمية - باتجاه لوم " الاكراد " على ما حصل ، مثل بعض المواضيع التي نشرتها رويترز وفيها يوجه احد نشطاء المجتمع المدني اللوم الى " الاكراد " ويقول بما معناه بانهم خانوا الاتفاق بينهم وبين جماعات المجتمع المدني وحقوق الانسان ، فيما يخص الحفاظ على اللحمة الوطنية.

على الرغم من هذا فاننا نجد ان اي من الرسالتين لا يخدم مصالحنا الوطنية ، واي تفرقة بين المواطنين الكرد والعرب ستضر بمصالح سورية الوطنية وسيتم استغلالها في خدمة مشروع باتت ملامحه واضحة.
وهنا يجب التعامل مع هذه الحالة من خلال مجموعة من الحقائق التي يجب ان لا تغيب عن بال اي مواطن سوري في تعامله مع هذه الحوادث :
الحقيقة الاولى : يجب علينا ان لا نعتبر ان كل مواطن سوري كردي متورط في الاعمال التي تمت او لديه ذات النزعات التي اظهرها بعض الاكراد التابعين لبعض الاحزاب السياسية ، فنحن لم نمتلك دليلا عمليا على ذلك ولو كان الظاهر يوحي بتأييد الاكراد السوريين عموما لتلك النزعات او بعضها.
الحقيقة الثانية : حتى ولو فرضنا جدلا وجود مطامع غير مشروعة او مقبولة لدى الاكراد مثل تلك التي سمعناها من بعض اصحاب الاراء المتطرفة حول قيام حكم ذاتي او ما شابه في المناطق الشمالية الشرقية ، استطاعت بعض الاحزاب الكردية - الغير مرخصة - بالقيام بفعل التعبئة لحشد التأييد حول مثل هذه الطروحات ، فالمعالجة يجب ان تتم من خلال تعبئة مضادة يقوم بها مختصون وفق خطة دقيقة ترمي الى تعزيز اللحمة الوطنية وتغليب شعور المواطنة على النزعات الاخرى التي من الممكن ان يكون البعض قد نجح في تعزيزها بين سكان تلك المناطق ، وتلبية مطالب السوريين الاكراد ضمن اطار حقوق المواطنة باتجاه اغلاق اية ثغرات يمكن ان تتسلل منها اية جهات خارجية للنيل من الاستقرار الذي تعيشه سورية وزعزعة الامن فيها.
الحقيقة الثالثة : هي بذل الجهود الواعية لتجنب حدوث اي حزازات او نفور بين العرب والاكراد السوريين والتنبه الى التصريحات والاقوال التي نطلقها في اطار اعلامي او غير اعلامي ، لان مثل هذه الحزازات من شأنها ان تدفع الاقلية الكردية للشعور بالعزلة واستغلال هذه الحالة من قبل البعض لاظهار هذه الاقلية وكأنها تتعرض للاضطهاد ، بينما المطلوب منا في هذا الوقت التواصل وتعزيز الروابط بين المواطنين العرب والاكراد هذه الروابط التاريخية والمتينة والتي يجب الا ندع مثل هذه الاحداث العابرة بالتأثير عليها ، وهنا تقع المسؤولية الاكبر على الحكومة وعلى المواطنين العرب باتجاه تجاوز هذه الاحداث وتقدير موقف اخواننا الاكراد الذين يقعون تحت تأثير حزنهم من فقدان بعض شبابهم الذين ذهبوا ضحية الاحداث المؤسفة ، وهذا ما يدفعنا الى تقدير مشاعرهم وتفهم غضبهم وتجاوز الاخطاء التي حدثت بحكم المخزون التاريخي من العلاقات الاخوية والمتينة التي لم تميز يوما بين مواطن سوري واخر على اساس القومية او الدين او المذهب ، واذا كان هناك بعض الاخطاء او يوجد بعض الحقوق التي يطالب البعض بأخذها ، فهذا كلام حق ويمكن فتح حوار وطني واتخاذ القرارات المناسبة لتجاوز بعض المظالم ان وجدت.
وفي النهاية ، ورغم ان بعض المواطنين وبدافع غيرتهم الوطنية تم استفزازهم لسماعهم بعض التصريحات الغريبة والمستهجنة التي تناقلتها وسائل الاعلام ، يلقون باللوم على الاكراد السوريين بالنيل من اللحمة الوطنية ، فاننا نقول لهؤلاء بانهم بافعالهم هذه يحدثون ذات الاثر الذي احدثه البعض الذين نشكك في انتماءاتهم مستغلين هذه الاحداث لاطلاق افكار مسمومة ، فنحن ابناء وطن واحد قد يخطئ البعض منا ويجب ان لا يأخذ جميع من ينتمون الى عرق او مذهب او قومية بجريرة الفرد الواحد ، وحتى اذا كنا نأخذ على البعض اظهارهم العداء والنوايا السيئة تجاه سورية وشعب سورية ، فيجب علينا ان نكون مثلا صالحا في التسامح واظهار المحبة للجميع بما يخدم مصالحنا الوطنية ويفوت الفرصة على المتربصين بنا لتحقيق اهدافهم العدوانية.
----------------------------------------------------------------------------
أحداث المناطق الكردية في سوريا: أبعد من شهوة القتل
*بقلم: جوان آشتي
نعم إن شهوة القتل التي مارست بها السلطات السورية قمعها ضد الشعب الكردي الأعزل, تعبّر عن سطوة الغل الشوفيني الأعمى على العقلية القومجية لهذه السلطات نتيجة التحريض المستديم, على مدى عقود من الزمن, ضد الشعب الكردي وتصويره, زوراً, ليس كجسم غريب عن النسيج المجتمعي السوري فحسب, بل وكمصدر خطر محتمل يهدّد وحدة البلاد, وذلك دون أن تصغي إلى كل الأصوات والمواقف الكردية ـ التي يجمع الشعب الكردي وحركته الوطنية عليها ـ النافية والمدحضة لهذا الزور, ودون التّحسب لمخاطر هذا التحريض وعواقبه المهدّدة فعلاً لهذه الوحدة التي يحرص الشعب الكردي عليها. ولكن شهوة القتل هذه هي أيضاً ابنة إرث من القمع والاستبداد الممارسين على مساحة الوطن السوري في استرخاص لحياة المواطن واستسهال لانتهاك حرمة كرامته.
ولكن أَلن يكون ضرباً من التّساذج أن نُركن الأمر إلى شهوة القتل هذه وحسب دون البحث في ما هو أبعد منها؟
بداية لابدّ من الإجابة على السؤال الملتبس ـ وغير البريء ـ أحياناً الذي يُطرح من قبل الإعلام : لماذا تحرّك الأكراد في سوريا الآن؟
فهذا السؤال يضمر إجابة ظنونية تنبع من هيمنة الرؤية المؤامراتية على مناهج التفكير بشكل واسع, ولذلك ينبغي الرد على هذا السؤال الملتبس والإجابة المضمرة بوضوح كاف.
فالواقع لم يأت التحرك الكردي تناغماً مع أجندات دولية أو إقليمية أو استغلالاً للوضع الدولي الضاغط على سوريا والمحرج لموقفها, والتدليل على ما نقوله بسيط وسهل؛ إذ ليس الشعب الكردي هو من بدأ بالتحرّك وإنّما جاء موقفه كرد فعل على الممارسة القمعية التي استرخصت دم أبنائه واستفزّت مشاعره, ليتحول رفض هذه الممارسة القمعية إلى رفض جماعي من قبل الشعب الكردي لكامل السياسة الشوفينية الممنهجة للسلطة التي تمارس منذ عقود ضدّه والقائمة على إنكار لوجوده وتنكّر لحقوقه ومشاريع عنصرية تستهدف وجوده وحملات تعريبه وتبعيثه وتجويعه وإذلاله.
فالكل يعلم بأن قضية الشعب الكردي ليست بنداً في جدول المحاسبة الذي يقدّم إلى سوريا, والكل يعلم بأنّ الشعب الكردي وحركته الوطنية يأبيان أن توضع دماء أبنائه في رصيد أية جهة كانت, ويرفضان الارتهان لإرادات الخارج, ولذلك فإن الإساءة للعلم الوطني السوري ورفع العلم الأمريكي تصرفات مدانة تلتقي في نتائجها مع ما تسعى إليه السلطة من رمي الشبهة على الحركة الوطنية الكردية وتصوير نضالها على غير حقيقته الناصعة كجزء من النضال الديمقراطي السلمي الحضاري في سبيل الديمقراطية والحقوق القومية المشروعة لشعبنا. إذ ينبغي التمييز بين السعي المشروع إلى تأمين الدعم والتأييد من قبل المجتمع الدولي ومؤسساته ومنظماته لنضال شعبنا في سبيل حلّ قضيته العادلة ـ وهذا ما نحن مقصرون فيه ـ والتّمسح المبتذل والموهوم بدولة بعينها. وعلينا عدم الانزياح عن مسارنا في التمسك والتشديد على وحدة الشعب السوري بكل مكوناته ورفض محاولات السلطة الإيحاء بصراع كردي ـ عربي, والتركيز على تصعيد نضالنا الديمقراطي في سبيل حقوق شعبنا وقضيته العادلة.
إذاً سيكون من الصواب عكس السؤال الذي يُطرح : لماذا تحرّكت السلطة ضد الأكراد الآن؟
خاصة إذا ما أخذنا حراجة الموقف السوري والظروف المحيطة به, هل يحقُّ لنا نتساءل فيما إن كان ما يجري هو جزءٌ من محاولة للتسلل من بعض هذا الحرج عبر المنفذ التركي؟
أم أن السلطة السورية, وبعد أن نفضت يدها ـ ومعها بقية دول الجوار العراقي ذات الوجود الكردي فيها ـ من إمكانية التأثير ليس في الملف الكردي في العراق فحسب بل ومستقبل الملف العراقي بشكل عام, وذلك بعد إقرار الدستور العراقي المؤقت الذي تبنى الديمقراطية والفيدرالية المرعبتين للدول اللاديمقراطية والممركزة المحيطة بالعراق يقيناً منها بأنّهما معديتين, تتّجه نحو تصعيد سياستها ضد الشعب الكردي في سوريا اعتقاداً منها بأنّها ستحقّق بعض الأغراض منها :
ـ توجيه ضربة استباقية للشعب الكردي في سوريا تهدف إلى ثنيه عن تصعيد نضاله في سبيل حقوقه وتقطع الطريق على إمكانية أن تعمل مفاعيل الفيدرالية المجاورة أثرها الإيجابي في الروح المعنوية المحفّزة له.
ـ السعي إلى تسعير الموقف الإقليمي المعادي للفيدرالية عبر الإيحاء بانعكاساتها المباشرة على الأوضاع الداخلية للدول المجاورة للعراق والمقتسمة لكردستان, ودفع هذه الدول إلى بذل كل ما بوسعها لعرقلة المشروع الفيدرالي.
ـ تحريض الطرف العربي في العراق ضد المشروع الفيدرالي الذي يؤمن الطموحات الكردية من خلال الإيحاء بوجود اقتتال كردي ـ عربي, هذا من جهة , ومن جهة ثانية تحريض الطرف العربي السوري ضد الأكراد السوريين وحقوقهم من خلال الإيحاء بأنّهم يسعون إلى استجلاب النموذج العراقي الفيدرالي إلى سوريا.
ـ كما يمكن أن السلطة السورية بافتعالها التصعيد ضد الشعب الكردي تسعى إلى تأمين دعم عربي لموقفها المحرج دولياً من خلال اللعب بالورقة القومية ومحاولة إظهار نفسها بمظهر المجابه للخطر الكردي المزعوم, وذلك بعد هزيمة "حارس البوابات". والحال أن الجدل الذي كان يدور بين من كان يعتقد بأنّ التطورات الدولية والإقليمية والداخلية في سوريا ستدفع بالسلطة السورية إلى درجة من الانفتاح على المطالب الكردية والتعامل معها بجدية ومسؤلية أكبر, ومن كان يعتقد بأنّ تلك التطورات ـ وبحكم تصلب العقلية السلطوية في سوريا ـ ستدفع السلطة إلى التشدّد حيال تلك المطالب بخطاب قوموي صدء, يتّجه, وفق معطيات الأحداث الأخيرة, نحو الحسم لصالح الرؤية الأخيرة, إذ يتبيّن من الأحداث الأخيرة بأنّ السلطة ليست مهتمة بتأمين الاستقرار الأمني, الأمر الذي يتحقق من خلال معالجة الأسباب السياسية التي أدّت إلى تلك الأحداث, وإنّما مهتمة بالحضور الأمني المكثّف بهدف التّهرب من تلك المعالجة, بل والتمهيد لتصعيد سياسة المشاريع العنصرية ضد الشعب الكردي الأمر الذي ينبغي علينا التّنبه إليه وعدم السماح بتمريره. ولكن شدّة ردّ الفعل الكردي الجماعي على القمع السلطوي تنبئ بصعوبة الخيار الذي يبدو أن السلطة تميل إليه, ولذلك تبقى الآن الكرة في ملعبها, فإمّا أن تثبت صدق إدّعاءاتها بأنّها ستحمي أكرادها وتساويهم بغيرهم من المواطنين ـ وهي مساواة في الحرمان بمعظمها ـ مما يتطلّب منها الكف عن إنكار وجود قضية كردية في سوريا وإنما الشروع في البحث عن حلّ لها, بأقلّ الكلف, مع ممثلي الشعب الكردي في حركته, وإمّا الاستمرار في عنادها وإنكارها للقضية الكردية, فينتقل المزيد من " معتدلي" الحركة الكردية إلى صفوف "متشدّديها". وقد يخسر المرء أيّ قضية إلا قضية شعب.
----------------------------------------------------
الأكراد وحملات تشويه التاريخ السوري:
هل يحذو أكراد سورية حذو أكراد العراق؟
بقلم: شمعون دنحو
أخبار الشرق - 2 نيسان 2004
طرأ في الآونة الأخيرة تغيير واضح على الخطاب القومي لبعض الأطراف الكردية في سورية وخارجها. وبدأ اكراد سورية باستنساخ تجربة وخطاب اكراد العراق. فعلى سبيل المثال، نرى أن مصطلحي "كردستان سورية" و"كردستان الغربية" يدخلان ضمن الخطاب القومي والسياسي لعدد غير قليل من الاطراف والنخب المثقفة الكردية السورية، ويلاحظ هذا التغيير بشكل واضح في وسائل الإعلام التابعة لمستقلين أو منظمات كردية وحتى عربية. ويحاول البعض الترويج لهذه المصطلحات "العنصرية" تمهدياً لفرضها مستقبلاً على الرأي العام السوري، تماماً مثلما نجح اكراد العراق في فرض مصطلحي -كردستان العراق- و-كردستان الجنوبية- على العراقيين. فمثلاً، عبر أحدهم عن هذه السياسة -التكريدية- بقوله: -أعتقد أنه يمكن القول بأن الكرد السوريين شعب بخصائص قومية متميزة تماما يعيش على أرضه التي يمكن تسميتها كردستان سورية، وهذا الوجود التاريخي الجغرافي يشكل الأساس الأول لأي حقوق يستحقها الأكراد السوريون وعلى رأسها حق تقرير المصير ..- -المصدر: موقع الحوار المتمدن في الإنترنت، 5/9/2003-. وحول طمع الاكراد بالثروة النفطية العراقية والسورية، جاء في موقع الاتحاد الإسلامي الكردستاني ما يلي: "وفي كردستان ثروة نفطية هائلة، وخاصة في -كركوك وخانقين العراق- و-سعرت - تركيا- و-شاه آباد - إيران- و-رميلان - سورية-".
ونذكر أيضاً على سبيل المثال والمقارنة ما بين الخطابين -الكردي العراقي- و-الكردي السوري-، بخصوص سياسات التكريد، الاشكالية حول تسمية مدينة "رأس العين" السورية الشهيرة بالقرب من الحدود التركية، وكيف يحاول البعض تكريد التسمية بعد ترجمتها من العربية إلى الكردية لتصبح -سه ري كاني-، وبهذا يقلدون اكراد العراق الذين قاموا بتكريد تسمية -اربيل- العراقية إلى التسمية الكردية -هه لير-، وتسمية -اينا دنونى- - منطقة كلدوآشورية تم تكريدها - إلى -كاني ماسي- بعد ترجمة الاسم حرفيا من لغة العراق القديمة "السريانية" إلى الكردية وتعني التسمية -عين السمك-.
و"رأس العين" مدينة سورية لم يقطنها الاكراد الا في القرن العشرين وهم اليوم يشكلون اقلية فيها. وتاريخ المدينة السورية معروف للقاصي والداني، ولا سيما انها اشتهرت بمدرستها السريانية الشهيرة -مدرسة ريش عينا-، ونذكر من اشهر خريجها رئيس أطباء رأس العين والقسيس السرياني -سرجيس دريش عينا، 536 م-. وتاريخ هذه المدرسة إلى جانب مدارس السوريين "السريان" في نصيبين والرها المجاورتين لها، معروف ومدون في المصادر الغربية والعربية والسريانية وغيرها. والمضحك في هذه المسألة ان اخوتنا الاكراد يذكرون تسمية "مدينة رأس العين" مثالا على سياسات التعريب التي تمارس ضدهم، بينما الحقيقة ان الاكراد أيضاً يمارسون سياسة التكريد تجاه التسمية السورية لمدينة -رأس العين- وتجاه التاريخ السوري العريق!
وبات معلوماً للكل، ان زمن تواجد الاكراد في منطقة الجزيرة السورية -شمال شرق سورية-، يعود إلى سنة 1925م، اثر هروب الاكراد من ملاحقة الاتراك لهم، وأيضاً بسبب البحث عن فرص عمل جديدة وحياة افضل. هذه الحقيقة البسيطة والواضحة والتي لا تعيب بشيء، قد صرح بها ودون خجل الزعيم الكردي المعروف عبد الله اوجلان، وقال حرفياً: -إن غالبية الشعب الكردي في سورية قد نزحت من كردستان الشمالية .. البعض يروج لمقولة كردستان سورية .. إن هذا الطرح ليس موضوعيا وهو ليس مفهوم دقيق، التسمية الأصح هو أن نقول عنهم الأكراد السوريون ..-.
هنا يبرز سؤال مهم، لماذا يتجنب الاكراد السوريون الاعتراف بان التواجد الكردي في سورية حديث العهد، ولا سيما ان عملية حصول الاكراد أو غيرهم من الشرائح السورية على حقوقهم الطبيعية غير مرتبط بعدد السنوات التي اقاموا فيها داخل سورية، بل تتعلق القضية كلها بمسألة تفضيل خيار الديمقراطية وكيفية حل مشكلة التنوع الأقوامي واللغوي والديني في عموم سورية، وأيضاً الابتعاد عن التشدد الديني غير المبرر؟ ثم ان قول الحقيقة، لا يعني بالضرورة التقليل من الانتماء الوطني لاكراد سورية. وبدل ان يسلط هؤلاء الأضواء على مطالب الاكراد الطبيعية في سورية والتي لا تنفصل ابدا عن مطالب الفئات السورية الاخرى، راحت بعض المنظمات والاحزاب والشخصيات الكردية بشن حملات تكريدية غايتها تشويه وتزوير تاريخ سورية كما فعل قبلهم العروبيون في نقل صورة مشوهة عن تاريخ المنطقة المشرقية.
ومن أجل الترويج لأسطورة -كردستان المقسمة إلى أربعة أجزاء أو اكثر-، جند الاكراد -وخصوصا اكراد العراق- أعداداً كبيرة من الباحثين والكتاب لأجل إعادة كتابة تاريخ أعالي ما بين النهرين من جديد -كما فعل قبلهم صدام حسين- ليخدم طروحاتهم ومشروعاتهم السياسية الضيقة والتي تضرهم قبل غيرهم، مدعين بأنهم قد قطنوا شمال شرقي سورية منذآ لاف الاعوام من خلال ربط أصولهم بشعوب آرية قديمة قدمت إلى المنطقة من بلاد فارس والأناضول وانصهرت أو انقرضت منذ أكثر من -2500- عام، مثل السوباريين والخلديين والميتانيين والميديين ..، وبما ان مجموعات كبيرة من هذه الأقوام قد نزحت من موطنها الأصلي باتجاه شمال الرافدين وأقامت لها بعض المستعمرات في سورية وبلاد ما بين النهرين قبل الميلاد، وبما ان الاكراد هم من أصول آرية أيضاً، فيحتمل ان يكون هؤلاء من أجداد الاكراد الحاليين!! ولهذا فان الارض تعود حتما إلى الاكراد لأنهم -سكانها الأصليون-؟! -هذا حسب النظرية الكردية-. أما بخصوص المرحلة التاريخية التي تقدر بثلاثة آلاف سنة ما بين انقراض الاقوام الآرية التي قدمت للمنطقة السورية واستقرار أول كردي في الجزيرة السورية مطلع القرن الماضي، فتلك مرحلة غير مهمة للاكراد وهي ثانوية بالنسبة لهم، ويتم القفز عليها ورميها خلف الظهر بسهولة.
وهكذا يتجاهل الاكراد تاريخ المنطقة الوطني المحلي الحقيقي، أي تاريخ ما قبل وبعد أفول نجم الميديين والميتانيين والسوباريين والخلديين واختفائهم من الوجود أو انصهارهم ضمن النسيج السوري والرافديني، أو طردهم باتجاه أراضيهم في بلاد فارس والأناضول. فمثلاً، يذكر الباحثون في التاريخ ان تل براك -وتعني في السريانية تل السجود- بالقرب من رأس العين الحالية كانت عاصمة الملك الاكادي الشهير نارام سين، ومنطقة تل ليلان الواقعة بالقرب من مدينة القامشلي، كانت عاصمة للدولة الآشورية في عهد الملك شمشي حدد -1750 ق. م-. وعلى رقعة الجزيرة السورية قامت مملكة ارام النهرين قبل الميلاد، وعرفت المنطقة بعد الميلاد بـ "ديار ربيعة" أو -برية نصيبين- كناية بأشهر مدن الجزيرة وقتذاك -نصيبين- ذات الحضارة وربة العلم على مدى قرون عديدة قبل أن تدخلها الشعوب المغولية والتركية والكردية. وعلى نهر الفرات اشتهرت منطقة ماري الغنية عن التعريف. والمنطقة المجاورة للجزيرة السورية من الشمال والشرق، هي منطقة متجانسة تاريخيا ولغويا وسكانيا وجغرافيا وكانت تشكل الجزء الشمالي لبلاد ما بين النهرين العريقة، وهي بالطبع غنية عن التعريف.
بالحقيقة، ان مسألة كون أصل الاكراد يعود إلى الميديين أو الحوريين أو غيرهم لا يعطى لها أهمية في حال عدم قيام الاكراد من خلال هذه النظرية -التي لم تثبت بعد، وتنقصها الأدلة-، ليبرهنوا انهم سكنوا منطقة الجزيرة -السورية والعراقية-، منذ الاف السنين وبالتالي ليبرروا ضم هذه المنطقة إلى -مشروع كردستان- تحت شعارات الفيدرالية وحق تقرير المصير؟ ثم ان الارمن والاتراك يدعون أيضاً انهم يعودون إلى اصول ميتانية وسوبارية وحثية وخلدية، حتى ان تركيا غيرت اسم لواء اسكندرونة السوري إلى -لواء حتاي- أي -اللواء الحثي-، تماما كما يتمنى بعض الاكراد تغيير اسم الجزيرة السورية إلى -كردستان الغربية!-. ثم ألا يعطي كل هذا مبررات للاتراك أيضاً لكي يعيدوا مرة أخرى احتلال المنطقة وخصوصا ما كان يسمى -ولاية الموصل- وشمال سورية بحجة ان الحثيين أقاموا لهم في الماضي السحيق مستعمرات في شمال ما بين النهرين وهم من أجداد الاتراك الحاليين!!
* كاتب آشوري سوري، مسؤول دار سركون للنشر - السويد—
--------------------------------------------------

النظام السوري بين التأجيل والتأجيج: أحداث القامشلي... حادثة أم حدث
بقلم: سعيد لحدو
وصف مستشار وزير الإعلام السوري عبر إحدى الفضائيات العربية تعليقاً علي أحداث القامشلي القضية بأنها مجرد حادث وليست حدثاً، متعمداً تشبيه الأحداث بمجرد مشاغبات بين مشجعي فريقين رياضيين، قد تحدث في أي مكان!! ومضيفاً بأن الجميع هناك عرب، والأكراد أيضاً عرب.. ؟؟
لاشك أن هذا المسؤول السوري المرخص له رسمياً بالتصريح يمثل النموذج الحقيقي للعقلية البعثية المتزمتة تحت شعار القومية العربية ليس إلا. هذا النمط التفكيري الذي ساد في سورية منذ انقلاب حزب البعث وتسلمه السلطة عام 1963 وما زال عند شريحة معينة من أنصاره المتحمسين، وبخاصة أولئك المتنفذين والمستفيدين من الوضع الراهن ومحاولة إبقاء الأمور علي حالها ما أمكن.
فابتداءً بمرحلة الطفولة -تنظيم طلائع البعث-، إلي مرحلة الشباب -إتحاد شبيبة الثورة-، مروراً بمرحلة البلوغ -الاتحادات الطلابية في الجامعات والمعاهد، والنقابات المهنية في مختلف جوانب الحياة، والتي كلها ردائف بصورة أو بأخري لحزب البعث، وانتهاءً بالجيش العقائدي-، جرت صياغة منهجية لفكر معين علي غرار النهج الشيوعي السابق بأسلوب استهلك وأفرغ من مضمونه من كثرة ترديد الشعارات التي لم تعد تعني للمواطن العادي أكثر من جعجعة تؤخر ولا تقدم. في ظل هذا الواقع المتجمد منذ عقود... وإن تحرك فإلي الوراء، تتسارع التغيرات العالمية بوتيرة مذهلة حتى لم يعد بإمكان أي متبلد تجاهلها، أو إدارة ظهره لها.... باستثناء النظام البعثي في سورية، الذي يتظاهر أحياناً وتحت ضغط الظروف المستجدة بإرادة التغيير تحت مسميات عدة، في حين أنه يتراجع بسرعة عند أول تجربة ممارسة حقيقية للتغيير ليحتل مواقعه السابقة التي دأب علي احتلالها منذ الستينات. والتصريح الأخير للسيد مستشار وزير الإعلام وبعض الوجوه الإعلامية الأخرى للسلطة خير تعبير عن هذه الحال.
لقد فشل المخططون الرسميون من حملة شهادات الدكتوراه المشتراة من قوت الشعب ودمه من جامعات الدول الاشتراكية السابقة بمنح رسمية للمحبين والمقربين من رجالات السلطة في إدراك حقيقة إن كان ذلك حادثة أم حدث.
فالأكراد في سورية مثلهم مثل الاثنيات الأخرى في سورية من سريان آشوريين وأرمن وغيرهم ليسوا مجرد مشجعين لفريق رياضي، وإنما هم شرائح هامة وأساسية في نسيج المجتمع السوري. وباعتبارهم أثنيات متمايزة سواء كانوا أكراداً أو غيرهم، فتلك هي حقيقتهم التي لم يكن لهم الخيار في صنعها... فهم بالتأكيد ليسوا عرباً كما أَُريد وُيراد لهم ولغيرهم أن يكونوا من قبل العروبيين الذين لم يقدموا للعروبة رغم العقود الطويلة من حكمهم ما يمكن أن يفخر به العرب.
فالكرد والكردية كما السريانية والأرمنية ليست بالضرورة إساءة لسورية كوطن وللعروبة كقومية. وإنما هي إغناء وتفعيل لها إذا أحسن التعامل معها. فالإساءة والخطر الكبير يأتيان من طريقة التعامل الشوفينية مع هذه الفئات واعتبارها هامشية أو التنكر الكلي لها كمكونات أساسية في نسيج المجتمع السوري ككل. والذي جرى ويجري حتى الآن هو تكفير وتخوين أية فئة لا تريد أو لا تحاول أن تنتمي إلي العروبة بمفهومها الضيق طوعاً أو كرهاً. وعلى هذا الأساس ما زال المسؤولون في سورية يجرون تقييمهم لأحداث القامشلي دافنين رؤوسهم في ركامات الآلاف المؤلفة من الأطنان من أدبيات ومنشورات حزب البعث لأكثر من أربعين عاماً، دون أن يحاولوا ولو للحظة فتح أعينهم على الواقع ومحاولة فهم ما يجري بعقل متفتح وروح مسؤولة وذهن مستعد لسماع الآخر والتحاور معه لما فيه خير ومصلحة الوطن والجميع.
إن أسلوب العنف في المطالبة أو المعالجة لأية مشكلة لابد أن يقود إلى عنف مضاد من الطرف الآخر... وهذا يشجع قوى التطرف في الجانبين على التمادي واستقطاب أنصار جدد، مما يؤدي إلي تعميق المشكلة وتأجيجها أكثر عوضاً عن البحث المشترك لإيجاد الحلول المناسبة لها. وما يحصل حالياً على الساحة يقود إلى هذا الاتجاه أكثر مما يؤدي إلي تهدئة الوضع وطرح بدائل عقلانية للحوار الجاد للبحث عن حل عملي يضمن حقوق الجميع على أسس ديمقراطية سليمة دون المساس بالمبادئ الوطنية الثابتة التي يجب أن تبقى من المسلمات البديهية لدى كل الفئات. وهذا بالتأكيد يكون عبر الاعتراف المتبادل بحق الوجود والتعايش الأخوي السلمي وممارسة كل الحقوق القومية والإنسانية لكل الفئات والأفراد التي يتشكل منها المجتمع السوري، وصياغتها في دستور حضاري جديد يقوم علي أسس الحرية والعدالة والمساواة للجميع في إطار وطن واحد ومجتمع ديمقراطي عصري متحضر.
ومصادرة حق الآخرين في الوجود هل يمكن أن يقابل بغير رد فعل مماثل؟ وهل استعمال قوى الجيش والأمن هو الحل الأمثل والأنسب الذي يصب في مصلحة الوطن ؟ وهل هو إلا تلبية غريزية لنزعة التسلط لدى فئة أدمنت على التسلط والانتفاع بخيرات الوطن دون غيرها. وهي بلا شك فئة متعالية ومتغطرسة ومعزولة عن الشارع السوري بكل شرائحه وفئاته التي تجد مصلحتها الحقيقية في التغيير والديمقراطية وليس الإمعان والتمادي في استخدام قوى الجيش وأجهزة الأمن المتورمة ضد إرادة شعب لم يعد بإمكانه الصبر أكثر أو تحمل المزيد.
لا أريد أن يفهم من هذا وكأنني أبارك أعمال التخريب والحرق لمرافق عامة من قبل فئة أعمتها البصيرة وفقدت الاتجاه الصحيح الذي يمكن أن تنفس به عن غضبها المزمن من الوضع المزري الذي كانت وما زالت تعيشه أو أن أسوق تبريراً لتلك الأعمال التي تنم عن غريزة همجية وحس وطني غير سليم. فإن تلك الأعمال التخريبية لا تلحق ضرراً إلا بالشعب نفسه الذي لا بد أن يدفع مرة أخري من دمه وعرقه لإعادة بناء ما دمر. لكنني أردت إيضاح أن استخدام القوة ضد جماهير أرادت أن ترفع صوتها ضد الظلم والقهر وإن بطريقة غير حضارية قد يؤجل المشكلة إلى حين ولكنه بالتأكيد لن يلغيها أو يحلها بل سيعمل على تأجيجها أكثر، وهذا ما لا نتمناه. إن أعمال العنف التي حدثت من قبل الجماهير الكردية الغاضبة ضد الأملاك العامة و مصالح حكومية أخرى والتي تستحق الإدانة والشجب بكل معنى الكلمة، مع تفهمنا لها كرد فعل لسقوط ضحايا برصاص قوى الأمن مما يؤسف له أشد الأسف فإنها في الوقت ذاته نذير ومؤشر إلى ما يمكن أن تصل إليه الأمور إن لم يفسح المجال للتعقل والحكمة والتروي في معالجة الأمور معالجة هادئة وسلمية.
إن المطلوب هنا وفي هذه الحال هو الحل السياسي وليس العسكري. وما تشكيل لجان أمنية وعسكرية في منطقة الجزيرة عوضاً عن تشكيل لجان سياسية على مستوى القيادة وإرسالها إلى الجزيرة لمعالجة القضية سياسياً ووضع الحلول المناسبة لها إلا تجاهلاً متعمداً لحقيقة المشكلة التي نرجو ألا ينطبق عليهم قول الشاعر العربي لتكون المصيبة أعظم.
إلى هذا الحد يمكننا القول أن القضية، في هذا الحدث بالذات، هي بين الأكراد والسلطة السورية. ولكن هل بقيت كذلك..؟ أو هل هي فعلاً كذلك..؟
إن دخول عنصر جديد في أحداث القامشلي، وهي العشائر العربية أو بعضها، زاد المشكلة خطورة وتعقيداً دون شك. فالعشائر العربية التي ينتمي معظم أفرادها إلى حزب البعث، جرى تحريضها تصريحاً أو تلميحاً من قبل السلطات لمواجهة الخطر الكردي بحسب المنظور البعثي. مما أوقع عدداً آخر من الضحايا، مما نأسف له مرة أخرى شديد الأسف، وهدد بحرب أهلية بين العرب والأكراد. وبالطبع ما زال الخطر قائماً إن لم يُحسن التعامل بحس وطني سليم مع القضية. وتجدر هنا الإشارة إلى الدور المشرف الذي قام به السريان والمنظمة الآثورية الديمقراطية في تهدئة الطرفين ولعب دور الوسيط ومحاولة معالجة المشكلة بالحوار والتفاهم مع الأطراف المعتدلة والمتسمة بالحكمة والاتزان، وهي موجودة حقيقة.... ولي شخصياً تجربة واقعية معهم سابقاً في هذا المجال، وذلك لقطع الطريق على المتطرفين الذين يريدون دفع الأمور إلى أقصى مداها بغية تأجيج الوضع برمته، مراهنين في هذه الحالة علي استقطاب قوى أخرى وإدخالها في الصراع. على غرار ما جرى في العراق. وهذا ما نرى فيه الخطر الأكبر ليس على فئة معينة من المجتمع السوري المتعدد الأعراق واللغات والمذاهب، وإنما على كامل المجتمع ومستقبله ووحدته التي يجب أن تبقى مقدسة في نظر الجميع ولمصلحة الجميع. إن رفع العلم الأمريكي في بعض المظاهرات التي جرت في أوروبا هو إهانة مباشرة للشعب السوري بكل فئاته، وإن بعض التصريحات التي صدرت من بعض الأكراد المتطرفين أقل ما يقال فيها أنها مرفوضة وغير مسؤولة وما هي إلا أحد مظاهر هذا التطرف الذي تغذيه السلطات السورية حين تصر على القمع، مما يعطي الانطباع وكأن الشعب السوري غير قادر على التغيير إلا بطلب الدعم من قوى خارجية. وهو مبدأ مرفوض جملة وتفصيلاً.
إن سورية اليوم على مفترق حاسم، حيث سيكون لخيارها القادم تأثير كبير على مستقبلها وأمنها. وإن مهمة السلطة السورية اليوم أن تعي واجباتها وتتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها على اختلاف انتماءاتهم العرقية والسياسية والمذهبية، وأن تترفع عن المصالح الفئوية الضيقة لتكون لكل الوطن على اتساعه، ولكل المواطنين على اختلافهم وتنوعهم.
ليس فقط بالتصريحات الطنانة التي اعتدنا عليها طوال العقود الأربعة الماضية، وإنما بموقف عملي جريء وواضح يكون على مستوي الحدث وأهميته. وتفويت الفرصة على كل من يريد أن يتلاعب بأمن سورية ومستقبلها كوطن يتفاخر المواطن بالانتماء إليه، أياً كانت قوميته أو دينه أو توجهه السياسي. ذلك ما يتطلع إليه المواطن السوري اليوم بتلهف شديد، وهو ما سوف يتحقق إن عاجلاً أم آجلاً. وكلما أسرعت السلطة في إصلاح ذاتها وتغيير نهجها القديم الذي فاته الزمن وتجاوزته الأحداث والتطورات، كلما كان المستقبل أكثر أمناً والوطن أشد منعة واستقراراً وتماسكاً.
وبالتالي أشد قدرة على مواجهة التحديات المصيرية برغبة واندفاع جميع أبنائه.
*كاتب من سورية يقيم في هولندا – نقلاً عن القدس العربي 24/3/2004

----------------------------------------------------
مراسل جريدة الرياضية
شاهدٌ على أحداث ملعب القامشلي
المراسل :إبراهيم حسين – القامشلي
بينما كانت جماهير القامشلي تنتظر بفارغ الصبر رؤية فريقها المنتعش وهو يلاقي الفتوة على أرضه ، فوجئ الجميع بما لم يكن في الحسبان ، وظهر ، على شريط الفيديو الذي استعرضناه بعد الأحداث ، الباصات الصغيرة ، حيث تقاطرت منذ الساعة الحادية عشرة ، وهي تحمل على متنها جماهير الفتوة ، ودخلت إلى مدينة القامشلي ، حيث بدأ بعض المتهورين بتحطيم واجهات المحلات في الشارع العام بالمدينة ، وفق ما رواه لنا شهود عيان أيضاً .
ولم تتوقف أعمال الشغب عند ذلك ... بل وصلت سيارات جمهور الفتوة إلى محيط الملعب ، وبدأ بعض ركابها برمي الحجارة من الخارج إلى داخل الملعب وفوق المدرجات ، وفق ما أكده زميلنا الصحفي عبدالجبار فرحان والذي أخبرنا أيضاً أن معارك الحجارة نشبت عند دخول جمهور الفتوة إلى الملعب ، حيث رموا الحجارة باتجاه جمهور الجهاد المتواجد في المدرج المقابل للمنصة الرئيسية وجلسوا فيه باعتبار أنه مخصص لهم ...
المهم أن الأمور هدأت ، ونزل لاعبو الفريقين إلى الميدان للإحماء ، وفجأة ، وبينما كانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف وخمس دقائق ، وقف جمهور الفتوة وبدأ برمي الحجارة على جمهور الجهاد الملاصق له ، وشنوا هجوماً عنيفاً بالحجارة وأخشاب الأعلام ، فهرب الجهاديون ، بينما وقفت الشرطة متفرجة دون أن تتدخل ، وشاهدنا سيارة الإسعاف الوحيدة وهي تحمل أطفالاً صغاراً لنقلهم للمستشفى ، فسرت الأخبار في الملعب بأن هناك ثلاثة أطفال قتلوا دهساً وبالحجارة ، فهاج جمهور الجهاد وشنّ هجوماً على الطرف الآخر .
واستمرت المناوشات أكثر من ساعة ، حيث ظهر واضحاً ضعف التعامل من قبل رجال حفظ النظام الذين بدأت أعدادهم بالازدياد ، وحضر مدير المنطقة ، فهدأت الأمور قليلاً ، لكن سرعان ما عاد فتيل الأزمة للاشتعال ، وساهم فيه للأسف انفعال رجال حفظ النظام وتبادل رمي الحجارة والشتائم مع الجمهور ، وتم جمع جمهور الفتوة بأرض الميدان بحماية رجال حفظ النظام والدوريات المشتركة من كل الجهات ، وهنا كانت الإذاعة السورية قد نقلت عبر برنامج -ملاعبنا الخضراء- أن هناك ثلاثة قتلى ، فهبّ أبناء المدينة ليسألوا عن مصير أبنائهم ..
في هذه الأجواء ، وبمجرد إخلاء الملعب من جمهور الجهاد بعد جهد كبير ، هجم بعض مشجعي الفتوة على المنصة الرئيسية وعاثوا فيها فساداً وحاصروا الصحفيين وكادر برنامج -ملاعبنا الخضراء- في غرفة الإعلاميين ، لكن تدخل الشرطة أفسح لنا المجال للهروب ، فشاهدنا السيارات محطمة ، حيث -تفشش- الجمهور بسيارات جمهور الفتوة والسيارات الحكومية ... ونحن نخرج من الملعب جرياً ، شاهدنا سيارات أمين الفرع والمحافظ وكبار المسؤولين تدخل أرض الميدان ...
ولم نتمكن من العودة بسبب الأجواء المشحونة .. وعلمت-الرياضية- أن مشفى القامشلي أصبح بدوره محاصراً من قبل أهالي المدينة الذين توافدوا للاطمئنان على أبنائهم ... ولم يصرح أي مسؤول بعدد القتلى أو الجرحى حتى ساعة إسال هذا الخبر .
من جريدة -الرياضية- التي تصدر في دمشق
العدد -77- – تاريخ 13/3/2004م
ملاحظة :
تم سحب هذا العدد من الجريدة المذكورة من المكاتب من قبل الجهات المسؤولة بسبب ورود هذا المقال الذي يروي تفاصيل حقيقية لشاهد حي حول أحداث ملعب القامشلي .

--------------------------------------------------
بدأت الفتنة من ملعب القامشلي
ولم تنتهِ بعدُ ...*
الوحدة 128
تشهد المناطق الكردية في سوريا أوضاعاً متوترة من جراء الفتنة المفتعلة التي بدأت فصولها بتحريض الآلاف من جماهير نادي الفتوة بدير الزور والحاملة للفكر الشوفيني ، والتي تصرفت انطلاقاً من الوضع العراقي ، بهدف نقل صراعاته ومشاكله إلى الداخل السوري ، وذلك بالتواطؤ مع بعض الجهات داخل السلطة ، ويبدو ذلك واضحاً من خلال تحليل ودراسة مجريات الأحداث الدموية التي شهدها داخل ومحيط ملعب القامشلي ، حيث استغلت تلك الجهات حالة الهيجان ، لتطلق النار على المواطنين الكرد العزّل بحضور محافظ الحسكة ، مما يوحي بمسؤوليته عن مقتل سبعة من بين الجماهير المحتشدة ، التي كان بالإمكان تفريقها بأية وسيلة أخرى غير القتل .
وفي اليوم التالي 13 آذار ، وعندما تجمع مئات الآلاف من المواطنين الكرد في مدينة القامشلي لتشييع جثامين الشهداء ، أعادت قوات الأمن إطلاق الرصاص الحي على الجماهير المتظاهرة والغاضبة ، لتقتل أربعة مواطنين آخرين وتجرح العشرات ، وترافق ذلك مع تظاهرات واحتجاجات عفوية في مدن عامودا والدرباسية وديريك ورأس العين والحسكة وحي زورافا في دمشق . واتخذت شعب حزب البعث من ذلك ذريعة لتسليح منتسبيه ، وتحرض بعض العناصر العشائرية على مهاجمة منازل وممتلكات الأكراد في كل من رأس العين والحسكة وغيرهما ، حيث قتل البعض وجرح آخرون ، وتم نهب العديد من المتاجر الكردية ، مما أحدث ردود أفعال عنيفة في كوباني وكذلك في عفرين وحي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب ، حيث استغلت السلطات الأمنية خروج الجماهير العزل للحداد بمناسبة الذكرى السنوية لقصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية يوم 16/3/2004 لتقتل ثلاث مواطنين أكراد في حلب وإثنين في عفرين .
وبدلاً من معالجة الموضوع بحكمة وتعقل ومحاسبة المسؤولين عن قتل العديد من المواطنين حتى يمكن إشاعة الاستقرار بين الجماهير الكردية بشكل خاص ، والسورية بشكل عام ، فقد أقدمت السلطة اعتباراً من 13 آذار على اعتقال الآلاف من المواطنين الأكراد لمجرد كونهم أكراداً ، وحسب الاسم والمسكن ومكان الولادة ، وخاصة من المجردين من الجنسية ، وبدأت الاعتقالات في دمشق ، حيث قارب عدد المعتقلين /3000/ شخصاً ، ورغم الإفراج عن معظمهم الآن ، فإن المئات منهم لا يزالون رهن الاعتقال . وكذلك في مدينة القامشلي التي بلغ عدد المعتقلين فيها حوالي /2000/ شخصاً ، وامتدت عمليات الاعتقال العشوائي إلى بقية المدن والمناطق الكردية لتشمل المئات ، وانتشرت ظاهرة المداهمات الليلية المترافقة بتكسير الأبواب وترويع المواطنين وخلق أجواء الإرهاب والشطب على الموجبات القانونية التي يفترض أن تتمسك بها سلطات الدولة وتحرص عليها حفاظاً على مكانتها .
والآن ، وبعد أيام على بداية تلك الأحداث الدامية ، لا بدّ من التوقف لتحليل وتحديد أسبابها وتداعياتها ونتائجها ، وما خلّفته من ظروف حساسة وأوضاع خطيرة ... ولكي تكتمل صورة المشهد الدرامي لهذا الحدث المفتعل ، لا بد من العودة إلى الأجواء المحتقنة أصلاً ، ففي الجانب الكردي يعيش الكرد منذ عشرات السنين حالة القلق والاغتراب والإحباط ، ويتنامي باضطراد شعورهم بالغبن والظلم في ظل السياسة الشوفينية المنتهجة في المناطق الكردية وتطبيقاتها المقيتة من إحصاء حرم ربع مليون إنسان من حق الولاء الرسمي ومن شعور الانتماء لوطن لم يعرفوا غيره ، وحزام أحدث جرحاً عميقاً في الولاء الوطني الكردي ، وتمييز يجد تعبيراته في كل مكان ، وحرمان من أبسط الحقوق . وجاءت تطورات الوضع العراقي وانعكاساته على الداخل السوري بشكل عام ، والكردي بشكل خاص ، لتزيد من حالة الاحتقان المزمنة . فسقوط نظام الطاغية صدام حسين من جهة ، وإقرار الفيدرالية كنظام للحكم والإدارة في العراق من جهة أخرى ، خلق أجواء متباينة ومشاعر متناقضة ، فالأوساط الشوفينية التي توهمت أن صدام حسين يجسد طموحها القومي ، شعرت بالهزيمة إثر سقوطه ، وحملت جزءاً كبيراً من أسباب هزيمتها للجانب الكردي في العراق وامتداده القومي في سوريا ، وذلك في تهرب واضح من مواجهة الحقيقة والمسؤولية التاريخية التي يتحملها النظام البائد في تدمير العراق بكل طاقاته ومكوناته القومية ، وجرّه إلى صراعات إقليمية جلبت الويلات لشعوب المنطقة بما فيها الشعب السوري ، الذي لم يحمل له صدام حسين سوى السيارات المفخخة والشعارات الزائفة . لكن من المؤسف أن بعض فئات هذا الشعب لا تزال تجاهر بولائها لصدام حسين ، تعبيراً عن معاداتها للشعب الكردي وتطلعاته المشروعة ، وتنتظر تلك الفئات أية فرصة للانتقام من هذا الشعب المسالم الذي لا ذنب له سوى أنه يئس من إمكانية أي حل وطني لقضيته القومية العادلة ، مما يكون قد تسبب في ردود أفعال سلبية قد تبرز هنا أو هناك ، لكنه رغم ذلك لا يزال يراهن على وعي الغيورين على مصلحة هذا الوطن ، وعلى مستقبل التعايش العربي الكردي المشترك ، والقائم على الشراكة الوطنية الحقيقية الكاملة .
ووجدت تلك الفئات الشوفينية داخل السلطة وخارجها في إقرار الفيدرالية في العراق دافعاً إضافياً للانتقام من الشعب الكردي في سوريا جزاءاً له على مواقفه في معاداة النظام الدكتاتوري المنهار في بغداد ، ومواقفه الوطنية في عدم التورط في أحداث الثمانينات من القرن الماضي . ولذلك ، فقد توجهت الآلاف من جماهير نادي الفتوة إلى القامشلي هذه المرة ، حاملة معها شحنات إضافية من الحقد ونزعة الانتقام . والتقى ذلك مع الأزمة التي تعيشها السلطة في الآونة الأخيرة ، حيث تبحث بدورها عن غطاء لتتهرب تحته من الاستحقاقات الديمقراطية التي باتت مطلوبة بإلحاح بعد موجة الاحتجاجات والاعتصامات الأخيرة ، والتي حشدت جميع الأطياف والقوى السياسية خارج النظام وشددت على مطالبتها بإلغاء حالة الطوارئ . ومن جهة أخرى ، ولأن الجانب الكردي كان فاعلاً ومبادراً في تلك النشاطات والفعاليات الديمقراطية ، ومتأثراً بالتطورات الإيجابية الجارية في العراق ، وخاصة إقرار الفيدرالية وما تعنيه من استحقاقات كردية سورية تتهرب السلطة أيضاً من مواجهتها ، فإنها – أي السلطة – رأت في الأحداث الأخيرة فرصة مواتية لقمع التطلعات القومية الكردية ، ومن أجل ذلك ، كان الرد على تجمع جماهيري سلمي خارج ملعب القامشلي ، انتقامياً واضحاً ، ومن أجل ذلك أيضاً ، فإن حملة الاعتقالات التعسفية استندت على مجرد الانتماء الكردي ، حيث كان المواطن الكردي مطلوباً للقبض عليه على الحواجز العسكرية وفي مزارع اللجوء حول دمشق وغيرها . وتوجت السلطة تحقيق أهدافها المبيتة بعسكرة المناطق الكردية ، حيث تنوي الآن إقامة معسكرات دائمة فيها لقمع أي تحرك كردي من جهة ، مقابل تطمين الجانب الأمريكي في العراق والتعهد بضبط حركة المتسللين عبر الحدود من جهة ثانية .
ويتم كل ما تقدم بالترافق مع حملة إعلامية رسمية ، هدفها استثمار بعض المواقف والممارسات غير المسؤولة للتشكيك في عدالة القضية الكردية ، وفي الولاء الوطني الكردي ، وربط أي تحرك أو نشاط كردي بعامل خارجي أو نوايا انفصالية ، وذلك بهدف تأليب الرأي العام الوطني في سوريا والإساءة للوجود والدور الكردي باتجاه العزل والتهميش والإقصاء على أساس الانتماء القومي ، وحرمان الحركة الكردية من جذرها الوطني السوري ، وإثارة وتأجيج النعرات القومية بين العرب والأكراد ، ليتسنى للسلطة إطالة عمر الاضطهاد بحق الشعب الكردي، وعمر الاستغلال والقمع بحق الشعب السوري عموماً ، متناسية أن هيبة الدولة واستقرار الوطن لا يمكن أن تكون على حساب أحد مكوناته ، وأن الكرد ليسوا عبيداً تمردوا على أسيادهم .
لذلك ، فإن من المفيد ، وقبل فوات الأوان ، استخلاص الدروس والعبر من هذه الأحداث الدامية ، فأحداث ملعب القامشلي انتقلت إلى ملعب وسع ، والشعارات الاستفزازية كانت تعبيراً عن حالة محتقنة ضد الأكراد تتطلب البحث لها عن طريقة للمعالجة ، وإن إطلاق الرصاص الحي على مواطن سوري في القامشلي أو عفرين بدم بارد، كانت إيعازاً بهدر الدم الكردي الذي يفترض به أن يصان لأداء مهمة وطنية ... وكان الرد الكردي بالمقابل، بكل ما له وما عليه ، تعبيراً حازماً عن رفض الاضطهاد ، ودليلاً ساطعاً على عدم تحمل المزيد من الظلم . ولذلك ، فإن على الجميع أن يعي بأن المعالجة يجب أن تكون على مستوى ودرجة المخاطر المحدقة ، وأن القضية الكردية لم تبدأ بملعب القامشلي حتى تنتهي بتطويق أحداثه ، وأن سياسة القمع ، مهما بلغت حدودها ، فإنها لا يمكن أن تكون حلاً لفرض الاستقرار المنشود ، أو علاجاً للجرح الذي ينزف لحمة الوطن جراء سياسة الاضطهاد والتمييز والحرمان المطبقة منذ عشرات السنين ، والذي عمقته الأحداث الأخيرة التي خلقت في الجانب الآخر ظروفاً جديدة ، أصبحت مواصلة سياسة الإنكار للوجود الكردي والتنكر للحقوق الكردية والتجاهل المتعمد للحركة الكردية غير ممكنة في ظلها ، فقد انطلقت القضية الكردية بالترافق مع قضية الديمقراطية نحو آفاق جديدة ، واستكملت العديد من شروطها النضالية الخاصة ، حيث توحدت كل الأطراف الكردية في مواجهة هذه الفتنة وتداعياتها ، واستنكرت استرخاص السلطة للدم الوطني الكردي ، وتوفرت عوامل أفضل لتطوير وتوحيد أدواتها النضالية . كما أن القوى الديمقراطية والفعاليات الاجتماعية والثقافية ولجان حقوق الإنسان أدانت جميعاً استخدام القمع والرصاص الحي ، وطالبت بتشكيل لجنة تحقيق محايدة ومعالجة أسباب الاحتقان المزمن في الشارع الكردي ، ولم تحقق الأوساط الشوفينية بالمقابل مآربها في تحويل الصراع إلى صراع قومي عنصري ، حيث أجمع الغيورون من العرب والأكراد والآثوريين على ضرورة تطويق الفتنة وتحميل السلطة مسؤولية تراكم الاحتقان وتفجيره ، كما أن تضامن الجماهير الكردية في بقية أجزاء كردستان شكل رافداً جديداً أتيح له هذه المرة ليدعم النضال الوطني الكردي في سوريا .
وعلى المستوى الإقليمي والأوربي ، حازت القضية الكردية في سوريا على اهتمام العديد من الجهات الرسمية والشعبية التي دعت الحكومة السورية لعدم استخدام العنف ضد الأكراد وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية ، مما يؤكد انتقالها إلى مواقع متقدمة لا تنفع معها سياسة الشطب والإنكار والقمع و المكابرة.

*المقالة الافتتاحية لجريدة -الوحدة-يكيتي- التي يصدرها حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سورية- يكيتي، العدد 128 آذار 2004
----------------------------------------------------

القامشلي وأخواتها
إبراهيم حاج عبدي
موقع الرأي
رغم عدم وجود احصاء رسمي لعدد الاكراد السوريين، الا ان المهتمين بالشأن الكردي السوري يقدرون عددهم بحوالى مليوني نسمة يتواجدون بصورة اساسية في المناطق التي كانت مسرحاً للاحداث الاخيرة. فمدن مثل القامشلي والحسكة ورأس العين -سري كانيه- وعين عرب -كوباني- وعفرين -كرادغ- يغلب على تركيبتها السكانية العنصر الكردي، وهناك أعداد غير قليلة من الاكراد يسكنون العاصمة دمشق التي تضم عائلات عريقة ذات جذور كردية مثل: الايوبي، آل رشي، بارافي، وانلي، البوطي، بكداش، بوظو، رشواني... الخ، كذلك هناك أعداد وفدت الى المدينة في السنوات الاخيرة بحثاً عن العمل. ولعل الاحداث الاخيرة رسمت مسار الوجود الكردي السوري بدقة.
-...- فرص توظيف الاكراد ضئيلة رغم حصول الكثير منهم على شهادات جامعية نتيجة الاهتمام الذي أولته الحكومات السورية لمسألة التعليم وتطبيق سياسة التعليم الالزامي. كما ان المنح الدراسية التي كانت تأتي من الاتحاد السوفياتي السابق ودول الكتلة الاشتراكية الى الحركات والتيارات السياسية اليسارية التقدمية -غالبية الحركات الكردية السورية تنتهج الفكر اليساري واستفادت من هذه المنح- لعبت دوراً في إتاحة الفرص امام الشباب الكردي ذوي الميول اليسارية لمتابعة تحصيلهم العلمي العالي في الطب والهندسة والصيدلة وغيرها في جامعات دول الكتلة الاشتراكية السابقة. كما ان الاحزاب الكردية حضت بدورها على العلم كوسيلة لتفهم القضية الكردية ولربط الاكراد بتاريخهم وثقافتهم وفلكلورهم، ولتعميق الاحساس بمعاناة بني جلدتهم في العراق وتركيا وايران، وتعتبر القومية الكردية القومية الوحيدة في العالم من حيث عدد السكان التي لا تتمتع بدولة مستقلة اذ يقدر عدد الاكراد عموماً بحوالى 30 مليون نسمة. لا شك في ان الساحة السياسية الكردية السورية، ومنذ انشاء اول حزب سياسي كردي سوري في 17 حزيران 1975 شكلت فضاء رحباً وارضاً خصبة لتحرك الاحزاب الكردستانية في البلدان المجاورة. فاذا كانت كردستان توصف ببلاد "الألف ثورة والألف حسرة" فان الاكراد السوريين يوصفون بأنهم كانوا دائماً "وقوداً لثورات كردية" قامت في العراق وتركيا. وغالباً ما كان ولاء الاكراد السوريين لهذا الحزب الكردي السوري او ذاك يتم انطلاقاً من مدى التزام هذه الاحزاب الكردية السورية بتأييد هذا الحزب او ذاك في العراق وتركيا. بل ان الامر تجاوز حدود التأييد والتعاطف مع ظهور "حزب العمال الكردستاني" نهاية السبعينات والذي طرح مشروع "توحيد كردستان واستقلالها"، وهو الشعار المثالي الذي جذب الاكراد الذين يقولون ان "لا اصدقاء لهم سوى الجبال" فاندفع الكثير من الشباب الكرد السوريين الى العمل في صفوف هذا الحزب الذي حصل على دعم من دمشق وقضى الكثير منهم في المعارك التي دارت في جبال كردستان -جنوب شرق تركيا- بين هذه الحركة والقوات التركية منذ عام 1984 حتى اعتقال زعيمها عبدالله أوج آلان في شباط 1999 وتراجع الحزب عن أهداف الدولة المستقلة. يوجد في سوريا الآن حوالى اربعة عشر حزباً كردياً غير مرخص لها لكنها تعمل وتنشط وفق مبدأ "غض النظر" وبدت هذه الاحزاب في السنوات الاخيرة اكثر حرصاً على المطالبة بتحقيق أهدافها بعيداً عن الاملاءات الخارجية بعدما استوعبت دروس الماضي وفهمت جيداً ان مشكلتها تحل في دمشق لا في اي مكان آخر. فسعت، وفق هذا الفهم، الى العمل مع لجان المجتمع المدني وحقوق الانسان وباقي احزاب المعارضة السورية وتياراتها وشاركت معها في اعتصامات واصدرت بيانات مشتركة وتوصلت الى مبدأ يقول ان "في الديموقراطية خلاصاً للجميع وحلولاً لجميع المسائل العالقة" بما فيها المسألة الكردية رغم خصوصية المطالب الكردية التي تتمثل في الحصول على الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية داخل سوريا. وهي مطالب تختلف التفسيرات بشأنها نتيجة حسابات دقيقة -...- في غياب إعلام ناجح وسيطرة التفكير القبلي والعشائري على النخبة السياسية الكردية السورية، وبسبب ظروف التضييق والاضطهاد التي لا تتيح مناخاً سليماً لطرح افكار حرة وجريئة وواضحة.
لكن الملاحظ ان هذه الاحزاب لم تلجأ يوماً الى العنف ولم تنادِ به عملت في جميع المراحل بصورة سلمية وكانت تدعو الى الحوار مراراً رغم الكثير من الاجراءات التي استفزت مشاعر الكرد كسياسة التعريب التي مورست مع مجيء حزب "البعث" الى الحكم في آذار .1963 وفي اطار هذه السياسة تم استقدام عائلات عربية من الرقة وحلب. في عام 1973 عند البدء بإنشاء سد الفرات الذي غمرت مياهه قرى كثيرة، الى المناطق الكردية في الجزيرة، فحصلت على اراض خصبة في المنطقة في وقت يعاني فيه السكان الكرد من فقر مدقع. وقد نجحت هذه السياسة في تغيير الطابع الديموغرافي لبعض المناطق الكردية لكنها خلفت مأساة لعائلات كردية فقدت أراضيها. وفي اطار هذه السياسة ايضاً تم تغيير اسماء القرى والمناطق والبلدات والمعالم الاثرية الكردية وأطلقت عليها اسماء عربية، ورغم تذمر الكرد من هذه الاجراءات وغيرها لم يلجأوا الى العنف، ومن هنا كان عنصر المفاجأة في احداث القامشلي الاخيرة التي تعتبر سابقة لم تعهدها السلطة من الاكراد.
من السذاجة اذاً اعتبار ما جرى شغب ملاعب، مثلما يحاول الاعلام الرسمي تصويره. كذلك من السذاجة اعتباره من عمل الغوغاء -رغم ضبابية المفردة-، فما جرى لا يمكن فصله عن طبيعة تعاطي السلطة مع المسألة الكردية خلال العقود السابقة. فالاكراد غُيّبوا لمدة طويلة، ولم يتم الاعتراف بهم وبحقوقهم من قبل حزب البعث، وحرص الاعلام الرسمي السوري على عدم ذكر كلمة الاكراد، الذين يعتبرون أنفسهم جزءاً من النسيج الوطني السوري، لكنهم يشعرون بالغبن، فهناك اكثر من 300 ألف كردي جُرّدوا من الجنسية بموجب إحصاء جرى عام ،1962 ولا يملكون أية وثائق، وبالتالي فهؤلاء محرومون من العمل في الدوائر الرسمية، ومن السفر الى خارج القطر، ومن حق الانتخاب ومن حق الملكية. كما ان المناطق الكردية مهملة ومهمشة من ناحية الخدمات كالكهرباء والهاتف والطرق والماء، وسط غياب أي خطة تنموية للمنطقة. ويتندر الاكراد بأن المسؤولين المحليين الذين يأتون من المحافظات الداخلية لا همّ لهم سوى الحصول على "السمن والصوف"، كما ان الاكراد لا يستطيعون التحدث بلغتهم الأم وليس ثمة مدارس لتعليم هذه اللغة ويتساءل الكثير من الكرد لماذا توجد مدارس أرمنية مثلاً ولا توجد مدارس كردية؟
الاضطرابات والاحداث الاخيرة لم تكن وليدة اللحظة ولم تأتِ من فراغ بل جاءت نتيجة احتقان وضغط عمره عشرات السنين، وهو ما أكده بيان وقعته احدى عشرة حركة سورية سياسية وثقافية وللدفاع عن حقوق الانسان من بينها التجمع الوطني الديموقراطي -ائتلاف خمسة احزاب سورية محظورة- وجمعية حقوق الانسان في سوريا، وحزب العمل الشيوعي وعدد من الاحزاب الكردية اذ أوضحت هذه الحركات في بيانها ان هذه الاحداث "عود الى احتقان طويل... وتفشي الفساد وسياسات التمييز... وغياب الديموقراطية والحريات العامة والمساواة امام القانون".
ولا يُستبعد هنا ان تكون التطورات التي شهدها العراق والمكاسب التي حصل عليها الكرد هناك قد لعبت دوراً في تأجيج المشاعر غير اننا يجب أن نبحث عن السبب الرئيس في سوريا لا في العراق. هنا على الحكومة السورية ان تبتعد عن سياسة التجاهل فقوة المجتمع السوري في تنوعه وثرائه، وطالما تقول في اعلامها الرسمي ان هناك أيادي خارجية تحرك هؤلاء فمن الحكمة أن تسمع الى رأيهم وتصغي الى همومهم وتقطع الطريق امام هذا التدخل الخارجي وذلك لا يتم الا بالحوار الصريح والشفاف. ولعل السؤال الذي يختزل كثيراً ما حدث، والذي ينبغي ان تطرحه السلطات السورية على نفسها - وهي تتحدث عن متانة الوحدة الوطنية السورية - هو لماذا تهتف فئة عربية بحياة صدام حسين وفئة اخرى كردية تهتف بحياة مسعود البرزاني وجلال طالباني وهي فئات تنتمي الى المجتمع السوري وتعيش على ارض سوريا؟
صحافي كردي سوري
----------------------------------------------------
انهم يذبحون الكرد... اللهم فاشهد إني قد بلّغت
محمد غانم -3/2004
لا ادري لماذا وأنا أشاهد كمواطن سوري - عربي ولا فخر -الأخوة الأكراد يذبحون في محافظات - الحسكة - الرقة - حلب - وهي ما اصطلح عليه تاريخيا باسم - الجزيرة - .. تذكرت كل كلماتي عن - شوفينية أعراب البعث الفاشيست - ، وخطرهم على الوحدة الوطنية السورية ، وكنت كمواطن حر مستقل نا شدت الرئيس الدكتور بشار الأسد أن لا يقع في الفخ الذي يفتعله العفالقة .. وكتبت مئات المقالات الجادة والساخرة عن توضح وتمظهر حالة جديدة في لغة وسلوكيات البعث السوري ، سلوكيات كانت محرمة أيام الرئس الراحل حافظ الأسد . وقد أسميت هذه السلوكيات - عفلقة البعث ، وتكرتته -بعد أن سمح للعفالقة والتكارتة القتلة بالعودة إلى سوريا ، بل بدأت بعض أوساط الفاشيست البعثي تتحدث عن - فكر عفلق - كاتب المواضيع الإنشائية المدرسية ، ولمن يرغب أمامه كتاب عفلق - في سبيل البعث - .وكأن دماء العراقيين لم تكفيهم ، وجاؤوا ليسكروا على دماء السوريين . والبداية الأكراد .
ثم لا اعرف لماذا تذكرت بيت الشعر الشوفيني الفاشي البعثي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، والذي يملأ جدران وواجهات مكاتب الحزب ودوائر الدولة . بيت الشعر البعثي يقول :
أنا بعث وليمت أعداءه ... عربي ، عربي ، عربي . - العربي الاولى والثانية بتنوين الرفع ، والثالثة ساكنة -
وهكذا يكون البعث العربي -يون - عربي ، منسجما مع نفسه وشعاراته ، ولا غرابة في موت اعدائه - اليوم يذبح الأعراب الأكراد .. وغدا الله اعلم -. حزب لديه هذا النشيد ومئات الأناشيد الشوفينية الفاشية القذرة ، هل مستغربمنه أن يطبق الذبح على طريقة - شوايا الأعراب - . والأعراب اشد كفرا ونفاقا ، وهل غير الفاشيست البعث-أعرابا- .
إن قائل بيت الشعر الأنف الذكر - تبع ليمت كل ماهو غير عربي - ليس تحديا لشرائع البشرية والإنسانية فقط ،هذا الحزب - حزب وليمت - لا يكتفي بتحدي شرعة الأمم المتحدة ، وشرعة حقوق الإنسان ، بل هو فوق كل قوانين البشر الوضعية ، وضد كل بنى الإنسان المعرفية من بدء الخليقة إلى يومنا هذا .
إن حزب البعث العرباوي الشوفيني الرعوي الرعاعي ، يضع نفسه فوق الشرائع السماوية ، ويتحدى القرآن الكريم كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل ابدا ، لان الله سبحانه وتعالى انزل القرآن - الذكر .. والله سبحانه وتعالى للقرآن حافظ .هذا القرآن الذي نزل على سيدنا محمد - صلوات الله عليه وآله الطيبين الطاهرين - ، ومحمد الذي على خلق عظيم ، كان رحمة للعالمين .
إن الله عز وجل يقول - جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم - وهل يعلى على كلام الله بعد ذلك ، ولكن قتلة البعث وسراق لقمة الناس ، وسالبوا حريتهم .ومحولوا الوطن إلى زريبة ومزرعة لهم ولعائلاتهم ، متحالفين مع الأعراب الوافدين على سوريا من فترة قريبة تتراوح مابين - 75 سنة إلى 200 سنة - ، والعتيق منهم جاء في فترة بني عثمان وحكمهم ..لينهبوا الأرض ، والعباد ، وليتحالفوا مع كل مستبد وفاشي وخاصة مع شوفينية الناصريين سابقا ، والعثيين لاحقا .. واسألوا اهل العراق ابناء من كان في الحرس الجمهوري العام ، والخاص . ومخابرات صدام .. وابناء من قاموا بذبح ونهب وهتك أعراض العراقيين من الشيعة العرب إلى الكرد السنة إلى التركمان من الطرفين ، إلى الآشوريين والكلدان والسريان والأرمن والصابئة واليزيدية ..... وسائر مكونات الشعب العراقي الدينية والقومية .
على نفس النهج في سوريا نجح العفالقة في توريط البلد والوطن - بل إنهم هدفوا لتوريط الرئيس نفسه في دماء الأكراد .. كما نجحوا سابقا في توريط الأسد الأب في قضية حماه ومأساتها .
والله لوترك الأمر للوطنين والغيورين لما أريقت نقطة دم بريئة في سوريا . ولكن الفاشيست العفالقة الجد ، الذين ما انفكوا استقبالا لعشائر نظام صدام حسين - من لصوص شمر ، وجبور، وشوايا أعراب الغمر المسلحين في ما يسمى الحزام العربي -
الدم يولد الدم ، والمحبة تولد الفرح ، والحقد يولد الانفجار ...أيها البعثيون أنكم تدفعون سوريا إلى الهاوية ، إلى حمام دم لا يريده أي من السوريين من عرب شرفاء وأكراد وغيرهم.
أيها البعثيون سوريا ليست وقفا للأعراب الوافدين من جزيرة النفط ..الذين يأخذون ولا يعطون ..
ويوم تنفجر الأمور ربما لن أكثر الفاشيون حفرة ليختبئوا فيها . إن محبة الناس واحترام كرامتهم هي مفتاح لقلوبهم ، ومن يدخل بحبه وعدله إلى قلوب الناس ، لن يستطع بوش أو شارون أن يزحزحه قيد أنملة .
إن حزب البعث رافع شعار - بترول العرب للعرب - وكل البعثيين يكملونه على الشكل التالي - والأكراد مالهم شي -
إن هناك رؤوسا حامية ، في أواخر أيامها - في أرذل العمر - لا تملك إلا الحقد الذي تربت عليه ، إنها تحاول حول رؤية طبيب العيون نفسه ، إنها تضع أمامه أوراقا مغلوطة .. إنها تدفعه إلى أن يقبل بحلولها الأمنية الدموية ، وبالتالي تسعى هذه القوى المتسلطة والمستفيدة إلى توريط مقام الرئاسة بالمجازر التي ترتكب بحق الأكراد .
وان نظرية الأعراب الفاشيست عن أكراد جاؤوا من الخارج هي كذبة وسخة ، إن الأعراب هم من جاء من الخارج ، إن الأكراد كمواطنين سوريين لهم الحق بتعلم لغتهم ، وإدارة شؤونهم الداخلية من طقوس وأعياد وعادات وتقاليد . وهم من أقدم سكنة سوريا ، على الأقل من أيام الدولة الأيوبية .
إن اضطهاد وذبح أي فئة أو أقلية يعطيها الله والعرف والقانون حق الاحتماء بالآخر . ولن ينظر المقتول والمعتدى على أرضه وعرضه
عن شكل - هذا الأخر -
انه إشاعة الديمقراطية والحرية ودولة القانون تجعل من كل السوريين عائلة واحدة .. وما الصوت الشوفيني العرباوي إلا نشاز لأنه صوت ضد حركة التاريخ ، ولا يرى المتغيرات .
إن الهجوم البعثي الفاشي على إخوتنا الأكراد ، إخوتنا في الإنسانية ، وفي الانتماء والولاء لسوريا وطن عزيز كريم لكل ابنائها .
هو مقدمة لانهيار الوطن كله ..
ان العدوان والتحرش من عشائر عرب الغمر وغيرها على إخوتنا الأكراد وقتلهم وسفك دمائهم ونهب أموالهم وحرق بيوتهم وممتلكاتهم في رأس العين ، وعامودا ، وقامشلي،والحسكة وعين العرب وعفرين وحلب ودمشق وسائر أماكن تواجد الأكراد .
هو عمل مدان وعلى السلطة أن تحاسب المتسببين بالحادث من - من زعران صدام وتلامذة عفلق ومن يحميهم - ..
ولن تنفع تلك المقابلات الهزيلة التي يجريها التلفزيون السوري مع ما يسمى - بالفعاليات - .. لان العمل الوطني هو فتح حوار بين الشعب الكردي من خلال قواه الوطنية والسياسة ومع الرئاسة السورية ، بعيدا عن تدخلات الفاشيست والحرس القديم المسكون بفكرة
- وليمت أعداءه - لأن الموت المحكي عنه هنا ، هو دعوة صريحة لقتل الآخر المخالف في الرأي والمذهب والانتماء القومي .
وليعلم الجميع إننا أمام خيارات إما أن نقول الحق ، أو نذهب بالوطن إلى الجحيم .
إن سياسة التعريب والتهجير في مناطق الجزيرة السورية هي وبصريح العبارة سياسة إرهابية شوفينية تنفذ جرائمها بطريقة اسرائيل
في تهويد وطرد الفلسطينين . إن التعريب هو الوجه الآخر للتهويد .. إنها العنصرية الصهيونية وقد لبست - غترة وعقال - .
اللهم إني قد قلت ولم اسكت عن الخطأ
اللهم إني قد بلّغت
اللهم إني تبرأت
إن أعراب البعث يذبحون أخوتنا الكرد ... اللهم فاشهد ...
كاتب سوري .. معارض وطني ديمقراطي مستقل .

--------------------------------------------------------

الشوفينية العرباوية .. تهدد وحدة الوطن
محمد غانم
14/3/2004
ونحن أمام الأحداث المأساوية التي تعرض لها أحبتنا و إخوتنا في الوطن السوري الأكراد يوم الجمعة واليوم ، لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي ، على الأقل كلمة حق تقال ، حتى لا نكون شيطان اخرس حسب قول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ..
إن ما جرى في الجزيرة السورية من عدوان على أخوتنا الأكراد هو نتاج شوفينية البعث وعوربته المعفلقة مجدداً ، وما كانت هذه الأحداث لتحدث لو لم تصبح سوريا مرتعا عفلقياً جديداً لبقايا الحزب البعثي التكريتي الذي ملأ العراق مقابراً
جماعية ، ويبدو أن الدور قد وصل إلى سوريا ، الآن الأكراد وغداً غيرهم تحت المذبح العفلقي الشوفيني المأجور . ولن ننسى التصريحات الشوفينية لوزير الخارجية السوري الذي اعتبر أن إسرائيل و الأكراد هم المستفيد من سقوط نظام البعث العراقي .
إن التصريحات الشوفينية لفاروق اللا شرعي هي التي أسست وتؤسس إلى خراب الوطن لأنه لو كان الأكراد عملاء لإسرائيل لقامت لهم دولة من زمان ، و أرتيريا هي الدليل .
وكأن الناس عمى ، فكل العرب بلا استثناء هم بشكل أو بأخر ركيزة أمريكية إسرائيلية في المنطقة ، لم يراها فاروقنا البعثي الشوفيني .
وما زاد الطين بلة هو استقبال عشائر العوربة العراقية التي كانت خزان الحرس الجمهوري العراقي الذي ارتكب المذابح بحق العرب الشيعة والأكراد و التركمان .
لقد أصبحت دمشق عاصمة للعشائر العراقية التي إن عد الانتماء للوطن جاءت في آخر القائمة زمناً ، ووطنية .
إن انتهاج النهج الشوفيني القومي العربي هو المسؤول الأول والأخير عن إيذاء أخوتنا في الوطن ..نعم أخوتنا الأكراد .. الذين هدرت حقوقهم وسلبت جنسياتهم من الشوفينية الفاشية البعثية والناصرية سوية ..بل اعتمدت السلطة البعثية بحقهم سياسة الترحيل وسلب الهوية ونزع الأرض ، ومنع الملكية .. إن السياسة الإسرائيلية المتعبة في عملية تهويد فلسطين الحبيبة ، هي نفسها السياسة البعثية في تعريب مدن وقرى الأكراد ..وخلق الحزام الفاشي الشوفيني العربي الشاوي .
إن عقلية بعض أطراف السلطة السورية تقود البلد إلى كارثة ، لطالما كان الأكراد حلفاء للرئيس الأسد ، وكذلك حزب الدعوة ، والمجلس الأعلى ، وأغلب أطياف المعارضة العراقية
إن مستشاري السوء يرغبون بتوريط الرئيس الدكتور بشار الأسد ليصار لهم تحميله وزر أفعالهم البغيظة .
إنني كمواطن سوري أولاً ، وعربي ثانياً أطالب السيد رئيس الجمهورية تشكيل لجنة وطنية سورية شريفة نزيهة غير شوفينية للتحري عمن افتعل هذه الأزمة ، ومن خلق
وهيء التراكمات الكبيرة .
ومن أعطى الضوء الأخضر لذبح أخوتي في الانتماء الوطني إلى سوريا ..أخوتي الأكراد .
فهل تستجيب يا سيادة الرئيس ، وأنا كمواطن سوري مستقل لا احمل أي حقد على أي كان أرشح نفسي لأكون في لجنة تحقيق وطنية لمحاسبة المسؤولين عن الفتنة الذين يغامرون بالوطن وأهله .
كاتب سوري ديمقراطي مستقل.
----------------------------------------------------
إلى محمد غانم
المتفوق في إنسانيته
د.سهراب.ن
عفرين - نت 3/4/2004
محمد غانم-فيه من ريح الشمال ما يجعله أكثر من مجرد رجل خنوع-, وهو ,الذي أمكنه أن يمنحنا بصوته منفردا الثقة,بان العالم الذي نحيا فيه يستحق ألا يعّرف بحدود الحقد والكراهية والإذلال والنفاق فحسب, وبألا نيأس من جدارة الإنسان وجدوى إنسانيته حينما تصبح القسوة فضيلة والصمت صلاة للأوغاد والكذب ترتيلهم المقدس.
لقد أسس قوله على المبدأ الراديكالي, الذي يؤكد ضرورة التمسك بجذر المسألة, وجذرها بالنسبة إليه كان ولازال هو الإنسان والالتزام الأخلاقي بقضاياه .و ببساطة شديدة أراد أن يكون إنسانا حقيقيا, ولهذا جنح إلى الهدير في وجه الصمت والطغيان والتعسف, فلم يأبه بصحرائه التي أخذت تمتد وتتسع,بل شرع هو يحيط به ,يحاصره ويطوقه بصوته الواضح, الصارخ والبديهي معا, ليثبت أن ثمة معنى للإنسان الحقيقي في هذا العالم. لقد كان جحيم الزيف والتضليل , الذي أشيع من حولنا, نحن الذين نّكل ,وغياب الجسارة وطغيان الفزع ,أعجز من أن تحكم على روحه الثائرة بالخرس.كانت حكمته الأثيرة تقول:أصرخ ثم أصرخ لتحي إنسانا , وهذا أضعف الإيمان .
لم يعمد محمد غانم إلى الرقاد بضميره في هذا الوقت, ليكرم نفسه بالسكوت أو ينعم بالنفاق ويغتبط به.فلقد أمتهن قول الحق مدويّا في بيئة لا يعدّ الكلام في الحق إلا كمغامرة الرقص على شفا الهاوية . وحفز الآخرين على الهدير به ,في الوقت الذي انتحل فيه المتثاقفون أقبح بلاغة للكذب والتشويه بروح ماكرة لا تفتقر للجبن ,على منوال منظر النظام الشعبوي فوزي الشعيبي والفتى المدلل للسلطة جمال باروت . لقد بات الضمير عند هؤلاء كالسمك الفاسد, فراحوا يخطون بدم الضحايا افتراءاتهم برضى تام عن أنفسهم, أما هو فقد قال الحقيقة عارية ,غير مكسوة ,دون خوف ودون مهادنة. وفي الوقت الذي اشتد فيه القمع وتزايد, وعمّ الخوف وخيم الصمت,فارق هؤلاء شجاعتهم فخانوا ضمائرهم وأنعشوه بالأكاذيب . لكن شجاعته ازدادت,فلم يعلن ولائه إلا للإنسان والإنسانية,وحين تحدث هؤلاء عن رفض القهر بلغة الفتنة والتخوين ونظموا معلقاتهم بالتضليل أو بالافتراء وعلقوها على هامات الضحايا, سمّى هو المسميات بأسمائها, مشمئزا منهم, مزدريا بتسطيحهم الدعائي المتطرف للأمور,فكشف بذلك عن بؤسهم الأخلاقي وحماسهم للخداع...
في هذا الزمان ,وحتى يكون المرء في مكانة محمد غانم وموقفه ,فإنه يحتاج إلى عقل نبيل وقلب جريء لا يتعارضان في الشخص ذاته .لم يشأ هذا الرجل أن يكون راعيا لقطيع التعصب والغطرسة والكراهية ولا كلبا له,على غرار الآخرين , وإنما أراد أن يكون إنسانا ومبدعا بالحق . لهذا اندلعت شرارة روحه وعقله في وجه صمت المتأنقين في بلاغتهم القوموية,وإنشاءاتهم الوطنية الفارغة, التي أغرقت الضحية في الاحتقار والإدانة ,وقد تعب هو من ادعاءاتهم العنصرية والمتعجرفة,فأقلع عنهم ,ليكشف عريهم وزيف مزاعمهم,وليظهر هشاشة تصوراتهم عن أنفسهم. لقد وعى بحسه الإنساني تاما ,مضار أوهامهم تلك بالنسبة للتعايش والتواصل الإنسانيين :أليست العروبة المعلنة, هي الصليب الذي سمر عليه باستمرار كل إنسانية أخرى مختلفة ؟ هاهو ذا ينبئهم بذلك,هاتفا: ليتني,لم أعش أو أعرف عنجهيتكم القومية وغطرستكم,غروركم وجنونكم,الذي استولى عليكم, بأنكم كنتم ولازلتم خير أمة.......الخ لقد أراد محمد غانم أن يتفوق بإنسانيته النبيلة على كل انتماء أخر,وبخاصة على غرور الانتماء القومي وصلف الاستعلاء ,ومن هنا هزأ بكل من عدّ من عروبته العنصرية فضيلة .
لم يتعاطى قط مع الموقف بعقلية ابن القبيلة ,أو بدهاء مثقف السلطة وجبنه ,المثقف المتمجد بتعبير الكواكبي ,الذي تشعره بلاغة النفاق والكذب بالنشوة والانتصار. فقد امتلك الشجاعة وقوة الإفصاح الكافيتين لقول الحق . لم يلتفت إلى الوراء ,ولم يبالي بأي شيء من شأنه أن يردعه عن ذلك , فكان من الأشداء في إنسانيتهم ,مكافحا وصلبا, لم يتملص من تكاليف البقاء إنسانا , نبيلا وحرا, لا يكترث بالأغلال التي قد تلقى على معصميه.....
احتل الإنسان في صرخة محمد غانم واجهة الدّوي, وانطلاقا من رغبته الصادقة والملتهبة بأنه علينا أن نواجه ظروف حياتنا وعلاقاتنا الإنسانية بعقول رصينة ومتزنة , بدون أوهام أو أضاليل, أو ادعاءات بالتفوق والسمو على الإنسان, عوضا من أن نعيش في محيط لا تنقصه الكراهيات الموروثة والضغائن من كل نوع. لهذا كله سار إلى هدفه ليكتشف قوس قزح الإنسانية الرائع,هاتفا : لم أزل حيّا بعد ,لم أزل إنسانا بعد وبوسعي أن أكون كذلك إلى الأبد ,فهذا عقلي وهذا قلبي وقد وهبتهما لأنبل الجهات ,للشمال البهي.فلم يكتشف معنى أفضل من هذا المعنى للحياة. وبهذا تباهى بكفره,وقد كان الهرطوق الكبير المتفرد في وقتنا هذا ,بعد رحيل الكبير هادي العلوي........................
----------------------------------------------------
" الداخل" السوري في مرحلته الجديدة:
قوى الاعتراض واختلافاتها
جهاد الزين النهار
ها هي "أحداث القامشلي والحسكة" في سوريا، مع بعض اضطراباتها المحدودة في دمشق تذكِّر من يريد ان يتذكر ومن لا بد ان يتذكر... ان هدوء ما بعد العاصفة العراقية في أي بلد عربي، خصوصا المشرقي، ليس دائما. لأن الزلزال وقع و"الجيولوجيا" السياسية للمنطقة لن تعود الى ما كانت عليه، مهما حدث في العراق سلبا او ايجابا، سواء سقط حلفاء الرئيس الاميركي جورج بوش في اوروبا او لم يسقطوا، بل سواء سقط الرئيس الاميركي أم لم يسقط.
ستتأثر السياسات، لكن الزلزال وقع، سواء ثبت ان جورج بوش -وطوني بلير- كذب على الشعب الاميركي -والبريطاني- حول أسلحة الدمار الشامل أم لم يكذب. والأرجح انه كذب. لكن ربما لمعظم العراقيين، حتى الفئة التي تقاتل الاحتلال، لسان حالهم الآن انه من "حسن الحظ" انه كذب على الشعب الاميركي... وإلا كيف كان سيسقط صدام حسين!
... مع أن "الفورة" الكردية في منطقة الجزيرة في اقصى الشمال الشرقي السوري بدأت منذ التسعينات وكان واضحا، في بيروت كما في دمشق، فكيف في القامشلي والحسكة ان "اخواننا الاكراد" السوريين صاروا مهيأين للتعبير عن انفسهم بأشكال تنظيمية وسياسية اوضح من السابق، وتتصاعد درجة علنيتها مع نهايات التسعينات وبداية القرن الجديد... مع ذلك فانه يمكن اعتبار احداث "القامشلي والحسكة" الاخيرة أول اعلان كردي واسع - فوضوي ومنظم في آن معا - عن ارادة وجود "مسألة كردية" في سوريا... التي لم تعرف شكلا حيويا معترفا به "لمسألة كردية" لا على النمط العراقي التقليدي القديم ولا على النمط التركي المنفجر انفصاليا في الثمانينات ولا على النمط الايراني الكامن حينا والمعلن حينا آخر في الثمانينات وبعض التسعينات...
إذن نحن للمرة الاولى بهذا الشكل امام "مسألة كردية" في سوريا.. أراد تأكيدها رد الفعل الكردي في القامشلي، أيا يكن المسبب الانفعالي في الحادثة الاولى التي اطلقت المواجهات الاهلية كما مع قوى الامن... وبهذا تتسجل في سوريا في الوقت نفسه حركة ذات اتجاهين في آن معا:
اتجاه يضيف قوة اعتراض "رسمية" جديدة - هي الثالثة في الواقع - الى القوى الداخلية المعترضة على النظام الذي يدير الدولتين السورية واللبنانية، اي انه يدير مساحة "داخلية" في "اقليم الشام" تمتد من القامشلي في اقصى الشمال الشرقي الى الناقورة اللبنانية في اقصى الجنوب الغربي. هذه القوى الاعتراضية الثلاث من وجهة "الامن السياسي" لمنظومة الدولتين المدارتين من دمشق هي:
الاعتراض في مناطق "المركز" السوري الذي مثله تيار حركة "الاخوان المسلمين" مع كل انشقاقاتها وتحولاتها التي أصبحت بأغلبها سلمية الآن.
الاعتراض في لبنان الذي مثله ويمثله بشكل دائم التيار الرئيسي في الطائفة المارونية ومعها الاتجاه العام لمسيحيي لبنان.
والآن يضاف الاعتراض الكردي... كدينامية يجب حساب انها ستصبح دائمة.
من منظور "المنظومة" التي فرضها مؤسسها الرئيس حافظ الاسد عام 1990 هذه هي قوى الاعتراض الرئيسية الآن على النظام السوري الذي يدير دولتي سوريا ولبنان. قوى الاعتراض في "المجتمع" هنا وهناك، بمعزل عن الاهمية الثقافية الاعلامية للاعتراضات الاخرى وبينها اعتراضات المثقفين السوريين بتعبيراتها العديدة.
لكن مفارقة "انفجار" الاعتراض الكردي انها ايضا تفتح الجغرافيا السياسية السورية على أبعاد جديدة تتصل للمرة الاولى ببدء مرحلة تشكل "مركز كردي" في العراق قوي، محمي دوليا -وبعد سقوط صدام حسين- سياسيا و"دستوريا" وقادر على "ادارة" حيوية بأشكال مختلفة مباشرة وغير مباشرة للمجموعات الكردية في سوريا -اذا بدت ضعيفة- وتركيا وايران.
هذا وضع جديد، هو من نتائج المرحلة "الانتقالية" الحالية في العراق، صحيح ان "الدويلة الكردية" المنفصلة خارج الكيان العراقي ليست ثابتة قدرتها على الوجود مستقبلا، ولكن حتى في ظل عراق موحد -على الطريقة اللبنانية أي غير موحد الا داخل "قفص الدولة"- فان "المركز" الكردي نشأ وسيكون باستطاعته سواء في "اقليم كردستان" الذي اعترف به القانون الجديد للدولة العراقية او في داخل بغداد التي سيكون للأكراد سياسيا فيها من الآن فصاعدا شأن مختلف. ولمَ لا، فالقلق من الاكراد يتعلق بالمخاطر الانفصالية. أما حقهم بالمساواة المطلقة بما فيها رئاسة الدولة، داخل كل دولة هو أمر مفروغ منه، لكن المشكلة من الآن فصاعدا - للتكرار - ان "الكردية السياسية" في النموذج العراقي تريد الحق "بالانفصالية" السياسية والمساواة في آن معا. أعني بالانفصال وجود "حكومة" تدير حياة مناطقهم، وليس الخروج "الرسمي" من الكيان العراقي. هذا وضع ليس صعبا توقع انه سيون مادة توتر جدي طويل مع الأكثرية العربية العراقية، أيا تكن أكثريتها الطائفية. فلقد ظهر بوضوح ان "الحساسية الشيعية" العراقية بمعزل عن نقص نضجها التنظيمي والسياسي تاريخيا، وعدم وجود خبرة "دولتية" -من دولة- لها في السابق، هذه "الحساسية" تعاطت مع الوضع الكردي خلال مناقشات اقرار "الدستور المؤقت" وما بعده باعتبار ان هاجس وحدة الكيان العراقي، بالتالي وحدة اراضي الدولة العراقية، قد انتقل اليها وتعتبر نفسها في الظروف الجديدة "مسؤولة" عنها، مثل "الحساسية السنية" العراقية تقليديا كجزء من البيئة العربية... وإلا ما هو تفسير هذا الظهور السريع لـ"التناقض" الكردي - الشيعي السجالي الآن؟...
لكن في سوريا، بحكم عدم وجود "تاريخ" حيوي للمسألة الكردية -ناتج أصلا من محدودية حجمهم الديموغرافي- ربما ينبغي تذكير "النشطاء الاكراد" الجدد، بمن فيهم الاصدقاء الذين يعتبرون انفسهم جزءا من المسألة الديموقراطية في دمشق، ينبغي تذكيرهم بالحدود الضيقة بل الضعيفة لامكان طرح مسألة طبيعة النظام السوري من "الباب الكردي".
وبصراحة أكثر: لا باب كردي لطرح مسألة النظام السوري، لأن هذا الباب، بمعناه القومي أي المناطقي، يطرح فقط مصير الكيان السوري، الخارطة السورية لا النظام، اذا كان الأمر هو نموذج اضطرابات القامشلي والحسكة. أما ان تكون القوى الكردية جزءا من قوى المطالبة بالديموقراطية في سوريا فهذا أمر مختلف وله مشروعيته الكاملة، لكن ليس على أساس "مسألة كردية"... بل على أساس حق كل مواطن سوري ببناء نظام ديموقراطي لا تتحكم به الحلقة الضيقة للأجهزة الامنية كما يحدث الآن. وهذا أمر مختلف يشترك فيه كل ألوان الشعب السوري. .من هنا اختلاف "الاعتراض الكردي" الناشئ الآن على الاطراف السورية البعيدة -رغم بعض الانفعالات في بعض الضواحي الدمشقية وحلب وليس في "ركن الدين" الحي التاريخي المندمج في دمشق-... من هنا اختلاف هذا الاعتراض عن الاعتراض التقليدي الماروني - المسيحي على المرجعية التي تدير الدولة اللبنانية من دمشق.
فالاعتراض الماروني - أيا تكن الهشاشات الداخلية اللبنانية الجادة والمفتعلة - يستند الى مشروعية مختلفة تماما هي مشروعية سيادة الدولة اللبنانية في القانون الدولي. ولهذا، وأيا تكن الاعتبارات، فالعنوان الرئيسي للمطالبة المارونية أو للمطالبة التي يتزعمها الموارنة، وهو عنوان الانسحاب العسكري السوري من لبنان، هو عنوان له أساسه الطبيعي أيا تكن قدرة النظام في دمشق على ايجاد قوى لبنانية تبرر استمر اره وهو أمر ايضا في الظروف الجديدة لما بعد الزلزال العراقي، من وجهة التفاعلات الدولية، بات مفتوحا على احتمالات مختلفة تماما رغم كل تشابك "التحالفات" الارادية والقسرية التي يديرها النظام السوري في لبنان، وبات لها "تاريخها" الخاص. إلا ان حقيقة وجود "دولتين" ستعيد فرض نفسها على صعيد مصير الوجود العسكري السوري في الظـروف المقبلة... ومرة أخرى بمعزل عن كل الهشاشات اللبنانية العميقة التي تديرها "قوى انقطاع" لا "وصل" رغم وجودها في القفص المشترك للدولة اللبنانية الواحدة. إلا ان هذه المعضلة - في بلد صغير - رغم تاريخنا في الحروب الاهلية السريعة والطويلة، من المفترض ان يعثر لها على حل في النظام الدولي الذي سيفرض بصورة ما الخروج السوري وبالتالي نهاية منظومة "اقليم الشام". فالاستناد الى خطر انفجار الحرب الاهلية في حالة الخروج هذه لا يمكن ان يستمر الى الأبد، رغم كل التركيب الفئوي المستشري في لبنان - والذي زاد استشراء بعد الحرب الاهلية - ورغم وجود جيل من السياسيين اللبنانيين لم تعد لديه خبرة الادارة المستقلة من بيروت للدولة اللبنانية بدون مرجعية خارجية.
الخلاصة: قوة الاعتراض الداخلية على النظام في دمشق بكل تلويناتها، هي قوة تستند الى المسألة الديموقراطية في سوريا.
قوة الاعتراض المارونية اللبنانية على النظام في دمشق، هي قوة تفكيك لمنظومة دولتين يديرهما مرجع واحد... أما قوة الاعتراض الكردية الناشئة الآن... فهي قوة خطرة من منظور وحدة الكيان السوري، بخلاف القوتين الداخلية، السورية التي تريد "اصلاح" النظام اي توسيع المشاركة السياسية فيه، والمارونية اللبنانية التي تريد انهاء الادارة السورية للوضع اللبناني أيا تكن مشاكل النظام الطائفي اللبناني.
... إلا اذا أثبتت القوى الكردية انها جزء من المسألة الديموقراطية في سوريا... وبالتالي لا خطر "انفصاليا" فيها. وهذا ممكن... في حركة اصلاح "النظام"... الذي باتت قابليته للاصلاح والتغيير الآن ضرورة لحماية الكيان السوري نفسه.
---------------------------------------------------------------------------------------
الجنسية لا الاستقلال
ماهر ياسين النهار

لم أكن اعلم كمواطن سوري أن للأخوة الأكراد، شركائنا في الوطن، معاناتهم الخاصة وذلـك حـتى زمـن قريــب، وتحديداً حتى زمن دخول الانترنت مجال الاستخدام في سوريا. -...- وفي الحقيقة تعاطفت مع مطالب الاخوة الاكراد شركائنا في الوطن في نيل الهوية الوطنية السورية والتمتع بكامل حقوق المواطنة السورية وواجباتها أسوة بباقي السوريين وحقهم بالمحافظة على لغتهم الكردية. الا ان بعض الكتابات الاخيرة بدأت باستفزازي ليس من منطلق تعصب قومي بل من منطلق خوف وغيرة على هذا الوطن -سوريا- الذي عانى ويعاني من التآمر والاحتلال واجتزاء أراضيه حتى انكمش الوطن السوري الى ما يسمى حالياً الجمهورية العربية السورية. ولئن كان التآمر في الماضي من جهات أجنبية فأنه لأشد ايلاماً أن نرى بعض الاخوة الأكراد شركائنا في الوطن -أتمنى ان يكون هذا البعض قلة- يتجاوزون الحدود في تعصبهم القومي الى مطالبات غريبة وخطيرة تتمثل باعتماد اللغة الكردية لغة قومية اسوة باللغة العربية، وبحكم ذاتي قد يؤدي الى الانفصال عن الوطن الأم، وغيرها من المطالب التي تزيد جراحاً جديدة الى جسد الوطن السوري المثخن بالجراح، هذا اضافة الى العديد من المحطات الفضائية الكردية التي بدأت من فترة غير قصيرة بغزو الفضاء الاعلامي محاولة عزل الأكراد عن محيطهم الوطني والقومي، واثارة تعصبهم القومي، بما يهدد وحدة الوطن السوري وسلامته. كل ما سبق اضافة الى ما علمته اخيراً من بدء ما يمكن تسميته غزواً كردياً للمحافظات السورية الشرقية متمثلة بشراء الأراضي والعقارات من جانب الاخوة الأكراد شركائنا في الوطن مما أدى الى توسيع في حضورهم الاقتصادي والاجتماعي على حساب سكان المنطقة الشرقية الأصليين والضاربة جذورهم بعمق في أرض سوريا التاريخية من أشوريين وكلدان وسريان والذين يعاني الوطن من نزيف حاد من جراء هجرتهم الى خارج الوطن، وتحديداً الى الدول الاسكندنافية بشكل أقرب الى مؤامرة لم تتضح معالمها بعد، حتى كادت تخلو تلك المنطقة من جزء منهم وغالٍ من أبناء سوريا. وانطلاقاً من شعار كلنا شركاء في الوطن الذي طرحه الرئيس الدكتور بشار الأسد لا بد من الدعوة الى حوار وطني شامل يدعو أولاً الى اعطاء الأخوة الأكراد شركائنا في الوطن كامل حقوقهم المواطنية السورية واحترام خصوصيتهم اللغوية ولكن ليس الى حد اعتمادها كلغة قومية لأن هناك لغات حية أخرى أكثر تجذرا في هذا الوطن تستحق بأن تكون لغات قومية اذا ما قورنت باللغة الكردية كاللغة الآشورية والسريانية والآرامية الأعرق بسوريتها من اللغة الكردية الوافدة مع هجرة القبائل الكردية الى الوطن السوري الذي احتضنهم واحبهم فأحبوه وانتموا اليه. أرجو أن لا يفهم البعض ما كتبت بأنه تحريض موجّه ضد فئة من الوطن لحساب فئة أخرى بل هو خوف على هذا الوطن الغالي بكل فئاته وأضيف بأنه كان من المؤلم التكلم عن ابناء الوطن بهذا التشريح والتفصيل الذي كان ضرورياً لايضاح الصورة وشرح القضية التي يجب أن نعي خطورتها جميعاً كي لا تتحول الى أزمة جديدة قد تجد في ظروف التآمر الدولية والاقليمية الراهنة وقوداً لها. 17/3/2004

ماهر ياسين النهار

....................................................................
اضطرابات الجزيرة: ضرورة تجديد التفاهم الوطني السوري
ياسين الحاج صالح *
أخبار الشرق 26/3/2004
في الجزيرة السورية مزيج من شعور عميق بالظلم عند الأكراد وشعور شديد بالارتياب عند العرب. وبينما يتعدى الشعور بالظلم الجزيرة ليعم الأكراد السوريين في حلب ودمشق، فإن انفجار حوادث 12 آذار وما تلاها هو الواقعة التي تكفلت بتعميم شعور الريبة في أوساط العرب السوريين. وهذا مزيج خطر ومشؤوم، ويذكر بمزيج لبناني مشابه: شعور الغبن عند طرف والخوف عند طرف آخر؛ وقد فجر بمساعدة عناصر إقليمية ودولية حربا مديدة تشكل السياسة اللبنانية اليوم استمرارا لها. والتلقي المتفاضل، إن لم نقل المتعارض، للاحتلال الأمريكي للعراق وما أعقبه من ضغط أمريكي على سورية حرك طبقات من المشاعر والتخيلات واثار صدوعا في التعايش العربي الكردي في الجزيرة وخارجها، رغم خطاب معلن لا يكف عن التغني بالأخوة العربية الكردية.
التظلم الكردي:
يلتقي في شعور الأكراد بالظلم ثلاثة محرضات أساسية. أولها عدم الاعتراف بوجودهم كجماعة قومية متميزة عن العرب، وتالياً إنكار حقوقهم الثقافية واللغوية. ولا يخفق احد من الأكراد في التذكير بوجود مدارس خاصة يتعلم فيها كل من الأرمن والسريان لغاتهم بينما يحظر على ثاني أكبر جماعة قومية في البلاد تعلم لغتها. هذا بينما تنظر السلطات شزراً إلى أي تعبير علني عن الذات الجمعية الكردية، بما في ذلك حتى وقت قريب عيد النيروز. ثانيها ممارسات تمييزية موصوفة أهمها "الحزام العربي"، وهو شريط بعمق 10 إلى 15 كم على قسم من الحدود السورية التركية يقطنه عرب رُحِّلوا من منطقة سد الفرات -يسمون "المغمورين" لأن بحيرة السد غمرت قراهم- على حساب قرى وأراض كان يسكنها أكراد؛ وكذلك وجود قرابة 200 الف من فاقدي الجنسية، وهم نوع من "البدون" السوريين. ويعتقد أن التقاء موجة من المهاجرين الأكراد من تركيا إلى سورية هرباً من الاضطهاد ورغبة في مستوى أفضل من المعيشة مع حاجة "الحكم الانفصالي" الضعيف الذي تلا انفصام عرى الوحدة السورية المصرية عام 1961 إلى شيء من الشرعية القومية هو الذي كان وراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة -عام 1962- حجبت فيه الجنسية عن عشرات ألوف من الأكراد. وقد يضاف، ثالثا، الإهمال التنموي والاقتصادي والثقافي للمنطقة والمشاركة المحدودة لنخبها في التحالف السياسي الحاكم. يعزز كل ذلك فشل ذريع للنظام البعثي في تلطيف أوجه التمييز المذكورة، أو حتى في تقديم رواية تملك ولو بعض عناصر الإقناع بشرعيتها. بالعكس غالباً ما تكون التبريرات أسوأ من الممارسات التمييزية ذاتها. فقد استطاع أيديولوجيون بعثيون أن يروا الأكراد عرباً فقدوا لغتهم أو حتى غجراً، لكي يستطيعو أن لا يروهم قومية قائمة بذاتها. وشكك بعضهم بارتباط بعض قادتهم بقوى معادية للعرب، أمريكا و"إسرائيل"، تحديداً. وهو ما لم يفوّت كثير من المثقفين الأكراد فرصة رده على العرب أنفسهم، سواء من حيث علاقة دول عربية عديدة بإسرائيل أو خنوع معظمها الذليل للولايات المتحدة، أو عبر استيراد مصطلحات تصف الممارسات الإسرائيلية حيال الفلسطينيين لوصف ممارسات السلطات السورية حيال الأكراد كما سنرى.
منحت السلطة في "الحزام العربي" وحوله للمغمورين: فمنهم الحزبيون ومنهم عناصر أجهزة الأمن ويحتكرون وحدهم الاتصال بالسلطات المحلية والمركزية. ويمكن تخيل نوعية العلاقة بين هؤلاء الريفيين قريبي العهد بالبداوة وبين جيرانهم الأكراد الذين كانوا قد استصلحوا بمشقة بعض أراضي تلك المنطقة قبل أن تمنح لوافدين مدعومين. لقد جردت السلطة البعثية بعض مواطنيها -أكراد- من ممتلكاتهم وأعطتها لمواطنين آخرين -عرب- دون أية آليات تعويضية، اقتصادية أو سياسية. ولعدة أسباب لا تستطيع السلطات أن تبرر ذلك بالحقوق السيادية للدولة في إسكان مواطنيها في أي منطقة من التراب الوطني. ففي المقام الأول مورس هذا الحق بصورة متحيزة وغير نزيهة تخل بوحدة مواطني البلاد وتضعف تلاحمهم. ومن ناحية ثانية بذّل نظام الطوارئ مفهوم السيادة بجعله كل شيء شأناً سيادياً، سواء أكان اعتزام حضور محاضرة أو كتابة مقالة نقدية أو اعتداء عسكرياً إسرائيلياً؛ الأمر الذي افضى إلى نتيجة معكوسة: تسييس الشأن السيادي ذاته وجعله أمراً خلافياً تتعارض فيه الآراء بدلاً من أن يكون موضع احترام وإجماع عام. وبالنتيجة افتقرت السلطة إلى المفهوم الوحيد الذي كان يمكن أن يشرع لها قمع ما وسم أزمة 12 آذار من ممارسات تمس فعلا بالسيادة وتضعف للتماسك الوطني.
وبالطبع ما من اعتبارات سيادية تسوغ التمييز بين المواطنين، وبخاصة حين يطبقها حكم يعلن صراحة أنه عربي على جزء غير عربي من الشعب السوري. وقبل أيام فقط استطاع وزير الداخلية السوري أن يقول إن "سحب الجنسية لا يمكن لأن الجنسية هي ملك للمواطن ومن يحصل على الجنسية العربية السورية سواء كان عربيا أو كرديا تصبح الجنسية ملكاً له ولا تُسحب منه" دون أن يشعر بأي تناقض أو تعصب في كلامه. لكن الوزير اقرب إلى الإصابة في قوله إن الجنسية لم تسحب -حالات سحبها موجودة وموثقة في حالة واحدة على الاقل، والأرجح أنها محدودة-؛ فما حصل في معظم الحالات هو الامتناع عن منح الجنسية لمستحقين لها.
كذلك لم تستطع السلطات أن تقدم مادة موثقة حول عدد الوافدين من تركيا -أو العراق حسب بعض الأقوال-. نرجح نظرا لعدم توفر وثائق حول الموضوع أن هناك وافدين أكرادا بالفعل من تركيا خلافا لما يفضل أن يقوله الأكراد، ونرجح بالمقابل أن نسبة مهمة من المحرومين من الجنسية ليسوا وافدين خلافا لما تفضل السلطات السورية. وبغياب قضية قانونية أو سياسية من الجهة السورية حول لجوء جماعي إلى الأراضي الوطنية فإن من المنصف إنسانيا ومن الملائم سياسيا أن يتم منح الجنسية السورية لجميع المقيمين في الأراضي السورية من غير الحائزين على أية جنسية اخرى. فبهذا تكفر السلطات عن تغاضيها عن دخول عشوائي للاجئين أجانب دون توثيق عددهم وتنظيم إقامتهم واوضاعهم القانونية إن كان ذلك صحيحا، أو عن حجبها جنسيتها عن بعض مواطنيها إن كانت قصة اللجوء غير صحيحة أو مبالغا فيها كثيرا. أما وأنها لم تقم بإعادتهم إلى البلد الذي يفترض أنهم قدموا منه، ولم تتفق مع ذلك البلد أو مع هؤلاء اللاجئين المفترضين انفسهم على تنظيم أوضاعهم، ولم تمنحهم جنسيتها بعد مرور عقود على "لجوئهم"، فأمر يدل على انها تصنع المشكلات لا الحلول كما قد يفترض بالسلطات والدول.
كل ذلك ترك تربة خصبة لنشاط نخب تجد الفكرة القومية وسيلة ممتازة لامتلاك سلطة في وسط جمهورها. وظيفة هذه النخبة تقديم خطاب منسجم، خال من التناقضات، تعبوي. لن نسمع من أي كردي أن بعض المحرومين من الجنسية هم أناس فضلوا أن لا يسجلوا أنفسهم تملصا من الخدمة العسكرية ومن سلطة الدولة على العموم -كانت هذه الظاهرة منتشرة بدرجة كافية لأن تلحظ في أوساط عرب المنطقة نفسها حتى ستينات وسبعينات القرن الفائت-. وبفضل هذه النخب ينحاز جزء غير قليل من الجماعة الكردية السورية إلى تسمية قرى المغمورين "المستوطنات العربية". التسمية خاطئة قانونيا لأن أرض "المستوطنات" غير محتلة، وهي خطرة سياسيا لأنها تضمر برنامجا انفصاليا، إن لم نقل تحريريا. لكن خطأ الوقائع ينافس في سوئه خطأ التسميات. فحين تجتمع مصادرة أراض مع سلطة قسرية ومع اصطناع البراءة وإنكار وجود مشكلة، فإن الناس يستعينون بما في متناول أيديهم من "أسماء دمار شامل" تحقق لهم انتقاما رمزيا.
الارتياب العربي:
"خلال ثلاثين سنة كان الأكراد مدللو السلطة، بينما اعتبر العرب صداميين مشكوكا في ولائهم". تكررت شكوى من هذا النوع على لسان عدد من عرب الجزيرة لا ينقصهم بدورهم الاحتقان. "كانت هنا مكاتب -سماها شيخ أحد العشائر العربية: سفارات- لجلال -الطالباني- ومسعود -البرزاني-، ومعبر سيمالكة فتح خصيصا لخدمة وفود كردية". ويضيف بعض العرب إننا نحن الذين تنفسنا بسقوط صدام. ويمضي بعضهم في عد مناصب مهمة يشغلها أكراد.
تطل هذه المشاعر غير المتوقعة على واقع تمييز مركب وغير أحادي الجانب في منطقة الجزيرة الكبرى التي تضم محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. فخلال الصراع المرير بين النظامين البعثيين في الثلث الأخير من القرن العشرين كانت الجزيرة تعتبر عراقية الهوى. ولم يكن غريباً أن أكثر معتقلي "اليمين المشبوه"، وهو الاسم المعياري للبعثيين السوريين الموالين للنظام العراقي، هم من ريف حلب الشرقي ومحافظات الجزيرة الثلاثة. ومع ذلك فإن شكاوى عرب المنطقة تبدو موجهة ضد الأكراد وليس ضد السلطات. قد يعود ذلك لواحد من أمرين: يقين محدثينا على العموم بأن كلامهم سيصل إلى السلطات، ومن المستحسن أن تسمع هذه ما تحب؛ ثم تحول الموقف والاصطفافات في الجزيرة بعد احتلال العراق، وبروز العنصر الانفصالي أو الكردستاني بقوة أكبر في خطاب النخب الكردية.
وهنا لعبت مواقع إلكترونية كردية دورا في تغذية ارتياب عربي يتخطى "الجزراويين"، وفي تقارب يشارف التماهي بين مواقف اولئك "الصداميين المشكوك في ولائهم" وموقف السلطة. كان على مكتب الشيخ المذكور أعلاه نفسه ملف من مقالات منشورة في مواقع إلكترونية كردية ناطقة بالعربية تتحدث بعضها بلغة مسمومة عن "قطعان البدو العرب" الذين يفترض أنهم هاجموا المواطنين الأكراد العزل. وفي أوقات الأزمات يستطيع أحد المهيجين مثل صاحب مقالة "عربان عالة الحضارة والتاريخ ينعون رمزهم صدام بقتل أطفال الكرد" على أحد المواقع الإلكترونية أن يثير من الصخب ما يغطي على عشرات الأصوات الهادئة، وأن يغذي من الريب ما لا تعدّله التوكيدات المعلنة لمعظم الأحزاب الكردية.
الارتياب العربي أيضاً عنصر في توتر السوريين الناشئ عن ضغوط أمريكية تزداد عنفاً وتنشط عقدة التقسيم يقوم به أجنبي معاد على غرار ما فعل الفرنسيون والبريطانيون بعد الحرب العالمية الأولى.
تعمم شعور الارتياب على أوساط عربية واسعة حين بادر جمهور كردي هائج إلى إنزال العلم السوري من بعض الدوائر الحكومية ورفع العلم الكردي وتعييش كردستان وتسقط سورية، فضلا عن شعارات تهتف بحياة أبي الحرية -بافي آزاد- جورج بوش. ولم يكن دور متكلمين عديدين على فضائيات كردية تبث من أوروبا اقل سوءاً في تهييج المشاعر وامتطاء الغرائز الجمعية، فضلا عن التشنيع على كائن جمعي متخلف وعدواني ومتوحش اسمه العرب. وبفضل استبطان مواقف الدوائر الأكثر يمينية وعنصرية في الغرب حيال العرب نجح هؤلاء في دفع قطاع واسع من العرب السوريين إلى موقف مرتاب، إن لم يكن معاديا، لتطلعات الأكراد المشروعة في المساواة الفردية والجماعية مع مواطنيهم الاخرين.
يتكثف الشعور العربي بالريبة في تعبير كردستان الغربية الذي لا يمل من تكراره قوميون أكراد في الخارج، وهو يرد بصيغة الاراضي أو المناطق الكردية في وثائق أحزاب كردية سورية. هنا أيضاً لا تتوفر دراسة واحدة موثقة. آشوريو المنطقة، وهم الإثنية الأقدم هناك بلا شك، يرفضون ذلك ويفضلون التحدث عن الجزيرة السورية وعن مواطنيها العرب والأكراد والاشوريين والأرمن .. بدلا من التحدث عن "آشورستان" حسب تعبير مثقف وناشط في المنظمة الآثورية الديمقراطية. وفيما عدا "المغمورين"، جميع العرب في المنطقة أصلاء بدرجة لا تقل عن أي من سكان المحافظة الآخرين.
تجديد التفاهم الوطني:
تعاني سورية اليوم من سوء تفاهم وطني متعدد الأوجه. ويفتقر السوريون إلى لغة تواصل حية بين مكونات مجتمعهم بينما تحتكر عقيدة رسمية فقيرة وعجماء ترجمة شعورهم إلى لغة لا يفهمونها هم ولا العالم من حولهم. لم تعد هذه العقيدة ومفهومها الفوقي للوحدة الوطنية توحد شعور السوريين. إنها بالأحرى تغطي انقساماتهم التي تنذر أزمة 12 آذار بانفجارات بركانية لها. إن شعورين مضطربين لا يضمنان استقرارا ووئاما، وبخاصة إن ترافقا مع شعور نخبة السلطة بالحصار نتيجة تعرض البلد لضغط خارجي من قوة فائقة الجبروت لا تكن الود لثقافته وشعور أكثرية شعبه وتجاربه التاريخية الحديثة. هذا كوكتيل خطر وانفجاري، ويمكن للدولة وحدها ضبطه إن شاءت وفقاً لما أكده متكلمون عديدون في القامشلي في نهاية أول أسبوع تلا أزمة 12 آذار.
ومهما أمكن لأفراد أو جماعات أو أي طرف اجتماعي أن يقوموا بما هو غير مقبول فإن السلطات العامة في البلد لا تستطيع أن تتصرف مثلهم دون أن تفقد عموميتها وتنحط إلى مستوى طرف خاص منحاز. السلطة تكون متطرفة حين تتصرف كطرف لا كدولة. ولا تستطيع سورية ان تكون دولة بعض مواطنيها -العرب- وأن تطالب مواطنيها كافة بولاء متكافئ لها. بكل بساطة لا يمكن توحيد شعور السوريين إن لم يكونوا متساوين.
قال أحد الناشطين الأكراد: سورية وطن نهائي لأكرادها بقدر ما يكون هؤلاء مواطنين نهائيين فيها.
كاتب سوري - دمشق
-----------------------------------------------------------------------------------------
الإضطرابات الكردية في سوريا: ثقافة القوة
علي العبد الله
فجّر اطلاق الرصاص المباشر على المواطنين الأكراد، وقتل عدد منهم وجرح العشرات، إثر شجار بين جمهور فريقي كرة قدم في مدينة القامشلي، غضب المواطنين الأكراد السوريين المكتوم من المظالم التي يرزحون تحتها منذ عقود -حرمان عدد كبير منهم من الجنسية السورية وتحويلهم الى "بدون"، التعامل معهم على قاعدة الشك في وطنيتهم واخلاصهم وتهجير أعداد كبيرة منهم قسراً عن مناطق حدودية، وملء هذه المناطق بمواطنين عرب نقلوا اليها من منطقة غمرتها بحيرة سد الفرات، تنفيذاً لفكرة الحزام العربي، ومنعهم من إشغال وظائف معينة أو الارتقاء في سلم هذه الوظائف... الخ-. عبرّ هذا الغضب عن نفسه بمهاجمة مؤسسات وممتلكات عامة وخاصة، واتلافها جزئياً أو كلياً، وقد تطوّر بالامتداد الى معظم مناطق تواجد المواطنين الأكراد، كما زاده اشتعالاً قيام موالين للسلطة بنهب وتدمير أملاك المواطنين الأكراد في عدد من المناطق. تعكس المقاربة الرسمية، التي عكستها وسائل الاعلام المرئية والمسموعة، ربط اطلاق الرصاص على المواطنين الأبرياء بالنظرة التقليدية التي تشكك في وطنيتهم واخلاصهم، واعتبار مواجهة الشغب مسألة وطنية، واعتماد الحل الأمني في معالجته. ان قراءة متأنية لما حدث تكشف، دون كبير عناء، عن ثقافة القوة التي لا تجيد السلطة واجهزتها الأمنية غيرها في تعاملها مع المواطنين، حيث كان بالامكان السيطرة على شغب الملعب، كما حدث في مرات سابقة، دون اطلاق رصاص وقتل مواطنين أبرياء، وتطويق المشكلة في حدود ذلك. أما اعتماد الحل الأمني، والأمني فقط، في معالجة تداعيات ذلك، فيعكس، هو الآخر، ثقافة راسخة، لسلطة لا ترى في المواطن الا خصماً وعدواً، ولا تنظر الى الأوضاع والتطورات إلا من اتجاه واحد، وقد قادت نظرتها هذه، والتي تجسدت في سياسات امنية واقتصادية واجتماعية، الى احداث شرخ عميق في المجتمع ترتبت عليه حالة انعدام اندماج وطني. فالمجتمع السوري منقسم عمودياً الى عرب وأكراد، ومذهبياً الى طوائف وأديان، واجتماعياً مناطق تنعم بالرعاية وأخرى بالاهمال، واقتصادياً الى قلة غنية -متخمة- وغالبية فقيرة. تتحمل هذه السياسات مسؤولية غياب الوحدة الوطنية، التي لا تقوم حياة وطنية وتستقر البلاد وتزدهر دونها. واعتماد المقاربة الأمنية، لكل الملفات، من الصغيرة الى الكبيرة، مدّد، وسيمدد، في غيابها، ويدفع المجتمع في دروب التذرّر والانقسام والانسلاخ عن كل شيء مشترك وطني. تحتاج السلطة الى اعادة نظر شاملة في نظرتها الى ذاتها والى مجتمعها، في منطلقها وفي اسلوب التعاطي مع الأوضاع والتطورات، وفي نظرتها الى المواطن في انسانيته وحقوقه وواجباته وفي خياراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، باعتباره حراً وراشداً، وفي ثقافة اجهزتها الأمنية التي تتعاطى مع المواطن باعتباره مذنباً، عدواً ، نكرة... ان اشاعة ثقافة سياسية وادارية قائمة على احترام المواطن والنظر الى خياراته ومواقفه باعتبارها سلوكاً مشروعاً يعبر فيه عن ذاتيته وحريته، والتعاطي معها وفق قواعد دستورية وقانونية، ووضع كل المواطنين تحت سقف القانون ومعاملتهم بالمساواة والعدل، دون اعتبار للعرق او الجنس او الدين باتت ضرورة مصيرية لوطن يريد أن ينـهض ويتـطـور، إنما على أسـاس متين للانـدماج الوطـني، ولحيـاة وطـنيـة مزدهـرة وكريمة.

-----------------------------------------------------------------------------------------
الأكراد السوريون:
عنف الريفيين و"شامية" المدينيين
شعبان عبود
في غمرة احداث العنف التي انطلقت من مدينة القامشلي على الحدود السورية العراقية التركية، وامتدت الى بعض احياء دمشق. كتب الصحافي الكردي السوري خورشيد دلي الذي يعمل في التلفزيون الرسمي مخاطبا الرئيس بشار الاسد: "سيدي الرئيس، عندما كنت طالبا جامعيا ادرس الصحافة في جامعة دمشق، كنا نذهب سنويا في الرابع عشر من شهر شباط على الرغم من البرد القارس والضباب الى تلك التلة الجميلة المطلة على قرية مجدل شمس في الجولان المحتل، وهناك كنا نصرخ بأعلى صوتنا: "لا بديل عن الهوية السورية... والمفارقة يا سيدي ان العشرات من الذين كانوا يهتفون ويصرخون كانوا من اكراد سوريا الذين لا يحملون جنسيتها!... سيدي: الاحصاء الذي جرى ومن ثم الاجراءات الاستثنائية اللاحقة التي اتخذت بحق هذه الفئة الكبيرة نسبيا من شعبنا جعلت من الكردي السوري موجودا وغير موجود في وقت واحد مع انها مفارقة عجيبة، نعم هو موجود كانسان يأكل ويمشي وينام ولكنه محروم من ابسط الحقوق -...- وبسبب كل هذا تحولت حياة الكردي السوري الى معاناة يومية تدور فصولها بين مراجعة الدوائر وتأمين لقمة العيش، وربما ركوب قارب صغير لا يتجاوز عرضه المتر الواحد ليخاطر بحياته عبر البحار هاربا الى اوروبا ان لم تقتله عصابات المافيا في الطريق...".
ربما يختصر هذا المقطع من الرسالة، بعضا من الحالة الكردية في سوريا، الحالة - المقدمات الكامنة التي لا يمكننا بدونها فهم ما جرى من احداث في القامشلي. صحيح ان للمتغيرات الاقليمية الناشئة منذ الاحتلال الاميركي للعراق، وصعود النزعة الانفصالية لدى الاكراد العراقيين دورا في تأجيج المشاعر القومية لدى العرب "الديرية" والاكراد السوريين، الا ان السياق الداخلي وآليات التعامل الرسمية مع الاقلية الكردية، تتحمل بعضا من مسؤولية.
ومنذ وقت طويل، اي قبل الاحتلال الاميركي للعراق، كان يلاحظ على السوريين بعموم طيفهم السياسي سواء من كانوا في حزب البعث واحزاب الجبهة او في احزاب المعارضة اليسارية او حتى المواطنين العاديين، اضطراب وجوههم وامتقاعها حين يقوم كردي متحمس بنشر خريطة وطن الحلم "كردستان" امامهم. وجلّهم يقول في نفسه بعد ان يرى اللون الاصفر، لكردستان المنشودة، يزحف ملتهماً مساحات واسعة من الاراضي السورية: "وماذا يبقى من سوريا بعد نشوء كردستان هذه غير حمص ودمشق!" في اشارة لقصة سلخ لواء الاسكندرون واحتلال الجولان.
وبشكل عام ورغم ان الاكراد في عموم سوريا لا يتجاوزون المليون ونصف المليون رقم وسطي بين الرقمين الكردي والرسمي، فان هؤلاء الاكراد بدأوا يمثلون حالة "قلقة" للأجهزة الامنية بعد الاحتلال الاميركي للعراق وصعود النزعة الانفصالية عند اكراده وحالة "سياسية" ممجوجة بالنسبة الى السوريين وبقية الاحزاب. لقد ساء السوريين ان يترافق صعود الحلم الكردي في العراق بالتزامن مع الاحتلال الاميركي وسقوط بغداد. لقد حزّت في انفسهم الخيلاء الكردية العراقية المحتمية بالعـــلم والبـــنادق الامـــيركية، مثلما ساء احزاب المعارضة السورية "هذا الصمت" على حد تعبير مثقف سوري معارض، الذي عبرت عنه الاحزاب الكردية السورية "الصديقة" ابان بدء الاحتلال الاميركي.
والى اليوم ما زال عدم صدور بيان "كردي سوري" يندد بهذا الاحتلال احد اهم المآخذ، وسببا في نظرة الريبة والشك لكل ما صار يصدر عن الاحزاب الكردية في سوريا. لقد التقت السلطات والاحزاب السورية المعارضة والمثقفون والأهالي عند هذه النقطة: الشك والريبة والحذر من الاكراد، فحسب ظنهم، ثمة ما هو كامن بين السطور ومخبأ بين كلمات بيانات الاحزاب الكردية في سوريا. وأبلغ مثال على هذا "المخبّأ" هو الجواب الكردي لحظة السؤال عن سبب الصمت على الاحتلال "هذا شأن كردي عراقي لا دخل لنا به".
وبدا ان "الزلزال" العراقي لا يحتاج لوقت طويل حتى تتسع دوائره ويطاول دول الجوار، فثمة ما هو كامن في الحالة الكردية السورية منذ سنوات طويلة، ولم يحتج سوى فتيل، هو مباراة رياضية بين جمهور الفتوة من دير الزور "الاكثر قربا للعراق هوى وجغرافية" وجمهور نادي "الجهاد" في القامشلي، صحيح ان هذا النــادي يضم طيفا كرديا ومسيحيا وعربيا، لكن الملعب كان ارض القامشلي ذات الغالبية السكانية الكردية المتأثرة ايضا وعلى طريقتها بما يجري في "كردستان العراق"، مما يعني في المحصلة تــوافر بــيئة سـورية مكتملة العناصر لرؤية الآثار الاولى على الارض للزلزال العراقي.
ويتمركز الاكراد في الجزيرة السورية -القامشلي والحسكة ورأس العين والدرباسية والمالكية وعامودا- وفي حلب -في حي الشيخ مقصود الشعبي داخل المدينة، ومنطقة عفرين وقراها وعين العرب- وفي دمشق -حي ركن الدين ووادي المشاريع بمنطقة دمّر- مثلما يتوزعون كأفراد وعائلات على مناطق اخرى.
واذا كان هناك من يعتقد ان الاكراد في سوريا، وبخاصة بعد الاحداث الاخيرة التي انطلقت من القامشلي، يمثلون حالة عنف "كامنة" فهذا صحيح، لكن الاعتقاد بأنهم يمثلون كتلة متجانسة اجتماعيا وسياسيا فهذا غير دقيق ويفتقد الصواب، ان ذلك تبرهن عليه جغرافية المناطق التي وقعت فيها احداث العنف. لقد كان لافتا ان "الريف" الكردي في الجزيرة على المثلث السوري العراقي التركي مثل القامشلي ومحيطها -الدرباسية عامودا - المالكية - رأس العين- و"الريفيين" الذين قطنوا اطراف دمشق "حي المشاريع في دمر" هم اكثر الممارسين للعنف والتعديات على الممتلكات العامة في الوقت الذي تعرضوا فيه لتشديد امني وملاحقات واعتقالات في صفوفهم، بعكس بقية اكراد المدن، وخصوصا اكراد دمشق القاطنين في حي ركن الدين المنبسط على السفح الشرقي لجبل قاسيون. هؤلاء الذين انصهروا في الحياة العامة منذ عقود طويلة ولم يسجل انهم كانوا معنيين كثيرا بالهاجس القومي لأبناء جلدتهم من الاكراد سواء منهم العراقيون ام السوريون. ونخص هنا العائلات الكردية التي مثلت مع مرور الزمن حالة "شامية" اكثر مما هي حالة كردية مثل عائلات: شيخو، كفتارو، البوطين، ظاظا، بوظو، ديركي، الوانلي، دقوري.
لكن المفارقة ان من سكن الاطراف البائسة من هذا الحي وهم من الاكراد الريفيين الجد -منطقة الجادات الشعبية تحديدا في ركن الدين، وفي منطقة وادي المشاريع في دمر- قد لوحظ عليهم تأثرهم "هستيريا" بما يجري، حين قاموا بأعمال شغب وتعديات على الممتلكات العامة، مما اضطر الاجهزة الامنية للتواجد بكثافة بينهم... في هذه الاحياء حيث يتجمع الآلاف من الاكراد الذين نزلوا من التلال والقرى البعيدة قاصدين دمشق منذ سنوات قليلة بحثا عن العمل ولقمة العيش.
"النهار"
----------------------------------------------------
الأكراد والعرب أخوة
في صالح من جعل القضايا تتراكم والتباطؤ في حلّها؟!
شاهر أحمد نصر
طرطوس 17/3/2004
كم هو مؤسف ما حصل في القامشلي ومحافظة الحسكة وحلب منذ 13/3/2004؟!!
من المستفيد من إزهاق أرواح المواطنين الأبرياء؟!!
لماذا حصل ما حصل؟!!
لا يمكن لوطني غيور إلاّ أن يأسف على ما حصل، ويدين إزهاق الأرواح البريئة، والعبث بالملكية العامة، وبالمصلحة الوطنية ووحدة الوطن والشعب.
كيف السبيل لوقف ما حصل، ومنع تكراره، ومنع حصول ما يشبهه؟!!
منذ مدة قرأنا في النشرة الإلكترونية "كلنا شركاء في الوطن" -الوطنية وديموقراطية النهج التي يشرف على إصدارها المهندس أيمن عبد النور-، خبراً حول اعتصام سلمي للأطفال الأكراد أمام مجلس الشعب، قدم ممثلوهم معروضاً يطالبون فيه بحقوق لهم.. ثم قرأنا حول اعتقال عدد من المشاركين في ذلك الاعتصام!!
وقرأنا لاحقاً حول اعتصام سلمي آخر شارك فيه الأخوة الأكراد أمام مقر مجلس الوزراء، وتقديم مذكرة جديدة للحكومة، وقرأنا في حينه حول تطمينات من الحكومة أنّ القضية قيد المعالجة... وأن ترقبوا أخباراً قريبة سارة بهذا الخصوص!!
تم الإفراج لاحقاً عن بعض المعتقلين من الأخوة الأكراد.. غير أنّ القضية الأساسية المتعلقة بالغبن الناجم عن إحصاء 1962 للأخوة الأكراد، والآثار السلبية المترتبة عن ذلك لم تعالج..
من المعروف للجميع أنّ الأخوة الأكراد في العراق وقادتهم كجلال الطالباني، والبرازاني هم أشقاء للسوريين جميعاً، وسوريا قدمت لهم، من منطلق الأخوة، ما بوسعها، من عون، فلماذا لا تستمر علاقة الأخوة هذه معهم..، وفي صالح من خلق حالة غير طبيعية بينهم وبين سوريا؟!
منذ مدة ليست قريبة يجري الحديث عن قوانين جديدة كقانون تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات، وما يتركه إصداره من انفراجات ..
يجري الحديث من قبل العديد من المسئولين عبر الفضائيات حول وجود منتديات لدينا.. وفي نفس الوقت يستمر اعتقال وسجن رواد المنتديات الأوائل، كعميد كلية الاقتصاد السابق الدكتور عارف دليلة، وعضو مجلس الشعب رياض سيف وزملائهما.. بل تستمر منذ أشهر محاكمة بعض المثقفين الذي كانوا ينوون حضور محاضرة في منتدى عبد الرحمن الكواكبي في حلب!!
النمو الاقتصادي ضعيف، قضايا تتراكم دون معالجة، على الرغم من الوعود الكثيرة بذلك..
لماذا؟ وفي صالح من يجري ذلك؟!
إنّ إعطاء الوعود وعدم تنفيذها يضعف الثقة بمن تصدر عنه.
يريد البعض تبسيط اللوحة، وإلقاء كل شيء فيما حصل في القامشلي على المندسين من الخارج.
من غير الصحيح نكران إمكانية ذلك.. خاصة وأن سيف العقوبات مسلط على بلادنا. والعدو متربص. ولكن من غير المفيد أن نقف عند ذلك فقط.. علينا رؤية اللوحة كاملة، والإقرار بوجود قضايا معلقة بحاجة إلى معالجة، وأن إهمالها يفاقم الوضع، وبالتالي لا بد من وضع رؤية واضحة للمعالجتها..
مما تقدم يتبين ما يلي:
ـ التأكيد على الأخوة بين العرب والأكراد وجميع أبناء الوطن، وإعطاء كل ذي حق حقه، ورفع الغبن عن كل مظلوم..
ـ معاقبة المتسببن فيما حصل في القامشلي والحسكة وحلب، وتعويض المتضررين منها، بناء على نتائج عمل لجنة تحقيق وطنية..
ـ لا يمكن معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية بالطرق الأمنية فقط. إنّ هيبة أي نظام حكم تأتي من مدى تلبيته لمصالح أبناء مجتمعه، ومعالجة همومهم وقضاياهم، ورفع كل أنواع الظلم والغبن عن أبناء المجتمع، وليس بعدد الضحايا والسجون وسجناء الرأي.. كما العنف واغتيال رجال الشرطة الأبرياء لا يفيد أحداً بما في ذلك الأخوة الأكراد، ولن يحقق مطالبهم..
ـ ضرورة وضع استراتيجية وطنية لمعالجة مختلف القضايا المتراكمة، وعدم تركها تتفاقم، بما في ذلك الإجحاف الناجم عن إحصاء 1962 بخصوص الأخوة الأكراد، وإلغاء كل الأسباب التي تضعف الوطن، وتخلق تربة ملائمة للأمراض الاجتماعية أن تتفاقم، وللمندسين أن يجدوا ملاذاً..
ـ من الضروري اليقظة، والحذر، ونبز البيانات المغرضة والتي تحاول صب الزيت على النار التي تصدر عن جهات تحمل حقداً دفيناً، وفي نفس الوقت من الضروري شجب تلك التصريحات التي تصدر عن بعض المسؤولين والتي تصف أبناء شعبنا بالقطيع والرعاع، والتي تنم عن روح الشوفينية والاستعلاء والتسلط..
ـ ليس في صالح الوطن أن يخسر أحداً من الأشقاء وأصدقاء الأمس، بل من المفيد والضروري تمتين العلاقة معهم، والاستفادة من حضورهم المعنوي..
ـ من المفيد والضروري أن يؤكد الجميع بمن فيهم الأخوة الأكراد جميعاً على وحدة الوطن والشعب، ونبذ أية محاولة للمساس بهذه الوحدة الوطنية..
إنني أسمع صوت صلاح الدين الأيوبي يناشدنا: الأخوة، الأخوة والوحدة يا أبناء الوطن.
فهلاّ لبينا النداء!
----------------------------------------------------
استنساخ التجربة الكردية العراقية سورياً
نظام مارديني
1/4/2004
الحياة :
ليس من باب تبسيط الأمور رؤية أحداث الشغب بين الجماعات السورية -العرب والأكراد- في مدينة القامشلي, في 12 آذار -مارس-, في معزل عن الوضع في العراق, وشماله تحديداً. فغالباً ما تكون الصواعق الخارجية مصدراً لشرارة أمنية اختزنت لأعوام احتقاناً سياسياً واجتماعياً مزمناً, تنامى منذ عقود, وتدحرج في ملعب القامشلي ليمتد إلى عدد من مدن الشمال السوري وصولاً إلى دمشق, حيث يوجد أكراد سوريون ما زالوا يحملون وزر الإجراءات التمييزية في حقهم منذ صدر مشروع الإحصاء المشؤوم عام 1962.
كان من الخطأ تصوير الحراك الكردي في سورية على أنه "انتفاضة", وإعطاء القضايا هوية عرقية. كما أن رهان بعض العنصريين على أزمة سورية الحالية, استجداء للدعم الخارجي, خطيئة ستنعكس سلباً على أكراد سورية بإثم المسؤولين في صفوفهم هذه المرة. وكان تجريد 60 ألفاً من الأكراد من جنسيتهم السورية وتعريب أسماء القرى الكردية ونقل عائلات عربية بكاملها من مناطق الفرات إلى محافظة الحسكة, جاء نتيجة اعتقاد عروبي خاطئ بأن ذلك يعني نزع الطابع الثقافي الذاتي للإثنيات التي تعيش في هذه المناطق وتوحيدها ضمن "الإثنية" العربية.
وفي مسائل حساسة وشائكة وخطيرة مثل مسائل الإثنيات والطوائف والمذاهب, لا بد من القول إن السلطة, أي سلطة, تتحمل المسؤولية الأساسية كونها القلب المنظم لحركة الجماعات. وهذه المسؤولية ليست مباشرة بالضرورة, فالتجاهل والإهمال وسوء التقدير منذ الستينات, كلها مسؤوليات غير مباشرة تؤدي بالضرورة إلى تفاقم الأزمات. وكم كان قاسياً على السوري العادي وهو يتابع ما حدث, خلال مباراة "الفتوة" و"الجهاد", أن يسمع مواطنين يستفز بعضهم بعضاً بالهتاف لصدام حسين ومسعود بارزاني وجلال الطالباني. ومن جهة أخرى, ينبغي القول إن السلطة تجاهلت بعض المطالب المحقة لهذه الجماعة من أكراد سورية, إلا أنها لا يجوز أن تلبي هذه المطالب تحت ضغط الفوضى وتحطيم المؤسسات العامة والأنصبة والرموز الوطنية.
طرأ بعد احتلال العراق تغيير واضح على الخطاب الوطني لبعض الأحزاب الكردية داخل سورية وخارجها, بدا معها أن بعض الأكراد يرغبون في استنساخ تجربة أكراد العراق, فبات مألوفاً سماع عبارات "كردستان سورية" و"كردستان الغربية" وإقحامها في الخطاب السياسي لعدد غير قليل من الأطراف والنخب المثقفة من أكراد سورية. وزاد من ذلك أن مناطق الجزيرة, حيث يختلط الأكراد مع غيرهم من أطياف المجتمع السوري, عاشت حساسيات تاريخية ترافقت مع إهمال قانوني ودستوري, وزاد من هذه الحساسية الجو العام الضاغط في اتجاه تغييب الانفلات المطلق للتعبير بحسب تصوّر الإدارة السورية لصيانة الوحدة الداخلية وعدم السماح بما من شأنه التأثير سلباً في عملية المواجهة مع إسرائيل.
يقدر عدد الأكراد في سورية بنحو 1,5 مليون نسمة, ويقول موقع "السياسات اللغوية حول العالم" الالكتروني الفرنسي "إن الكثير من الأكراد يقطنون سورية منذ أجيال عدة, وإن عدداً كبيراً منهم نزح من تركيا بين أعوام 1924- 1938 عندما فرض كمال أتاتورك سياسته على الأكراد والأتراك". فهناك إذاً الموجات التاريخية المستقرة في الشمال والوسط والعاصمة وأماكن أخرى, وهذه ذابت في المجتمع السوري وبقيت لها مطالب تحت سقف المؤسسات السورية, مثل استعادة الأراضي ورفع الغبن وتصحيح أوضاع الإقامة. وهناك فئات استوطنت بالتدرج نتيجة ظروف التصادم السوري مع العراق وتركيا, وبلغت ذروة استيطانها في الثمانينات مع استضافة دمشق أوجلان. ومع خروج الأخير من دمشق, بقيت مسألة سكانية لم تجد حلاًً تمثلت في زيادة أعداد "الأكراد البدون" الذين أضافوا أرقاماً كبيرة إلى من سبقهم من لاجئين ومتسللين دفعوا جميعاً ثمن الصراع السوري - العراقي - التركي.
وعموماً يمكن القول إن الأكراد في سورية يشكلون ثلاث مجموعات: مستقرون, ونصف بدو, وبدو. واستمر البدو أقوياء بسبب عدم تفرقهم عند هجرتهم من تركيا في الربع الأول من القرن العشرين هرباً من الاضطهاد التركي, ونظر الانتداب الفرنسي إلى هذه الهجرة على أنها مفيدة لحفظ التوازن أمام السريان والآشوريين والكلدان وبقية الجماعات المسيحية, وشجعهم الفرنسيون في فترات متفاوتة على إمكان إنشاء دويلة. إلا أن تلك المشروعات الفرنسية قاومتها الجماعة الكردية التي كانت متفاعلة مع الحركة الوطنية السورية في سعيها نحو سورية الطبيعية بالتوازي مع مقاومتها للاستعمار الفرنسي, وبذلك مثّل أكراد سورية الوجه الإيجابي للمسألة الكردية وانخرطوا في ميادين السياسة والفكر والاقتصاد والعمران, وكان منهم رئيس دولة ورئيس وزراء وقيادات عسكرية كان لها دور بارز في مرحلة ما قبل الاستقلال وبعده ومنهم يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وحسني الزعيم واديب الشيشكلي وآل سلو وآل الأيوبي وآل البرازي وغيرهم ممن تبوأوا مراكز سياسية وعسكرية.
في ضوء ذلك جاء الدستور السوري ليتضمن مواد صريحة تؤكد وتضمن مساواة جميع المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات من دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة, فساعد على انخراط الأكراد في مواقع عدة في جهاز الدولة وفي المجالس النيابية المنتخبة وفي قمة السلطة التنفيذية, وذلك بصفتهم السورية وليس العرقية. لكن سرعان ما تغيرت الحال بعد الوحدة السورية - المصرية -1958 - 1961-, وبدأ التضييق على الأكراد في الستينات بعد مباشرة السلطات السورية سياسة التعريب في مناطق الجزيرة السورية, وطال التضييق السريان والأشوريين, واصطنعت المشكلة الكردية "عندما برزت النزعة القومية المتعصبة لدى البعض من العرب", وشكلت فترة المد القومي رسالة قوية إلى مستقبل الوضع الكردي في سورية وملخصها أن بقاء الوضع على ما هو عليه من تهميش للقضايا الحقوقية قد يبدو محدود الأهمية إلا أنه سيؤدي إلى تراكم المشاكل. وجاءت أحداث القامشلي لتؤكد هذه الرؤية وليتحول الأكراد من ورقة تفاوض سوري مع دول الجوار إلى ورقة تفاوض في يد دولة أو جماعات معادية للدولة السورية.
وبعد تولي الرئيس حافظ الأسد الحكم عام 1970 بدأ وضع الأكراد في التحسن, لا سيما بعدما شعرت الدولة أنها وصلت إلى مرحلة القوة الكافية لكي تتخلى عن "السياسات شبه الطفولية", على حد تعبير الدكتور غسان سلامة, التي كانت تحكم التوجه السوري في الستينات من تضييق على الأكراد الذين اندمجوا في النسيج السوري واستحقوا بالفعل أن يكونوا نموذجاً لكيفية استيعاب الأكراد في المنطقة. ونظرت هذه الجماعة من الأكراد إلى سورية باعتبارها الدولة التي لم تقمعهم كما قمعت تركيا وإيران والعراق أكرادها.
وفي ضوء هذه الوقائع يمكن القول إنه كلما كانت درجة الانقسام حادة وعميقة أصبحت فرص وإمكانات التوصل إلى اتفاق في شأن القضية الأساسية بين مختلف القوى والجماعات محدودة, واصبحت الأخيرة أكثر استعداداً للعنف. وتزداد الأمور خطورة عندما تتسق خطوط الانقسام العرقي والمذهبي مع خطوط الانقسام والتمايزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, وهذا من شأنه تعميق احساس الجماعات بالظلم, مما يساعد في تزايد حدة التمايزات والانقسامات داخل المجتمع, وتوافر عنصر التنظيم المدني للجماعة, ويفتح أبواب التدخل الخارجي.
وهكذا شغلت أحداث القامشلي ومحيطها الجغرافي اهتمام الأوساط الاقليمية والدولية باعتبار أنها دخلت في صلب النسيج الاجتماعي السوري, مقارنة مع سرعة الاحداث وامتدادها المنظم. وإذا كان الحراك الكردي فتح عبر هذه الاحداث جملة من الأسئلة, فلأنها ترتبط أساساً بعلاقاتها داخل الجغرافيا السياسية السورية خصوصاً وامتدادها الجيوبوليتيكي الذي نتج عن تقسيمات اتفاقية سايكس- بيكو.
ولا يمكننا رؤية الحراك الكردي في سورية إلا باعتباره يندرج في إطار التحرك الأميركي الذي يسعى إلى إخراج "الحلم الكردي" من قمقمه التاريخي. وليس صدفة أن يكون هذا الحراك عنيفاً بهذا الشكل إذ تزامن مع ظهور دستور الادارة الموقتة للدولة في العراق وذكرى حلبجة وعيد نوروز. وكذلك مع صدور "قانون محاسبة سورية", إضافة إلى دور التنظيمين الرئيسين في شمال العراق, مع وجود إذاعة خاصة موجهة لأكراد سورية تبث من منطقة السليمانية, كان لها الدور الأكبر في تأجيج الفتنة وحرق المؤسسات الحكومية وإنزال الأعلام السورية عنها وتمزيقها أو حرقها, لترفع في أماكنها أعلام كردية وأميركية. وبذلك تحاول القيادات الكردية العراقية اختراق النسيج المدني, كما في العراق كذلك في سورية, وتذكير السوريين بالعصبية المهددة لسلامهم الاجتماعي, في مجتمع شديد الوعي بهويته العربية, وشديد القلق لما يحدث للعراقيين على أيدي الاحتلال الأميركي وحلفائه في العراق.
• كاتب سوري
___________________________________________________________

أقفلوا كليّة الشريعة في جامعة دمشق
نبيل فياض، 24 مارس 2004
معروف للقاصي والداني أن سوريّا، بعكس ما ادّعى البعثيّون، بلد تعدّدي دينيّاً وقوميّاً وفكريّاً: فسوريّا التي كانت على الدوام سرّة العالم القديم هي الوطن الأكثر غنى بالتعدّدية غير الطارئة في الشرق الأوسط كلّه؛ وهذه التعدّدية، التي تحاول دول الغرب المتحضّر استحضارها وإن بشكل غير تأصيلي، أكثر ما يميّز سوريا ـ ولبنان ـ عن غيرها من المحيط حضاريّاً. من هنا، فإن حماية هذه التعدّدية والدفاع عنها في وجه الأخطار الداخليّة والخارجيّة مسألة أساسيّة إذا ما أردنا لهذا الوطن الحضاري الإقلاع نحو عوالم الغد.
ومعروف للقاصي والداني أيضاً أن كليّة الشريعة في جامعة دمشق، التي هي كمؤسّسة رسميّة، تدار بنقود دافعي الضرائب من الشعب، كل الشعب، مقصورة على مساحة محدّدة من الطيف الديني الفكري العقائدي السوري: أهل السنّة والجماعة من المسلمين. إذن، إن المسيحي والعلماني واللاديني والملحد واليزيدي والمسلم من غير أهل السنة والجماعة يدفعون من قوت أولادهم، في ظرف اقتصادي مريع، ضرائب يذهب قسم منها إلى كليّة مقفلة في وجههم. وليت الأمر وقف عند حدود الإقفال: فهذه الكليّة، التي احتجّ كثيرون حين أسميناها وكر الإرهاب الأصولي، تشتم بأسلوب طائفي وقح كلّ أبناء الشعب عدا الطائفيين من أهل السنّة والجماعة؛ بمعنى أننا ندفع نقوداً لهؤلاء المهووسين الصغار كي يشتمونا، خاصّة الكردي المدعو سعيد البوطي، الذي أكل القط لسانه في الأزمة الكرديّة التي استعرت نارها قبل أيام.
لن نفسّر المسألة على أنها مؤامرة، كما جرت العادة عند العرب: لكن أرجو من المسؤولين الأمنيين الذين خلقوا أسطورة البوطي قبل سنوات تفسير هذا التزامن بين العمالة الكرديّة للخارج المعادي، ورغبة البوطي الكردي الجامحة في خلق توتّرات داخلية طائفيّة نحن بغنى عنها: حتى وإن ورثها هو شخصيّاً من شيوخ الإجرام من أمثال ابن تيميّة وابن قيم الجوزيّة. وحين تدمّر عناصر كرديّة البنى التحتيّة الماديّة في دمشق وحلب والقامشلي والحسكة ويدمّر البوطي ـ ومن على شاكلته ـ البنى التحتيّة الروحيّة للشعب السوري، فالأمر ليس أقل من مؤامرة‍‍‍‍......
-جزء من مقال، التتمة لا تتعلق بالموضوع...-
----------------------------------------------------
وفي الليلة الظلماء يفتقد.. كفتارو!!!
نبيل فياض، 15 مارس 2004
أعطوني في هذا الوطن المسمّى سوريّا طائفة من الأقليّات لها فيه ما للأكراد!
هل سمعتم يوماً عن رئيس وزارة مسيحي أو درزي أو مرشدي أو اسماعيلي ـ باستثناء بيضة الديك المسمّاة "فارس الخوري"؟ على الأقل، كان من الأكراد يوماً رئيس وزراء اسمه محمود الأيوبي!!!
هل توجد طائفة من الأقليّات الدينيّة أو العرقيّة حصدت ما حصده الأكراد من مناصب ومواقع، إن في السلطة أو المعارضة في سوريّا؟ هل نذكّركم بقائمة المسؤولين الأكراد من حزبيين ووزراء ومشايخ ومفتيين؟؟ سوف نعطي جائزة ثمينة للغاية لمن يستطيع إحصاء من وصل إلى قمّة الهرم في سوريّا من الأكراد!!!
باستطاعة زعيم غوغاء السنّة من كافة الانتماءات العرقيّة، الكردي البوطي، سوق واحدنا من عنقه حيث يشاء، وشتم بقيّة الطوائف من السوريين الأصلاء، من على منبر وكر الإرهاب المسمّى كليّة الشريعة في جامعة دمشق، دون مساءلة: وكأنه حقه المشروع؛
باستطاعة الكرديّ الآخر، زياد الأيوبي، توزيع منشورات تحت مرأى ومسمع الجميع ضدّنا، ونحن الذين لا انتماء عندنا إلاّ لسوريّا، ويجد هذا الكردي المشبوه من يسمع له بل ويسانده: فقط لأن الطرفين لهما الانتماء المذهبي ذاته!
باستطاعة ابن المفتي، المدعو محمود كفتارو، وهو الآخر ـ لمن لا يعلم ـ كردي بامتياز، أن يذهب إلى فروع الأمن ليتهمنا بأننا موفدي الكسليك ـ قلعة الوطنيّة الصامدة ـ لضرب الوحدة الوطنيّة في سوريّا ونضطر بعدها للإختفاء من مكان إلى مكان كي لا نعتقل!
من الذي جعل من هؤلاء الأكراد أوصياء على القرار السنّي السوري؟ من المسؤول عن هذا التغيّر المخيف في البنى الفكريّة للسنّة السوريين، ونحن منهم إرثيّاً على الأقل، الذين كانوا في فترة من الفترات الطليعة التقدّميّة الأهم في المنطقة الناطقة بالعربيّة؟
عام 1995، تحدّثنا في أحد أعمالنا عن القنبلة الكرديّة الموقوتة، التي تهدّد مستقبل الوطن؛ وعن أن الأكراد، الذين لا يستطيعون الوصول إلى الواجهة عبر تيار قومي أو وطني، ففاقد الشيء لا يعطيه، اختاروا الطائفيّة الغبيّة الكريهة بغالبيتهم ـ بعضهم القليل اختار الماركسيّة، المتمثّلة بالحزب شبه الكردي المسمّى الحزب الشيوعي السوري، جناح خالد بكداش، الذي ورثته زوجته وصال فرحة وابنها عمّار [كلّهم أكراد بامتياز] ـ لإشباع عقد السلطوية داخلهم: وبعدها، ليكن الطوفان!! فقامت قيامة هؤلاء علينا، وأشهروا رايات الفتنة الباهتة، حتى منع الكتاب! وما قلته قبل عشر سنوات، ها هو اليوم يتجسّد بأوضح صوره!!
يأتي الكردي من تركيّا أو العراق أو من بوطان، ولأنه سنّي بامتياز، يصبح آليّاً، كما هي الحال مع اليهودي القادم من بولونيا إلى فلسطين، مواطناً من الدرجة الأولى: مقارنة بالمسيحي أو الدرزي أو الاسماعيلي، أبناء الوطن الحقيقيين! بل إن هذا البوطاني، مستقوياً بانتمائه الطائفي، يستوقح إلى درجة شتم الفلسطينيين وتكفيرهم حين احتجّوا على استهانته بكل ما هو إنساني وقومي، حين كان اسحق رابين يكسّر أيدي أولادهم في الضفة والقطاع، والبوطاني يتحفنا من على التلفزيون الرسمي بهراء الحاخامين المسمّى قصص أنبياء بني إسرائيل، نقلاً عن إمامه أبي هريرة الذي نقل بدوره عن إمامه الحاخام كعب الأحبار!
بالمقابل، فمفتينا الكردي بلا منازع، يفتح النار على التيارات الأصيلة في الوطن من شيعة وعلويين وإسماعيليين، حين يقول علناً إن أم المؤمنين عائشة حاربت جيشاً من الكفّار! ومعروف للقاصي والداني أن عائشة لم تحارب سوى علي بن أبي طالب!!! ومعروف أكثر الذيول الإجراميّة للتكفير عند هؤلاء ورعاعهم!!
هذه ليست فتنة؛ هؤلاء، بانتماءاتهم المذهبيّة الطائفيّة، فوق النقد والشبهات ـ وكل من عداهم..
في الجزيرة السوريّة حيث دارت رحى الفتن، كان ثمّة مؤامرة مخيفة، حيكت خيوطها بين الحسكة والسبتيّة في بيروت الشرقيّة وتل أبيب، لاستبدال عنصر حضاري وطني أصيل، بعنصر غريب متخلّف: وهكذا، تمّ إفراغ تلك المنطقة على نحو منتظم من السريان والكلدان والآشوريين واستبدالهم بأكراد استوردوا من تركيّا!!! وسكت الجميع، لأن الأكراد سنّة، في حين أن النازحين مسيحيّون!!!
هل ثمّة من يذكر منطقة الجزيرة السوريّة زمن نجار واصفر؟
هل ثمّة من يعرف كم يضيف السريان والآشوريون والكلدان إلى الدول التي هاجروا إليها؟
لنكن واضحين تماماً الآن، فالوضع السوري الحالي لم يعد يحتمل النفاق: ما الذي فعله شيوخ الأكراد الدمشقيّون بالوطن؟
معهد أبو النور التابع لآل كفتارو، الذي لا نمتلك فكرة عمّن يموّله ـ نعرف بالتفاصيل المملّة ما فعله الأخوة كفتارو ببعضهم في مرحلة ما وسنقدّمه مكتوباً يوماً لنسأل عن أدنى علاقة لهؤلاء بالدين ـ ولا عمن يسمح باستمراريته، لكننا نعرف تماماً أنه أوصل سمعتنا إلى الحضيض حين اعترف كثير من الإجراميين خارج سوريّا أنهم تلقّوا علومهم فيه!
ابنة المفتي المدعوة وفاء، التي تساهم بنشاط لا يجارى ـ تنافسها فقط الإبنة الروحيّة لكردي آخر هو البوطي، المسمّاة منيرة القبيسي ـ في وضع نصف المجتمع السنّي السوري في برميل "التخلّف-التطرّف- الأصوليّة- الإرهاب" عبر ما تدعيه من دعوة للعودة إلى الدين! وأثر ذلك القاتل على الجيل كلّه!!
الشيخ البوطي وأولاده -أيضاً- الذي انكشف مستوره في محطّة المستقلّة التي زكمت رائحة عمالتها كل الأنوف [هل تذكرون أن مدير تلك المحطّة الأخوانيّة، حين هدّدت بالإقفال، قال إسترضاء للمخابرات البريطانيّة إن شارون أفضل من كلّ زعماء العرب] حين استضافته في مسألة شيخ الإجرام ابن تيميّة، الذي كفّر العلويين والإسماعيليين وكلّ الطوائف الباطنيّة، وأعطى رأياً لا يقلّ أصوليّة عن آراء الطالبانيين في سيء الذكر إياه!!!
البوطي الذي دائماً لا يخشى إلا الفتن، وهو الفتنة بشحمها ولحمها، يسوق كمّاً كبيراً من رجال سوريّا، إلى مستنقع التطرّف والإرهاب والأصوليّة، في وطن متعدّد الطوائف والإثنيّات؛ وتحت إشرافه تعمل نصّابة أخرى اسمها منيرة القبيسي لجرّ النصف الآخر الذي يمكن أن لا يجرّه البوطي إلى المستنقع ذاته.
كانت ليلة مظلمة: يوم الثاني عشر من آذار الحالي!!
كانت ليلة مظلمة، طالما حذّرنا منها: لكن الطائفيين والإرهابيين كانوا يصوروننا على أننا أعداء للإسلام والعروبة؛ وأننا موفدو المارونيّة العميلة لحرق سوريّا!!! وكانوا يصدقونهم، لأن الطائفيّة كانت تعمي العيون: وربما النقود!!
كانت ليلة مظلمة: لم نسمع فيها صوتاً ولا تصريحاً لمفتينا الكردي ـ الذي تنطّح قبل زمن لإدانة شيراك بسبب الخرق المقدّسة المسماة بالحجاب ـ ولا للأخت وفاء ولا لعمّنا البوطي [هذا الكائن، حين قام البابا بزيارته التاريخيّة إلى سوريّا، دبّر سفراً سريعاً له إلى الخارج كي ينجو من لقاء البابا، وبالتالي إحراج نفسه أمام أتباعه من أنصاف المجانين] ولا لأستاذنا زياد الأيوبي ولا لأخينا المبجّل عدنان شيخو، الذي لم يبق شيخاً معتوهاً إلا وأقحمه على غرف نومنا تحت اسم الدين!!!
كانت ليلة مظلمة، افتقدنا فيها تلك البدور الباهرة!!!
هل تعرفون لماذا سكت هؤلاء، وهم أفضل من يمكنهم دحض مزاعم اضطهاد الأكراد في سوريّا؟ لأنهم إذا تكلّموا في صالح الوطن، أغضبوا جماهيرهم الكرديّة: والعكس صحيح!!!
إن كلّ من يقترب من أهل الوطن الأصلاء من هؤلاء الشوفنيين، إنما يكون مشاركاً لهم في تلك المؤامرة التي وضح من تزامنها تفجيرياً في كافة أرجاء سوريّا، والتغطية الإعلاميّة الغربيّة غير المسبوقة لها، وصمت الرموز الكرديّة الشهيرة عنها وكأن حرق الوطن لا يعنيهم في شيء، أن ما حدث حيك بعناية فائقة!!!
............................................................................................
أستاذ نبيل:
حقدك على البوطي لا يبرر حقدك على الأكراد!
نواف خليل
29-6-2004
اعتقد ان الكثيرين سرهم ان الباحث والمفكر السوري نبيل فياض بدأ يكتب في صحيفة »السياسة« هذه الصحيفة ¯ التي بالاضافة لصحيفة »النهار« اللبنانية ¯ اضحتا متنفسا للكتاب والديمقراطيين السوريين عربا وكردا للكتابة عن مجمل الهموم السورية التي لا عد ولا حصر لها تحت راية البعث منذ اكثر من اربعة عقود.
لكن يبدو ان الفرحة بانضمام السيد فياض الى كتاب »السياسة« كانت معداً لها ان لا تكتمل بالنسبة لنا نحن الكرد على الاقل, ففي الوقت الذي قرات اولى المقالات اتجهت الى البحث عما كتبه في الاونة الاخيرة وكان لي ذلك في موقع »الناقد« على صفحة الانترنت.
لكن سرعان ما صدمني هذا الباحث والمفكر لاكتشافي المبكر مرضا عضالا لديه وهو الفوبيا الكردية ومرد الصدمة ان مفكرنا من اجرا الناس في كشف عورات البعث وبصوت عال وبجسارة نادرة وكذلك توجيه اشد الانتقاد للاجهزة الامنية التي تسيطر على مفاصل البلاد.
ففي مقالة تحت عنوان -اقفلوا كلية الشريعة في جامعة دمشق-, طبعا العنوان لا يشي ان الكاتب سيقول اي شي عن الكرد - بل لم يمر ذلك في خلدي - لكن لم يطل الامر حتى بدا انه مستعجل في اقحام الكرد وبدون اي مبرر عبر رجل الدين المعروف في سورية والذي تبرا من كرديتة علنا في احدى خطبه الشهيرة ابان التحضيرات التي كانت تجري للاطاحة بالطاغية صدام حسين قائلا »اني اضع كرديتي هذه تحت قدمي«.
ايها الاخوة, يتحدث السيد فياض عن انتفاضة قامشلي قائلا : " لن نفسر المسالة على انها مؤامرة كما جرت العادة عند العرب : لكن ارجو من المسؤولين الامنيين -لاحظوا اعزائي القراء الى من يتجه السيد فياض بخطابه?- الذين خلقوا اسطورة البوطي قبل سنوات تفسير هذا التزامن بين العمالة الكردية للخارج ورغبة البوطي الكردي في خلق توترات داخلية طائفية نحن بغنى عنها ", الا يكفي ان البوطي الكردي وضع كرديته تحت قدميه وكتب رسالة الى المجرم صدام حسين مخاطبا اياه بالسيد وبالتالي وجراء ذلك الموقف هاجمه عشرات الكتاب الكرد في الصحف والمواقع الالكترونية!
اما عن رجائه للاجهزة الامنية لتفسير ما جرى في الانتفاضة فانا احيله الى رئيس الجمهورية بشار الاسد الذي رد على اصحاب نظرية المؤامرة قائلا -التحقيقات التي جرت مع الاشخاص الذين خضعوا للتحقيق لم تثبت اي تدخل خارجي فعلا, كما رأينا مباراة احداث غوغائية تحول الى صدام واخذ الشكل القومي لاحقا-.
هل يكفي هذا التفسير من رئيس الجمهورية لكي يطمئن قلبك ام انك ستقول عنه ان اجداده من امد -ديار بكر- وهو كردي كما كان يقول بعض البسطاء عن الرئيس الراحل حافظ الاسد, لكني اعتقد انك لن تقع في هذا المطب لانك تملك ذاكرة حية ولا يمكن ان تنسى ما كتبت عن الرئيس بشار واصفا اياه بالرئيس الجميل والكثير من الصفات الحميدة الاخرى.
وفي تعارض مع كل ما يكتبه السيد فياض ومشروعه الفكري, يتابع اساءته للشعب الكردي قائلا : »تدمير عناصر كردية البنى التحتية في دمشق وحلب والقامشلي والحسكة ويدمر البوطي ومن على شاكلته البنى التحتية الروحية للشعب السوري فالامر ليس اقل من مؤامرة«.
وكان الاستاذ نبيل ينسى او يتناسى ما كتبه في مقدمة مقاله على انه لن يفسر المسالة على انها مؤامرة كما جرت العادة عند العرب على حد تعبيره!
ففي الوقت الذي كان منتظرا منه ان يدين اعمال العنف بحق الكرد العزل الذين قتلتهم الشرطة والمخابرات بدم بارد في الكثير من المدن الكردية وفي حلب ودمشق اثناء انتفاضة القامشلي, يتحدث الكاتب الديمقراطي الذي يستعد للمغادرة الى جنة العم سام عن المؤامرة, حقا من وراء المؤامرة الكردية?
لا اعتقد ان السيد فياض يحتاج الى المعلومات التي تؤكد كيف بدات الحادثة من الملعب البلدي من القامشلي والتي تمثلت في قيام الجمهور الديري المعروف بعشقه لصدام حسين بترديد الشعارات المؤيدة له وتمجيد ما يجري في الفلوجة من جرائم واهانة القادة الكرد, بالرغم اظهار اي شكل من اشكال التاييد لصدام حسين كان يودي بصاحبه الى مصير مجهول كما حدث للكثير من المتهمين بالموالاة لجناح البعث العراقي في سورية, وصدام حسين الذي قال عنه الرئيس بشار الاسد الذي تحبه " انه تسبب في مقتل 15 الف سوري " في لقائه مع صحيفة نيويورك تايمز وبالتاكيد انك قرات النص الكامل بالانكليزية التي تجيدها لان وسائل الاعلام السورية لم تنشر النص بالكامل حفاظا على " ثوابت الامة " ولتثبت للجميع ان لا احد فوق مقص الرقيب.
وفي معرض هجوم البوطي على الماركسية فان السيد فياض يحيل الرد الى ابناء جلدته الكرد للرد عليه وهو يقصد حزب المرحوم خالد بكداش الكردي والذي تبرا من كرديته علنا في لقائه مع عماد نداف قائلا وبلغة الضاد " انا كردي ولكني من العرب المستعربة والعرب العاربة قليلون جدا
واقترح ان يخوض السيد فياض ¯ والحال هذه ¯ في اسباب تراجع الكرة السورية التي اعتقد ان وراءها مؤامرة من عائلة ال بوظو الكردية, وعليه ان يتوجه الى الاجهزة الامنية ناصحا اياها بالتحقيق مباشرة مع العميد فاروق بوظو خاصة ان النتائج الاخيرة للمنتخب السوري " موطية للراس" بحيث بات الفريق عنوانا للهزيمة الكروية اينما حل, الا مع فريق لبنان الشقيق -هل تسالون لماذا?-.
اود ان اتساءل في النهاية : هل يعلم السيد نبيل فياض حجم محبيه من القراء والمتابعين الكرد ?, هل يعلم ان مقالته تلك تجعل القارئ الكردي والعربي الذي ينشد الديمقراطية اقل املا بالمستقبل عندما يمر على كلمات مؤلمة وكانها خرجت من قاموس -ع ع ع- رئيس اتحاد الكتاب العرب!
هل يعلم ان الكثير من الكرد متفقين معه في طروحاته العلمية والفكرية العلمانية التي تنشد الديمقراطية في سورية?
وهل يعلم اننا نتمنى عليه ان يراجع ما طرحه في المقالة السابقة من سيناريو مؤامراتي ? ليبقى كما كان جميلا جريئا, وليترك قوم البوطي في حالهم... فالرجل قد تبرا منا ونحن منه براء, خاصة بعد ان »اكل القط لسانه« اثناء انتفاضة القامشلي.
* صحافي كردي ¯ بلجيكا
-----------------------------------------------------------------------------------------
تعقيب ثان على نبيل فياض :
إسقاط مواقف شخصية على الكرد ، ظلم كبير
نواف خليل
كنت قد كتبت تعقيباً على مقالة الأستاذ نبيل فياض ، عن تصوره للكرد في سورية ، والزعم أن بعض رجال الدين من أصل كردي ، والكرد منهم براء السبب في تحالف الأصولية والقوموية . ولم يطل الرد فقد جاء تحت عنوان من يأكل العصي ، وقد بدا الرد هادئاً للغاية محاوراً يطرح رؤيته للقضية الكردية العادلة دون أن يشير إلى مقالتي ، بدأ الأستاذ نبيل بالقول " أحسد للغاية الكتاب والباحثين السوريين المقيمين خارج الوطن ، لأنهم يستطيعوا الكتابة والعيش والنشر والحب كما يشاؤون " .
وهذه إشارة أولى لمن يعيشون أمثالنا في الدول الأوروبية يكتبون ما يشاؤون ، هل أوروبا تعطي لنا الفسحة لنكتب في الصحف السورية وهل نكرر أننا لانجد سوى هذه الصحيفة لنكتب فيها .وهل نقدم للكاتب المصاعب التي تعترض أهلنا في الوطن جراء مواقفنا إنها ليست مسألة شخصية على الإطلاق لنبين صدقنا وجرأتنا فيما يحصل في بلادنا . بالرغم من أن هناك العديدين لايجرؤن على التحدث أو الكتابة حتى هم في أوروبا .
أما فيما كتبه السيد فياض عند واقع القمع الموجود وطبيعة المؤسسات فلا أعتقد ان هناك أي مهتم أو حتى قارئ لصحيفة أو موقع الكتروني معارض او شبه معارض أنطلى عليه معرفة طبيعة النظام الكلياني في سورية .
ويأتي السيد نبيل فياض ليستعرض مواقفه من القضية الكردية وهو مالايحتاجه الكردي لأنهم على علم بمواقف الكتاب والصحافيين والمفكرين السوريين العرب بل أستطيع ان أؤكد للكاتب على أني متابع لمعاركه الفكرية مع محمد سعيد رمضان البوطي عندما طرح عليه اسئلته التي اعتبرها البوطي إستفزازية ورد عليه بكتاب هذه مشكلاتهم ، كنت اتمنى ولازلت ان يعيد هذا المفكر السوري النظر في مواقفه تجاه الكرد ، فهو يكتب قائلاً " ان نقدي لبعض الأكراد من المتعصبين قومياً ودينياً ، لانخرج عن إطار نقدي للتعصب عموماً " . وكأننا لاسمح الله ندافع عن أولئك الذين ينتقدهم السيد فياض ، لكنه مايلبث أن يخترع كلمات جديدة " طغمة الأصوليين الأكراد" أي أكراد هؤلاء الذين تتحدث عنهم ، هل البوطي أم كفتارو وهل فعلوا شيئاً لكرديتهم حتى ومجرد تصريح يساندهم ؟ .
هل تكفي أصولهم الكردية أن يكونا موضع إدانة للكرد وأسألك هل من المكن غتهام مسيحيي لبنان بالعمالة لإسرائيل فيما يسمى بجيش لبنان الجنوبي فهم وان قائدهم سعد حداد ومن ثم جلينة وأنطوان كانوا من المسيحيين والقائمة تطول ، وإتهام الدروز لأن محافظ الحسكة سليم كبول درزي ؟
لقد أوضح السيد رمضان البوطي موقفه من الكرد والأحزاب الكردية في كتابه " هذا والدي" عندما يسرد ما قاله والده للقادة الكرد حول دعمهم ومن المؤكد إنك قراته ، وأخيراً نحن مضطرين لتكرار ماقاله " إني أضع كرديتي تحت قدمي رداً على تعاون الكرد مع الولايات المتحدة لإسقاط طاغية العرصر صدام حسين
أما بشأن التحليلات العامة لحدود رجال الدين في إعاقة الليبرالية فلا خلاف معك كما قلت في مقالتي الأولى .
أعود وأؤكد أن الفكر والباحث نبيل فياض مصابة بالفوبيا الكردية فمقالته المطولة للرد علينا وإن لم يشأ الإشارة إلينا وإلا فماذا يعني أن يتم إلحاق حنقه الكردي بكل مفسدي سورية لأول مرة أسمع بزياد الأيوبي ، وهو يوصف في هذه المقالة ب " إصولي كردي" كيف ، لا أفهم حقيقة ما يريد أن يصل إليه الأستاذ نبيل ؟
ويتابع قائلاً " إذن ، كما هو ملاحظ فجزقة الفرح كلها كردية إصولية " ! ، الكاتب يضع إشارة تعجب نعجب حقيقة أن ذلك يثير التعجب من باحث ومفكر ، فقط تمنيت أن يوضح في أي شيء هم أكراد ، فالرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم سوري .
ألا يدل ذلك على أن الكاتب يريد التشهير بالكرد ولكن بطريقة أخرى وهو يريد أن يضفي المشروعية على هجومه بالقول إنه يريد تخريب مشروعهم الإصولي ، وهنا أود القول مرة أخرى للسيد فياض ومن موقع العارف والمضطلع ...أن الكرد معه في مشروعه الفكري وفي تخريب مشروعهم الإصولي .
ويعود السيد فياض للحديث عن تدمير البنى التحتية والذي يقرأ يمكن أن يتصور أن الكرد قد قاموا بتدمير مدينة القامشلي للإنترنت على غرار مدينة دبي الإنترنيتية .
وهنا أسأل السيد فياض أليس من الإنصاف أن تسأل لماذا وكيف بدأت الحوادث ؟ وكيف أعطى المحافظ سليم كبول وأمر بإطلاق النار على الأبرياء العزل وفي اليوم التالي تم إطلاق النار على المشيعين ، ويستطيع أن يشاهد الشرطة وهي تطلق الرصاص الحي على المتظاهرين .
ألم يكن حرياً به وهو الجريء في تحديه كل الأجهزة الأمنية أن يتحدث عن آلاف المعتقلين وعن الجنود الكرد الذين قتلوا تحت التعذيب وهم يخدمون العلم السوري .
فعن أي بنية تحتية تتحدث أيها المفكر ، هل المهم عندك البشر أم الحجر ؟
مرة أخرى نتمنى على السيد فياض أن يراجع مواقفه بشأن الكرد والإنتفاضة الكردية التي بدأت من قامشلو ووصلت عنده في دمشق كتعبير عضوي عماناله الكرد من ظلم وغبن بحفهم منذ تأسيس الدولة السورية وخاصة بعد تولي البعثيين الذين تعرفهم أكثر منا .
أخيراً أود أن أقول أن أشارتي إلى كلمتك في وصف الرئيس بالجميل لم تكن أبداً للإساءة إليك - معاذ الله- والتشكيك في مواقفك ، على الإطلاق ونحن الذين نعرفها . إنما أردت فقط أن أحيلك إلى الرئيس بشار الأسد لكي تتأكد من المسؤول الأول في البلد إنه لم تكن هناك مؤامرة، ولأنني لم أرد أن تكون في صف واحد مع سليم كبول وآخرين قالوا بنظرية المؤامرة.
وبالتأكيد لانود منك أن تستعدي الجميع ،وقد أكدت القوى السياسية الكردية في الداخل والخارج موضوعيتها عندما أشادت تلك الأحزاب مجتمعة بما صرح به الرئيس بشار الأسد من أن القومية الكردية جزء أساسي من النسيج والتاريخ السوري .
أما الغمز من قناة المعارضين في الخارج فلا أعتقد إنه صحيح وكذلك إن التأكيد " إننا نفهم في الشأن السوري أفضل بكثير من ذاك السوري القابع - لاحظوا القابع - وليس الهارب أو المنفي في باريس وواشنطن وبروكسل " . وهذه أيضاً مسألة مرفوضة بإعتقادي ، فقد أكدت إنك تحسد الذين يعيشون في الخارج لأن المجال واسع حقاً للبحث والكتابة والإستفادة من خبرات الشعوب التي تعيش فيها .
مرة أخرى أتمنى أن لايتخفى السيد فياض وراء هجومه على الكرد ليثبت وطنيته أو لكي يحمي نفسه !.

نواف خليل
صحافي كردي ـ بلجيكا
-------------------------------------------------------------
من المسؤول عن أحداث القامشلي وسواها
الحوار المتمدن-أحمد حسو
هل نحمل الهوليغينز الديري -جمهور فريق الفتوة من دير الزور- مسؤولية ما جرى في مدينة القامشلي الكردية وامتد إلى باقي مدن الجزيرة والمدن السورية التي فيها جاليات كردية كبيرة كدمشق وحلب؟ وهل رفع حوالي ألفي مشجع لشعارات تهتف بحياة الرئيس العراقي المخلوع و"أبطال الفلوجة" يؤدي إلى كل ما حصل؟ الجواب بالتأكيد بالنفي. فهذه ليست المرة الأولى التي يلعب فيها فريق الفتوة في القامشلي والعكس صحيح أيضاً ولم يحصل شيء؛ فالفريقان يلعبان في دوري الدرجة الأولى لكرة القدم السورية منذ سنوات ويلتقيان مراراً، فلماذا كل هذه الدماء هذه المرة؟ وربما الأجدر أن نطرح سؤالاً أدق، ففريق الجهاد ليس فريقاً كردياً مئة في المئة فهو يمثل الفسيفساء القومية والدينية لمدينة القامشلي، فما الذي يدفع بمشجعي الفتوة لشتم الزعماء الأكراد العراقيين قبيل مباراة مع الجهاد ؟ فريق الجهاد فيه اللاعب الكردي وفيه العربي، فيه المسلم وفيه المسيحي، فما علاقته بالفدرالية الكردية في العراق، -والتي ـ للعلم ـ مازالت على الورق فقط- حتى يجوب جمهور الفتوة شوارع مدينة القامشلي ويظهر ولاءه لدكتاتور العراق المخلوع ويشيد "بمقاومي" الفلوجة؟
إنه بالتأكيد أمر يدعو إلى التأمل والبحث. كما أنه ليس وليد هذه المباراة التي اتخذت ذريعة لإشعال هذه الفتنة وبث الأحقاد على الأكراد السوريين لا لشيء وإنما لأنهم أكراد فقط.
وإذا كان معروفاً أنّ المناطق الحدودية السورية القريبة من العراق كدير الزور والبوكمال تتعاطف تاريخياً مع العراق وربما يكون ولاؤها لحكام بغداد أكثر من ولائها للجالس في قصر المهاجرين في دمشق، فإنه لا يفسر هذا الحقد الشوفيني على الأكراد من رجال الأمن السوريين وبعض العشائر العربية التي تعيش مع الأكراد في وئام منذ عقود في المناطق الكردية.
المسألة موغلة في القدم، هي بدأت بتطبيق السياسات القومية الشوفينية ضد تطلعات الشعب الكردي في سوريا من خلال استنكار وجوده وحرمانه من أبسط الحقوق وتعريب مناطقه عبر تطبيق سياسة الحزام الأخضر وجلب الآلاف من العشائر العربية وإسكانها هناك أو ما يطلق عليه بعض الأكراد "بالمستوطنات العربية".
وحين صادرت الحكومة السورية آلاف الهيكتارات من أراضي المزارعين الأكراد وحولتها إلى "مزارع الدولة" من خلال سياسات تأميم الأراضي وسلمتها فيما بعد إلى العشائر العربية التي استقدمتها من مناطق الفرات، كان رد الأحزاب الكردية "أهلاً بالفلاح العربي" ولم تقم صدامات عرقية بين الطرفين، علماً أنه كان واضحاً للأكراد أنّ الهدف من إسكان هؤلاء تغيير الطابع الديمغرافي لمناطقهم، وليس بسبب أنّ المياه غمرت قرى العشائر العربية، وهي سياسة أجاد نظام صدام حسين في تطبيقها في كردستان العراق.
وزاد في الطين بلة، ما رافق الحرب على العراق وإسقاط النظام الدكتاتوري الصدامي من حملة إعلامية شديدة، تحت يافطة مقاومة الإمبريالية والاحتلال الأمريكي للعراق، استهدفت الأكراد بشكل خاص. فالإعلام العربي، بفضائياته وصحفه ومثقفيه، ركز حملته على أكراد العراق فقط وتجاهل أدوار القوى العربية الأساسية من المعارضة العراقية -السابقة- كما لو أنّ الأكراد هم من جلبوا القوات الأمريكية إلى العراق، وصورهم كطابور خامس. وكأنّ دعاة القومية العربية و"الغيارى" على العراق كانوا يتوقعون من الأكراد أن يدافعوا عن نظام صدام حسين؟ ليس هذا فحسب، بل رافقتها حملة من بعض أشباه المثقفين وأبواق الفضائيات العربية تصور كردستان العراق وكأنها قاعدة للموساد الإسرائيلي.
وحين تشكل مجلس الحكم الانتقالي في العراق كان نصيب الزعماء الأكراد من الحملة حصة الأسد، لا بل فإنّ التفجيرين الإرهابيين في أربيل حيث قتل بعض الزعماء الأكراد كان تتويجاً لهذه الحملة.
وبالعودة إلى الوضع الكردي في سوريا فإن المثقفين العرب السوريين يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية عن هذا الحقد الأعمى على أكراد سوريا. فالأقلام السورية التي أشادت بما يسمى "المقاومة العراقية" ودأبت على تصوير الأكراد وكأنهم مخلب قط للسياسة الأمريكية هي تقف وراء الغوغائية التي أظهرها مشجعو فريق الفتوة. من المؤكد أنهم -المثقفون-لم يدعوا إلى رفع صور صدام، لا بل إنّ بعض الشجعان منهم توجه إلى المناطق الكردية للإسهام في تهدئة الأوضاع، لكن تعامل الغالبية منهم مع المسألة العراقية هو الذي زرع الفتنة. فحين تعرض الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ إلى عملية اغتيال، تساءل أحد المفكرين المصرين قائلاً: من المسؤول عن استهداف محفوظ، هل هو هذا الإسلامي المتطرف الجاهل الذي انقض على محفوظ، أم من هيأ له الأرضية من أساطين الفكر الأصولي المتطرف؟
نحن نعيد السؤال: من دفع بالهوليغنز الديري إلى شتم الأكراد والإشادة بصدام بعد أيام من التوقيع على قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت وما رافقه من سجال حول جملة تعطي الأكراد حق الفيتو على الدستور العراقي المستقبلي الدائم؟ أليست هي الأقلام التي صورت العمليات الإرهابية في العراق كفعل مقاومة وأشادت بمدينة الفلوجة و "مقاوميها" وغيرها وصورت اعتقال دكتاتور العراق وكأنه يوم أسود في تاريخ الأمة العربية.

• صحافي سوري مقيم في ألمانيا
-----------------------------------------------------------------------------------------
أحداث قامشلو أسباب ونتائج
دروس وعبر
1
د.سامي جتين
عفرين - نت 13/5/2004
تحولت القضية الكوردية اثر المستجدات الحاصلة في العراق, الى أهم الملفات الساخنة اقليميا ودوليا , هذه المسألة التي تبحث عن حل سياسي ديمقراطي عادل منذ ما يقرب قرن كامل. فبسقوط النظام الدكتاتوري الشوفيني الهمجي في التاسع من نيسان 2003 , سجلت الحركة التحررية الكوردية قفزة نوعية أخرى ,اعدادا نحو انطلاقات جديدة . فالمتغيرات التي حصلت في العراق أوجدت أرضية خصبة لنمو سريع وانتعاش واسع للفكر الحر ولمبادئ العدالة والمساواة ودشنت مرحلة جديدة للحركة القومية التحررية الكوردية خصوصا والحركة الديمقراطية عموما في الشرقين الأوسط والأدنى.
أن توقيع قانون ادارة الدولة للعراق الجديد في الثامن من آذار 2004 قد شكل حافزا مهما للشعب الكوردي , اذ بموجبه يعترف الدستور المؤقت بالفيدرالية الجيو_قومية لكوردستان العراق التي تدشن نواة الحلم الكوردي , مشكلة نقطة تحول بارز في التاريخ السياسي المعاصر للأمة الكوردية المجزأة ووضعت الملف الكوردي على رأس أجندة الحكومات المقسمة لكوردستان.
ان سقوط نظام بغداد قد قلب الشرق الأوسط رأسا على عقب وأحدث عدة انقلابات كبرى: لقد شهدت الحركة الكوردية انعطافا أعاده الى استراتيجية الجبهة المتحدة ,فبعد أن نجا الشعب الكوردي في كوردستان العراق من خطر الابادة الجماعية , نجح في توحيد الخطاب السياسي الكوردستاني في هذا الجزء مما أدى الى تقارب صفوف الشعب الكوردي في الأجزاء الأربعة والتفافه حول حقه في تقرير المصير وتفاعله واصراره على المضي قدما نحو الحربة والانعتاق والى تدويل القضية الكوردية كمسألة ملحة وساخنة وأن تجاهلها تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة والنظر الى القضية الكوردية كقضية واحدة لاتتجزأ ودخولها الى طريق الحل.
الانقلاب الآخر الذي حصل هو اقرار حكومات الدول المقسمة لكوردستان بالقومية الكوردية التي تحولت قضيتها الى مسألة شرق أوسطية وهذه المسألة تعود بنا الى بدايات التقسيم وترجع الملف الكوردي الى بداية القرن الماضي في مؤتمر فرساى بباريس 1919.
اما الانقلاب الثالث فهو تصعيد الحركة الديمقراطية لعموم شعوب الشرق الأوسط ومنها العربية وتفعيل أنصار أحياء المجتمع المدني وجعل قضية الاصلاحات الدمقراطية ملحة تطرح نفسها , الامر الذي سيؤدي الى تصدع في جسم المنطقة من حكومات وشعوب مابين موال ومعارض للاجراء الديمقراطي.
والانقلاب الرابع, هو سقوط اسوأ نظام عرفه التاريخ البشري واكثره دكتاتورية وقمعا مما يؤكد على أن سياسة القوة في التعامل مع قضايا الشعوب والاقليات المضطهدة العالقة والمسائل الديمقراطية قد فشلت وأنه لاجدوى من اللجؤ الى الآلة العسكرية والأمنية كأ داة تحكم . ويساهم في رسم وجه الشرق الأوسط الجديد نظرية الدومينو الشهيرة التي تقول بأن سقوط أي نظام يتبعه انهيار جميع الأنظمة الأخرى . ومن أهم سمات هذه النقطة الاخلال بالتوازن الاقليمي القائم لصالح الديمقراطية والتقدم.
وسوف يكون لهذه التطورات اثر بالغ على ردود الأفعال المختلفة. ففي الوقت الذي استقبل الكورد ومعه القوى الدمقراطية في كافة أجزاء كوردستان وفي أوروبا والمهجر بحفاوة بالغة الأنباء السارة المتعلقة بالتحولات الجديدة على الصعيد القومي والاقليمي كتعبير عن المشاعر والأحاسيس القومية وهذا من حقه كأي شعب آخر يفرح بانتصاراته على أمل غد مشرق وأن يعبر ابناء كوردستان المجزأة عن فرحته تجاه ما حدث من انجازات لأخوته في كوردستان العراق وأن يشد من أزره لنيل حقوقه المشروعة في الأجزاء الأحرى.
وبالمقابل فقد شهدت المنطقة جملة من التحركات الدبلوماسية والعسكرية التي جاءت في اطار جمع الشمل لمحاربة الحركة الكوردية المتصاعدة وتطويقها تحت حجة الخطر الكوردي المزعوم والعودة الى سياسة الاحلاف الرجعية السيئة الصيت كحلفي سعد أباد وبغداد -السنتو- ناسين أو متناسين بأن المناخ الدولي قد تغير. فحلف سعد أباد تشكل في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية في وقت كان العالم يعاني من أزمات دولية عدة في ظل صراع استعماري وصعود النازية والفاشية ونزعة العسكرة , بينما حلف بغداد تشكل في ظل الحرب الباردة بين القطبين كحلقة من الاحلاف الاستعمارية لتطويق الحركة التحررية الكوردية وتصفيتها ومنع التغلغل الشيوعي. أما اليوم فالعالم اصبح قرية صغيرة والاساءة الى أي فرد او أسرة من هذا المجتمع يلقي الرفض والاستنكار من قبل الجميع .
ومما يؤسف له أن الحكومات المقسمة لكوردستان ارتكزت على القوة العسكرية في التعامل مع الحركة التحررية الكوردية المتصاعدة , وجاءت أحداث مهاباد وقامشلو واستنبول خير شاهد على العقلية الشيوفينية القروسطية بدل من انتهاج سياسة الاستيعاب والواقعية في التعامل مع الحقيقة.
لقد أثارت النجاحات الكوردية والديمقراطية قلق التيارات الشوفينية داخل الاوساط الحاكمة للدول المقسمة لكوردستان واتجه العنصريون الذين أصيبوا باحباط متزايد نحو استخدام كافة الوسائل والسبل لعرقلة مسيرة التاريخ والوقوف ضد تطلعات الحركة التحررية الكوردية المشروعة حيث التقت حول مسألة واحدة وهي الخوف من أن تتحول الفيدرالية في العراق الى نموذج حي لحل القضية الكوردية في الأجزاء الأخرى ومن تحويل العراق الى دولة ديمقراطية مستقرة مهددة عروش الأنظمة الشمولية التوتوليت .

أحداث قامشلو – الأسباب والنتائج – الدروس والعبر
2
د. سامي جتين
عفرين - نت 7/6/2004
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا أقدمت السلطات السورية على هذه الخطوة التي شكلت سابقة خطيرة في التعامل مع القضية الكوردية. من المؤكد أن هناك جملة من الأسباب التي دفعت بالسلطات الحاكمة الى اختيار هذا المنزلق الخطير في التعامل مع الشعب الكوردي وقضيته العادلة مع أن طلائعه السياسية لم تغير نهجها السياسي خطابا وممارسة.
فالعقلية الشوفينية هي السائدة في الأوساط الحاكمة التي أختارت نهج فرض سياسة القوة مع الآخرين من خلال تمرير فلسفتها التوتوليتارية عبر منظماتها المختلفة في المدارس والجامعات والمؤسسات وبالتالي فقد أفرز هذا النهج خلال أربعة عقود ونيف مجموعات عنصرية مغلقة على نفسها تتجاهل الآخرين وأوجدت فئة متنفذة جعلت من البلاد مزرعة خاصة بها تحت حماية الدولة الأمنية التي تضرب بيد من حديد.
كان الشارع الكوردي في قامشلو حتى لحظة قدوم الفريق المضيف هادئا’ فالحركة الكوردية في سوريا ومنذ نشؤوها حركة سياسية دمقراطية تطالب بحقوقها القومية في اطار النضال السياسي الديمقراطي تنبذ كل أشكال العنف والقوة في التعامل مع الأحداث الكوردية مناشدة السلطات في سوريا بالاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكوردية عبر ممارسات لاتخرج عن اطار النضال الدمقراطي لمجموع القوى الدمقراطية في عموم سوريا.
وقد شهدت الساحة الوطنية خلال السنوات الأخيرة نشاطات كوردية فعالة وخاصة بعد ماعرف بربيع دمشق الذي قتل في مهده ’ ومن هذه النشاطات تفعيل الدور الكوردي في حركة المجتمع المدني وتنظيم المظاهرات كأسلوب نضال سلمي.
فالحركة الكوردية تشكل اليوم معادلة مهمة وصعبة في الخارطة السياسية السورية التي تؤثر وتتأثر بمجموع الحركة الدمقراطية في البلاد وتحولت الى جزء استراتيجي من نواة أحياء المجتمع المدني بل وتلعب دورا مميزا في قيادة هذا المجتمع من خلال نشاطاته عبرت عن نفسها من خلال المظاهرات السلمية منذ عامين. ويبدو أن النظام قد توقع انتقال الفيروس الكوردي الى بقية المدن السورية خاصة بعد أن شهدت دمشق المظاهرة المشتركة بين العرب والكورد في الثامن من آذار يوم المرأة والوثيقة الألفية الموقعة من قبل المثقفين السوريين المقدمة الى رئاسة الجمهورية بهدف اجراء التحولات الديمقراطية فآثرت تلك القوى الى احداث فتنة الثاني عشر من آذار في ملعب قامشلو ذريعة لضرب الكورد وحركته الوطنية لدب الرعب ليس فقط في صفوف الشعب الكوردي بل وفي صفوف المجتمع السوري بأسره.
ان هذه الخطوة ستشكل بداية انعطاف كبير في تاريخ النظام الذي قد يتمخض عنه انهيار نظام البعث في سوريا, لأنها تؤكد على فشل النظام في السير علىالطريق الدمقراطي المطلوب اقليميا ودوليا ووضعت النظام في وضع لايحسد عليه داخليا وخارجيا وبالتالي فالنظام أمام خيارين لاثالث لهما اما التجاوب مع روح العصر والاصلاح وهو الخيار الذي فيه مصلحة البلاد بكل أطيافه واما خيار مناهضة الاصلاحات حيث يكمن فيه الدمار والخراب
أما السبب الآخر الذي دفع بالسلطات للتعامل عسكريا مع الكورد دون أي مبرر , هو العامل الاقليمي ومايلعبه الكورد من دور في التحولات الدمقراطية في الشرق الأوسط وخاصة بعد سقوط النظام العفلقي في بغداد والمساواة بين الكورد والعرب كشعبين أساسيين في العراق والتوقيع على مشروع الدستور المؤقت الذي تقر بالفيدرالية القومية للكورد العراقيين والأنجازات التي حققها الشعب الكوردي في كل من كوردستان ايران وتركيا من انجازات ولو بسيطة وماتشهده المنطقة من تحولات ديمقراطية بتأثير العامل الكوردي نفسه وخوف دمشق من مثل هذه التحولات الدمقراطية التي تخيف الفئات الرجعية والمحافظة في ادارة البلاد .
أما السبب الآخر فهو الدولي وماترتبت عليه من فتح ملف القضية الكوردية ومناقشتها في أعلى المستويات في البرلمانات والمنظات الدولية مما أثير مخاوف السلطات الحاكمة في سوريا من أن تقف وجها لوجه مع حقيقة حجم القضية الكوردية في سورية وهي منذ استلامها للسلطة تنفي وجود الشعب الكوردي في البلاد وتنكر حقوقه موجهة لها الاتهامات دون وجه حق .
لاشك أن أحداث قامشلو وماتبعها من انتفاضة كوردية عارمة عمت معظم مدن كوردستان ومدينتي دمشق وحلب قد تركت نتائج وخلفت دروس وعبر لابد من دراستها والاستفادة منها:
1 – أن أحداث قامشلو لم تكن محض صدفة وصراع بين فرق رياضية بل كانت نتيجة احتقان تاريخي مزمن للقضية الكوردية وعملية أمنية منظمة مسبقا التي تعود جذورها الى اتفاقية سايكس – بيكو والحاق جزء من كوردستان بسوريا الفرنسية.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية ربطت العقلية الشوفينية في البلاد المسألة الكوردية بتطورات أحداث كوردستان العراق بشكل خاص ,فقد مارست حكومة الحدة الأرهاب ضد الشعب الكوردي في سورية على أثر عودة الزعيم الكوردي الخالد مصطفى بارزاني من موسكو واقرار الدستور العراقي 1958 في بنده الثالث على أن العرب والأكراد شركاء للبلاد في العراق.
وعندما اندلعت ثورة أيلول الكوردية التحررية عام 1961 بعد تراجع قاسم عن مبادئ الثورة كان الأحصاء الأستثنائي في 5 تشرين الأول 1962 ثم اشتراك القوات السورية تحت امرة فهد الشاعر في عملية النمر 1963 المنظمة من قبل حلف السنتو الذي قرر ارسال قوات ايرانية وتركية لضرب الحركة الكوردية المسلحة , والذي لم يحقق أهدافه بسبب الأنذار السوفياتي الى الحكومات الايرانية والتركية والسورية على لسان وزير الخارجية أندريه غروميكو . ثم جاء مشروع الحزام العربي العنصري الهادف الذي كان جزءا من الحملات الهستيرية والاجراءات العنصرية بحق الشعب الكوردي والذي طبق بعد اتفاقية 11 من اذار ومنح الحكم الذاتي للكورد في العراق.
واليوم وبعد توقيع الدستور المؤقت في العراق واعتبار العراق دولة العرب والكورد والأعتراف باللغة الكوردية لغة رسمية في العراق الى جانب العربية جاءت فتنة قامشلو كرد عنصري على نجاحات الكورد في العراق التي تستهدف الوجود الكوردي.
2 - أن النظام نشط من فعالياته بعد التاسع من نيسان 2003 لتطويق الحركة الكوردية بنظام التحالفات المتشابكة والأتفاقيات الدفاعية خاصة مع تركية لاحتواء مليسمى بالخطر الكوردي المزعوم. وهذه الأستراتيجية تهدد النظام بقدر ماتهدد الكورد لأن الأمور ستنقلب عكسا عليه.
3 - حاولت الأوساط الحاكمة العزف على الورقة العربية – الكوردية بتأليب فئات شوفينية عربية اما من أتباع مدرسة صدام حسين المخلوع واما فئات سطحية تتأثر بشعارات عروبية شوفينية أو ذات خلفية أمنية وبعثية مناهضة للكورد. الا أن مثل هذه المخططاات لابد أن تفشل , فالاخوة العربية الكوردية أقوى من ذلك بكثير ,لأن العيش المشترك منذ مئات السنين قد خلق أرضية صلبة لاتتزعزع بالسهولة , اضافة الى التفاعل العربي – الكوردي المستمر ومن الضروري تعميق هذه النهج .
اضافة الى أن الرياح تجري بما لاتشتهيه السفن فقد توسعت الأحداث الكوردية لتشمل البلاد كله واستيعاب قسم من العرب مخاطر الفتنة ووقوفهم الى جانب الكورد.
4 –أن احداث قامشلو لم تعد عملية احتواء بل محاولة من النظام لوأد الطموح الكوردي المشروع وتستهدف الفكر الحر عموما بمن فيها القوى الدمقراطية العربية في البلاد مستهدفة لخنقها وسحقها حتى يحمي نفسه من شبح الديمقراطية الذي يجول الشرق الأوسط.
5- يعتبر هذا الحدث مؤشرا خطرا ذلك أنه قد يؤدي الى تصعيد المواجهة وادخال المنطقة في مشاكل يصعب السيطرة عليها . أ، المسألة عبارة عن فتيل مفرقعات مشتعل موصول ببرميل من البارود وأن اثارة الفتن وممارسة ألعاب من هذا القبيل قد تؤدي في جو من العواطف المحمومة والشكوك والمخاوف المتبادلة الى اشتعال النار سيصعب اطفاؤها والسيطرة عليها أو الى ثورة الحجارة الفلسطينية والفتن دوما تنذر بالسوء لكافة الأطراف.
6 - أن الوقت قد حان أن تتجاوب الحكومة السورية مع الحقيقة الدامغة وهل يمكن حجب الشمس بالغربال والاعتراف دستوريا بالشعب الكوردي كثاني قومية بعد العرب ومنحه حقوقه القومية والدمقراطية عبر تشكيل النظام الفيدرالي أسوة بالعراق , لأن الاتحاد الأختياري هو اقوى أنواع الاتحادات علما أن عدد الكورد في سوريا يقارب ثلاثة ملايين , الأمر الذي سيؤدي الى خلق جو طبيعي في دولة واحدة موحدة قوية تسودها الوئام والسلام وكذلك الاعتراف بالحقوق الثقافية للسريان والاشور والكلدان وغيرهم.
7 -أن سياسة القوة قد فشلت ولم يكن اسلوب القمع الدموي الذي أقدمت عليه السلطات الا تحريكا في نهاية المطاف للقضية الكوردية , فقبل حدوث أزمة قامشلو لم تكن المسألة الكوردية في البلاد معروفة حتى لأغلب الأوساط السورية في المحافظات الأخرى بسبب ظروف الحركة والتعتيم الاعلامي وضعف الحركة الكوردية نفسها وعدم قيام القوى اليسارية بواجباتها وخاصة الشيوعيين الكورد ولكنها بعد الثاني عشر أجتازت الحدود الوطنية والأقليمية لتتحول الى قضية دولية ساخنة.

-----------------------------------------------------------------------------------------
بعثة مجلة -أبيض واسود- في الحسكة وحلب
شهادات من خارج الملعب:
لم تكن الأحداث التي مرت على مدينة القامشلي أحداثاً رياضية، هكذا قال جميع من قابلناهم سواء كانوا مواطنين عرب سوريين أم مواطنين أكراد سوريين، أصر الجميع على أن ما حدث هو قادم من خارج حدود الوطن، وأن من أثاروا الشغب كان هدفهم هو إثارة الفتنة والإساءة
للمواطنين الأكرد أم غيرهم في محاولة لزرع التفرقة التي لم تعرفها سوريا سابقاً، وأشار الجميع إلى أن أغراباً كانوا موجودين ضمن الحشود التي تجمعت، وكانوا يوجهون هذه الحشود ويحملون أسلحة نارية وسكاكين، وأن المظاهرات والمسيرات التي خرجت قد خرجت إما بدافع غريزة القطيع أو تحت شعارات كـ-الوطن يناديكم، أو إلى العمل الوطني.. الخ-، لكن فوجئ المتظاهرون أن الشعارات التي طُرحت كان البعض يمارس عكسها تماماً، فأحد المواطنين الأكراد السوريين قال: ظننت أن هناك مشكلة تهدد أمن البلد فخرجت مسرعاً وذُهلت عندما وجدت البعض قاموا بإحراق بناء الجمارك... وأضاف: لقد كانت مأساة حقيقية، أريدَ منها زرع الفتنة بين المواطنين الأكراد وغيرهم من أهل البلد.
كثيرون الذين تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم، وأجمعوا على صحة ما قاله الأخير، بل أضاف البعض: ظننا أن قوات أجنبية جاءت إلى البلد وخرجنا للدفاع عنها وعن بيوتنا وأبنائنا.. لكننا اكتشفنا الخدعة، ولكن بعد فوات الأوان.. وأن مصيبة فعلاً قد حصلت، ولكن بعد اندفاعنا بشكل عشوائي، وأضاف إن عدداً كبيراً من المواطنين الأكراد تفرقوا فوراً وتركوا الساحة عندما شاهدوا ما يحصل من تخريب وتدمير للمنشآت العامة، والبعض اشتبك مع آخرين كانوا يقومون بأعمال التخريب حتى أن المخرّبين كانوا يصرخون بغضب في وجه المواطنين الأكراد الذين حاولوا منعهم من متابعة تخريبهم ويصفونهم بالخونة! وبالطبع هناك من اندفع معهم لكنهم فئة قليلة جداً اندفعت بشكل غوغائي وعدم معرفة، والحقيقة أن المندسّين في صفوفنا أرادوا منا أن ننضم إليهم ليخلقوا البلبلة والشغب ولكن الذين انضموا فعلاً ومارسوا أعمال التخريب والشغب هم فئة قليلة لا تتمتع بذهنية متفتحة أو ثقافة.. وهذه الفئات موجودة عادة في كل المجتمعات.
ويصف مواطن كردي يقف إلى جانب مواطن عربي في أحد المطاعم الحالة قائلاً: اندفعنا إلى الملعب كالمجانين ووجدنا أنفسنا على أبواب الملعب الذي يضج بالهرج والمرج والأحجار المتطايرة من كل حدب وصوب وصوت طلقات نارية، وكانت تتردد كلمات وشعارات من الذين أخرجونا وقادوا المظاهرة أن العدو بالداخل وأعداؤنا يريدون قتلنا وأضاف: فوراً يتخيل المواطن أن المقصود بالعدو هو الذي داخل الملعب هو العدو التقليدي إسرائيل.. الولايات المتحدة.. الخ، خاصة وأن البلد تمر بأوقات عصيبة وأمريكا على حدودنا، ولا يمكن أن يتخيل أن المقصود أشقاؤنا العرب أبناء بلدنا، من المستحيل في لحظات الفوضى تلك أن يتخيل أي عاقل بأن العدو هو ابن البلد لأن المواطنين الأكراد السوريين والعرب والأرمن وجميع القوميات الموجودة ليس بينها تاريخياً أي خلاف ولم يسجل التاريخ حادثة واحدة فيما بيننا، ويتابع: دخلنا إلى الملعب ووجدنا أنفسنا تحت وطأة خدعة كبيرة إذ لا وجود لعدو ولا يحزنون...
شهادات من داخل الملعب:
قبل أن تتوجه المظاهرات إلى الملعب كان الملعب يستعد لبدء مباراة فريقي الجهاد والفتوة، وفي لقائنا مع الجهات المسؤولة والمواطنين العرب والأكراد والأرمن وجميع الطيف تبيّن لبعثة -أبيض وأسود- أن هناك شبه إجماع على وصف الحالة كالتالي:
كان عدد الضيوف من مشجعي فريق الفتوة حوالي ألفي مشجع من الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الـ15 إلى 30 عاماً تم وضعهم في أحد أقسام الملعب ويفصل بينهم وبين مشجعي الجهاد الحاجز المعدني، وكان كلٌ يهتف لفريقه، وهنا قام أربعة أو خمسة شبان من مشجعي فريق الجهاد باتجاه ضابط في الشرطة وطلبوا منه أن يجلسوا إلى جانب مشجعي الفتوة، فرفض الضابط وهو برتبة عميد في الشرطة، لكن الشباب ألحوا على ذلك بحجة أن المكان متسع وأنهم أصدقاء لفريق الفتوة وازدادوا بإلحاحهم وبالطبع فإن ضابط الشرطة يعرف كل المعرفة بأن الفريقين صديقان أصلاً وأن لا خلاف بينهما حصل سابقاً ولم يخطر بباله أن يقع ما وقع، فسمح لهم بالجلوس إلى جانب مشجعي الفتوة فقام الشباب الخمسة أو الستة بدعوة البقية من مشجعي الجهاد الذين قاموا تلقائياً ودون تفكير بأي شيء بالانتقال إلى جانب مشجعي الفتوة ورغم ذلك فقد ترك الضابط أربعين عنصراً من الشرطة للفصل بينهم..
فجأة وبسرعة مذهلة بدأ تراشق الحجارة بين الطرفين ولم يستطع أحد أن يحدد من كان البادئ بها، يقول البعض إن الحجارة كانت موجودة ضمن أكياس أحضرها مشجعو الفتوة معهم، ويقول آخرون إن الأكياس كانت بحوزة مشجعي الجهاد، وتطور التراشق بعد أن رافقته هتافات سياسية متبادلة بين الطرفين ثم إلى هتافات وسباب مباشر تناول قوميات المواطنين من كلا الطرفين، فتدخلت الشرطة فوراً، وأنزلت مشجعي الفتوة إلى أرض الملعب فتبعهم مشجعو الجهاد للاشتباك بالأيدي -وقال البعض العكس- إلا أن الشرطة استطاعت تطويق مشجعي الفتوة على أرض الملعب لحمايتهم كونهم من الفريق الضيف القادم من محافظة أخرى والأقل عدداً، ولتفريق المجموعتين قام رجال الشرطة بإطلاق النار في الهواء، وأثناء إنزال مشجعي الفتوة إلى ساحة الملعب وكون الباب ضيقاً لا يمر منه سوى شخص واحد ونتيجة للتدافع القوي الذي حصل فقد قُتل ثلاثة أطفال وشابان تحت أقدام المتدافعين.
وماذا حدث بعد ذلك؟
كان القادمون من خارج الملعب الذين أشارت إليهم الشهادات قد وصلوا إلى الملعب وقاموا بتدمير ثلاثة أبواب للملعب ودخلوا إليه وقاموا بتحطيم الزجاج والمقاعد، وكل ما يمكن تحطيمه، وأمام هذا الحشد الكبير لم يستطع رجال الشرطة والأمن إلا إطلاق النار في الهواء لتفريق الناس وتسفير مشجعي فريق الفتوة. م
وفي دير الزور توجهنا إلى كابتن فريق الفتوة السيد محمود حبش، وحاولنا أيضاً أن نجد كابتن فريق الجهاد ولكن دون جدوى:
ـ كابتن محمود كنا نريد إجراء هذا اللقاء قبل الأحداث المؤسفة في ملعب القامشلي البلدي ولذلك ننتهز الفرصة لكي نسألك عما جرى هناك؟
صدقني لا أعرف ماذا حصل، وحتى الآن لم أصدق ما جرى لأنني كنت مع زملائي في غرفة الملابس وكنا نستعد لنزول الملعب مع طاقم التحكيم، لكن للأسف ما حصل بعد ذلك لم أصدقه ولم أشهد مثله في حياتي الرياضية.
ـ كابتن محمود من المعلوم أن الفتوة من فرق المقدمة في ترتيب الدوري الممتاز والجهاد من الفرق المتأخرة في الترتيب، مما يعني أنه لا داعي للحساسية في هذه المباراة؟
طبعاً بالتأكيد نحن ذهبنا للقاء الجهاد ولقاءاتنا دائماً تأخذ طابعاً أخوياً وحتى نتيجة هذه المباراة لا تهم في ترتيب الفرق، بالإضافة إلى التفاهم الأخوي المشهود له بين جمهور الناديين طوال السنوات الماضية. م
ـ كيف برأيك حصل هذا الشغب؟
صدقني لا أعرف كيف بدأت الأمور تأخذ هذا المنحى الخطير، ولكن لأول مرة أشاهد جمهور نادي الجهاد بهذا الكم الكبير يحضر إلى الملعب قبل بداية المباراة!!
هل تعتقد أن ما جرى في ملعب القامشلي شغب رياضي وحماس مفرط من الجمهور؟
لا أتصور ذلك.
ـ كابتن محمود، ما هي علاقتكم بنادي الجهاد؟ هل هناك من فتور يشوب هذه العلاقة؟
بالتأكيد علاقتنا بنادي الجهاد علاقة أخوية أي علاقة الأخوة والدم وتعقيباً على ذلك عندما تعرض نادي الجهاد العام المنصرم لحادث أليم ركضنا أنا وإخوتي في نادي الفتوة وتبرعنا بدمائنا لأخوتنا في نادي الجهاد وهذه هي علاقتنا وطبيعتها بنادي الجهاد.
ـ هل صحيح ما تناقلته بعض الأقاويل عن محاصرتكم ومحاصرة جمهوركم داخل الملعب؟
نعم لكن كان ذلك لمصلحة الجميع وبدواعي أمنية فقط وذلك من قبل عناصر حفظ النظام، وأقول بصراحة إن ما جرى في ملعب القامشلي لم يكن رياضياً وهو غريب عن الرياضة وكلنا نأسف لما حصل ولا وجود لخلاف بيننا وبين أخوتنا في نادي الجهاد، أضف إلى ذلك عندما كُرمت من شركة -شووت الرياضية- كنا أنا وصديقي وأخي اللاعب الخلوق -حسن جاجان- في غرفة واحدة، والله يسامح الذي كان السبب! لقد بات معروفاً بأن هناك مندسين يقومون بافتعال الشغب في ملاعبنا وهم بعيدون كل البعد عن جسم الرياضة والرياضيين وما جرى في ملعب القامشلي دليل على ذلك، ونداؤنا إلى جميع المسؤولين عن الرياضة السورية ألا يستعجلوا بقراراتهم الرياضية.
ماذا حصل بعد ذلك؟
بعد أن حطم المتظاهرون ما يمكن تحطيمه اتجهوا إلى محطة القطار القريبة من الملعب فحطموا زجاجها ومقاعدها وكل ما يمكن تحطيمه أيضاً، وابتعد عنهم حرس المحطة الذين قالوا: ليس لدينا أوامر بإطلاق النار فابتعدنا جانباً وشاهدنا هذه المأساة بأعيننا، ويضيف أحد الحراس: حاولوا حرق المحطة وعندما هاجموا مخفر الشرطة وإلى جانبها -برميل مازوت- وحاولوا رمي محتوياته على المخفر وإشعاله، وعندها أطلق الشرطة النار في الهواء.
يقول المهندس قدري القاسم الحمودة مدير المحطة:
استمر الهجوم علينا من السابعة حتى التاسعة مساء وكان بين المهاجمين ملثمون يحملون أحجاراً وأعمارهم تتراوح بين الخامسة عشرة والعشرين عاماً وعددهم حوالي 500 إلى 600 شخص، ولكن لم يكن هناك إلا الحرس المناوب، وبعد أن حطموا ما حطموا أحرقوا سيارتي الخاصة بعد أن سرقوا أوراقي الثبوتية وجواز سفري حيث كانت موجودة في السيارة، كما أحرقوا ثلاث سيارات، واستطعنا تهريب الباقي، ويضيف: في اليوم التالي أرسلوا لي قطعة من جواز سفري محروقة وقد رسموا خلفها قلباً وعليه سهم، كذلك حاولوا الهجوم على المحطة في اليوم التالي بعد أن هاجموا المطحنة وصوامع الحبوب لكنهم فشلوا ومنعتهم قوات حفظ النظام، وتقدّر الخسائر في المحطة بحوالي 15 مليون ليرة سورية.
صوامع الحبوب:
يقول السيد حمود المحمود رئيس دائرة الرقابة: كنت موجوداً حيث حضر المئات وهاجموا المطحنة وحاصروها لمدة 18 ساعة ونحن بداخلها مع كادر العمل، وأحرقوا غرفة الحرس، ثم هاجموا سكن العمال وطلبوا إخلاء المنازل وإلا سيحرقونها مع قاطنيها، وتمت سرقة منزلي بالكامل وكان العدد بين 300 إلى 400 شاب، قال لنا البعض لقد سقطت الحكومة، وجئنا لتحرير كردستان من المحتلين. م
أما مدير المطحنة صالح عبد الله العاكوب فقال: لم يستطيعوا الوصول إلى الصوامع والمطحنة، ولو أنهم استطاعوا لكانت كارثة وقعت بسوريا كلها، لكن الحمد لله استطاعت قوى الأمن منعهم بإطلاق الرصاص في الهواء وتفريقهم، وأنا مقتنع بأن ما حصل سببه مندسون من خارج الحدود ومدعومون من قبل مَن يريد الإساءة لوطننا وليس لأحد مصلحة بهذا إلا العدو.
ماذا حصل في البلدات؟
يقول الأكراد وغيرهم من المواطنين إن إشاعات تم تناقلها من أن قوات الأمن تطلق النار على المواطنين الأكراد وتلاحقهم في القامشلي، وامتلأ الشارع بالإشاعات، إضافة إلى انتقال المدسوسين أيضاً إلى تلك البلدات مما أجج الشارع المتوتر فيها، والشيء نفسه حصل في القامشلي حصل في تلك البلدات، فمع الإشاعات والأنباء المتضاربة وتناول وسائل الإعلام الغربية وبعض العربية الأخبار على غير حقيقتها، خاصة وأن المحطات تناولت الإشاعات الكاذبة وكانت غير قادرة للوصول إلى القامِشلي لوضع يدها على الحقيقة، ومع وجود متلقين لهذه الأخبار بعضهم ضعيف المعرفة وآخرون تقودهم غريزة القطيع، اندفع البعض للقيام بأعمال تخريبية وكانت الخسائر التي عادت على المواطنين تقدّر بمئات الملايين، ففي القامشلي تم حرق وتدمير:
مخفر كراج القامشلي، مدرسة عربستان، رابطة الريف، مركز الأعلاف والذي قُدرت خسارته وحده بـ167 مليون ليرة سورية، محطة القطار، صوامع الحبوب والمطاحن، جمارك القامشلي، مؤسسة المياه، فندق الشباب. م
وفي عامودا:
مخفر البلدة، مبنى الناحية، منزل مدير الناحية، مجلس المدينة، المصرف الزراعي القديم، المصرف الزراعي الجديد، المحكمة، شعبة التجنيد، المركز الثقافي، الفرقة الحزبية، المفارز الأمنية، 3 سيارات شرطة، سيارات المفارز.
أما في الدرباسية فقد طال التدمير:
المركز الثقافي، مصلحة الزراعة، شعبة الري، مفرزة الأمن السياسي، المستوصف.
المالكية:
المصرف الزراعي، المركز الثقافي، صالة التجزئة، مجلس المدينة، شعبة الحزب، شعبة التجنيد، مفرزة الجمارك، نقابة المعلمين، الرابطة الفلاحية، شعبة الخدمات الفنية، مخفر مرور المالية، منزل مدير المنطقة، 9 سيارات حكومية.
الحسكة:
مخفر الكراج، باصات القدموس.
القحطانية:
رابطة الشبيبة، ثانوية حسان بن ثابت.
رأس العين:
مبنى الشبيبة، سيارة المصرف الزراعي، شركة المياه، سيارة مدير المنطقة.
دمشق:
مساء الجمعة، وبعد وصول الأنباء المغلوطة، اعتصم طلاب أكراد سوريون في المدينة الجامعية، وقاموا في اليوم الثاني بتظاهرة توجهت إلى ساحة الأمويين وقد قام رجال حفظ النظام بتفريق المتظاهرين، بعد أن رشقوا الحجارة، وتم اعتقال عدد منهم أفرج عنهم في اليوم التالي، كذلك قاموا بتظاهرة في ساحة عرنوس مؤلفة من خمسين طالباً وتم تفريق المتظاهرين.
إلا أن حي الرز -دمّر- لم يكن أقل اضطراباً، فقام بعض سكانه بتدمير لوحات الإعلان ومواقف الباصات واللافتات الضوئية، وكان امتداداً للشغب الحاصل في القامشلي وبنفس الطريقة وحاصر رجال الأمن المخربين، ومالبث أن عُقد اجتماع بين لجنة الحي وضباط قسم شرطة مشروع دمر، شرح الأخيرون أبعاد الموضوع وعاد المتظاهرون إلى بيوتهم.
بعد يومين من اندلاع الأحداث:
شهدت محافظة حلب أعمال شغب تخللها العنف وذلك في كل من حي الأشرفية وحي الشيخ مقصود وكذلك في مناطق عفرين وعين العرب.
ففي حي الأشرفية يقول المواطن -ح.م- كانت الحال طبيعية حتى بعد سماع أخبار مباراة كرة القدم في القامشلي والأحداث التي أعقبتها مما يقوي الانطباع بأن وصول بعض الغرباء عن مجتمعنا هو الذي أشعل نار الفتنة وساعدهم بذلك بعض الغوغائيين.
أما في حي الشيخ مقصود يقول المواطن حسين شيخو: لم يحدث شيء بعد سماع أخبار القامشلي ولكن بعد يومين بدأنا نسمع إطلاق نار وتدخلت قوات الشرطة ومنعت وقوع أعمال الشغب و اليوم الأحوال هادئة تماماً والسكان مرتاحون للهدوء ومستاؤون من الذين كانوا وراء أعمال الشغب لأنها بعيدة عن روح التعايش والمحبة التي تسود الحي بكامله.
-ل.ك- طالبة في كلية العلوم: إن الحياة في الجامعة طبيعية وهادئة حيث جرت عدة مسيرات شارك بها بعض الطلبة ولم يجرِ خلالها أية أعمال عنف والانطباع السائد لدى الطلاب هو حالة من الحزن لأن الشيء الذي يحدث هو خطأ، فجميعنا يدرك أن هذا العمل لا يخدم الوطن، فكلنا أبناء وطن واحد وسورية وطن التعايش المشترك.
ونؤكد أن ما حدث كان بفعل أيد غريبة استغلت المشاعر البسيطة لدى البعض.
في عفرين:
يتحدث السكان عن قدوم أشخاص من خارج سورية ومن تنظيمات تسعى إلى تفجير الوضع وذلك باستغلال أي حدث وفق مخطط خارجي هدفه زعزعة الاستقرار والنيل من الوحدة الوطنية.
أما في عين العرب:
جرت بعض أعمال التخريب لمؤسسات عامة وذلك من قبل بعض العناصر المسلحة ويقول أحد أبناء المنطقة إن هذه الأعمال تمت بأيد مخربة لأن المؤسسات التي خُرّبت كانت لخدمة المواطن، والضرر سيدفع ثمنه المواطن بالنهاية، إن أبناء البلد لا يفعلون هذا، إنهم غرباء وللأسف استطاعوا أن يغرروا بالبعض.
ومن المفيد ذكره أن المشاعر متشابهة لدى جميع المواطنين الذين التقتهم -أبيض وأسود- من حيث إدراك أن الفئة التي تقوم بهذه الأعمال إنما تعمل بإدارة خارجية وأن شعبنا سيهزم هذه الفتنة بوحدته الوطنية كما هزم العديد من المحاولات السابقة، كل ذلك يتم من خلال وحدة وطنية أولاً وإن المطالب في الإصلاح لن تتأخر ولن يعيقها افتعال مشكلة هنا وأزمة هناك.
مواطنون أكراد وعرب تحدثوا إلينا:
الشيخ محمد بن عبد الله الصقر -عميد آل صقر- قال:
نرجو من الله صرف البلاء ولا ندري أي أيدٍ خفية أرادت اللعب في هذا الوطن، لم يحصل هذا بالمصادفة أو نتيجة لقرار من إخوتنا المواطنين الأكراد، لكن ما حدث كان بفعل فاعل ونطلب من الله تصفية الأمور ومن المواطنين عرباً كانوا أم أكراداً أن يردوا الضالين إلى الصواب، ويضيف الشيخ محمد: لقد كان المندسون يهتفون لبوش! فهل تصدق أن مواطناً سورياً عربياً كان أم كردياً يمكن أن يهتف لبوش؟ إنهم مندسون من خارج الحدود، الخسائر التي وقعت، وقعت على الجميع، تصور أنه حتى اليهود الذين كانوا يعيشون هنا كانوا يعيشون بأمان معنا.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
المطران بابكين جاريان -مطران الأرمن الأرثوذكس في الجزيرة والفرات- قال: اجتمع رجال الدين في القامشلي المسلمون والمسيحيون، وهم يرون أن أعمال الشغب التي تمت ما هي إلا نتيجة لتدخل أيد خارجية أرادت النيل من الوحدة الوطنية، لأن سوريا احتوت الجميع بتسامح وحب وهي الوحيدة التي جمعت الطوائف والشعوب ويعامل الجميع كسوريين سواء كانوا أكراداً أم أرمناً أم عرباً أم آشوريين أو كلدان ولم يسجل التاريخ خلافاً بين هؤلاء، وإن ما حصل هو عمل مبيت بدليل ما حصل في جميع المناطق معاً في الجزيرة ودمشق وحلب، كذلك في ألمانيا وبلجيكا، أنا أرى أن اليد الآثمة واحدة وهي التي حركت بعض الضعاف والجهلة، يجب أن نحافظ على الحب الموجود في سوريا لأنه نعمة من الله.
السيد أحمد الصالح -رجل أعمال-:
المجنون لا يصدق أن ما حصل ناتج عن كرة القدم، نحن هنا كمواطنين عرب سوريين أو أكراد سوريين تربطنا روابط المصاهرة التي نتجت عنها القربى، والمواطنون الأكراد ليسوا هم الذين شاهدناهم يدمرون ويعتدون على ممتلكات الشعب، المواطنون الأكراد وطنيون حاربوا مع المواطنين العرب جنباً إلى جنب ودافعوا عن سوريا واستشهدوا من أجلها، ونحن جميعاً نعمل معاً سواء في التجارة أو الزراعة أو وظائف الدولة، ويضيف: إن أغلب رؤساء الدوائر في المحافظة هم من المواطنين الأكراد ولهم صلاحيات الإدارة تماماً كغيرهم، وثمانون في المئة من موظفي المطاحن وصوامع الحبوب هم مواطنون أكراد ومن المستحيل أن يكونوا هم الذين يدمرون المنشآت الوطنية، البعض اندفع بسبب سيطرة العقل الجمعي أو بسبب دسائس وإشاعات لا صحة لها.. وهذا البعض هم قلة لابد أنهم اكتشفوا حجم الخدعة التي وقعوا فيها، لكن الفاعلين الأصليين هم المدسوسون بينهم، ونطالب بمحاكمتهم ومحاسبتهم على ما اقترفوه.
الحاج حسن رمضان بكداش قال:
إنه تخريب ضد الشعب وضد سوريا، وهذا غير مقبول على الإطلاق، في السابق كانت كلمة كردي وعربي مصيبة لأنها تعني الفرقة وأنا أستغرب الآن كيف نتحدث بهذه الطريقة، لكنه أضاف: جماعة دير الزور كانوا يهتفون نعم نعم للفلوجة، نعم نعم لتكريت.. وهذا معيب.
المحامي نذير مصطفى -السكرتير العام للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ـ بارتي- اتصلنا به وزرناه في منزله حيث أُجريت عملية -ديسك- ولازال في فراشه منذ شهرين، ورغم ذلك استقبلنا بود وبشاشة ومعه في الغرفة أصدقاؤه وبعض من أعضاء حزبه، الأستاذ نذير له وجهة نظر أخرى مغايرة لما سمعناه من المواطنين الأكراد أو العرب والأرمن.. الخ.
يقول الأستاذ نذير: نحن أكراد سوريون ولسنا عرباً ولا نريد أن نذوب في المجتمع العربي، فإن كان هناك من يحاول إذابتنا في المجتمع العربي فنحن لسنا معه، وهذا الفكر الشوفيني المطروح لإذابة الجميع تحت اسم العروبة نحن نرفضه، نحن نؤمن بشعار المزج الوطني وليس القومي، أن نكون سوريين نعم، أما عرباً فلا، قلنا له إن عدداً كبيراً من الأكراد شغلوا ويشغلون مناصب في الدولة، قال: مثل من؟ قلنا الأستاذ محمود الأيوبي كان رئيساً لمجلس الوزراء، والشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية، والأستاذ سعيد رمضان البوطي وغيرهم، أجابنا: محمود الأيوبي تعرّف منذ نعومة أظافره واختار أن يكون بعثياً، وأحمد كفتارو ليس كردياً، وسعيد البوطي تخلى عن كرديته، و.. وفي النهاية لدينا مواطنون لا يحملون الجنسية السورية والسلطات لم تمنحهم الجنسية، وبالتالي هم يعيشون بلا عمل، وأضاف حتى الذين يعملون هم بحاجة إلى موافقات أمنية، قلنا ومن لا يحتاج إلى هذه الموافقات من جميع الشعب السوري؟ ولكن هناك من يعمل وهو بلا جنسية فعلاً لكنه موظف في دوائر الدولة؟ أجاب: هذا غير صحيح، قلنا: في الرابطة الفلاحية هناك مهندس بلا جنسية موظف فيها، ومدير كهرباء معبدة أيضاً لا يحمل جنسية!! إضافة إلى ذلك فهناك من يعملون في الأرض ويملكون وهم لا يحملون الجنسية، كذلك هناك من رفض الحصول عليها وقالوا طالما أننا نعمل ونعيش كغيرنا من المواطنين فما حاجتنا إلى الجنسية، والهدف من هذا -التهرب من خدمة العلم ودفع الضرائب-، أجابنا الأستاذ نذير: يا أخي دع الدولة تعرض الجنسية وأنا أضمن لك أن الجميع سيتقدم لأخذها، قلنا له عندما طرحت الجنسية هناك من تجنّس وقد قبلت الدولة أي وثيقة صادرة عنها لإثبات الإقامة في سوريا، والبعض أبرز إيصال كهرباء أو ماء باسمه وحصل على الجنسية بموجبه، أجاب الأستاذ نذير: دعوا الدولة تطرح الجنسية وأنا أضمن أن الجميع سيتقدمون بطلبات.
وعن الملعب قال إن مشجعي الفتوة جاؤوا يحملون أكياس الحجارة وكأنهم قادمون إلى معركة وأنا أرفض رفضاً قاطعاً مقولة أن هناك مؤامرة.
وعن أحداث اليوم الثاني سألناه: علمنا أن مسيرة كان من المفترض أن تكون صامتة ترافق الجنازة -للذين توفوا في الملعب- لكنها حولت مسيرتها باتجاه دوائر الدولة وأحرقت الجمارك ومؤسسة الأعلاف وباقي ما تبقى من دوائر، ما معلوماتكم؟ أجاب الأستاذ نذير: اجتمعنا في هذه الغرفة ممثلون عن 11 حزباً وأصدرنا بياناً واحداً وهو القيام بمسيرة صامتة، وطلبنا من أحزابنا عدم السماح لأحد بالقيام بأعمال شغب، وفعلاً تم ضبط البعض والمسيرة التي رافقت الجنازة لم تغير اتجاهها لكن البعض توجه إلى المقبرة الثانية حيث أن البعض سيدفن في مقبرة والباقين في المقبرة الثانية، أما من أحرق الجمارك فأنا لا عرف، إنهم أناس غريبو السحن لا نعرفهم، وسألناه ما سبب اندلاع الشغب في البلدات الأخرى كرأس العين والمالكية.. الخ؟ أجابنا: هؤلاء جاؤوا للمشاركة في الجنازة لكنهم مُنعوا.. فعادوا وفعلوا ما فعلوا.. وأضاف الأستاذ نذير في النهاية نأسف للتخريب والحرائق التي حصلت لكنها لا تعود إلى أي حزب سياسي كردي، وسألناه عن الأعلام الأمريكية التي رُفعت والأعلام الكردية فأجاب: أعلام أمريكية لا يوجد أما الأعلام الكردية فكلهم علمان أو ثلاثة!! إجماع وطني على استنكار وإدانة ما جرى من محاولة افتعال فتنة:
بعد كل هذه الشهادات التي تلخص مضمون الأحداث التي ابتدأت في ملعب القامشلي وانتشرت في مدن وبلدات أخرى، وكان لها صدى مشبوه في تحركات ضد السفارات السورية في عدة بلدان أجنبية لتضخيم الأحداث والإساءة لسمعة البلد ومساعدة الجهات المعادية لتصعيد حملة الضغوط على سوريا لتطويع قرارها لصالح المخططات الأمريكية الإسرائيلية. بعد كل ذلك يبدو المشهد السياسي واضحاً، حيث تقف جماهير المواطنين مستنكرة ومستغربة ما حدث وتشجب ذلك بقوة وترفض هذه الممارسات، كما تشير بازدراء إلى محاولات البعض من الذين يحاولون ركوب أي موجة للإساءة إلى الوطن. والواقع أن الحكومة قد تصرفت بحكمة وأناة كبيرين مما فوّت على مثيري الفتنة ما كانوا يرغبون فيه. ومما لا شك فيه أن الأكثرية الساحقة من مواطنينا تقف ضد هذه العناصر المدسوسة التي قامت بهذه الأعمال وضللت بعض العناصر والأشخاص وجرفتهم معها للمشاركة في الأحداث، ولسان حال الجميع يقول لا للفتنة ولا للتخريب، لا لمحاولات زعزعة أمن واستقرار المواطن والوطن، نعم للوحدة الوطنية.
22/3/2004
تقرير
مجلة أبيض وأسود
------------------------------------------------------------------
قراءة عربية من القامشلي:
خطاب الفتنة الكردي

تركي علي الربيعو
"بيجا بيجا كردستان" هذا الشعار الذي رفعه الاكراد المتظاهرون امام السفارة السورية في بروكسل، وترجمته الحرفية لمن يعرف الكردية "قولوا عاشت كردستان"، الشعار نفسه كان القاسم المشترك للمسيرات التي عمت مدن الجزيرة السورية من المالكية في المثلث السوري - العراقي التركي او ما يعرف برأس البطة وصولا الى دمشق حيث تظاهر الطلبة الاكراد في جامعة دمشق وفي حي زورافا الفقير في دمر حيث يسـكن الاكراد، مرورا بالقامشلي والحســكة وعامودا والدرباسية التي عمّتــها التظاهرات التي رفعت شعار "قولوا عاشت كردستان" ورفع العلم الكردي وجرى رفع شعار عاش بوش والذي يكنى بالكردية "بافي آزاد" اي ابو أزاد، ومعناها ابو الحرية الذي جلب الحرية الى الاكراد، و"البارحة بغداد واليوم دمشق".
وتناوب اكراد من الخارج على شاشة التلفزيون، ليتحدثوا عن الاحتلال السوري لكردستان الغربية، وترافقت التظاهرات مع اعمال تخريب متعمدة، طاولت مؤسسات الدولة والمدارس وحافلات الركاب التي احرقت، وكسرت المحلات التجارية، حتى المكتبة الام في القامشلي التي تضع في واجهتها كلام انطون سعاده من ان "الحياة وقفة عز" لم تسلم من التكسير وذلك في اليوم التالي على احداث الملعب البلدي بين فريق الفتوة وفريق الجهاد.
على مسار عقود عدة، كان فريق الفتوة مثالاً للتندر واعمال الشغب في كل مرة يأتي فيها الى مدينة القامشلي، وفي كل مرة كان يجري حصر الشغب داخل الملعب ثم ينفضّ الجمهور بعد ذلك. وفي رأيي ان احداث المباراة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث بدا للعيان ان الاحداث اللاحقة التي تزامنت مع اعمال عنف منظمــة ومـــع شـــعارات انفصالية رفعتها بعض الاحزاب الكردية المتطرفة ولا اقول كلها، وسادت في الواجهة، وترجمت في الواقع تمزيقا لصور الرئيس السوري بشار الاسد ورفع صور مسعود البارزاني مكانها، والهجوم على تمثال الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ومحاولة زعزعته لقلبه على الارض كما حدث مع تمثال الرئيس العراقي صدام حسين.
في رأيي الذي لا اريد ان اجامل به الاكراد من ابناء وطني، كما درجت العادة في الكثير من الندوات والحوارات المسكونة بالمجاملة والسكوت المسكوت عنه، ان التظاهرات واعمال الشغب، كانت على درجة عالية من التنظيم، وهي بمثابة نتيجة لخطاب غوغائي ويساري قومي طفولي، كما كان ينعته هاني الفكيكي في "اوكار الهزيمة"، يقول بالعربي المحتل ووحدة كردستان، ويراهن على ظرف دولي في سعيه لاقتسام الغنيمة، وهي ليست نتيجة لغوغاء مندسة بين الاكراد والسلطة، هدفها تفتيت وحدة الصف الوطني كما يحاول ان يقنعنا قادة الاحزاب الكردية غير المرخص بها، فالخطاب السياسي الكردي في مجمله ولا اقول كله، هو خطاب فتنة، لأنه كما تجسده الكثير من النشرات السياسية الكردية، يقول بوحدة كردستان ويؤكد على ما هو قومي لا على ما هو وطني والذي يشكل قاسما مشتركا لجميع ابناء الوطن.
من هنا كان الخطأ القاتل في رفع شعارات انفصالية بدل التأكيد على الوحدة الوطنية والمطالبة بالاصلاح السياسي. وفي رأيي لو ان الاكراد طالبوا باصلاحات سياسية وثقافية تطاولهم كأقلية قومية وبالديموقراطية لجميع ابناء الشعب السوري، لنالوا من تعاطف الشعب السوري الكثير، ولكنهم وعلى مدى عقود عدة، كانوا يتجاهلون محيطهم العربي لا بل ان الادبيات السياسية الكردية في اثناء الاحداث الاخيرة، راحت تنعت من على شبكات الانترنت القبائل العربية بالدهماء وقطعان البداوة. وعلى مدى عقود عمل الاكراد وبصفة خاصة الاحزاب السياسية، على استفزاز العرب من خلال نشراتهم الدورية او حفلاتهم السياسية كما جرى عند سقوط بغداد تحت سنابك المحتل، حيث عقدت حلقات الدبكة الكردية في جميع مدن الجزيرة ابتهاجا بسقوط بغداد. وهذا ما يفسر حالة الاستقطاب الحادة بين العشائر العربية التي رفعت شعارات الوطنية في مقابل التـظاهرات الكردية التي رفعت شعارات انفصالية وطالبت بوحدة كردستان. ويعرف قادة الاحزاب الكردية الذين اجتمعوا مع السلطات السورية في المنطقة انه لولا دفع السلطة، لكان الباب مفتوحا على مصراعيه لحرب اهلية ومذابح سيكون الخاسر الوحيد فيها الاكراد. ان كل ما نصبو اليه، بعد هذه الحادثة الاليمة ان يصحو قادة الاحزاب الكردية من غفوتهم، وان يعيدوا قراءة الاحداث جيدا بعيدا عن خطاب الفتنة الذي يقع في المتن من الخطاب السياسي الكردي، وان يفتحوا نوافذ خطابهم على خطابات سياسية كردية واخرى عربية في المعارضة وداخل السلطة، ما زالت تؤكد على الثوابت الوطنية كسقف للمعارضة السياسية، وتطالب باصلاح سياسي -خاصة ان للاكراد من المطالب العادلة الكثير- يرى انه لا يمكن ديموقراطية راسخة ومكتملة النمو ان تنشأ خارج حدود الدولة. فالرهان على الحالة العراقية قد لا يجد ما يزكيه في الحالة السورية، اضف الى ذلك ان الوضع الاقلوي الهش للاكراد في الجزيرة السورية لا يستقيم ومطامحهم القومية. من هنا فان المطلوب هو التأكيد على الثوابت الوطنية والثوابت الديموقراطية من داخل سقف الوطن، والعمل من داخل هذا السقف كمعارضة وطنية تلقى مزيدا من الصدقية في تأكيدها على ما هو وطني وعندها سيكون شعار الاخوة العربية الكردية حقيقيا لا تسوده المجاملات ولا يسكنه الخوف من مستقبل غامض؟
كاتب سوري- النهار
----------------------------------------------------

فتنة المثقف الصدامي
ردعلى مقال" الربيعو":قراءة عربية من القامشلي: خطاب الفتنة الكردي1
ابراهيم محمود
عفرين - نت 24/3/2004

لم أستغرب ما كتبه "تركي علي الربيعو" في مقاله السالف الذكر، والمنشور في صحيفة النهار-الأربعاء17 مارس2004-، وفي صفحة -قضايا-، وهو يكثف قائمة تهمه ضد الأكراد، وتحت عنوان توضيحي لافت، هو-خطاب الفتنة الكردي- وعن بعد ليغلَب كعادته إرادة الهوى على إرادة الواقعة الفعلية، وحسناً فعل ذلك، عندما سبقه بعنوان رئيس هو-قراءة عربية من القامشلي-، وكم كنت أتمنى أن يأتي العنوان أكثر وضوحاً وتوضيحاً لنية الكاتب كما أعرفه عن قرب، أي -قراءة عربية صدامية من القامشلي- ليكون صادقاً مع نفسه، وإن كان ما كتبه، وفي الأغلبية الساحقة من مقالاته المتعلقة بالأكراد عموماً وبالقامشلي ضمناً ووضع الكرد فيها، يحيله إلى شاهد زور تاريخياً.
الكرد باستمرار-أعني طوال تاريخهم الحديث؟- من وجهة نظره -إذا كان له وجهة نظر تخصه- مرتبطون بالاستعمار-باسرائيل، وأمريكا- ، كما تقول مجموعة مقالاته في الصحافة اللبنانية -السفير، الحياة، النهار، المستقبل- المقروءة جيداً، وأنا أزيده غبطة بالموافقة على ذلك، بقولي: نعم، هم كذلك، فهم العرب المواجهون لاسرائيل، والداخلون معها في صراع وجود لاحدود، والعرب هم الكرد هنا طبعاً، وهذه مفارقة صارخة، إذ يجوز للعرب أن يقيموا علاقاتهم المختلفة-الدبلوماسية وغيرها- مع اسرائيل، ويكون الاسرائيلي ابن عم العربي عند الكثيرين منهم، وهو يمر تحت، أو بجانب العلم الاسرائيلي المرفرف على سارية تعلو في عاصمته العربية هذه أو تلك، ويتصافح العربي والاسرائيلي هنا وهناك، ويتراجع شعار: حرب وجود إلى حرب حدود، ولاأدري ما مصير هذا الشعار الآخرنفسه..الخ، ويشيد كل طرف بالآخر، إلا الكردي المحكوم بوصائيات العربي هذا المحكوم بوصائيات الأمريكي وغيره، حيث أي دنوَ من الاسرائيلي، يحيله إلى عميل ومتآمر على-أمته - العربية، ويهدر دمه، وتتألب المشاعر والوجدانات القوموية والاسلاموية العربية هنا وهناك عليه بوصفه -خائن -الأمة.
الربيعو يغض النظر عن كل هذه المقولات، والمعتبرة كما يبدو-من سفاسف الأمور-،لأن من ورائها -أكل عيشه- كما أعرفه جيداً، برموزه هنا وهناك، كل شيء هو بحسبان، رغم زيف الحقيقة.
لأن الكرد فوبيا-الخوف من الكرد-عقدة تستثير الربيعو كلما ذكروا أمامه،كما يبدو، ولأنه لا يطيقهم ضمناً، رغم أن جل علاقاته في القامشلي بالذات كانت مع شباب كرد، مثقفين، وكنت من بينهم،وكان يعيش في وسطهم بعد أن ترك قريته، محاولاً التخلص من بداوته، وليؤكد مدنيته بمصاهرة عائلة ذات أصول كردية، وإن أنكر ذلك، إلا أنه بقي المخلص لخاصية البداوة، التي أضطر إلى استخدامها لوازعها العصبي، وفي أكثر وجوهها سلبية، ويمارس الكتابةبالطريقة التي تعلي نجمه الثقافوي، كذاكرة مكانية مستحدثة، وهو يقرربين الحين والآخرأن القامشلي هي عربية-اليد واللسان- رغم أنف تاريخها الديموغرافي الذي يعلمه الأمَي، وأنها طياوية في ملكيتها بامتياز-عقدة القبيلة-، وأن الأكراد عنده، قدموا أواستقدموا من تركيا-وهو من أين قدم يا ترى؟- وهل كانت الحدود موجودة قبل اتفاقية سايكس –بيكو، ليتحدث بالطريقة تلك؟وكيف برزالحضورالعددي الكردي لاحقاً؟ أبفعل الهجرة أم لأنهم متواجدون أصلاً في المنطقة؟وكيف تمكن الأكراد المغيرون على -قامشليه ؟- من طرد عربه المتمدنين ، وحلوا محلهم ، ومن وراء الحدود التي يتوهمها ؟وكيف برز المتظاهرون بعشرات ألوفهم، إن لم يكونوا من السكان الأصلاء في المنطقة؟ كرد هم عرب عنده، أولايوجد في بلده المصكوك باسمه سوى العرب، وهناك الأكراد العرب، وليس الكرد كأثنية، لا كأقلية مقهورة قومياً بحضورهم الديموغرافي، أو تواجدهم العملي في المجتمع ،هم أكراد عرب كما يشتهي تسميتهم مسؤولون إعلاميون في البلد ، دون أي رادع من ضمير تاريخي ، يحسن الالتفاف عليهم ،لكأن التأكيد القولي شهادة تاريخية غير قابلة للطعن فيها.
لابل إن موقفه من الكرد يبرزرفضياً، عندما يسعى جاهداً إلى اثبات تركمانية كركوك-المدينة المتنازع عليها-، ليس لأنه شغوف بالترك-ولاأدري ما العلاقة بين اسمه والترك هنا ليبرز وده الشديد لهم!-، وإنما حتى يؤكد طارئية الكرد على التاريخ وعلى الجغرافيا، وليس لشغفه بالحقيقة، أعني للأتراك هنا. إلا إذا كان هناك غرض لم يكشف عنه، وكأن القائد المظفر المنصوربالله صدام ولم ينتصر رغم ذلك، لم يمارس أبشع أنواع التغيير الديموغرافي وحتى الجغرافي في العراق، بحالات التهجير القسرية-الأنفال نموذجاً- والقتل بالجملة-عرباً وآشوريين وتركماناً وكرداً بصورة أخص-، كل ذلك غير معترف به من قبله، ليثبت ميوله الصدامية منذ البداية، ومنذ حرب الخليج الأولى، ويتبرك برؤية صدام قبل سقوطه المريع بأيام معدودات، ووفاءه للكرم الصدامي في بغداد -العربية- وفي العراق-العربي-، على جماجم قتلى العراق وصراخ العراق، حيث كل ذلك لم يلفت نظره ذات يوم اطلاقاً. بل كان من أشد المناوئين لمن يقول خلاف ذلك،حتى في أكثر الفترات تآزماً بين سوريا والعراق، بوصف صدام بيسمارك العراق، والتعبير له،وليس لي.
وها هو الآن يبدي أسفه البداواتي الشديد على ما جرى في القامشلي، مثلما بكى عراق -صدامه- رغم أنف العراقيين في الغالب، متحدثاُ باسم أكثر المتشددين في السلطة،ويزاود على السلطة ذاتها، كعادة كل مثقف منتهزفرص ولو على حساب آخرين ليسوا كذلك حتى داخل السلطة، وهو الذي يثير الاستغراب للوهلة الأولى، لأنه لم يكن في أي يوم قريباً منها، إلا لدوافع خاصة به، وليس كمبدأ قيمي يعرف به، هاهو يشدد على الكرد، في الوقت الذي يبرزفيه الصوت الأكثرقرباً من القصرأكثر اعتدالاً منه، وأعني به-عماد فوزي شعيبي- والذي طالب، خصوصاً مؤخراً إلى محاسبة الفاعلين-مفتعلي الحدث- أيَاً كانوا، وهوالذي -أي الربيعو-دخل معه وضده في أكثر من نقاش ساخن، من خلال تصورات أو طروحات شعيبي حول مفهوم السلطة، والديمقراطية قبل سنوات، ولكن الربيعو الآن، ومنذ سنوات عدة يقيم في دمشق العاصمة، ولا أدري ما إذا كان يهيء نفسه لمنافسة شعيبي في منصبه أم على منصب آخر!
الربيعو لم يقدم إلا الوجه الأكثر سلبية لما جرى-مع تتبيلها بداواتياً-، لكأن الذين خططوا للحدث، وهم يهتفون بحياة رمزه المخلوع صدام، ويحملون صوره، ولافتات تشير إليهم بوصفهم جماهير الفلوجة، ويسقطون الفيدرالية وزعماء الأكراد وأمام أعين مسؤولين كباروفي وضح النهار، ومعهم حجارتهم وسلاحهم ويستفزون الجميع-وليس الكرد فقط-، لكأن كل هؤلاء كانوا كرداً، بحيث تغدو جماهيرالفلوجة-جماهيرالسليمانية وزاخو-، ويغدو مرتكبو الفتنة -حسو،وحمدكو ومعوورمووجانو..-وليس الذين قدموا أو استقدموا من مكان آخر، ربما أبعد من حدود دير الزور، كأن الذين كانوا مموهين بالأسود ومقنَعين ومسلحين بمسدسات كاتمة للصوت، من داخل الجمهور الديري-المسالم- والتقطت صورهم، كانوا من البيشمركة، وليس لهم أي علاقة بكتائب صدام فعلياً. فهل كان الربيعو حاضراًليكذّب كل الروايات الأخرى ، كما هي عادته، وليمارس المزيد من تأليب السلطة التي أصبحت الآن أثيرة إليه،على جمع الغوغاء الكرد.هل فكر –ولو قليلاً-ما الذي استهدفه-المغيرون- على المحافظة وفي هذا الوقت بالذات؟أو كانوا جميعاً حقاً من حيث أتوا، أم أنه كان هناك مدسوسون بينهم وبعلم جهات ذات نفوذ حتى من خارج البلد، انتقاماً لروح صدام -العتيد- من الأكراد، بدءاً بالقامشلي؟ وفي هذه الحالة، وطالما أن -اللعبة- نفَذت باتقان، لكن النتائج المشتهاة لم تتحقق كما يريدها محركوها، ومازالت الوجوه المدبرة بالفعل مجهولة لمن يبحث عن الحقيقة-لم يعلن عنها، نظراً لخطورة اللعبة القذرة ، وعلى الباد-، والربيعو لا يتمناها طبعاً من خلال لهجته،كيف سيكون الموقف العام ، على الصعيد السياسي، وبالنسبة للربيعو؟خصوصاً وأن أسماء تنكشف يومياً كانوا مسببي حرائق-مدارس، مؤسسات حكومية مورس فيها فساد كبير، للتغطية على الجريمة،اختلاس أموال، سرقة حبوب حيث الفلتان الأمني أعطى مداً لمن يريد التعبير عن أهوائه اللاوطنية،حريق مركز الأعلاف المشبوه-، وفاعلي تخريب وحتى مكسري واجهات وممزقي صور الرئيس ، كانوا يتكلمون بلغته-بلهجته بالذات-، وأتحداه إذا استطاع أن يثبت أن أعمال التخريب وسواها كانت كردية الاخراج،وأن يثبت كذلك هوية الذين نهبوا المحلات الأهلية وبيوت الأهالي في -الحسكة خصوصاً-، ووحاولوا اسقاط تمثال الرئيس في الحسكة، أن يسمي هؤلاء بأسمائهم إذا كان يمتلك الجرأة على قول الحقيقة وغيرها ، أما أنا فأستطيع تحديدهم حتى بأماكن سكناهم وحتى مهامهم المدنية والوظيفية، ويعرفهم غيري كذلك.وأريده أن يسأل حول ذلك إذا كان حريصاً على أمن البلاد، وليس أن -يهوبر- بالطريقة التي يعرف بها، وليبرز في هيئة الواشي أو كاتب تقارير من النوع الرديء لسلطته التي نعرف جيداً موقفه الفعلي منها؟ وسوف تكشف الأيام لاحقاً أكثر،من وراء هذه -العملية-، وهو يدرك جيداً من هم ذوو النفوذ وطبيعة علاقتهم بوظائفهم وبالدولة، ولماذا اختير الكرد بالذات-وفي القامشلي تحديداً-، كما كشف عن كثيرين سببوا أعمال تخريب وسلب ونهب في بغداد حتى قبل سقوطها الذريع من قبل رموزه وأزلامه.
لاأستغرب حديثه، عما سماه بـ-فتنة الخطاب الكردي-، فالكرد جلابو فتنة مذ وجدوا في عرفه. كنت أتمنى أن يتحدث عن أعمال تخريبية معينة مورست هنا وهناك ، عن مغرضين ومدسوسين-ومن داخل السلطة المحلية- ومن له مصلحة بإشعال نار الفتنة هذه المرة، عمَن يكون وراء حرائق دوائر ومراكز حكومية مختلفة، وكذلك محلات ودور سكن أهلية، ومن نهب من.-لم ينس أن يشير تحت وطأة تحامله على-الغوغاء الكرد في عمومهم--وللأسف-ً حتى إلى واجهة مكتبة اللواء، التي تعرضت لأضرار، حيث لم يحصل شيء من هذا هذا القبيل.لكن الربيعو أبى إلا أن تكون رواياته مأخوذة من الذين أرادوها فتنة ذات نسب كردي ليكون الرابح في النهاية ذا النسب العربي، وكل من يريد بلبلة أمن البلد.
نعم، كان هناك شعارات متطرفة، وتصرفات متطرفة من قبل بعض الأكراد، كان هناك أكراد مدفوعين مشبوهين بتصرفاتهم، أساؤوا إلى سواهم وإلى بني جلدتهم، وبسبب عنف المخطط الموجه من قبل رؤوس أرادتها فتنة-صدامية الهوية-، وآخرون كثردخلوا في النهر الهائج ليعيثوا فساداً وباسم الأكراد، وقد قبض عليهم. ولكن ألا يمكن التوقف عند الذين أطلقوا الرصاص على الجمهور الأعزَل،والذين ساندوا-جماهير الفلوجة- من الجهات المسؤولة، واللعبة المخططة، وليس اللعب الرياضي كما هو مبرمج؟ألا يمكن تقدير الموقف هنا، تخفيف مسؤولية من ثاروا وقاموا بأعمال شغب؟من سعى باسم هذا الطرف أو ذاك ، وحتى الآن والصيد في الماء العكر، وعلى أعلى المستويات، وفي مجتمع يدرك الربيعو بدقة لعبة السلطة ومن يمثلها محلياً قبل كل شيء، في التخطيط لفتنة تقضي على الجميع، سواء كان العربي أو السرياني أو الأرمني أو الكردي، وإن كان الحدث المفتعل صوَر بوصفه كردي المنشأ، وتم تكريد جمهور -قامشلو- رغم أنه لم يكن كردياً بكامله، ليجعل هو نفسه، وياللأسف، الصراع وكأنه عربي –كردي، وهذا ما سعت إليه الأطراف المخططة للعبة، والذين اندسوا من الأطراف كلها فيها، وأأنف على تسميتها، لأن الذين رسموا الفتنة-هذه الكلمة البغيضة تاريخياً والفاعلة والمفعَلة تاريخياً، حيث ألفت عنها كتاباً كاملاً صدرقبل أعوام عن شركة "الريس" هو -الفتنة المقدسة-، والتي تقضي على الفاعل والمفعول به معاً-، أرادوها هكذا:عربية –كردية، رغم وجود السريان والأرمن في المنطقة-البيت المشترك للجميع- رغم أنف الذين يتاجرون باسم هذا الطرف أو ذاك، حيث الصراع في الأساس له أبعاد سياسية واجتماعية ، لرموز السلطة الدور الكبير فيها، وهو يعلم جيداً ذلك، من خلال طبيعة كتابات له، وكم كنت أتمنى التركيز على هذا الجانب ومفعَلاته المختلفة.
فأين هو التنظيم المسبق؟ هل الربيعو يبصر عن بعد، أم أنه اختار الصورة المولفة الأكثرسواداً كما يريد هو؟
العبارة الوحيدة له عن الفتوة هي أن الفتوة كفريق كان-مثالاً للتندر وأعمال الشغب- وهذه هي العبارة اليتيمة التي يوردها عن الفتوة، ما عدا ذلك، فمرفوض في مدوَنته البداواتية، وأما ما تبقى فهو تعريض بالكرد، ومدى ارتباطهم بجهات خارجيةمشبوهة، فقط لأنهم هتفوا باسم بوش، وصاحوا هاتفين-عاشت عاشت كردستان- مقابل- بجي بجي كردستان- وليس كما ذهب الربيعوالذي لم يستسغ تعلم الكردية في حدها الأدنى، عندما كتب -بيجا بيجا كردستان- وتعني هذه-قل قل كردستان-، هكذا يكون الدس حتى على اللغة ذاتها، بوصف المستشهد عارفاً بها كأي كردي.وهذا يساوي كل ما تحدث به عن الخطاب الغوغائي القومي الكردي، والشعارات المضخمة، حيث لم يترك حسنة واحدة للكرد، ليوحي للقارىء-ليس على نمطه- فرصة التجاوب معه. الكرد صوَروا بوصفهم المؤامرة الأخطر على النطام هذا الذي ركَز على مدبَري فتنة من خارج المحافظة، وليس كما يزعم الربيعو، وأن لايد للكرد فيها-هل سيفند الربيعو النظام هنا؟-.أليس ما كتبه وكمثقف أكثر من باعث للفتنة في صورتها الصدامية السيئة الصيت؟ أهكذا يعرَف الربيعو بنفسه شاهد الحدث دون أن يري الحدث لقارئه، ولن يكون للحدث أي قيمة وثائقية حتى لو كان شاهد عيان فعلياً، لأن الصورة المولفة في ذهنه هي التي توجه الحدث.
ويبدوأن ما كتبه "جهاد الزين" عن الموضوع في الصفحة ذاتها أكثر عقلانية،إنها كتابة تستثير المناقشة بفاعلية مضمونها، يكون الزين الشاهد اللبناني، هو الأكثر قرباً من الحدث، ممن يجدر به أن يكون الأكثرقرباً، باعتباره -ابن البلد- والحريص علىالبلد، كما تفترض علاقات الانتماء المكانية،ثمة شراكة قوية في تلفيق الأحداث والوقائع بين الربيعو وآخرين معروفين بالصفة تلك كما في حال:مصطفى البكري، ومحمد المسفر، ومعن بشور، وميشيل كيلو..الخ، ولا أدري ما نوعية الغنائم أو المغانم المشاركة فيما بينهم ولا يغدو الحديث عن الأخوة العربية-الكردية، إلا حديث من يمنَ على الآخر، بأنه يقبل به كرم ضيافة منه، هو حديث يذكربإعلاميي صدام وأزلامه الذين كانوا يغيرون على الكرد بالحديد والنارويلملمون البعض منهم أزلاماً لأزلامهم ،ويسهبون في مناسبات متلفزةعن الأخوة العربية الكردية. أهكذا يريد الربيعو؟ أهكذا يكون حريصاً على الوحدة الوطنية ومفهوم الأخوة مجتمعياً؟أهكذا أيضاً تكون ممالأة السلطة أو مغازلتها وتحريضها على القتل واستئصال شأفة من يعتبرهم خطراً على أمن الدولة ، ومن قبل مثقف يدرك العلاقة بين مفهومي الأنا والآخر بالمعنى المجتمعي، وهو قارىء -معذبو الأرض- لـ"فانون"،وكتاب -أمريكا ومسألة الآخر- لـ"تودوروف"؟ ماذا يحدث لوأسند إلى السيد"تركي علي الربيعو" في هذا الظرف العصيب الذي تمر به سوريا اليوم، منصب وزير الداخلية؟ كيف سيحدد علاقته مع الأكراد كما يسميهم؟ كيف سيطبق مقولاته على أرض الواقع؟ثمة عنف دموي مرَوع يتخلل كتاباته هنا.نعم، ونعم مازال خطاب المثقف الصدامي قائما، رغم كراهيتي الشديدة لهذه العبارة، ولكن لا مفر منها نظراً لعمق الدلالة فيها فعلياً. لكن هل يفعل فعله؟

-----------------------------------------------------

فتنة المثقف الصدامي مجدداً:
"الربيعو" والدفع بالكرد عشائرياً2
أكثر ما لفت نظري فيما كتبه الربيعو في مقاله التالي -القبائل والعشائر الكردية في سوريا- صحيفة النهار،22آذار،2004، هو البعدالاستعلائي التعالمي على مادة موضوعه هو دونه مقاماً من الناحية الفكرية والنفسية، حيث يسعى إلى قبلنة وعشرنة الكرد في مجموعهم، لتحكيم السيطرة الثقافوية القسرية عليهم، بوصفهم غير مؤهلين لإدارة أنفسهم، بعيدين عن كل دعوى تخص المدنية أو الحياة السياسية التي يعرفون بها، في الوقت الذي ينطلق من صلب المظور القبلي المضاد،مؤكَداً تمثيله الذهني-المرضي بالتأكيد- من قبل آخرين، حين ينتقدهم، عندما يتعلق الوضع بالتناول النقدي التاريخي أو الأنتروبولوجي لمسائل لها علاقة به كعربي، باعتبارهم يقيَمون مادتهم من الخارج وفق منظور استشراقي متحامل، ولكنه يتماهى معهم كلياً وبصورة مختزلة مريعة، وهو يتحدث في موضوعات حافَة بالاشكاليات والحساسيات التاريخية والقيمية تخص الكرد الذين ينبذهم من داخل وعيه المشكوك في صدق ما يطرحه من أفكارحيوية تعنيهم على صعد شتى، ولم يسع يوماً إلى التعبير عما يريد كباحث فعلياً خارج عباءة القبيلة، فكما أنها تمارس الغزو هنا وهناك، وتعرف وتتباهى بالسلب بوصفه مغانم مشروعة، حيث تشهد الصحراء وتخومها تاريخياً على ذلك، هكذا يعرف في مجمل كتاباته التي تتجل في العمق سلباً ونهباً لهذه المقولة أو تلك، دون التفكير في البنية المعرفية أو المعتقدية للمصدر الذي يعتمده، طالما أن هذا يحقق –نفسياً على الأقل-ما ينشده، أي يستجيب لهواه-القبلي- سلوكياً.
والمقال الآنف الذكر-بدوره-يفصح بجلاء عما تقدم. إن وضع -غسان سلامة، وراندل، وسليم مطر، والعزاوي، و وصفي زكريا، وماكدول، وبطاطو، والجابري ..الخ- في سياق واحد، لا يشكل خطورة كارثية تفسد ذوقية النص المكتوب فقط، وإنما تترجم لسان حال الكاتب الذي لا يمتلك سوى في أن يحتمي بكتابات الآخرين-وليس الآخر، بالمعنى الفردي فقط-، ليعرَف بنفسه: الكاتب الباحث، وهو ليس سوى مزق الكتابات في اختلاف توجهاتها، وتفصح كذلك عن البنية النفسية والعقلية له بوصفه النقيض الفعلي للباحث في تمايز مفهومه لما يركَز عليه.إن أسوأ ما يهدد كاتباً ما هوتجاهل حساسية ما يكتبه بوصفه موضوعاً غير قابل للاختزال،خصوصاًحين يكون متعلقاً بمادة مختلف عليها أشد الاختلاف داخلاً-من قبل الذين يتعاملون مع الكرد باختلاف لغاتهم السائدة:العربية والتركية والفارسية، على الصعيد الرسمي، ومن جهة الكتاب الباحثين ممن ليسوا كرداً ومدى ارتباطهم بالمؤسسة الرسمية-وخارجاً-من قبل الدول التي تتعامل مع القضية الكردية وليس-المسألة الكردية، بتقزيمها- وفق مصالحها وأهوائها السياسية ومجموعة الكتاب الأجانب وتوجهاتهم المعتقدية المتأثرةبمؤسسات بحثية داعمة لهم أويعملون في ظلها، وهذا ما يعرفه الربيعو جيداً، وإن كان يتجاهل ذلك تحت تأثيرالموقف الرفضي لما هو كردي مختلف-.
مثلاً، يستعين مباشرة بـ"سلامة" الذي يشدد على الروح القبلية للكرد، ولكن الربيعو يتجاهل ذكر الجانب الموضوعي المرعب له، حيث يعارض ما يفكر فيه معتقدياً، عندما يشير "سلامة" إلى التحديات التي شكلتها الدول التي تقاسمت كرستان، وحاولت تمزيق وحدة الكرد-لقد شكل الأكراد مادة خصبة لبناء الامبراطوريات- وقوله قبل ذلك عن أن الأكراد -مقاتلون شرسون، وجيرانهم لن يقبلوا بسهولة بحقهم في تقرير مصيرهم، نظراً لما قد ينشأ عن ذلك من قضايا استراتيجية تصعب معالجتها وسط غرب آسيا، على سفوح جبال وعرة ، بالقرب من الاتحاد السوفياتي-، طبعاً عندما كان الاتحاد السوفياتي هذا، امبراطورية مترامية الأطراف، ينسى الربيعو-والصحيح:يتناسى عن خبث- ما أشار إليه سلامة بخصوص لجوء السلطة السورية في الستينيات ولاحقاً-طبعاً- -إلى تعريب عدد من المناطق في الجزيرة ذات الوجود الكردي الكثيف، خوفاً من تحوله في المستقبل إلى "اسرائيل ثانية" على حد تعبير مسؤولي تلك المرحلة -، وأنه من داخل الروح القبلية هذه والتي يريد الربيعواللاقبلي-وياللسخرية- "ذمها"، برزت ثورات أعطت مداً قومياً، وتجلت القبيلة كمفهوم ،إطاراً شكلياً بالكاد يتم تلمسه، كما في حال شخصية"الملا مصطفى البرزاني" حيث أن الذين التفَوا وما زالوا يلتفون حوله غير مرتبطين بانتماءات قبلية على طول الخط، كما يقال،، طالماأن هناك امتداداً جغرافياً وديموغرافياً واسع المدى لثورته بأكثر من معنى حتى الآن، حتى خارج مناطق سكنى الكرد. وكذلك الحال بالنسبة لعدد السكان الكرد، فهو يمثل هنا الاتجاه الأكثرتجاهلاً لحقيقتهم العددية، ملبياً نداء السلطوي المضاد الذي يعتم عليهم، بوصفهم محدودين عدداً وتواجداً وأماكن سكنى، ومحصورين بالتالي قوة وشأناً، فـسلامة، يحددهم بـ-750- ألفاً، ومنذ عشرين عاما،ودون أن نناقش سلامة في مصدره والبعد المعرفي والثقافي له. وفي ضوء ذلك، لايبرز تجني الربيعو فقط على الحقيقة وإنما يبرز غباؤه-أقول ذلك تعبيراً عن بؤس نظرته إلى الكردي الذي يشغل عليه تفكيره كثيراً، خصوصاً في الآونة الأخيرة-، كأنهم طوال هذه الفترة لم يشهدوا زيادة شخص واحد-تصوروا مهزلة الأعرابي ربع المتمدين!-، ويغض النظر عن السياسة الإعلامية والقمعية بخصوص تقزيم السلطة المحلية لعددهم لأسباب يعرفها هو نفسه، حيث أشار إلى الجانب هذا في أكثر من مقال قبل سنوات-أي لعبة السلطة في إدارة العنف الاجتماعي-، فكيف يكون الموقف من الكرد إذاً؟ كيف الحديث عن أكثر من مئتي ألف كردياً ممن لم يشملهم الاحصاء سنة 1962؟ وهذا ينطبق على استشهاده المغرض تماماً بـ"راندل"، مكتفياً أكثر من مرة، بما جاء كعنوان في الفصل الأول من كتابه المعروف-كردستان، أرض الألف ثورة والألف حسرة-، الربيعو يدير العنوان في مواجهة الكرد بوصفهم عاجزين عن مواجهة أنفسهم لقبليتهم المفترضة، وضرورة الاتعاظ، بينما راندل يتحدث عن الوضع المأساوي للكرد وكيف يتم النيل منهم،ينسى ما قاله راندل في صفحة"25" مثلاً- في ظل عدم وجود دولة كردية، وفي ظل هذا السجل الحافل بالانتفاضات المقموعة دوماً، فإن مجرد استمرار وجود معظم الأكراد في رقعة جغرافية متواصلة إلى حد ما، كإثنية متميزة، يعتبر أمراً استثنائياً ولافتاً للنظر.-، والربيعو ليس بوسعه تناول موضوع الفصل السابع من الكتاب مثلاً والموسوم بـ-علي الكيماوي-، لأن ذلك ينال من شرف قدوته في سفك دماء الكرد وكيفية تصفيتهم بمختلف الطرق ، أي صدام حسين وزبانيته في الطغيان ..يتحدث عن العقل السياسي الكردي كامتداد للعقل السياسي العربي وفق التوليف السيء الذي انتهى إليه "الجابري" دون النظر في الاختلاف الفارقي بين القاهر والمقهور، بين نظرة أولي الأمر في الدولة العربية الاسلامية في توجههم العروبي الاستعلائي والذين يمثلون قئات أخرى ليست عربية، كما في حال الموالي،وفي الدولة الأموية بالذات كمثال حي لحالة الغطرسة العربية في التعامل مع الآخرين وتضئيل شأنهم-انظركتابه"العقل السياسي العربي"، ص:244مثلاً-، التجلي القبلي الأموي هو الذي أدى إلى سقوط الدولة الأموية العروبية الطابع، وحديثاً يسعى الكرد إلى اختراق حالة الحصار التاريخية والقمعية المفروضة عليهم بأشكال شتى من الجهات الأربع ، بطرق شتى بالمقابل.
يتعامل الربيعو مع المفاهيم المعتمدة لبناء المادة البحثية كعادة الأعرابي في غزو الآخرين-وللأسف- بمنتهى السذاجة والديماغوجية، حيث يلفق أفكاراً تنتمي إلى كتاب ذوي اتجاهات فكرية مختلفة، مأخوذاً بسطوة فكرة راهنية-حدثية- تتحكم به، هي :كيف يمكن تقديم الصورة المولَفة و الأكثرظلامية عن الكرد حاضراً، في ضوء أحداث القامشلي الأخيرة، غافلاً تماماً عن الظلامية الفعلية المتمثلة في الذين قدموا إلى المنطقة لتلغيمها وجعل الكرد كبش فداء أزماتهم، أو لتخفيف أزمتهم العاصفة بهم-على طريقة "رينيه جيرار" هذه المرة، حيث يعرفه جيداً، في كتابه:العغنف والمقدس-وهو شريك المستقدم الصدامي المعنوي، والذين ساندوهم ، وعلى أعلى مستوى، والذين تسلحوا على أيديهم بوصفهم هذه المرة-ميليشيات بدوية تماماً- حيث أرادوها حرباً انتقامياً لروح صدام العتيد، غير أن السلطات المحلية، تقديرأ للنتائج الوخيمة التي يمكن أن تهددها بالذات ردعتهم-وعلى المخلص للروح القبلية السيئة الصيت هنا أن يسأل هذه المرة-، وغافلاً عن أن قبيلة "شمر" الأكثر وعياً وطنياً وانسانياً كان لها الدور الأكبر في منع الصدام، كون ما حصل لم يكن صراعاً عربياً –كردياً، أو بالعكس، كما تشاء مخيلته المريضة حتى النخاع تصوير ذلك، أو زعمه في الوسط البيروتي ، وفي أمكنة محددة طبعاً، بوصفه جهينة القامشلي, وليبرز الكرد مجموعة قبائل تداعت أو تنادت، هكذا دفعة واحدة لتعيث فساداً في المدينة وسواها، وكأنها-هجمة أكراد- ، وهذه المرة ليجعل الصراع بين بدو عرب ، وإن لم يسمهم، وبدو أكراد، وإن لم يفصل، ورغم أنف "ابن خلدون" بالمقابل.
عسف التعامل مع المفاهيم، هو الذي يقود الربيعو إلى الحديث عن بنية القبيلة الكردية، وبؤس الكرد في دراساتهم عن القبيلة الكردية،والفقر الثقافي للآنتلجنسيا الكردية ذات الانتماء الماركسي عموماً، وكأنه قدم المنتظرفي المجال هذا، من خلال عدة مقالات، على طريقة، -كمايقول"بياركلاستر"أو كمايرى" شتراوس"أووفق "ايفانز بريشارد"، أو كما يلاحظ"جورج بالاندييه""...عائلته الأنتروبولوجية المقدسة في استلهاماته المبتدعة لفهم لغز قبيلته وعشيرته ضمناً، وبطريقة استعراضية، عندما يكون "كلاستر" معتمراً شماخاً ناطقاً بلهجة أعرابيَه في مادته، أهكذا يكون متقدماً على ما عداه :عرباً وسواهم؟-.هكذا يقود تعسف مفهومي إلى آخر.فالكرد، ودون نفي الانتماء القبلي في وسطهم، ولأنهم ممزقون اجتماعياً وقومياً وديموغرافياً، عرفوا بتنظيماتهم وأحزابهم السياسية منذ عقودزمنية طويلة، وتعرض الكثير من رموزهم للسجن والتعذيب والموت،وليس أدل على ذلك من أن الذين اعتقلوا عشوائياً، أو على الهوية في مختلف المدن السورية، كانوا خارج معطف القبيلة الموبوء الذي يتنفس داخله كاتبنا، وأن الهبَة النصف المليونية وحدها في القامشلي يوم السبت في 13 آذاراحتجاجاً على التنكيل المدبر ضدهم، لم تكن عشائرية أو قبلية، تلك الهبة التي أرعبته وهو على بعد ألف كيلومتراً، كما يستنتج من كلامه..
ولهذايركز الكتاب الكرد على هموم قومية سواء في انتماءاتهم الحزبيةأو خارج الإطار التنظيمي الحزبي ، دون نسيان النقد الموجه إلى العلاقات القبلية المعتمدة أحياناً داخل الحزب وخارجه، وهنا يمكن القول أن الفرق كبير جداً بين خاصية القبيلة عربياً ،وفي المنطقة بالذات، وخاصية القبيلة كردياً، وموقع المثقف داخلها.
لا قيمة اطلاقاً للمثقف في المنظور الاعتباري العربي المحكوم حتى النخاع أيضاً بسطوة القبيلة، وأتحدى الربيعو إذا استطاع أن يثبت لي أن صوته مسموع، حتى لو همساً، داخل عشيرته،وليس قبيلته، كما أعرف ذلك عن قرب، إن اخلاصه لعشيرته كدين رمزي،و كابن لايكبر أبداً وكتابع هو الذي دفع به إلى كتابة أكثر من مقال تمجيداً لها ليس إلا، خلاف ما يجري في الوسط الكردي بحكم الوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي للكرد. وهنا بامكاني الحديث عن الدورالكبير والخطير الذي مارسته الدولة في التعامل مع القبيلة بالذات محلياً، وبشكل صارخ.كان بامكانه هنا، أن يجري مقابلة، ومن باب المقارنة مثلاً، بين الحراك الاجتماسي لكل من القبيلة العربية والكردية، يبحث في طرق التواصل الاجتماعي بينهما كالمصاهرة مثلاً،النتيجة تكون هنا مشجعة، ولكن ذلك يصدم توجهاته التي ارتضاها لنفسه، وفي هذا الوقت العصيب، بالنسبة له بالذات.
في النظام الداخلي لحزب البعث، يعرَف به بأنه ضد العشائرية والطائفية وغيرها، هذا ما تجلى في البدايات، ولهذا كان انخراط الأعداد الكبيرة من العشائر العربية التي تفككت عراها من جهة الالتفاف حول الزعيم ،- ليس بدافع المدنية، وإنمالممارسات سلطوية وإغراءات مبذولة من قبلها: مناصبية، وتحافظ في الوقت نفسه على الانتماء القبلي- في صفوف حزب البعث بوصفه حزباً عروبياً في الصميم، الدليل الدامغ على المفارقة الكامنة في الحزب وتوجهه السياسي السلطوي،عدا عن اندفاع أعداد كبيرة من هؤلاء في الجانب الأمني -أمن الدولة بالتحديد- تعبيراً عن عقدة السيطرة والنفوذ السلطويين، وأستثني هنا قبيلة شمر التي حافظت على الكثير من هيبتها كقبيلة ممتدة في المكان إلى ماوراء الحدود السورية، وتجلت مكانة شيخ القبيلة بالذات من خلال كلمته المسموعة حتى داخل الدولة، ولهذ ركز قبل عدة أسابيع، وعبر قناة -الجزيرة- في برنامج -الاتجاه المعاكس- على أن شيخ القبيلة وليس المثقف هو القادر على الاستقطاب الاجتماعي وليس المثقف، معيداً ما قاله حول ذلك قبل سنوات، وهو بذلك ينطلق من مركزه القيمي وسلطته الرمزية داخل قبيلته، وهذا لا ينطبق على سواه،وفي قبيلة أخرى، وعلى الربيعو أن يسأل-وأعتقد أنه يعلم جيداً- من هم الذين طلبوا، في انتماءاتهم العشائرية العربية من الدولة السلاح لمواجهة الكرد العزل،ومارسوا نهباً وسلباً لهم في المحافظة، من جهة المكانة العشائرية لهم عند الدولة، وأن يستعيد -فعلة صدام الشينة في التعامل مع القبائل والعشائرفي العراق وتلويث المجتمع العراقي بشعاراته القوماوية، وتفكيك المدينة لجعل الخيمة بكل دلالاتها السلبية هي مضارب بني صدام بامتياز، ذاك الذي كان يقول عن أن العشائرية لا تتناقض مع الديمقراطية، وهذا هو الربيعو نجله الرمزي مسكون بصداه-.
وضع الكرد يختلف كلياً، إذ أن تعرضهم للاضطهاد القومي والاجتماعي والانساني-عدم تجنيس المئات منهم كحق من حقوقهم المشروعة، عدم توظيفهم، مضايقتهم في الوظائف إذا تكلموا بلغتهم،أومنعهم من ممارسة أبسط الحقوق الثقافية لهم،فالأجهزة الاعلامية السورية يمكنها أن تقدم برامج وملفات عن أداب شعوب مختلفة ، إلا الكرد، وهذا ينطبق حتى على اتحاد الكتاب العرب، عبر مجلتيه الرسميتين:الآداب الأجنبية، والموقف الأدبي، إذ لم يسبق أن سمح بنشر دراسة عن رمز من رموزأدبهم أو ثقافتهم، أو ترجمة عربية له، هذا ممنوع، لابل إن اسم سليم بركات محظور تناوله وتداوله في الوسط الآعلامي والثقافي والأدبي العربي السوري الرسمي، ولا تقبل أي دراسة جامعية عنه، لأن ثمة قراراً سياسياً، والصحيح أمنياً يحظَر ذلك، هناك التضييق على الكرد، وهم يرشحون أنفسهم لنتخابا ت مجلس الشعب، أو وهم يسجلون ممتلكاتهم، التأكد من المواليد الجدد أمنياً، ومن أسمائهم إذا كانت كردية، فالكثيرون يحتفظون باسمين :كردي، وعربي مفروض عليهم، مثلاًأحدهم اسمه"برزان" وعربياً في الهوية"خيزران" وواحدة اسمها"كليستان " وبالمقابل "عروبة" ..الخ، التهم جاهزة لطرد أي كان، مهما علت رتبته ودوره الاجتماعيان، حتى لوكان أحدهم منخرطاً في حزب البعث، يسجل إلى جانبه اسم :كردي، أليست هذه مفارقة ؟..الخ-،تعرضهم للاضطهاد هذا هو الذي دفعهم للانخراط في صفوف أحزاب مختلفة كردية، وحتى الجزب الشيوعي السوري ينظر إليه بوصفه حزباً كردياً، والدولة سعت جاهدة عبر فروعها ,وأقسامها الأمنية إلى ملاحقتهم، ومحاولة تهميشهم، وتعزيز قيم العشيرة، لأن ذلك يضيق الخناق على الوعي القومي الكردي العام، ويروَج هنا وهناك،بأن المسؤول الحزبي الكردي هذا أو ذاك، مرتبط بالعشيرة، أولايلتفت إليه إلا لأنه ينتمي إلى هذه العشيرة أوتلك للتقليل من شأنه،وهذه الحالة موجودة، ولكن ليس كما تمارس دعاية-أمنية- ضده. وبعد أحداث سبعينيات القرن الآفل، تم تركيز السلطات الأمنية على العشائرية وقيمها، والكرد كانوا-ولازالوا-هم المستهدفين،ويلبلة الصف الكردي باطلاق إشاعات أمنية،عبرأشخاص مرتبطين بالسلطات الأمنية،أكراداً وسواهم،للنيل من هذه الشخصية الكردية أو تلك ، سياسة معتمدة في الدولة محلياً وعلى أعلى المستويات، لا بل إن ذلك تجلى بوضوح سافر عقب الأحداث الأخيرة، فرموز السلطة ركزوا على رموز عشائرية ووجاهية في المجتمع، وسعوا قدر مستطاعهم إلى تهميش ممثلي الحركات السياسية الكردية، وحتى مثقفيهم، وفق خطة مدروسة، لارجاع الكرد إلى سابق عهدهم عشائرياً، وبرزت محاولات المصالحة المجتمعية على هذا الأساس، لأن العرب لايعرفون الحياة السياسية في الغالب الأعم خارج الخانة الرسمية، إنماالقبيلة هي التي تحكم ، وحزب البعث كان محاولة لربطهم بالدولة ليس إلا، ولهذاأبت رموزهم العشائرية الجلوس مع الكرد عبر رموزهم السياسية، إلا بوصفهم منتمين إلى عشائر، أو كانوا نواباً برلمانيين ذات يوم، وهذا الإجراء له آثار سلبية طويلة المدى لاحقاً على الكرد.كل ذلك لا يدركه الربيعو ، أو يعمى عنه.- يمكنني مواجهته بمثال حي، ومؤسف حقاً، بخصوص البعد الاجتماعي الضيق للقبيلة عربياً، يتعلق بطريقة قتل نسيب له-غير محسوب عربياً طبعاً-، في الصيف الفائت، على أيدي أفراد مدفوعين برابطة العشيرة، في المدينة ، وفي وضح النهار، وفي مشهد مرعب، من خلال أدوات القتل-الذبح عنهم- المعتمدة، أقول ذلك ، ليس للتشفي، وإنما للتذكير بمرجعيته القبلية، ويبدو أنه في الحالات هذه يعيش وهن ذاكرة زمكانية حادة-.
وهذا ينطبق على الموقف من الكرد في تحركاتهم الجغرافية، إذ أنه-وكما يحلو له خياله الشقي-يحركهم وكأن الواقع هو هكذا. فهو يتحدث عن تكريد المدن والمناطق المشار إليها، هكذا ببساطة، كما يقول ممثل السلطة الأكثرانكاراً لوجودهم،ترى من أين قدموا، وهل طردوا السكان-الأصلاء-؟ أم أن الهجرة في المحيط الجغرافي الذي يخصهم إلى جانب آخرين، عملية طبيعية؟-ببساطة لامتناهية، لاينسى الربيعو أن يقدم معروفاً للمسيحيين والأرمن-هكذا يكتب، كأن الأرمني غير المسيحي، ولماذا لا يسمي المسيحي حيث الاعتبار قومياً؟-، وموقفه الرفضي في الحقيقة معروف بالمقابل، في مقالات مختلفة له، لكن لابأس من تزكيتهم نكاية بالكرد، ولو إلى حين، فيعتبرهم-السكان الأصليين-، فهل كان الكرد الطارئين؟ ألم تخضع الهجرات لاعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية؟ وهل كانت الأرض مطوَبةباسم هذا أو ذاك؟ ترى هل يستطيع الربيعوبجلالة قدر ذاكرته التاريخية ، أن يسمي الذين سكنوا القامشلي أولاً، أين ذكر اليهود مثلاً، وقد كانوا في القامشلي منذ بداياتها؟
لا يتحدث الربيعو عن الحزام العربي، وكيفية جلب عشرات الألوف من العرب من الرقة وحلب إلى الشريط الحدودي التركي السوري راهناً، علىامتداد -350كم- وعمق عشرة كيلومترات، وطرد السكان الكرد أو حرمانهم من أراضيهم الزراعية هم وغيرهم، ودعم المستقدمين بكافة وسائل الحياة المدنية، وحتى امدادهم بالسلاح،لمواجهة الكرد-الغاصبين طبعاً- والعزل، والتأكيد على أكثرالتصورات شوفينية لبث العداوة في نفوسهم، وتهجير الكرد بطرق شتى.
في هذه الحالة ينضم كاتبنا الانساني الانتروبولوجي الحصيف إلى القافلة الأكثرسوءاً في رسم صورة الكرد، وكيفية التعامل معهم على أساسها، ممثلة في شخص-محمد طلب هلال، اسماعيل العرفي، غازي عبدالغفور..الخ-، الذين دعوا إلى ممارسات كل السبل للتخلص من هذا العنصر الطارىء على التاريخ:الكرد.
تبدو صورة الكردي قاتمة، كما هو متوقع، في واعية الربيعو، وهو يتحدث عن الأحياء الهامشية الكردية وبشكل جلي، ينسى القهر المبذول فيهم، وتوزعهم في المدن الكبيرة للعمل، وحتى للهجرة خارجاً ، كان عليه أن يقارن، لو امتلك الجرأة في قول الحقيقة، على الحزام السكاني البائس المحيط بالمدينة، كأي مدينة كانت، ترى ما الفرق بين حي -طي- العربي جنوب شرق القامشلي، وحيي -العنترية، والهلالية-شرقيها وغربيها الكرديين، وحي -بنغلادش- ذي الأغلبية الكردية، جنوب غرب القامشلي، في اسمه الطريف، لأنه عمَربالقوة من قبل الأهالي؟
حزام الفقرهو القاسم المشترك، لكنه لا يجرؤ على النطق بحقيقةكهذه، على التضاد أن يبقى
وأغرب ما فيه ، حديثه عن المثقف الكردي، عن المتعلمين، فالكرد كانوا السباقين في الاقبال على التعليم لأسباب تخص وضعهم الاجتماعي، وفي مزاولة مهن تتطلب تعليماً وشهادات جامعية ، إلى جانب السريان والأرمن، وهذاما يعلمه جيداً كذلك،ورغم ذلك يمارس وصائية في تقييم الكردي عشائرياً واجتماعياً، يحدد العشائر الكردية ، وفي هذا الظرف بالذات في ضوء التحولا ت الجارية في المنطقة-في العراق خصوصاً-، وأعتقد أن يوم -8آذار-يوم توقيع قانون الإدارة المؤقت هو حداد رسمي في حياته، من الآن ولاحقاً، وأن ماجرى في -12آذار- هولحظة رعب تملكته من الداخل، حيث الكرد قاوموامن داهموهم مسلحين في عقر دارهم، ورأى ما رأى عبرشاشات التلفزيون، كيف تكون مقاومة الطغيان والاستبداد من قبل متآمرين على الدولة ذاتها،وهاهو يكتب-لمن ياترى؟- معبراً عن انتقام رمزي-لمن وضد من؟- من خلال مراجع نقل عنها على غير هدى،كما في الحديث عن-الذات الكردية الجريحة- نقلاً عن"سليم مطر" الصدامي المنبت، وإن لم يصرح بذلك، وكماجاء ذلك في كتابه الفضيحة-جدل الهويات-، وهو يقدم نفسه مفكراًببارونائية فارطة،متداخلاً معه ومتقمصاً إياه-ترى لماذا لايتحدث عن ذاته العروبوية الصدامية الذبيحة بالمقابل؟-، وكما في حديثه عن -طلائع الأكراد المساكين- نقلاً-هذه المرة- عن "بطاطو"مسيئاً إليه من جهة توظيف المادة، معبراًعن هزء واضح بالكرد، حين يتحدث عن كيفية -تسللهم- إلى المدينة، شاكاً في أصول البعض منهم، ومن جهة ضعفهم كـ"الأومريان" ..الخ.لاحظ مدى الدلالة اللصوصية في كلمة-تسللهم- كأن أرضه التي تحمل اسمه استباحت، وهو هنا يخلص للمفردة جيداًتاريخياً في بعدها الأعرابي،ويشي بتحامله على الكرد، كما في حديث عن العشيرة المذكورة، ولا أدري من أي جهة استخباراتية تدقق في الأنساب الكردية حصل على معلومته-العلمية-تلك.
بهذه الطريقة يكون الربيعو قد أكداخلاصه للذين تهمهم معلومات مغلوطة تماماً عمن يحاول تمثيلهم، كما كانت علاقته معي، عندما صدر كتابي-صورة الأكراد عربياً بعد حرب الخليج- في بيروت1992، وقد انتقدت كتاباً عرباً وإعلاميين لموقفهم السلبي من الكرد كشعب،راح ينمَي صورة الكاتب الكردي المعادي للدولة ومن يعمل باسمها في العاصمة وغيرها، وتكرر ذلك إثر صدور كتابي-الجنس في القرآن-لندن 1994، قدمني الكاتب الكردي المحض في المعاداة هذه المرة للعروبة والاسلام،ومارس الدعاية الأكثررخصاً لدى من تهمه أخبارمبتذلة كهذه ، ولم يفلح، وهو يحاول جاهداً نقل الصورة الأكثر بؤساً وسلبية عني بوصفي كردياً، يتستر على كرديته ، لدى"رياض الريس" الذي نشر مجموعة من كتبي، حيث لم أكن يوماً معنياً بالانتماء القومي كعقدة كما هي حاله، ولم أتاجر بها، أو أتشدق بها استعراضياً، طالما أن الوضع لا يستدعي ذلك، وعلىهذا الأساس يعرفني أصحاب الشأن الثقافي ممن أقيم معهم علاقات ثقافية، عبر قضايا مشتركة، و"الياس لحود" ليحاول منعه من نشر مقالاتي في مجلته-كتابات معاصرة-،و"رضوان السيد" عبر مجلته -الاجتهاد- ولنفوذه السياسي والديني، ولم يفلح في مهمته الأعرابية هذه أيضاً ، ولا في تقديمي بالصورة الأكثر لاأخلاقية ،وهو يكتب عن مؤلفي الذي نشرته شركة رياض الريس-المتعة المحظورة- بيروت 2000،حيث حرمت على إثرها من زيارة لبنان سنة كاملة،وها هو الآن يسعى جاهداً إلى النيل من شعب كامل، لعل في ذلك مكسباً رخيصاً يليق بدوره اللاثقافي طبعاً.
أقول أخيراً:الحاج "تركي علي الربيعو" كما يعرف الآن-ولاأدري ماذا استهدف بحجه ذاك؟-، نشر سنة 1995كتاباً في بيروت تحت عنوان-أزمة الخطاب التقدمي العربي:الخطاب الماركسي نموذجاً-، المفارقة هنا ، أن الخطاب الماركسي كان الأقل حضوراً من جهة الممارسة السياسية الرسمية عربياً، ولكن-وكما يبدو- كان مطلوباً منه، وكما ارتضى لنفسه، لينال حظوة لدى هذه الجهة أو تلك، لها موقف سلبي من الخطاب المذكور، إذ لماذا لم يختر -الخطاب الناصري- وله تاريخه ورصيده الرمزي والسياسي حتى الآن؟لماذا لم يختر-الخطاب الاسلامي- الواسع الانتشار:سلطوياً وسياسياً وتنظيمياً؟ لا شك أن -مصالحه- كانت ستتعرض للزلزلة، خصوصاً وأنه يكتب في منابر ثقافية تكفيه-أكل عيشه-طالما استمر على نهجه ذاك-وفي السعودية تحديداً قبل غيرها-؟ لماذا لم يختر-الخطاب البعثي- حيث يقيم، وثمة تاريخ سياسي وسلطوي ثري، يدعم مادته هذه؟لا شك أن ذلك يواجهه بمن لا يريد توجيه نقد مباشر لهم، فالبعث حتى في سلبياته المختلفة، وخاصة في أدبياته العفلقية، يبقى مهماً بالنسبة إليه، طالما أن صفة العروبة هي علامته اللافتة
لكن المفارقة، هي أن الربيعو مازال مسكوناً بحمى الماركسية، ولو بشكل مشوه، حيث "عبدالله العروي" العربي الماركسياني ، كما هو معروف،هو الأكثر اعتماداً لديه واستشهادا لهً به، لا شك أن العروي ينتقد الماركسية في نسختها العربية، وهذا ما يثير الربيعو، إنما يبقى العروي في النهاية ماركسياً، وهذا ما لاينتبه إليه.
احفروا ذهن الربيعو: تجدوا العروي لابساً شماخاً وعقالاً، وجلباباً يعلو الركبة.هذا الوصف ربما يعلوه مقاماً.
ترى ماذا بقي أمامه ليكتب بعد كل هذه الفضائح التي ينتشي بها؟
رغم كل ذلك، أقول له:سلاماً لابن البلد، وليس ابن القبيلة أو العشيرة!
باحث من سوريا*
الحوار الوطني الشامل هو المدخل الأساس للمعالجة الموضوعية الجادة
د. عبدالباسط سيدا
19/3/2004
يبدو أن السلطة السورية مصممة على معالجة مسائل الوطن والمواطن بالعقلية الأمنية التقليدية ذاتها التي باتت وبالاً على الناس، تنغّص حياتهم، وتتدخل في كل شاردة وواردة، حتى أوصلت البلاد إلى طريق مسدود. كما أن السلطة نفسها لاتتورع عن الاتفاق مع من كان، وتقديم كافة التسهيلات للخارج - الذي تدّعي التخوّف منه- في سبيل أن يمكّنها من تطويع الداخل، ولجمه بالقوة إلى إشعار آخر.
إن هذه السلطة التي توزع الظلم على المجتمع بأسره، عرباً وأكراداً وسرياناً وغيرهم من مكّونات المجتمع السوري، قد عزمت أمرها على اتخاذ الأكراد كبش فداء تتطهّر به، وتحمّله وزر الإخفاقات المزمنة التي تنوء تحت عبئها. ولعل الأحداث الأخيرة التي شهدتها المناطق الكردية - تلك الأحداث التي كانت حصيلة الإفتعال المخطط له من قبل المسؤولين الرسميين في محافظة الحسكة، ومدينة القامشلي تحديداً، بضوء أخضر فوقي - تؤكد مدى حرص السلطة السورية على استخدام الورقة الكردية بقصد المصادرة على الإستحقاقات القادمة، وتوجيه انظار المجتمع السوري نحو خطر مزعوم، يكون مسوّغا لوأد مطالبات الناس الملحة بالديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية وقانون الطوارىء، وغير ذلك من إصلاحات لاتتحملها ذهنية المسؤولين الأمنيين الذين يديرون اللعبة من وراء الستار.
فما جرى في ملعب مدينة القامشلي وخارجه، وما رافق كل ذلك من تداعيات، كان بتخطيط من السلطة السورية بهدف إيقاع الأكراد في الشرك الذي كانت قد أعدته لهم... هذا مع علمها الأكيد بعدم وجود أي استعداد مسبق لدى الطرف الكردي لمواجهة المستجدات.. والتحليل الهادىء الموضوعي لسير الأحداث، يبين أن المسؤولين الأمنيين السوريين كانوا يدركون تماما أن حالات الكبت، والشد، والتجاذب، والتشنج السائدة في المنطقة، ستكون كفيلة بإنفجارات غير محسوبة العواقب، بل هناك مؤشرات عدة تؤكد أن بعض المقربين من السلطة نفسها كانت وراء عمليات تدمير الممتلكات العامة، والإقدام على بعض الأعمال التي لاتنسجم مع البرامج والممارسات التي اعتمدتها الحركة السياسية الكردية في سورية منذ انطلاقتها المعاصرة عام 1957. لذلك كانت الدعوة ومازالت إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة، تشارك فيها قوى المعارضة السورية، ومنظمات حقوق الإنسان، إلى جانب أنصار المجتمع المدني والصحافيين والمحامين والقضاة المستقلين.
إن السلطة السورية تدرك تماما أن الشعب الكردي في سورية يمثل طاقة لايستهان بالنسبة إلى المعارضة الوطنية السورية، لذلك كانت الأحداث الأخيرة بالنسبة لها، اداة أوجدتها كي تتكأ عليها، من أجل إحداث شرخ بين القوى الديمقراطية العربية وتلك الكردية، كي تستفرد بهذه الأخيرة، تمهيدا لتصفية الحساب مع الاولى ، خاصة بعد تنامي حالات الاحتجاج، وبلوغ الأمر بالقوى الديمقراطية العربية نفسها إلى الدعوة من أجل التظاهر، والاعتصام أمام البرلمان السوري، وأمام السفارات السورية في الخارج، الأمر الذي لم ولن تستسيغه سلطة البعث التي أعلنت نفسها بقوة دستور مفروض قائدة للدولة والمجتمع، ويشار في هذا السياق إلى اعتقال أكثم نعيسة، هذا الاعتقال المدان شأنه في ذلك شأن أعتقال جميع سجناء الرأي في سورية بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية أو السياسية او الدينية.
ولعل الجزء الأخطر والأقذر في اللعبة التي اصطنعتها السلطة يتشخص في سعيها غير المحمود في سبيل الإيقاع بين العرب والأكراد. ومحاولة خلق انطباع زائف فحواه أن ما جرى كان حصيلة خلاف أو تعصب قومي بين العرب والأكراد. وهناك دلائل تؤكد أن المسؤولين الرسميين أنفسهم قد دفعوا الأمور في هذا الاتجاه، وذلك من خلال تحريك بعض المقربين من السلطة، ومدهم بالسلاح والحماية الأمنية. لكن القوى العاقلة العربية والكردية والسريانية وغيرها من التي تعد جزءا لايتجزأ من المجتمع السوري العام، كانت بالمرصاد لهذه المحاولة الخبيثة، وأكدت أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق السلطة نفسها. فهي التي أوصلت الأمور إلى حافة الإنفجار، وهي التي كانت وما زالت تتنكر لحقوق الشعب الكردي منذ استلام الحكم في سورية قبل أكثر من أربعين عاما. وهي التي تمارس جميع أشكال الاضطهاد ضد هذا الشعب على مختلف المستويات.
إن ما تقدم عليه السلطة السورية راهنا في المناطق الكردية من اعتقالات وتعذيب وترهيب وتجاوزات، إنما يشكل في حقيقة الأمر درسا تريد السلطة أن تلقن المعارضة السورية به، المعارضة بأكملها، والعربية منها على وجه التحديد. لذلك فإن الواجب الوطني والديمقراطي والإنساني، يلزم سائر القوى بضرورة تحمّل المسؤولية، والإعلان عن الموقف الصريح، والتضامن مع الشعب الكردي الضحية. هذا الشعب الذي عانى ويعاني الأمرين من ظلم مركّب. ظلم عام يسري على الجميع، وآخر خاص يتعرض له نتيجة الانتماء القومي.
لقد قيل مرارا أن الموقف السليم من قضية الشعب الكردي في سورية يعد مقياس مصداقية الطروحات المطالبة بالاصلاح والديمقراطية في سورية. وذلك على اعتبار أن هذا الشعب يمثل الحلقة الأضعف في سياق خارطة التوازنات السورية. واليوم تتضح صحة وجهة النظر هذه أكثر من اي وقت مضى. لذلك لابد من التوجه مجددا في هذا السياق إلى أصحاب الضمائر الحية من السياسيين والمثقفين، وأنصار حقوق الإنسان والمجتمع المدني في سورية، ودعوتهم إلى الإسهام الفاعل في حل الموضوع، ولابد لكل طرف من تحمل مسؤولياته التاريخية التي ينبغي أن تسمو إلى مستوى تحديات الوضع المعقد الذي تعيشه المنطقة باكملها ومن ضمنها سورية.
لقد كان الأكراد وما زالوا يعتبرون أنفسهم جزءا من النسيج الوطني السوري، وهم بالفعل كذلك، لكنهم في المقابل يلحفون على حقهم المشروع في تمسكهم بخصوصيتهم القومية كشعب. هذه الخصوصية التي لم وتكون بالنسبة إلى الأكراد أ والسريان، أوسائر مكونات المجتمع السوري عامل تهديد أو إاضعاف للوحدة الوطنية. بل على النقيض من ذلك، يعد الاقرار بهذه الخصوصية، والتعامل معها بنفس ديمقراطي يحترم التنوع والاختلاف، عامل قوة وإغناء للوحدة الوطنية التي ينبغي أن تكون فوق الجميع ولصالح الجميع. لا لصالح مجموعة اختزلت القومية والوطنية في ذاتها، وباتت تتعامل مع الناس كرعايا، تلزمهم بواجب المبايعة والمباركة.
إن حملة الاعتقالات العشوائية المكثفة التي تقدم عليها الأجهزة الأمنية في المناطق الكردية، إلى جانب أساليب التعذيب الوحشي التي تمارس بحق المعتقلين، لن تخدم الوحدة الوطنية، بل تحدث فيها شروخا وجروحا لن تندمل بسرعة. إن ما يجري هذه الأيام في المناطق الكردية في سورية يتنافى مع القيم والمعايير الانسانية السائدة في عالمنا المعاصر. يتناقض مع مختلف الاتفاقيات الدولية الخاصة بضرورة حماية حقوق الانسان كإنسان قبل أي شىء آخر. تلك الاتفاقيات التي وقعت سورية نفسها عليها. ومن هنا فإننا نؤكد مرة أخرى أن الواجب الوطني يلزم سائر القوى الديمقراطية في المجتمع السوري على اختلاف انتماءاتهاالقومية والسياسية والدينية بضرورة رفع الصوت عاليا في مواجهة ما يتعرض له الشعب الكردي في سورية، هذا الشعب الذي يمتلك قضية عادلة تتجسد في حرمانه من أبسط حقوقه القومية الديمقراطية، وتعرضه في الوقت ذاته لمختلف أساليب الاضطهاد مثل: تجريده من الجنسية والأرض، إلى جانب عمليات التعريب القسرية، وسد فرص الدراسة والعمل، وغيرها من الاجراءات التي تدخل في إطار مشروع اضطهادي متكامل، اعتمدته السلطة على مدار عقود طوال.
إن الموقف يستدعي ضرورة التدخل من قبل الجميع، ورفض ما يجري، والدعوة إلى حوار وطني شامل، حوار جاد يمكّننا جميعا من تحقيق تمازج وتفاعل حضاريين بين مختلف مكونات المجتمع السوري في إطار ديمقراطي، يراعي الحقوق ويحدد الواجبات،الأمرالذي سيمكننا من دون شك من إعداد حقيقي، يكون في مستوى التحديات القادمة.
ابسالا – السويد16-04-200
----------------------------------------------------
أحداث القامشلي ونار الفتنة العنصرية-
بعض الأبواق الكردية في الخارج صبت الزيت على نار الفتنة
جريدةالديمقراطي21/4/2004
سعت الحركة الكردية في سوريا ومنذ نشوئها من أجل تجاوز الحواجز النفسية التي تعزل القضية الكردية عن محيطها الوطني ، تلك الحواجز التي تأسست على خلفية الصورة المشوهة التي رسمتها الجهات الشوفينية لهذه القضية الوطنية في ذهنية الوسط العربي على إنها قضية انفصالية تهدف إلى تشكيل إسرائيل ثانية ، وبأن الشعب الكردي بعبع يهدد البلاد بالتقسيم وأن حركته السياسية عميلة للاستعمار والصهيونية ، إلى آخر هذه الأضاليل التي تحرض الوسط العربي على الشعب الكردي وتؤلبه عليه .
وفي هذا الاتجاه استطاعت الحركة الكردية أن تفتح قنوات مهمة للتواصل مع الوسط العربي ونجحت في تصحيح تلك الصورة المشوهة عن قضيتها القومية ، ودحض تلك الاتهامات والأضاليل بالممارسة العملية وعبر التواصل الدؤوب مع هذا الوسط على ضوء برامجها السياسية التي تؤكد على أن القضية الكردية في سوريا هي قضية وطنية بامتياز ، وأن حلها يرتبط بحل مسألة الديمقراطية في البلاد ، وتراهن في نضالها السلمي على القوى الوطنية الديمقراطية ، الأمر الذي أكسبها دائرة لا يستهان بها من الحلفاء والأصدقاء في الوسط العربي ، الذين بادروا إلى تفهم مطالب الشعب الكردي ومعاناته وطالبوا بإلغاء الغبن ومظاهر التفرقة والتمييز عن كاهله ، وتحقيق مطالبه القومية العادلة ، الأمر الذي فضح المشاريع والسياسات العنصرية المطبقة بحق الكرد ، وسحب البساط من تحت أقدام منظريها.
ومن هنا يمكن لنا أن ندرك إصرار مدبري الفتنة التي أشعلت في مدينة القامشلي في 12/3/2004 على دفعها باتجاه افتعال صراع عربي كردي ، وقد نجح هؤلاء إلى حد ما- مع الأسف الشديد - في تمرير هذه اللعبة عبر الشعارات التي رفعها جمهور الفتوة في مدينة القامشلي الذي نادى بحياة صدام حسين و- مجاهدي- الفلوجة والرمادي وندد بالفيدرالية في العراق و بالرموز الكردستانية ، تلك الشعارات التي تعكس العقلية العنصرية لدى الشوفينين العرب من تلامذة عفلق و- حامي - البوابة الشرقية ، بأوضح صورها ، وقد انطلت تلك الشعارات على البعض من السذج ومن المتشربين بهذه العقلية الشوفينية عندما لبوا نداء بعض الجهات التي دعت لتسليح الميليشيات ضد الكرد وتحريضهم على نهب وسلب ممتلكاتهم ومحلاتهم كما حصل في الحسكة ورأس العين ، وقد لعب بعض وسائل الإعلام دوراً تحريضياً في هذا الاتجاه الذي يمكن تلمس خطورته في أن يصل العنف بأحد الضباط العرب إلى درجة قتل مجند عسكري تحت التعذيب لمجرد إنه كردي ولابد من تصفيته وقتله .
ومن الضروري هنا القول بأن بعض الأبواق الكردية في الخارج صبت هي الأخرى الزيت من جهتها على نار الفتنة ، بردود أفعالها السلبية سواء خلال المسيرات أو عبر القنوات الإعلامية عندما طرحوا شعارات لا تمت بمطالب الحركة الكردية وبرامجها بأية صلة بل صبت الماء في طاحونة مدبري هذه المؤامرة الخبيثة .
ورغم حجم الكارثة التي حلت بأبناء شعبنا الكردي في سوريا ، إلا أن الحركة الكردية وبمختلف روافدها وإدراكاً منها لحجم الفتنة ، بادرت من جهتها ومنذ اللحظات الأولى إلى العمل على تطويقها عبر مختلف المحاور ، ففي الوقت الذي دعت جماهيرها إلى التزام الهدوء وضبط النفس وعدم الانجرار نحو ردود الأفعال والممارسات التي من شأنها أن تزيد من تأجيج الفتنة وتوسيع دائرتها ، فإنها في الوقت نفسه بذلت جهوداً استثنائية باتجاه الإلحاح في مطالبة السلطات لأخذ دورها الإيجابي في ردع عمليات القتل والنهب والسلب والاعتقالات الكيفية بحق المواطنين الأكراد التي تؤجج الفتنة وتزيد الأجواء احتقانا وتوتراً ، كما ناشدت الشرائح الاجتماعية والقومية الأخرى للمبادرة إلى تحمل مسؤولياتها والتعاون في إطفاء نار الفتنة ، وقد تكللت تلك الجهود بمواقف مسؤولة بدرت من الكثير من الجهات التي آزرت مساعي الحركة في منع وصول الأمور نحو صراع عربي كردي ، وخاصة مواقف البعض من الأخوة العرب الذين أبوا الانجرار إلى هذه الفتنة أو التورط فيها ورفضوا التسلح ضد أخوتهم الكرد الذين يحكمهم العيش المشترك على أرض هذا الوطن الذي يجب أن يتسع للجميع بدون تمييز .

جريدة الديمقراطي ـ جريدة نصف شهرية يصدرها الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سورياـ العدد 457، أوائل نيسان
من داخل الملعب .... محاولة لرصد الشّرارة الأولى
/ "تفاصيل صغيرة تنشر لأول مرة" /أيام مؤرّق
إبراهيم اليوسف-كاتب وشاعر كردي سوريا-قامشلي -14-3-2005
ـ ابحثوا عن ا لديك أولاً يابني.....! من التراث الكردي ـ
حاولت أن أعود - ونحن نعيش توترات الذكرى الأولى لأحداث ملعب – قامشلي –وما تبع ذلك من تداعيات لما تنته ، بعد ، من خلال تناول بعض التفاصيل والجزئيات الصّغيرة التي فاتتنا – كإعلاميين في غمرة المحنة والحدث المروّع ، والخطب الجلل - عساها تحمل شيئاً من الدلالة لأيّة دراسة مقبلة ، مادام أنّ هذا الحدث العرضيّ – في منظور مفتعليه- سيكون – محطّة في التأريخ السوريّ، بعيدا ً عن التأريخ الرسميّ الذي ظلّ إلى فترة طويلة يمارس دور التعمية، والقفز على الحقائق، وتناولها من زاوية الرّغبة لا الواقع....!؛ فوجدت أنّ ما قلته عمّا جرى في الملعب منذ الدقائق الأولى لإشعال جمهور الفتوّة فتيل الفتنة، عن سابق إصرار وتعمّد، قبل الأمر بإطلاق الرصاص- عبر برنامج إذاعي ـأولاً ـ وكان هذا أول إعلان غير رسمي ّعمّا تم ,بعد إعلان مراسل إذاعة دمشق عن الشرارة الأولى، وإشعالها، وجدت أنّه لم أتمكّن من التقاط إلا القليل، لأن كلّ ما كان صار مكشوفاً، وأن المتابعة التي قدمتها للحظة إطلاق الرصاص عبر فضائية ــ روز ـ لما تزل كما هي، لأنّنا ــ آنئذ ـ أنا ومن جاء بعدي ليغطّي الحدث، قدمنا كلّ ما هو حقيقي , بخلاف ما كان يفعله إعلاميو السلطة، ومحلّلوها السياسيون الذين ــ لم يضربوا في المندل ــ أمام هذه الواقعة، بل قرؤوا أفكاراً أمليت عليهم، وراحوا يفلسفونها، وبئس فلسفة من هذا الضرب -- قصيرة الحبل -- لا تمتلك أية مقوّمات مصداقيتها، وبالتالي : الإقناع...
جمهور الفتوة وسيكولوجيا العنف :
مؤكّد أنّني لا أريد هنا أن أعمّم كلامي البتة على سائر جمهور فريق نادي الفتوة. حيث أنّ فيه من لا يفكّر على طريقة مشاغبيه، بل يتناول الأمور بعقلانية، وتبصّر ــ بعكس غلاظه الذين شكّلوا صورةً عن كامل هذا الجمهور، ولعلّ أكبر دليل على وجود هذا الأنموذج ــ أيضاً ــ هو إن هناك من أبناء قامشلي من قدّم شهادات بأنّ هذا الصنف ــ وهو لا يشكّل نسبةً عاليةً ــ كان قد انخرط لتهدئة من معهم دون جدوى، معبّرين عن سخطهم، وتذمّرهم من سلوكيات أقرانهم، وهم ليسوا من دير الزور ــ وحدها فحسب - بل من زعران ــ الحسكة ــ الذين قدموا على دراجات نارية، وكانوا من عداد ناهبي المحال التجاريّة، في ما بعد، كما سنرى .....
أجل، رغم وجود مثل هذا الأنموذج ــ بيد أنّ جمهور دير الزور وخلال فترة زمانية طويلة هي عمر ــ هذا الفريق ــ قد أعطى عن نفسه صورة ًسيئة، بمعنى أنه أوّل من أساء إلى نفسه، من خلال تسويد سجله، لدى الجهات المعنية بالرّياضة السورية، بل وعملياً ــ أيضاً ــ من خلال انعكاس سلوكياته المشينة على اسم فريقه، وتشكيل صورة عن ذاته من الرعونة ، والاخشيشان، بل أقصى درجات العنف الذي يجعل جمهور الرياضة – سوريا ً – يتورّع منه، وظلّ يرافقه أنّى حلّ، ليحوّله إلى بعبع مرغوب عنه، على امتداد خريطة البلاد.
إن أية عودة إلى الخطّ البياني لهذا الفريق، وقراءة سجل مبارياته، ستجعلان المتابع يتوصل إلى قناعة مطلقة، مفادها أن جمهور هذا الفريق لم يبق محافظة سورية – قطّ – إلا و أساء إلى جمهورها، بل وإلى أهلها، وإلى رياضتها، وان هناك حوادث عنف تشمئز منها النفوس، ارتكبها هذا الجمهور الذي راح – يوما ً وراء يوم – يتمادى بأكثر، كي يستشرس، إلى أن يصل ظهيرة 12 آذار 2004 كي يتجاوز – في بعض منه – إلى درجة ترجمة موقف سياسيّ صداميّ، بكسر الصاد وفتحها لا فرق – في قراءتين صائبتين، معتقدين أنّ أبا نشأت الذي ضرب بحذائه أحد تماثيل صدام حسين، إنّما هو من بين جمهور قامشلي .....!
إن ما يجعل مثل هذا الكلام ليس افتئاتاً على أحد، ولا تجديفاً، أو تخرّصاً، هو انه – ونتيجة هذه الحالة المفزعة التي آل إليها هذا الجمهور – نتيجة انه لم يلاق ما يلجم ممارساته، ويكبح تهوره المقيت، وهو أن الاتحاد السوريّ لكرة القدم وجه إنذاراً إلى نادي الفتوة في تاريخ 9 – 3 - 2004- أي قبل أحداث ملعب القامشلي بثلاثة أيام فقط، وذلك بسبب شتم جمهوره طاقم التحكيم في الأسبوع السابق، مع التأكيد بإقرار عقوبة أشد ّفي حال تكرار المخالفة، وحسب اللوائح والأنظمة - راجع جريدة الاتحاد العدد 406-.
جمهور قامشلي وشهادة تاريخية:
لا أريد أن استرسل مع العاطفة، من خلال كيل المديح لجمهور قامشلي – الذي عرف – في المقابل – بروح حضارية مائزة، تؤهله أن يكون - بامتياز - فريداً بوعيه، وسلوكه المتزن، شغفه ب / الرياضة - بعيداً عن إحراز الكؤوس - وما يذكّرني ببيت – مسجوع – طالما رددته في طفولتي وهو:
ليست الرياضة لإحراز الكؤوس وإنّما لتربية النفوس
كي يلتقطه مدرب الرّياضة من فمي، ويدوّنه، على جدار المدرسة التي أتابع فيها دراستي منذ حوالي ثلاثين عاماً, وأنا الذي لا أحبّ الرياضة البتة، بيد أن كلّ ما يمكن أن أتذكّره هنا هو إن فقيد الرياضة : عدنان بوظو رحمه الله، قال في نهاية السبعينيات -1979- عن جمهور هذه المدينة: إنه حضاري، وذوّاق، بل إن ريبوتاجه المتميز الذي استغرق فترة طويلة عن نادي الجهاد، وجمهوره عن صعود الجهاد من الدرجة الثانية إلى الأولى، عبّر فيه عن مثل هذا الإحساس - آنذاك - خير دليل على هذا الكلام, لدرجة أنه – كما قال – تعرّض للمساءلة, إلى أن اضطرّ لإيقاف تلك الحلقات، بيد انه أجابهم: لم أخترع شيئاً من نفسي، هذا هو الجهاد وجمهوره، اذهبوا إلى هناك بأنفسكم ، لتروا كلّ شيء، ما أقوله – هنا - ليس هرفاً، ولا ضرباً من المناصرة العمياء، أو المناطقية المتآمرة ، والتخندق الأرعن مع مدينة، وجمهور، بل رصداً للحقائق, كما إن مثل هذه الشهادة البوزوية موثقة في أرشيف التلفزيون السوري....
- انه لمأزق صعب ..!!
هكذا ، فكّرت إدارة نادي الجهاد ، وهي تستعدّ لاستقبال الفريق الضّيف ، على أرضها – بلغة أهل الرياضة – وهذا ما دعا الإدارة لتداول الأمر فيما بينها ، كي تتمخض عن هذه المداولات بين أعضائها فكرة مراسلة الاتحاد على عجالة ،لاستحثاثهم بخطورة المباراة ، نظراً لرعونة جمهور هذا الفريق، وتصادي صيته في هذا المجال، بل وتناقل أصداء وعيد بعض غوغائيه الذين راح وعيدهم يصل إلى الآذان، تهديداً سافراً، كما يبدو ....
ولعلّ في عرف إدارات الفرق الرياضية – عادةً – إعلام الجهات التنفيذية قبيل أية مباراة تتمّ في ملاعبها، من أجل تأمين ما يلزم من قوات "حفظ النظام !" لحماية هذه المباراة، وهذا – تحديداً – ما قامت به الهيئة الإدارية للجهاد في وقت مبكّر، تحسباً لأي طارئ، لم يعد غريباً أمام أيّ لقاء ببعض الجمهور الأرعن لهذا الفريق...!
تم ّالاتفاق في إدارة النادي على صياغة كتاب موجّه إلى هذه الجهات المعنية في يوم الثلاثاء 9/3/2004 حيث تم التأكّد على حساسية هذه المباراة ، واستثنائيتها، بل خطورتها، بصريح العبارة....!
تؤكّد اللجنة الإدارية أن عيون أعضائها لم تعرف طعم النوم والراحة ،فكانوا في حالة فائقة من التحسّب لهذا اللقاء، وهو ما حدا بهم أن يبذلوا قصارى جهدهم لضبط الملعب، ومن هنا فقد التقوا الضابط – خالد كاجا – ممثلين برئيس النادي وأحد أعضاء إدارته، وأطلعوه على نظام الملعب، مؤكّدين أنّه يجب ألا يتمّ فتح مدخل الزاوية الجنوبيّة الغربية، إلا في حال وجود جمهور أكبر من أن يستوعب، لأنّ هذه الزاوية قريبة من المكان المخصص للجمهور الضيف الذي سيخصص له المدرج الجنوبي، مركزين كذلك، على ضرورة ألا يسمح لأحد بالدخول حتى الساعة الواحدة ظهراً، أي قبل بدء المباراة بساعة، حيث ستبدأ هذه ال..."وقعة " في تمام الساعة الثانية من بعد ظهر الجمعة 12 – آذار 2004 ...!
الموت القادم من الشرق...!
لقد كان مدعاةً للدّهشة تقاطر جمهور الفريق الضيف منذ ساعات الصباح الأولى ليوم بدء المباراة، حيث يمكن القول: إنها المرة الأولى التي يصل فيها جمهور فريق ضيف مدينة ستجري فيها المباراة، قبل ساعات من بدئها، فها هو في الساعة التاسعة والربع يتفاجأ أبناء المدينة بوصول موكب هائل، لم يتمكّن أحد في البداية من معرفة دواعيه، حيث مئات الدراجات النارية، والآليات – المركبات المتوسطة : فانات – فوكسات – باصات إلخ....
وبعضها مغطّى بلافتات استفزازية، استفزاز كرد قامشلي – دون ريب ، ثمّ راحوا يجوبون شوارع المدينة، دون أن يتعرّض لموكبهم الاستفزازيّ المريب أحد، ولتتصادى شعارات موغلة في بربريتها وهمجيتها......!
- ما لنا غير اثنين ، الفتوة وصدام حسين ...
ولتتصدر اللافتة المكتوب عليها: الموت القادم من الشرق! – والتي ستنزع عن المركبة، كي تغرس في أرض الملعب إمعاناً في التحدّي، كما سنجد ..
أصحاب المحال التي تفتح عادة في يوم الجمعة اضطروا لإغلاق محالهم، عاجلين، وهم يقرؤون الشّرر في عيون هؤلاء الطارئين الذين لم المدينة من قبل مثيلاً لعنجهيتهم، بل أن أذاهم وصل إلى أحد أكبر مساجد المدينة – قاطبةً – وهو مسجد زين العابدين، كي يوقف الخطيب خطبته ثلاث مرّات
- أية مدينة هذه...؟
يقولها محدثي – كي يكمل حديثه: أو يعقل ألا يتصدى ولو شرطيّ واحد لهذا الاستعراض البربريّ على امتداد أربع ساعات، تبدأ بالتاسعة وحتى الواحدة بعد الظهر...
أين هؤلاء الذين كانت مناظرهم مروّعةً وهم يضعون المسدسات – عادة ً– على خواصرهم ، يتنصتون إلى أيً حوار بين مجرد طائرين في عشّهما على امتداد المدينة، وضواحيها، المتخمة أو المجوّعة، لا فرق إلى الدرجة التي بات يخيل إلينا أن الأشجار تتنصت إلى أحاديثنا، وهو ما كنت قد قلته ذات مرّة في إحدى قصائد مجموعتي الشعرية الأولى 1986 ..
- كانت إدارة النادي قد بذلت ما يتطلب منها، وأوصلت كلّ هواجسها ومخاوفها إلى الجهات المعنية التي تستنفر عادة من أجل عرس في قرية بعيدة، أو صوت رصاصة، أو مفرقعة في أقاصي الريف، فتتمكّن من ضبط هذا وذاك، وآخرين لا علاقة لهم بالأمر، في سباق فرض سطوتها، غير آبهة بأن يدفع الأبرياء – ثمن فاتورة – هيبة هؤلاء، واحترازاتهم، وها هم أمام لحظة تستدعي ممارسة دورهم الأمني، ولجم جموح بعض الأشارى الهائجين، دون أن تفعل ذلك البتة...
- أجل ، إنه لسؤال جارح : أين كان هؤلاء الأمنيون طوال كل تلك الساعات؟ أين....؟ أين...؟...
-في مطبخ الدم...
بدأت جموع هؤلاء المشاغبين تتوافد صوب الملعب البلدي، وسط مدينة – قامشلي – بيد أن متعهد المباراة منعهم من ذلك بسبب التعليمات المتشدّدة من قبل إدارة النادي، ومن بينهم ثلاثة من الشبّان الكرد المستقلّين د. سيف الدين سليمان – د. أحمد خلو-محمد حفيظ ....!
لم ترعو هذه الحشود المتقاطرة والتي توقفت أمام المدخل الجنوبيّ الغربي ّ للملعب، بل اقتحموا الباب، ودخلوا الملعب في الساعة الحاديّة عشرة ظهراً – قبل بدء المباراة بثلاث ساعات، فاجتاحوا المدخل كالموج الهائج العارم ،ومعهم أكياسهم السوداء، وحقائبهم، وترامسهم المائية المملوءة بالحجر الأسود الذي اصطحبوه معهم حين وصولهم أول مدخل المدينة كي يلتقطوا الحجارة المعدّة للسكّة الحديدية، وهي حجارة ليس ما يشبهها في المدينة من حجارة كما يعرف ذلك أخصائيو الجيولوجيا، وهي دليل نيّة مبيتة، وسبق إصرار على الإساءة....!
لجنّة الاستقبال – خلف الباب، وفي وسط الملعب، وفي المدرّجات، تفاجأت بهذا الحشد الهائج الذي – اكتسح – الملعب، ناشراً صخبه في كلّ مكان، دون أن يتقيّد بالتعليمات التي أبدوها، فاتّجه – إلى المدرّج الشرقيّ – المخصّص لجمهور الجهاد، غير آبه بتوسلات اللّجنة للتقيّد بالنظام والتعليمات الخاصة، ولكن، هيهات!.
وسط هذا اللغط، والضّجيج، والصّراخ الذي يصل السماء، تابع الجمهور الضيف احتلال مدرجات سواه، كي يواصل – رعونته – ويترجمها، وهو ما لفت نظر مدير المنطقة العميد تيسير الخطيب، الذي لحق به - على الفور - أعضاء الهيئة الإداريّة يطلعونه على خطورة ما يتمّ، وعدم التزام جمهور دير الزور بالتعليمات الخاصة، وقاموا بدعوة أحد إداريي الفتوة، راجين منه أن يوعز إلى جمهوره للدعوة إلى مدرّجه الخاص، فرفض ذلك ....؟!....
اضطرِّ مدير المنطقة للتوجّه – بنفسه – إلى الجمهور الديريّ – وعبر مكبّر صوت أحضر له – بهذا الخصوص – بيد أنّه واجه سيلاً من الشتائم و الأصوات المنفّرة المستهزئة منه "تصغيراً وقذفاً وتعفيطاً" كما يقال....!
أول إجراء احترازيّ لجأ إليه – مدير المنطقة – أن قام بوضع حاجز من رجال الشّرط بين مدرجي الجمهور الضيف والمضيف، تحسّباً لأيّ طارئ باتت بوادره تلوّح، وإن كان جمهور قامشلي لمّا يدخل ساحة الملعب بعد !...
في الساعة الواحدة ظهراً سمح لجمهور المدينة بالدخول، كي يجد مدرّجه المخصّص له يعجّ بالجمهور الضيف !، فأخذ يحتلّ بدوره ما تبقّى من مدرّجات ليترافق ذلك مع نزول – الفريقين – إلى ساحة الملعب للبدء بالتحمية !
ولكن، أنّى له ذلك، فصراخ الجمهور الضّيف يصل عنان السماء، فها هو ذا يزمع على إلهاب الملعب بشعارات همجيّة، تصعق الآذان، تؤجّجها بأكثر اللافتة التي دونت عليه عبارة : "الموت القادم من الشرق" الإنذار الذي لم يقرأه أحد :
- بالرّوح بالدم نفديك يا...صدام....!
- بالزّور بالكوّة *– يربح الفتوّة...!...
بالكوّة بالزو رتربح ديرالزور.
- ..... الطالباني..!
- ..... البارزاني..!
كي يردّ جمهور – قامشلي –على هتافاتهم الاستفزازيّة التي تريد إخراج اللعبة من مسارها، وإعطاءها بعداً سياسيّاً، لم يخطر ببال هؤلاء:
- يسقط صدام...!
- .....
- ... ثمّ راح أحدهم يرفع صورة صدّام بكلتا يديه في تحدّ، أخرق، سافر، لجمهور قامشلي – ويجري بيده حركة مشينة، دليلاً على درجة أخلاقه، وأخلاق وفكر صاحب الصّورة أبي عديّ....!
وليغدو أبناء – قامشلي – مرمى للحجارة الصوّانية السوداء القاسية التي باتت ترتطم بالرؤوس، وتنهال على جمهور الجهاد ماداموا في المدرّج المقابل، دون أن يكون لديهم ما يردون به عليه، فهم عزّل، تم ّتفتيشهم على الباب الرئيس، ولم يسمح لهم حتّى بإدخال صحيفة رياضيّة، أو قلم، أو سبّحة...!
لم يكن من بدّ أمام هؤلاء – أبناء المدينة – إلا أن يفرغوا المدرّج، ولكن، أنّى لهم ذلك، أنّى لهذه الآلاف أن تلوذ بالفرار خارج الملعب، ووابل الحجارة يسقط فوق رؤوسهم، وأعمدة اللافتات سرعان ما تنفكّ عنها أقمشتها، و في عجالة لا تصدّق، فإذا بها قضبان حديدية، ترتفع وتهوي على الأجساد، بل كي يظهر ملثّم على غرار من يسمون ب: المقاومة "5"– يخرج مسدساً كاتماً للصوت ويطلق العيارات الناريّة على الحشد المضيف...!؟
أجل، أنّى لهذا الجمهور أن يفرّ، ما دام ممرّ النجاة لا يتجاوز عرضه – المتر – الواحد، كي يصبح – دريئةً- سهلةً، لحجارته، وضربات زبّانيته الذين راحوا يتصرّفون وكأن من أمامهم أعداء حقيقيون، إذ انهالوا بالضّرب المبرّح على أجسادهم، خبط عشواء، دون تمييز أحد عن سواه، كي تجد الرؤوس مدماةً، بل والدماء تسيل من هذه الكتلة البشريّة المذهولة دون ذنب اقترفته البّتة...!
عدد الجرحى وصل المئات، والدماء تسيل على ملابسهم، بل وتترك آثارها على أرض الملعب، وكأنّ معركةً بين جيشين تتمّ الآن، أو لكأن ّهطلاً من دم أحمر باغت المدينة !..
- منظر مؤلم !
- صورة لن ينساها كل من أبصرها...!
- جرحى..؟
- دماء..؟
- دماء...؟
شرط لم يفعلوا شيئاً، أو فعلوا ما يريدون...
- إنّه سؤال يدعو إلى الاستغراب...!
وفجأةً، يصل صوت مراسل إذاعة دمشق :" من ملاعبنا الخضراء "– معلناً سقوط ثلاثة أطفال ضحايا بالتزاحم، وأن ّمندسين دخلوا الملعب، حيث أن البثّ بات يتناسى ما يدور في ستّة ملاعب أخرى من سوريا في اللحظة نفسها، وهو ما لم يحدث في تاريخ هذا البرنامج من قبل، كي يصل النبأ المؤلم إلى كل المدينة. تتقاطر أفواج أهل المدينة – وأنا منهم - صوب الملعب، أولاً، فالمشفى الوطنيّ، ثانيا ً، بحثاً عن فلذات أكبادهم، أو بداعي الفضول، أجل، لقد كنت من عداد هؤلاء، و من توجّهوا في تلك اللحظة للاطّلاع على ما تمّ، وحلّ من رزء بالأهلين، بحسب الشائعة، بعد مكالمة من خارج سوريا، حيث تساءل أحد أصدقائي من الإعلاميين: أو صحيح ما سمعناه؟...
ولعلّ أصداء "موت" الأطفال الثلاثة تناهى إلى مسامع اللاعبين في المحافظات الأخرى، وهم في الملاعب، فها هم لاعبون من فريق الكرامة؛ يبدون ألمهم لما حلّ بأطفال قامشلي – وجمهورها، وهو ما ركّزت عليه كاميرا التلفزيون السوريّ بعد أيام قليلة من المباراة، كي نكون أمام لقطة لهؤلاء، لا آلم....ولا أحزن ، ولا أفظع منها البتة!!....
مدير المنطقة – يلتقط بارودةً من يديّ أحد الشرط، يطلق الرصاص في الهواء الطلق، ويخرج جمهور – قامشلي – خارج الملعب مذعوراً، مستجيباً لنداء مدير المنطقة، كي يبقى الجمهور الضّيف يكسر كلّ ما يقع بين يديه، وقٌدميه، في الملعب، وإخلاء الملعب للجمهور الضّيف، يجمعه مدير المنطقة في وسط الملعب، تحميه بنادق الشّرط، بعد ردّة فعل الجمهور المضيف، وحالة فزعه إثر انتشار خبر قضاء الأطفال الثلاثة، ،وهو ما لم يكن طبعاً...!!
مصعوقاً، لاعقاً جراحاته، جرّ الجمهور الضيف أذياله، كي يتوجّه من يصل من أبناء المدينة إلى المشفى الوطنيّ، ليطمئنوا على فلذات أكبادهم ممّن لم يصلوا بيوتهم بعد !؟.
الشوارع المؤدية إلى الملعب كانت شبه خالية من المارّة – قياساً إلى الحدث –
ما خلا تجمعات صغيرة ، هنا وهناك ، وحده الشارع المؤدّي إلى المشفى الوطنيّ، كان يعجّ بحشود الناس المضطربة، وكأنّه يوم الحشر، ليتفرّقوا شيئا ً فشيئا ً، وليبدو أن كل شيء قد انتهى، فلا قتلى - يؤكد أطباء كثيرون - وكلّ الإصابات طفيفة، لم تصل حدّ الموت، وحكاية موت الأطفال ملفقة، فلربنا الحمد، إذاً ...!؟....
يصل"موكب" محافظ الحسكة – سليم كبول – والشوارع المؤديّة إلى الملعب شبه خالية، ومعه "ستّ سيارات" من الوفد المرافق له، وثمّة من يقول بأنّ – حصيّةً – قد أصابت سيارته!، دون أن تترك أثراً، طبعاً، وثمّة من ينفي ذلك...
بعيدا ً، ثمّة مارّة – متحلّقين – قلة، يتساءلون عمّا حدث، إنّهم تحديدا ًعلى بعد أكثر من مئتي متر – قرب مشفى فرمان، أو على الطريق السياحيّ، المحافظ لم يحالفه الحظّ برؤية كل ما تمّ من فيلم هوليوديّ في العنف، ومن حقّّه أن يرى ما يشاء، مادام أنّه الشّخص الأوّل في المحافظة، بعد أن ربح المعركة مع المسؤول الحزبيّ الأوّل، بل ومن حقّه أن يترك هو الآخر بصماته!!....
يخرج هاتفه المحمول، يتصل ... بمن يتّصل" ..؟" ، وهو شخص أعلى مرتبةً، كما يظهر، وكما أوضح ذلك الكاتب سليمان يوسف- الناطق الرسميّ باسم المنظمة الآثورية – في مقال له في الحوار المتمدن - كي يأمر من حوله من شرط:
نار ..!!
كي يتوسّل إليه سليمان يوسف: أرجوك سيادة المحافظ – إن من تبقّّى من الجمهور المتقهقر أتكفل- أنا - بإبعاده عن هذا المكان، ولكن، دون جدوى !؟.
يتمركز هؤلاء – فوراً- حول" المستديرة" الموجودة غرب الملعب البلدي، المستديرة التي أسميها: ساحة شهداء 12 آذار – يأخذ هؤلاء الشرط أماكنهم ، منبطحين حول المستديرة، وضمنها، يصوبون غلّ بنادقهم – بعد أن ينضمّ إليهم رجال أمن حملة مسدسات - برصاصات حيّة، إلى بقايا المارّة، دون أن يسألوا أنفسهم:
- ولكن، ماذا فعل هؤلاء الذين نرميهم بالنار...!؟
أربعة ضحايا يسقطون – فوراً- في نهاية الشارع، وآخران يسقطان أيضاً في الزاوية الجنوبية للملعب، وعشرات الجرحى يسبحون في برك الدم، دون أيّ رادع من ضمير، أو وازع من إحساس إنسانيّ....
ولعلّ معرفة أن أحد هؤلاء كان عاملاً في مطعم لا علاقة له ب" ترف " الرياضة، ينقل طلبة طعام إلى بعضهم على درّاجته الهوائيّة، لخير دليل على مستوى الجريمة، وفضيحة الفرمان المقيت ..
ينجح محافظ الحسكة – وهو ربّما أوّل عمل ناجح له في مهمّته كمحافظ في الحسكة- بتأمين باصات من مؤسّسة الحبوب وشركتي ال"حسن" و"هرشو"، كي يعيد الجمهور الضيف إلى مدينة دير الزور، حيث سيعلن "عماد عطا الله" إداري الفتوة في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً بالقول: بعثة النادي غادرت القامشلي...... بسلامة- بل غدرت .. كما هي الحقيقة - وها هي الآن على بعد خمسة وعشرين كيلو متراً عن دير الزور....!
بعد أيّام، يعلن محافظ الحسكة في اجتماع مديري ّ المؤسّسات والدوائر الذي يعقد برئاسته في الحسكة قائلاً:
" اتّصل بي المعنيون في القامشلي مؤكّدين أن لا داعي لمجيئي، وأنّ الوضع تحت السيطرة، فقلت لهم: لا بدّ أنّ آتي لأستطلع ما تم ّميدانياً..."
- وكانت المجزرة ...
- المجزرة الخزي ّ.....
- المجزرة.....
أي القوّة ، شدوّ الفتوة ....هنا.....!...
وفد من الشيوعيين السوريين التقى في مكتب مدير المنطقة بقامشلي أولي الأمر من رجالات السلطة - ممّن تركو ا المحافظة وجاؤوا إلى " غرفة العمليات" هذه، فقالوا لهم: نحمّلكم – أيها لمسؤولون - كامل المسؤولية، وأشاروا إلى سوء تصرّف المحافظ، ولم يرحبّوا به طوال وجوده في المحافظة أنّى حضر أية فعّالية جبهوية مشتركة.، هذه الغرفة التي سيوقع مسؤولوا الحزب والأمن كافّة فيها – كما يبدو – على الوثيقة المتسربة. أنترنيتياً بإباحة قتل الكرد بتاريخ 12.03.2005 .
تم استدعاء ممثلين عن الحركة الكرديّة: الاستاذ
عبد الحميد درويش
نصر الدين إبراهيم
إسماعيل عمر
صالح كدو،.. وربما آخرون...
أيضا ً، فدخل رئيس أحد الفروع الأمنية ليقول بتغطرس: أوعجبك يا أستاذ عبد الحميد مافعلتموه ؟...
ولقد كان عليه أن يصوغ سؤاله على نحو آخر: أعجبك ما فعلناه ؟..."
بل ولعلّ أهم سؤال هنا هو: لماذا تم استدعاء الكرد وحدهم ماداموا غير مستهدفين، بل لم لم يتمّ سماع الاقتراح المهم للأستاذ بشير اسحق سعدي لوضع حلّ رآه اسعافياً،صائبا، ًملحّاً، عندما هتف إلى أمين فرع حزب البعث بالحسكة وهو في الطريق إلى قامشلي، فانقطع الاتصال، ليعزى ذلك إلى عدم وجود تغطية الهاتف المحمول، ودون أن يستفسر بدوره عن سبب الاتصال لاحقاً... ...
صدر لطرفين شيوعيين: بكداش – قدري بيانان حمّلا فيه السلطة المسؤولية، وإن كنت سأسجّل عليهما الملاحظات بخصوص وقوعهما – أيضاً - في شطح الخيال والحديث عن مؤامرة أخرى، لا علاقة لها هنا، كما سيؤكّد ذلك السيد رئيس الجمهورية د. بشّار الأسد – وبمنتهى الوضوح والصراحة - في 01.05.05
5 - قدّم التلفزيون العراقي – العراقية - في 10.03.05 حواراً مع أحد الإرهابيين- وهو إمام جامع – وأمير- لأنّه قتل أكثر من عشرة عراقيين- قبّحه الله، اعترف فيه هذا" المجاهد" أنه طرد من "جامعه " لأنه مارس الّلواطة في الجامع.... ياللمقاومة ال...."شريفة" ياللمجاهد ال"......."!!....
- مسؤولوا الرياضة في محافظة الحسكة أصدروا قرارا ًبإيقاف الرياضات في 16.03.04 — ليكونوا أول من يخترقه عندما يتعلق الأمر بفريق ألعاب قوى من" مدينة الحسكة" حيث يتم إرسال الفريق إلى دمشق ويتعرض لحادث سير على مشارف دمشق، فتكون الفضيحة....!!

الدرس الكردي
إبراهيم اليوسف
كاتب وشاعر كردي سوري معروف-
1-4-2004
لا يختلف إثنان البتة ؛على أن مجمل ما تمخض عن أحداث 12/ آذار في سوريا أنتج سلسلة من الدلالات , يمكن استثمارها ــ وطنياً ــوعلى أفضل نحو . حيث بات يلفت الانتباه إلى حقيقة وجود مشكلة واقعية , لم تجد سائر ضروب التعتيم عليها نفعاً ،إذ سرعان ما برزت للعيان ، , لكي نكون في ما بعد أمام إجماع الرأي السوري على الرداءة المزمنة لمعالجتها، مثل العديد من أوجه المعاناة العامة للمواطن السوري، ناهيك في المقابل عن بلورة ــ رأي كردي ــ موحد ، بغض النظر عن اختلاف وجهات الرؤى ــ في ما قبل ــ وما تعرضت له الحركة الكردية في سوريا من تمزيق شرس لصفوفها ، لأسباب كثيرة تقر بها الأحزاب الكردية مجتمعة ، ويأتي في مقدمها عدم رضا ــ الكردي ــ عن هذا الجلد الطويل ــ مثل سواه ــ في انتظار جملة حقوق أولى ، تصاممت السلطة في سوريا عن سماعها طويلاً .....! وإذا كان ثمة محاولة لاستغلال ، هنات ناشزة ؛بغرض تشويه التظاهرة الحضارية السلمية لأكراد ــ قامشلي ــ من خلال الإشارة إلى علم أمريكي ــ هكذا !! ــ بدلاً عن علم الوطني السوري ــ أو الهتاف باسم بوش ....!!وسوى ذلك ، لدرجة الإيهام ــ أن موكب تشييع الجنازة ــ كان يمشي على نحو منظم تحت راية ذلك العلم، وهو اتهام ملفق، عار عن الصحة، وغرضه التغطية الصارخة على جريمة توجيه الرصاص غلى المدنييين الكرد العزل؛ رغم انك تكاد لا تجد كردياً سورياً ،إلا ويجمع انه ابن هذا المكان، وان علم هذا المكان ــ علم سوريا ــ هو علمه ، وهذا بحد ذاته كاف ،لأن تتم مراجعة جديدة ،من قبل عامة شركاء المكان ، أخوة عرباً ، و آثور يين وأرمن شركساً.... لإعادة تقويم هذا الإنسان ، على ضوء إحساسه العالي بالمواطنة، وفي أحرج امتحان وطني،لا من خلال الحكم المسبق على نواياه المبطنة ، من قبيل التكهن أو المظنة ....!.
وبعيداً عما تم داخل ــ ملعب نادي الجهاد ــ من إصرار مسبق من قبل جمهور نادي الفتوة على الإساءة إلى الجمهور المضيف ، وبما لا يقبل الشك من خلال ــ أشرطة الفيديو المسجلة ـــ التي تذهب كل لبس؛ ويمكن الاحتكام إليها لمواجهة أية فرية , فان واقع الأكراد في سوريا ، بات يزداد سوءاً , يوماً بعد يوم ، فالمواطن الكردي حرم من أبسط حقوقه : المواطنة - حالة المجردين من الجنسية مثالاً -والسياسية منها، والثقافية .. وليس أدل على هذا، من أن الكردي هو الأثني الوحيد في سوريا-الذي لا يجد على طول البلاد و عرضها مدرسة يتعلم فيها ابنه بلغته الأم ، بالإضافة إلى اللغة الرسمية -طبعاً ،ناهيك عن أن التمعن في محك انتخابات مجلس الشعب , أو الإدارة المحلية , وبعيداً عن السمة العامة في تزويرها ، إلا أن الكردي لا ينظر إليه-هنا - كمتمايز بمعنى الخصوصية ،غير مستنسخ من حيث حضوره الفعلي في منطقته ، ومثل هذا ما يقال بصدد التشكيلات الوزارية ، أو الإدارات العامة وسواها ، لقد قمت بتوجيه رسالة عبر نشرة ــ كلنا شركاء في الوطن ــ الالكترونية، إلى السيد محمد ناجي العطري ــ عشية تشكيل وزارته، باسم مواطن كردي ، طالباً من مشرف النشرة ، إعطاء اسمي لمن يريد ،لاسيما الجهات العليا في الدولة ...! ، لافتاً نظره إلى ضرورة أخذ واقع الأكراد بعين الاعتبار في الوزارة الجديدة ؛وذلك حرصاً على متانة النسيج المجتمعي السوري في وجه أية مؤامرة تستهدفه .... !
لا أريد عبر هذه الوقفة ،أن أخوض غمار استحقاقت الكردي الكثيرة ، فهي أكثر من أن تحصى ، وتناقش ، ناهيك عن استحققات المواطن السوري /بعامة والتي .. يستوي أمامها المواطنون جميعاً، بيد أنني أريد أن أتوقف -هنا -عند مسألة مهمة ، وهي أن أي مثقف عربي حر تلتقيه ،الآن , يشعرك انه هو الآن أيضا ــ يعاني كثيراً في ظل الممارسات وأوجه الخلل الموجودة ؛والتي يعترف بها الجميع على حد سواء ــ كما يؤكد لك، أن هناك أخوة عربية| كردية ــ عرفت على مدار التاريخ , وان الكثير مما يقوله الشريك الكردي،عادل ...،.وان هناك مظلمة قد لحقت بالإخوة الأكراد .... الخ ... ولابد من رفعها، وغير بعيد عن مثل هذا الموقف نفسه ، تتصادى إلينا آراء المسؤولين في الدولة , على اختلاف مراتبهم ، ومهامهم ، وهو بالتالي ومضة أمل جديدة ، يتلقفها الكردي آلياً , كما تعود على هذا الفعل منذ أربعة عقود ونيف ، بيد أن هذا المسؤول نفسه ،هو الذي يتحمل مسؤولية تهميش هذه الاستحقاقات ، والاستهتار بها طوال الفترة المنصرمة , لا سيما أننا كنا نسمع من بين هؤلاء ،أصداء مواقف الارتياب من الكردي ،بل والتشكيك به ،إلى درجة الإدانة، والخيانة ، في وجه إرادة رفع المظلمة عنه ، تحت حجج وذرائع واهية , أكدت أحداث 12/آذار ــ عدم مصداقيتها ، في أقل توصيف لها ، وان هناك إجماعا كردياً على شرعية مطالبه ، وحرصه على بلده في آن واحد , وهو مؤشر وطني سليم ، رغم أن هناك من أراد النظر إلى الكردي، من خلال ردود فعل طفيفة في ظل ممارسات الضغط، وكتم الأفواه، ولا تشكل البتة ــ رقماً يستحق النظر إليه , رغم أن هذا الرقم نفسه ،لا يمكن الاطمئنان إلى نسبته إلى الكردي عينه ، لا سيما في ظل وقائع مثبته، تم التوصل غليها رسمياً ....!
لقد جاءت أحداث 12آذار- لتشير بوضوح إلى وجود مشكلة كردية في سورية , وان أساليب معالجتها حتى الآن - كانت على درجة من الخطل وسوء التقدير, بل وان عدم الاعتراف بها لم يعد مجدياً البتة , حيث أن كلمة : كردي - في سوريا كانت في رأس قائمة الممنوعات , ولا سيما في الإعلام الرسمي , ويحضرني هنا, أن مجموعة من الشباب الكردي ,قضوا - زهرة شبابهم - في السجون , في بداية السبعينيات؛ لمجرد أنهم هتفوا في احتفال عام: عاشت الأخوة العربية الكردية .....!
إن أي تمعن في مثل هذه المفارقة الصارخة، تؤكد وبجلاء ساطع ،تلك القاعدة التي ينبني عليها تراكم الممارسات المجحفة ،بحق الكردي، خلال هذا الشريط الزماني .
أن استعراض سائر وسائل العنف أمام الكردي-كما يتم - بغرض معالجة ماتم ،لا سيما بعد انطفاء سعير الفتنة، بجهود الخيرين في الجزيرة :عرب أكراد - سريان - آثور -ارمن- شركس - الخ....
هي إعادة إنتاج الأساليب التي تم الاعتماد عليها في مواجهات الإشكالات العامة في سوريا، مع كافة أشكال الفسيسفاء-وهي في الأصل سبب كل ماا لنا إليه- لن تكون ناجعة البتة ,فهي تنتمي في جوهرها البين، إلى ألفباء العنف ،الذي أكد المواطن السوري - على مختلف
انتماءاته – لا جدواها، ناهيك عن أنها في المديين : القريب والبعيد خدش بين و كارثي للوحدة الوطنية التي نسعى جميعاً لتشكيلها ،وعلى أسس جديدة ،تكفل لكل مكوناتها الفعلية حقوقهم، تحت سماء هذا الوطن.....، , الذي لن يكون قوياً بتوجيه..بندقية عساكره إلى صدور أبنائه ،ولا أبنائه إلى صدور بعضهم بعضاً , بل من خلال تجسيد مظهر راق من هذه الوحدة , تم تغييبه منذ عقود..للأسف.....!!!.

مساهمة في ملف أحداث القامشلي
د . محمد كمال اللبواني
مجلة "الحوار" الفصلية-العددا 44-45 صيف وخريف 2004
طالما أنه لم يجر تحقيق محايد وعلني - موثق بالشهود والدلائل - من أجل تقصي الأسباب المباشرة والحيثيات الفعلية لوقوع تلك الأحداث المؤسفة ، ولتحديد المسؤوليات الشخصية أو العامة عنها ، وطالما أن السلطات لم تكلف نفسها - ولا تريد - البحث عن مثيريها الحقيقيين وتقديمهم للقضاء العلني المحايد ، ومع أن هذا من واجب السلطة ومن حق المواطن ، لأن كل مواطن قد تضرر من الأحداث ولا يرضى أبداً عن أي إساءة للأمن أو للممتلكات ، ناهيك عن سقوط الجرحى والقتلى ، وفي النهاية هو - أي المواطن - من سيسدد فاتورة كل ذلك من جيوبه ، كما ستسدد الوحدة الوطنية الكثير لقاء الظلم أو تجاهل الحقائق والتعمية عليها .
وطالما أن السلطات قد قفزت فوق المثيرين الحقيقيين ، وتجاهلت الأسباب البعيدة المهيأة لمثل تلك الأحداث ، واكتفت باعتقال وتوجيه التهم لمواطنين - يفترض بحسب ادعاء السلطة - أنهم شاركوا بردات الفعل الفوضوية العفوية اللاحقة ، وهم لم يتمتعوا بكافة وسائل الدفاع القانونية ولم يقدموا أمام قضاء علني ومحايد ، ويوضعون الآن في سجون مغلقة وفي أوضاع إنسانية مزرية طالما جرى كل ذلك نكون قد زرعنا لغماً جديداً في جسد الوحدة الوطنية لا ندري متى ينفجر بنا .
ولأننا لا نملك أدوات ولا أحقية إجراء مثل ذلك التحقيق ، ولأننا لا نريد الاعتماد على الأقوال والشائعات ولا نريد فتح جدل يذكرنا بأحداث مؤسفة ، وكل ما نرغب به هو تجاوزها بشكل حقيقي عير تجاوز أسبابها حتى لا تتكرر . لذلك فنحن هنا نتطرق لمثيريها الحقيقيين ولا لأسبابها المباشرة ، بل فقط للأسباب غير المباشرة التي تقف وراء ذلك الاحتقان في الشارع الذي جعل مثل ذلك الاندفاع العفوي ممكناً والذي وجه الجمهور نحو ارتكاب تلك الأفعال بكل دلالاتها الرمزية ...... على الأقل في مستوى الحقوق الثقافية ، والحقوق المدنية ، وما يزال انتهاك حقوق الإنسان يجري بشكل واسع وبشكل خاص بحق الأكراد ، ناهيك عن الظروف الاقتصادية المتردية التي تعيشها شرائح واسعة من الناس ... كما يجب ألا ننسى الرسالة الرمزية الهامة في اعتقال وتعذيب وسجن نشطاء شاركوا في اعتصام سلمي بيوم الطفل في ربيع 2003 هي التي ولدت ذلك الجواب العنيف ، فعندما يركل شرطي طفل يتقدم منه بزهرة، ويضرب الشباب في الفروع حتى الإغماء ثم يزجوا في زنزانات تشبه القبور ، ثم يحالوا إلى محكمة أمن الدولة العليا بتهم غير معقولة ........ يفهم المواطن البسيط كما يفهم المثقف ذلك بوضوح ويعرف أن معاناته سوف يتم تجاهلها دوماً وأبداً ، وعندما يمنع ويقمع العمل السياسي السلمي أو حرية التعبير السلمي ، ويجري استفزاز مشاعر المواطن بشكل فج، لا أحد يضمن كيف سينفجر التعبير العفوي في لحظات الهياج .
أما ما يقال عن التأثر بالحالة ، فبديهي أن ينعكس تحرر أي شعب مضطهد مظلوم إيجاباً على بقية المظلومين ، ويذكرهم بإمكانية الخلاص ، وبدل أن تتأثر السلطة بأحداث العراق وتسرع لإجراء إصلاحات جوهرية ، متعظة مما جرى لنظام البعث في العراق الشقيق ، أمعنت في تجاهل معاناة ومشاكل المواطن ، مما صب الزيت على النار .
إن السلطات لا تملك الشرعية الأخلاقية لمقاضاة من ساهم في المرحلة الأخيرة من الأحداث -مرحلة الشغب والتخريب - إلا إذا اعترفت هي أولاً بكل الأسباب المهيأة وكل الأخطاء التي ارتكبتها هي ..... أما أن - تكسر الشربة - برأس مجموعة فما ذلك إلا تجاهل للمرض وللخطر وإعفاء للذات من المسؤولية وتستر على المذنب الحقيقي .....
ففي النهاية كل ما حدث سببه بسيط وبسيط جداً : هو عدم احترام السلطات لحقوق الإنسان ، وللكرامة الإنسانية من حيث حق كل مواطن في التعبير عن هويته ومعتقداته وأفكاره وحقه في المشاركة في الحياة السياسية ، وفوق ذلك اعتداء السلطات على مواطنيها في الشارع وممارسة العنف في مواجهة المتظاهرين مما أدى لسقوط الجرحى والقتلى ذلك الذي فجر الهياج الجماعي الذي يتدنى أثناء العقل النقدي الواعي وتسود غريزة الجماعة ويندفع الجموع لارتكاب أفعال ما كانوا ليفعلوها لولا استفزازهم بتلك الطريقة ، ولولا احتقان مشاعرهم ومعاناتهم الطويلة ولولا يأسهم من استجابة السلطة لمطالبهم ، وهنا نحذر أن المزيد من التجاهل سوف يدفعنا نحو المجهول.
----------------------------------------------------
ادفنوا تاريخكم
يقف حصانك على أضرحة موتاي
* خالد سليمان
قامشلو، عنوان لمكان جديد، اسمٌ مرحّل إلى نهايات حدود الدم، صورة في منزل الرحمة المُشَيد بالمياه وأوراق التوت، ومنزل قريب من طريق الغرباء.
ألم ترحل بعد؟
ماذا تنتظر مني؟
أهديتك غضبي،قطرات من دموع طفولتي.أعطيتك يد أخي اليمنى،واليسرى كانت لشجرة بيتي.
ماذا ينقصك الآن ؟: دمي، تاريخي، ليلة أمسي، أم أمكنة صلاتي؟
قل، ولا تخف.
عندما كنت ضيفي الأمس
لم أدخل إلى حلمك،
تركتك قرب مهدي واستمعت إلى أغانٍ
تركتها نجوماً منفية في غرفتي.
فقُل قبل أن تعبر الأقدار موعد لقائي بك.
إذاً تريد دمي؟
فتركتَ قدميك تسحقان سرير الضيافة.
هناك دم أُمي حيث ولدتني.
هناك أيضاً قابلت تاريخي وصلاتي.
***
يطول عمر الحزن في كردستان وتتعمق روابط الجيرة معه في أسفار الدموع ، وفي مشاهد تشرُّد "أخٍ"، هو للجميع، وهو الوحيد اليتيم أيضاً. أخٌ يباركه التعزُّل بين الطرقات التي رُميت عليها قصة الخليقة.
ألم ترحل بعد؟
كم صباحاً قضيت في هذا المنزل؟
كم مساءاً، وأحصنتك تتقدم نحوي؟
إنه زمن طويل، تركت فيه قدميك على العتبة.
يداك مملحتان في جروحي.
وأنا انسج لك ثياب الرحيل.
أنثني على جسد زوجتي.
كي لا يراك صغيري الآتي بعد الغد
فارحل، واتركِ الدم يسيل بعدك.
ادفن تاريخك هنا.
سأشيّد له قبراً، برجاً، أو أي شيء،
لا يُنسيني وطء قدماك في بيتي.
لقد أصبح البيت الكردي جغرافيا منحرفة نحو ثنايا الآلام التي جاء ذكرها في قصص التكوين وشرائع الله. بيت أُجبر على حمل تماثلات جنينية بينه وبين سجون في أرض الذهب!!
هل قرأت شريعة الله،
واستحممت في دمي؟
ما بالك
فأنت أنت
يقف حصانك على أضرحة موتاي
تجري فيك وصايا القتل
ترى من الفناء ما لا أراه
ولم تغادر بيتي بعد.
ماذا يزيد منك الآن
دمك، تاريخك، جثث موتاك، أحصنتك
أم فترة ضيافتي لك؟
اُدفنهم هنا قربي، وارحل
قبل أن تعبر الأقدار موعد لقائي بك.
كاتب من كردستان العراق مقيم في كندا*
...............................................................................
دفاعاً عن شرعية الأحزاب الكردية,
لا عن عقيدتها وسياساتها بالضرورة
ياسين الحاج صالح – الحياة 11/7/4/2004
إذا كان هناك قرار رسمي سوري بحظر الأحزاب الكردية ومنعها من العمل السياسي فإنه خطأ جسيم. نبتدئ بجملة شرطية لأنه من غير المؤكد أن "المستوى السياسي" قد اتخذ قرارا بهذا الفحوى, ولأنه لا يبدو أن الشروط الموضوعية للبلد, الداخلية منها والخارجية, مواتية لاتخاذه, ولا أن الاستعدادات الذاتية لجهات القرار موازية لمتطلباته وقادرة على تحمل تبعاته.
الجهة التي تصر على أن هناك حظرا للأحزاب الكردية هي مراسلو الصحف العربية المعتمدون في دمشق. ومعروف أن المصدر الأساسي لمعلومات المراسلين, وبالخصوص في شؤون من هذا النوع, هو أجهزة الأمن التي تتميز بالاطلاع, وربما تكون صاحبة القرار.
بمَ تسوّغ تلك المصادر الخفية قرار منع الأحزاب الكردية؟ بذريعتين: الأولى, أنها لعبت "دورا ممهدا ومهيّجاً -لأحداث القامشلي-". الثانية, أن تلك الأحزاب "أحزاب عرقية تعتمد على القومية الكردية فقط ولا تسمح بانتساب اي من السوريين الآخرين سواء كانوا عربا او غير عرب". وسنقتصر هنا عل مناقشة دور الأحزاب الكردية في أحداث القامشلي, ونلقي نظرة على دروها العام.
غير صحيح, بداية, أنه كان للأحزاب الكردية دور مهيّج أو محرض في احداث القامشلي وما بعدها. ففي اليوم الأول للأحداث, 12 آذار -مارس- 2004, تفجر العنف نتيجة استفزاز قام به جمهور عربي مزج بين العصبية الرياضية وبين العصبية القومية, على خلفية تطورات الوضع في العراق. وقد وقع قتلى اليوم الأول في القامشلي بسبب لجوء عناصر الأمن والشرطة إلى "القوة المفرطة", وافتقارها إلى الخبرة اللازمة لتفريق التظاهرات وأعمال الشغب. وفي ما وراء ظاهره المهني فإن هذا الافتقار ذاته يرجع إلى عدم اعتراف "العقيدة الأمنية" لأولئك العناصر بشرعية أي احتجاج علني, وتاليا عدم تحسبها لإمكانية وقوع أعمال شغب احتجاجية.
ولم يكن للأحزاب الكردية أي دور مباشر في وقائع اليوم الأول. ولا يظهر دورها إلا في اليوم الثاني. فحين كان أهالي القامشلي الأكراد يشيّعون جنازات قتلاهم, أبدت تلك الأحزاب ترددا واضحا. فهي موزعة الضمير بين خوفها من أجهزة الأمن من جهة, وبين واجبها في المشاركة في تشييع ضحايا من شعبها من جهة أخرى. وبسبب هذا التردد فشلت في قيادة تظاهرة التشييع التي شارك فيها عشرات الألوف على الأقل. وكانت نتيجة الفراغ القيادي أن انفلت زمام الجمهور الغائب وأخذ بتحطيم مؤسسات وأملاك عامة, إذ سرعان ما تنطح لملء هذا الفراغ مراهقون وشبان متحمسون, واقعون هم أنفسهم تحت تاثير غريزة الحشد الهائج.
فما ظهر في اليوم الثاني ضعف الدور القيادي للأحزاب الكردية, وليس بأية حال دورها "المهيّج والممهد"وفقاً لمصادر المراسلين الصحافيين.
هذا التحليل مبني على شهادات دوّنها كاتب هذه السطور في المدينة بعد أيام قليلة من 12 آذار. وما قد يستخلصه المراقب العقلاني ضرورة دعم الأحزاب وتقويتها, أي تمكين المجتمع الكردي المحلي -والسوري بصفة عامة- من إنتاج قيادات عضوية مسموعة الكلمة ومحترمة في أوساط جمهورها.
لولا الأحزاب الكردية لتطورت الأحداث في اتجاه أسوأ لا أقل سوءاً, خلافا لما تعتقده القراءة الأمنية. ولو كانت تلك الأحزاب أقل خوفاً من أجهزة الأمن وأكثر ثقة بنفسها لأمكن الجمع بين قوة الاحتجاج وسلميته وحسن تنظيمه, ولما وقع ضحايا إضافيون. ومعلوم أن وقوع ضحايا في اليوم الثاني هو الذي تسبب في انتشار الغضب والعنف في الجزيرة وخارجها. والواقع أنه إذا كان هناك درس واحد يُستخلص من أحداث القامشلي وامتداداتها فهو الدور المهم للأحزاب والقيادات, الكردية والسريانية والعربية, في احتواء الوضع المتفجر الذي تسببت به تصرفات أناس ارتدوا إلى "جماهير", أي الدرجة صفر من الرأي العام. ورغم أنه صحيح أن كوادر حزبية ركبت موجة الحدث, لكنها فعلت لإدراكها أن البقاء بعيدا عنه كفيل بأن يجردها من أية صدقية واحترام في وسطها الاجتماعي, ثم رغبة منها في تسجيل نقاط إضافية في التنافس بين الأحزاب الكردية ذاتها. فلقد تركت نفسها تُقاد بدلا من أن تقود لأنها ضعيفة لا لأنها قوية.
بل إن تجربة القامشلي تغري باستدلال عام, قد يفيد بأن الأحزاب السياسية هي الفاعل الأكثر عقلانية, أو, على الأقل, الأقل لاعقلانية في الاجتماع السياسي الحديث. ولعل ذلك يعود إلى كونها "تنظيمات" حديثة تحمل في بنيتها التأسيسية, في "فطرتها" إن صح التعبير, مبادئ المصلحة العامة والبرنامج السياسي والتحليل الموضوعي والتمثيل الاجتماعي... وقيم التطوعية والاقتناع الحر والتعاقد والمسؤولية الفردية. ومهما تكن درجة ابتعادها عن "مفهومها", ومهما تكن عيوبها الواقعية, فإنها تبقى متفوقة على الاطر الأهلية التقليدية من عشائر وطوائف وعُصب موروثة. والأهم أن قمع الحياة الحزبية, بما يعنيه من تعطيل فرص النمو الطبيعي للحداثة السياسية, يحمل خطر بروز الأشكال المشوهة للحداثة: منظمات سرية ومتطرفة, وربما إرهابية. ففرصة ظهور هذه المسوخ أكبر في ظل النظم القمعية والمغلقة.
وقد يلفت نظر مراقب الأحوال في الجزيرة السورية أن المجتمع التقليدي الكردي, مجتمع العشائر, أضعف من نظيره العربي, وأنه فاقد بالكامل لأي دور عام. والفضل في هذا يعود للتسييس العالي للجماعة الكردية السورية وللدور النشط لمجموع الأحزاب الكردية. أما في الوسط العربي فالسلطة هي الحزب الوحيد, وهي تعمل على نزع التسييس بالقوة وتشجيع الأطر الولائية الجمعية.
هنا, وفي المجتمع السوري بصفة عامة, يتعارض منطق "الحكم العضوض" الذي يتصدره مطلب البقاء مع منطق الحداثة الاجتماعية والسياسية الذي يقتضي التحول نحو تنظيمات تقوم على المبادرة الحرة والتطوعية والتعاقد والتمثيل. وللأسف, لقد تغلب المنطق الأول على الدوام, فأتاح تحطيم الأحزاب المعارضة والمستقلة للسلطة أن تمسك المجتمع, لكنه بالحركة ذاتها أفقد المجتمع تماسكه الذاتي. وصحيح انه أمسى معقّما خاليا من المخاطر السياسية, لكن بالضبط لأنه بات خاليا من الروح, من الاجتماعية العامة.
لقد ترافقت سياسة قطع الرؤوس العضوية للمجتمع السوري مع انتصاب السلطة رأسا اصطناعيا, وحيدا, هائلا. وهذا يجعل المجتمع سهل العطب, عاجزا عن المبادرة والحركة الذاتية. ويمكن أن نسمي عملية المسك والقطع والتعقيم هذه نزع مدنية المجتمع السوري. ولم يكن التعامل الهائج مع اعتصام 21 حزيران -يونيو- التضامني مع المعتقلين السياسيين, وقد شارك فيه عرب وأكراد.., غير خطوة إضافية على مسار نزع المدنية أو التعقيم الاجتماعي.
فالوسط الكردي كان أقل تعقيما لسببين: اولهما أن سياسة نزع المدنية لم تلفحه بذات القسوة التي أصابت المجتمع العربي, والثاني -وهو يفسر الأول- أنه يدين بمصدر حيويته إلى ساحات كردية خارجية, العراقية والتركية. فالساحة الكردية السورية لم تكن يوما ذاتية المركز, ولذلك قلما كانت سيادية.
وبعد, هذا دفاع عن شرعية الأحزاب الكردية ودورها, وليس عن عقيدتها وسياساتها ومواقفها. في تلك الأحزاب الكثير من "البعثية", أعني القومية المطلقة وغير الدستورية. ولهذه القومية غير المقيدة دور أكيد في تغذية التعصب والانغلاق وميول العنف. وليس ثمة ما هو أكثر شرعية وضرورة من نقد أمثال هذه العقائديات, لكن على أرضية القيم الإنسانية العامة لا على أرضية قومية خاصة.
لكي لا تتكرر أحداث القامشلي
جورج كتن
7-3-2005
لا زالت أحداث القامشلي التي هزت سوريا في مثل هذا الوقت من العام الماضي، تثير خلافات حول تقييمها وتحديد أسبابها الحقيقية ومواقف كافة الإطراف منها وسبل منع تجددها، وهو أمر غير مستبعد طالما لم توضع موضع التنفيذ الحلول التي تعالج جذورها الأساسية.
لقد جرى تراشق للاتهامات بالتخطيط لهذه الأحداث، فقد اتهمت أطراف في السلطة الحركة السياسية الكردية بالتخطيط لها متشجعة بتغير المناخات الإقليمية والعالمية، كما اتهمت أطراف كردية أجهزة السلطة بتحضير مقصود لعمل استفزازي يبرر توجيه ضربة للحركة الكردية التي تنامى تأثيرها في البلاد، لكن الحقيقة أن تفجر الأحداث كان عفوياً لم يخطط له أحد، أتى كنتيجة لشحن فئات من المجتمع بالغضب والحقد على ما جرى من تغيير في العراق ، بحيث توهمت قلة أن التمسك بالنظام الديكتاتوري البائد ورئيسه المعتقل والمقاومة السلفية "الزرقاوية"، هو الرد على احتلال العراق!!، وترديد بعض مثقفي السلطة والمعارضة بأن أكراد العراق، وبالتالي أكراد سوريا، متورطون في مسألة الاستقواء بالأجنبي على أنظمتهم "الوطنية" !!
إلا أن الحدث العفوي، استفزاز مشجعي فريق "الفتوة" بهتافاتهم لصدام ورفع صوره وتوجيه الشتائم للكرد الذين أدى ردهم الطبيعي لنشوب شجار في الملعب وسقوط ضحايا، كان يمكن أن يظل محصوراً لولا إجراءات السلطة، إطلاق رصاص عشوائي غير مسؤول على تجمعات لأهالي القامشلي هرعوا للاطمئنان على ذويهم، مما أدى لسقوط قتلى وجرحى، ثم الاستمرار في اليوم التالي في توجيه الرصاص الحي لمئات آلاف المشيعين مما رفع حصيلة القتلى، وأدى لخروج عفوي للكرد للاحتجاج لعدة أيام في كل أماكن تواجدهم، لتفرغ الجموع غضبها في تحطيم مؤسسات حكومية وفروع أمنية ومرافق عامة وممتلكات خاصة في أكثر من بلدة.
ورغم أن بعض العناصر الأمنية رفضت استعمال السلاح ضد المتظاهرين، فإن المسؤولية الأكبر لتفجر الإحداث تقع على عاتق السلطات المحلية، التي بدل العمل على التهدئة، وسعت الأزمة بعدم التعرض لمسلحين عشائريين اعتدوا على الكرد وممتلكاتهم وخاصة في الحسكة، وقامت باعتقالات واسعة -على الهوية أحيانا- بدل إجراء تحقيق سريع وعزل المسؤولين ومحاسبتهم، مع شن حملة اتهامات بوجود قوى خارجية وراء الأحداث وتجاهل وجود مسألة كردية أصلاً، رغم تصريح الرئيس بنفي الارتباطات الخارجية وان الكرد قومية وجزء من النسيج الوطني السوري.
فيما القسم الأكبر من المعارضة الديمقراطية السورية والأحزاب السياسية الكردية وهيئات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، أدانت استخدام العنف من أية جهة أتى والاعتداء على الملكيات العامة والخاصة وسياسات القمع والاضطهاد التي حولت أحداث عادية إلى تفجر للقهر والحرمان المتراكم، وبذلت جهوداً للتهدئة وضبط النفس، ودعت لتحقيق نزيه والتعويض على أسر الضحايا والمتضررين والإفراج عن المعتقلين، واعترفت بأن حل "المسألة الكردية" يتم في إطار الوحدة الوطنية ووحدة البلاد، بمعالجة الأسباب الحقيقية للأزمة التي تعود لسياسات التمييز وغياب الحريات وعدم المساواة أمام القانون.
وإذا كانت السلطة بتفضيلها للحل الأمني مسؤولة مباشرة عن تفجر الأحداث فإن جهات أخرى ساهمت في تأجيجها، وخاصة بعض الفضائيات العربية التي روجت للتعصب القومي والدعوة للتخوين ورفض الآخر وتجاهله وربط أية مطالبة بحقوقه بالارتباط بأطراف خارجية، بينما فضائيات في الجانب الآخر تحدثت عن "احتلال سوري لكردستان الغربية" ونشرت خرائط وأعلام وعملت للتهييج بشعارات قومية متشددة، فيما جميع الأحزاب السياسية الكردية ترفض تهمة الانفصال وتدعو لحل المسألة الكردية في إطار الوطن السوري، والتعبير عن المطالب والاحتجاج بالوسائل السلمية بالاعتماد على الذات وتأطير الدعم الشعبي، إذ أن القوى الدولية لم تتجاوز إصدار تصريحات بعدم تشجيعها لأية دعوات انفصالية، والحض على نبذ العنف الموجه لأقلية تسعى للاندماج في الحياة السورية.
الأسباب الحقيقية للاحتقان الذي فجر الأحداث تجاهل الوجود القومي الكردي ونفي وجود مسألة كردية، وتعرض الكرد للتمييز ومحاولات تعريبهم من عقود وعدم الاعتراف بحقوقهم كأقلية قومية متميزة، وحرمان مئات الألوف منهم من الجنسية وإنكار حقوقهم الثقافية في تعليم لغتهم وتطويرها واستخدامها في كل المجالات وتهجير آلاف الفلاحين الكرد من أراضيهم في المنطقة التي سميت "الحزام العربي" لتحل محلهم عائلات عربية، ومنعهم من استخدام اللغة الكردية في أماكن العمل ومن تسمية أطفالهم بأسماء كردية، وتعريب أسماء مدنهم وقراهم، وعدم توفير فرص عمل متساوية مع بقية المواطنين للتوظف في دوائر الدولة...
هذه السياسات التمييزية أوصلت للاحتقان، بالإضافة لتصعيد التعصب القومي العربي الذي لا يعترف بحقوق الأقليات المتعايشة مع العرب، الذي تسبب بتعصب قومي كردي مقابل، لا يعود كما يرى البعض للتطورات السياسية الراهنة في العراق، بل إلى تصاعد المد القومي العربي المتجاهل للأقليات منذ أواخر الخمسينيات الذي ولد الأجواء التي دفعت لتشكيل أول حزب خاص بالكرد في سوريا عام 1957، وتوالت بعدها مراحل من التصعيد في الفكر الشوفيني، ونشر الوعي الزائف حول وحدة وطنية تقوم على إلغاء الآخر بالوسائل القمعية، مما ساعد على توسيع الشقة بين العرب والكرد وإضعاف التوافق الوطني حول الهوية السورية لصالح مشاريع خيالية لم يستطع أصحابها توحيد الأقطار التي يهيمنون عليها –العراق وسوريا-، فالعداء في أوساط عربية للكرد أو العكس هو حصيلة سياسة طويلة ابتعدت عن ملامسة المشكلات الحقيقية وحلولها الواقعية الممكنة.
لكي لا تتكرر الأحداث بصورة أكثر مأساوية، المطلوب الاعتراف بالوجود القومي الكردي وحقوق الكرد في إطار وحدة البلاد وإلغاء كل تمييز تجاههم وعدم المماطلة في إعطاء الجنسية السورية لكل المجردين منها والتوقف عن إطلاق وعود "دراسة مسألة الجنسية" التي لم تنته منذ سنين!، والإفراج عن جميع المعتقلين والتوقف عن إثارة التعصب القومي والترويج للدعاية الملفقة حول تواطؤ الكرد مع القوى الخارجية، والبناء لوعي جديد قائم على المواطنة السورية وعلى أن سوريا وطن نهائي لكل مكوناته القومية، دون تخلي الطرفان عن "حلمهم" القومي.
وإذا كان النظام لم يتقدم خطوة واحدة في اتجاه حل المسألة التي يمكن أن تزداد تأزماً، بل أصدرت محكمته للأمن القومي أحكاما بالسجن على 15 من الموقوفين الكرد من أصل المئات القابعون في السجون، فإن الحركة الكردية ملزمة باستمرار التمسك بالعمل السلمي والعلني ونبذ كل أشكال العنف ومنع اندلاعه لأي سبب كان، ورفض الانجرار لمواجهات عنصرية مهما كانت الضغوط، وإنشاء هيئة موحدة تنسيقية بعد الاتفاق على القواسم المشتركة، تجمع التعبيرات السياسية الكردية من جبهة وتحالف وأحزاب متفرقة، تنطق باسم الجميع في الداخل والخارج، وتعتمد خطاباً سياسياً صريحاً وشفافاً يصل الجسور بين أطراف المجتمع الواحد، بالدعوة لأهداف ديمقراطية وطنية واضحة تزيل جميع الشكوك حول أهداف "مخبأة" للحركة الكردية كما تشيع بعض النخب المأزومة، والتوقف عن العودة للتاريخ القديم للمطالبة بحقوق تاريخية، والتركيز على الحقوق الوطنية والثقافية والمصالح المشتركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الوطن الواحد.
إن أحداث آذار للعام الماضي كرست الحركة السياسية الكردية كجزء فاعل في المعارضة الديمقراطية السورية، وأن الحقوق الكردية وحقوق جميع الأقليات الأخرى تمر عبر إنجاز التحول من النظام الأمني إلى النظام الديمقراطي، وهي مسألة تتوضح واقعياً في العراق بعد الانتخابات الناجحة الأخيرة، التي أظهرت أن الديمقراطية في العراق الفيدرالي الموحد هي الإطار لتحقيق الكرد لأهدافهم ولمساهمتهم النشيطة في جميع المؤسسات المركزية للدولة العراقية، وأن ما هو ممكن للقضية القومية الكردية، حلول وطنية ديمقراطية لكل تجمع كردي في إطار الدولة المتواجد فيها.
إن انخراط الأحزاب الكردية الإيجابي في "الهيئة التنسيقية" لحركة المعارضة الديمقراطية السورية هو تأكيد للاندماج الوطني المصغر، يجب أن يقابل من أطراف هذه المعارضة بتفهم أكبر للمسألة الكردية السورية وحقوق الكرد، وإدراجها في "وثيقة" أهداف وطنية ديمقراطية مشتركة، بعد تخلي أطراف في المعارضة عن "معاركهم القومية الخيالية" للدعوة لتحرير وهمي لبلدان مجاورة والتركيز على الأهداف الديمقراطية السورية، مما يضمن الوحدة الوطنية الحقيقية
بمثابة الخاتمة.....

من أجل مجتمع أكثر وعياً بقيم التعايش والمواطنة
آزاد أحمد علي
كاتب وباحث كردي سوري-قامشلي

مجموعة من الأحداث المتتالية في السنوات الأخيرة وخاصة تلك التي حدثت في ربيع عامي 2004 و2005 في المناطق الكردية بمحافظتي الحسكة وحلب، وقبلها أحداث السويداء، إضافة إلى أحداث صافيتا والساحل السوري، كل هذه الأحداث أظهرت بأن مجتمعنا السوري يختزن في أعماقه بؤراً للتوتر القابل للانفجار في أية لحظة. كما أفصحت هذه الأحداث مع مجمل تداعياتها عن أن مجتمعنا يعاني من حالات احتقان وتشنج متفاقمة ومزمنة، لدرجة أنه لم يعد يعي أهمية التعايش الاجتماعي، ويتناسى واجبات الجوار الجغرافي والعيش المشترك. وبينت الأحداث أيضا أن أحد أهم وأبرز جوانب الأزمة البنيوية لمجتمعنا السوري بات مرتبطا بعدم رسوخ وثبات قيم المواطنة، فلا الدولة أنتجت هذه القيم ـ بل أهدرتها ـ ولا المجتمع قادر على التمسك بها، ولم يعد أي شعار أيديولوجي أو خطاب مجاملة قادرا على حجب هذه الحقيقة المرة. فالمجتمع السوري يتجه للتعبير عن أزمته البنيوية الراهنة بأشكال احتجاجية مشوهة وممارسات عنفيه مأساوية قد تنسف ما تبقى من الحس بالمواطنة، وإمكانيات التعايش السلمي المشترك ضمن حدود الدولة السورية.
لا أود المبالغة في وصف هذه الظواهر السلبية، ولا أريد في الوقت نفسه رسم لوحة قاتمة لواقعنا، ولكن قياس نبض الشارع السوري ورصد معاناته بموضوعية يشير إلى ما هو مخيف ومحزن. فمن منا عاش تلك الأجواء ومن كان شاهد عيان على هذه الأحداث لن يستفق من هول الصدمة، هذه الصدمة التي ولدت لدينا الكثير من الشكوك حول ماهية المجتمع السوري ودرجة توافقاته الاجتماعية قبل السياسية، ويراودنا اليوم تساؤل وقلق مشروعين: فيما إذا كنا حقا "ورثه التنوع الحضاري" في المشرق أو مازلنا نتشبه بالبداوة القبلية في أفريقيا؟!.
ودون العودة المكررة إلى تفاصيل هذه الأحداث، أجد من الضرورة البحث في خلفياتها وجذورها اليوم وغدا، لأن إشباع هذه الحالات درساً وتمحيصاً سيكون عوناً لنا في فهم الأحوال الاجتماعية والوطنية العامة، وبالتالي الأوضاع الاستثنائية التي وصل إليها مجتمعنا اليوم، هذه الأوضاع التي هي بلا شك نتاج ارتسام ظل الدولة الشمولية على المجتمع، هذه السلطة التي كانت بدورها صدى وتطبيقا لفكر شمولي تبشيري وأيديولوجيا قومية مستنفرة مغلقة، أكلت جوانبها الإيجابية ومؤسساتها قبل أن يكتمل نموها. كما تم إعادة كتابة التاريخ من قبل رواد وأنصار هذا التيار القومي المستنفر، حيث تم اختلاق جغرافية سياسية موهومة بهدف التأسيس لوعي زائف غير قادر على فهم واقعه والتفاعل الموضوعي مع معطياته. فكان من إحدى أهم نتائجه هذا الوعي السياسي المتجمد والمتكلس منذ عدة عقود، وكذلك عدم القدرة، بل التخوف من قراءة تضاريس الواقع السوري السياسية والاجتماعية الراهنة، وغير راغب في التعرف على المحيط الجغرافي لسوريا سياسيا واجتماعياً. إن تفاعل هذا الوعي القاصر والمعلب مع تراجع مفهوم وقيم المواطنة وغياب ثقافة القانون ـ التي لا بد منها لوجود واستمرارية أي مجتمع منظم ومتطور في عالمنا المعاصر ـ قد أوصلانا إلى هذه الوضعية التي سادت فيها أشكال وصيغ من الولاءات والانتماءات والعصبيات البدائية، فاستمرت وانتعشت الروابط وصيغ الاصطفاف الاجتماعي التي تعود إلى مراحل ما قبل الدولة المعاصرة، وهي جميعاً تقع خارج منظومة العلاقات التي تؤسس عليها المجتمعات الحضرية والمدنية المعاصرة. وللأسف فالعصبيات القبلية والقومية والطائفية في مطلع القرن الحادي والعشرين تعيد إنتاج أزمة المجتمع السوري من جديد، وليس لدى الحكم أي تصور أو خطة عمل لحل هذه المسألة المتفاقمة، بوصفها مدخلا لحل المسائل الأخرى العالقة والملحة، بل على العكس هنالك ما يشير إلى جهود غير معلنة لتجييش قطاعات من المجتمع لاعادة زجه في أتون الأزمة الراهنة تحت عناوين حزبية وقومية ولإعادة إنتاج خلافات وعصبيات جديدة. ودون الإسهاب في التطرق لتفاصيل هذه الأحداث فهي معروفة للجميع، ولكننا بوحي من حدتها نجد من الضروري التوقف عندها كواقعة سياسية مشخصة تترجم هذه المعضلات جميعاً، وربما كانت الأحداث المأساوية هذه تعبيرا عن تداعيات وتداخلات هذه المرحلة العصيبة والعاصفة التي تمر بها سورية، وتشكل اختزالا لمعاناة السوريين طوال السنوات التي مضت. فهذه الأحداث ما هي إلا حلقة في سلسلة من التعابير الاجتماعية والسياسية عن أزمة الهوية المركبة في سورية، ونتيجة موضوعية للاضطهاد القومي بحق الشعب الكوردي والاجتماعي والسياسي بحق جماهير عريضة من المجتمع السوري.
لذلك بات من الضروري إعادة قراءة جوانب الأزمة، والتوقف عندها لاتخاذ مجموعة من التدابير، وفي مقدمتها اليوم هو ما يشبه "إعلان المبادئ" أو صيغة التفاهم، التي نحن جميعاً بصدد المساهمة في تحديد ملامحها وخطوطها العامة، والتدوال والحوار بشأنها. وفي سياق هذا المقترح نجد أنه من المفيد أن يرتكز هذا الإعلان ـ التصور على عدة دعائم ويندرج ضمن عدة محاور، كمقدمة منهجية لضبط آليات التحاور والتباحث حول الأولويات وهي:
1- نبذ ورفض كافة أساليب العنف في التعبير عن أي موقف سياسي، وكذلك رفض المساهمة في نشر ثقافة العنف والتبرير لها أيديولوجيا مهما كانت الأسباب والأهداف والجهات التي تشجعها أو تمارسها.
2- البحث والعمل الجاد في التأسيس للمشروع الوطني السوري، الذي يمهد لإعادة بناء دولة القانون المؤسسة على أساس التعددية السياسية والثقافية وصيانة حقوق الإنسان، أفرادا وجماعات، بديلا عن المشاريع القومية خارج حدود الوطن السوري.
3- عدم المراهنة على الحلول والمكاسب التي قد تتحقق مؤقتاً خارج أطر القوانين أعلاه
وبمعزل عن المؤسسات الديمقراطية والأخلاق الديمقراطية. هذه القيم التي يندرج ضمنها عدم الاعتماد أو الاستقواء بالقوى الخارجية مهما كانت صدقيتها ونوعيتها.
4- إعادة قراءة تاريخنا وجغرافيتنا ومحيطنا بموضوعية لفهم واقعنا المركب والمعقد والعمل على إبراز ما هو مشترك وموحد في مجتمعنا، والبحث عن المزيد من الموحدات الوطنية والحضارية والإنسانية. وجعل التنوع القومي والديني والأيديولوجي مصدر إغناء وقوة لنا.
قبل أن يجعل غيرنا هذا التنوع عامل تنافر وتصارع وتآكل داخلي.
5- الإقرار الدستوري بالتعددية القومية والدينية في سورية كمقدمة لإيجاد حلول وأطر ديمقراطية لكافة المسائل ذات الصلة، وخاصة تأمين الحقوق القومية للشعب الكوردي. وتحديد واجبات المواطنة لكافة شرائح المواطنين لمساهمة الجميع في المشاركة بالسلطة السياسية. وتجنباً لأي صراعات تنبثق من حالات التعويم والتفضيل لهذه الفئة أو تلك من المجتمع على الآخرين.
6- التخلي عن كافة رواسب ونزعات الاستئثار والسيطرة القومية والاجتماعية واحتكار السلطة في مجتمعنا السوري، ورفض كل دعوات الصهر القومي والديني بدعوى بناء مجتمعات متجانسة قومياً أو دينياً.
7- إن مشروعية أي سلطة قائمة أو مستقبلية تأتي من إرادة الشعب، وهو يترجم عمليا في الانتخابات الحرة والديمقراطية ضمن سياق وطني وظرف تاريخي محدد يتم الاتفاق عليه في حينه.
8- العمل الدائم من أجل تحسين الأوضاع المعيشية وبناء إستراتيجية لتوزيع الثروة الوطنية بإنصاف، ومواجهة خطري البطالة والانفجار السكاني، والعمل بجدية لحماية البيئة، وعدم الاستنزاف الجائر للثروات الوطنية، والسعي لوضع خطة علمية وعملية لاستثمار البادية وتنميتها.
9- حق التواصل والحوار المستمر بين سائر القوى الوطنية والعمل معا ضمن أطر سياسية مشتركة، والتحاور في كافة المواضيع والتفاصيل التي تهم المواطن والوطن، وصولا إلى ثوابت وتوافقات تناسب الجميع، وترعى وتطور من قبلهم.
أخيراً نؤكد على التذكير من جديد على أن غياب الديمقراطية ودولة القانون هو ليس انتقاصا لأهم حق من حقوق الإنسان وحسب، وانما هو بلا شك سبب رئيس لهذا الركود السياسي والتوتر الاجتماعي اللذين نعانيهما اليوم. فإن استمرار هذا الغياب يساهم في ظهور أشكال من التفكير والتعبير والممارسة التي تعود إلى عهود ما قبل المجتمعات المتحضرة ودولة القانون. وإن المجتمع السوري المأزوم حالياً بدأ يبتلع قيمه التقليدية ـ الإنسانية وباتت احتمالات حدوث صراعات وتمزقات قومية واجتماعية حاضرة أكثر من أي وقت مضى، فنحن الآن أمام خطر التصارع والتآكل. ولابد من العمل الجاد لإرساء وإعلاء قيم التآلف والتعايش لصياغة وتمتين أسس مجتمع مدني ديمقراطي دستوري مؤسساتي تعددي تصان فيه حقوق الإنسان أفرادا وجماعات. هذا المجتمع وحده سيكون قادرا على إنتاج وتغذية سلطة ديمقراطية تليق بسورية في المستقبل.
* افتتاحية مجلة- الحوار- العددان 46-47
فصلية ثقافية حرةتهتم بالشؤون الكردية و تهدف إلى تنشيط الحوار العربي –الكردي ـ تصدر في سوريا منذ عام 1993.

 

 

إن أرتم التعرف على جزء من معاناة الشعب الكردي في سوريا ما عليكم إلا الضغط على هذه العارضة

 
تعرفوا على أعداد وحجم معاناة من جردت السلطات السورية جنسياتهم منذ تاريخ 05.10.1962
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye 

© 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Kurdistan Syrien