|
بشائر الفرح على الوجوه كجذاذات صافية من البهجة على القسمات
الكردية أمام السفارة العراقية! حالة غير مسبوقة. حالة تجول بها
الخواطر عن استفسارات، وتداهم الذكريات الذكريات.. كانت هذه حالتي
حينما اقتربت مع بعض الأصدقاء من المكان؛ وفجأة ارتدت الغبطة عنسة
ماردة تقحمني بصرامة الحقيقة: ها نحن ندخل السفارة العراقية لنحيي
فيها الذكرى السنوية لميلاد البرزاني الخالد! مفارقة مدهشة
لكنها حقيقة... وبرهجة الموقف توسع حدقات العيون: هنا أثر حوافر
صهيل الغاشمين في خدود شعاراتنا.. وهنا ترك صديقي إصبعه على سياج
السفارة حينما خرج في احتجاج على مجزرة حلبجة عام 1988وهنا ترك
صديق آخر بقعة من دمه ...لكننا في المكان نفسه بحثاً عن صدى يصدح
القلب فرحاً بانتصارنا..
معذرة من القارئ العزيز عن هذه المقدمة لتقرير صحفي يراد به نقل
الصورة الخارجية. الحدث الجلل يقضي ذلك! لكن لندع الحالة الذاتية
جانباً ونعود إلى ما تقتضيه الحاجة الموضوعية للخبر.
* * *
دعا ممثل حكومة إقليم كردستان في روسيا ورابطة الدول المستقلة،
الدكتور- البروفيسور خوشوي بابكر، بالاشتراك مع السفير العراقي في
موسكو الأستاذ عبد الكريم هاشم يوم الأحد 13 آذار إلى إحياء الذكرى
السنوية للأب الروحي للأمة الكردية الخالد مصطفى البرزاني. وقد لبى
الدعوة عدد هام من ممثلي الروابط والجمعيات والشخصيات الأدبية
والثقافية الكردية والعربية والروسية... وقد جرت مراسيم الاحتفال
في قاعة الاحتفالات بالسفارة العراقية. و كان جو الاحتفال هذه
السنة يختلف تماماً عما سبقه من احتفالات بهذه الذكرى العزيزة؛ حيث
لفتت الأنظار لصورة كبيرة للزعيم الخالد البرزاني مكللة بباقة من
الزهور معلقة في صدر القاعة، ذلك المكان الذي كان مخصصاً لصور صدام
حسين سابقاً! وكان لهذه الطلعة البهية رونقها ودلالاتها خاصة وأن
الغالبية العظمى من المدعوين كانوا، كما ذكر سعادة السفير عبد
الكريم هاشم "من المحرومين من دخول هذه السفارة!".
لقد بدأ الاحتفال بكلمة ألقاها السيد خوشوي بابكر رحب بها بالحضور
وشكرهم على اهتمامهم المتزايد بتاريخ وميراث البرزاني الخالد،
مضيفاً أن " أن إحيائنا لذكرى البرزاني هو إحياء لتعاليمه ومبادئه،
ووقوف عند فضائله وبطولاته، ومناسبة للإمعان بميراثه الذي لا ينضب
من الدروس والتجارب.. أن ميراثه يعتبر ذخيرة حية لجيلنا وزاداً
معنوياً وروحياً يدب فينا المثابرة والنشاط لتحقيق المزيد من حقوق
شعبنا الأبي". ثم عرج على بعض المحطات الهامة من حياته وذكر ببعض
شمائله ليستخلص: "كل الدلائل من حولنا تشير إلى أن هذا الزعيم
الخالد لم يمت أبداً، بل أنه يعيش في ذاكرة الشعب الكردي، وليس
الإقبال الرسمي والشعبي الكبير لإحياء هذه الذكرى في كل مناطق
كردستان إلاّ إثبات وتأكيد على ذلك"
بعد هذه الكلمة المقتضبة ألقى البروفيسور أورديخاني جليل- (من قسم
الدراسات الكردية في معهد الإستشراق في مدينة سان بترسبورغ)،
محاضرة علمية "حول حياة البرزاني في الإتحاد السوفيتي السابق" جاء
فيها: " أن شخصية البرزاني، كقائد عسكري وسياسي؛ وخصائله الذاتية
في التحمل والصبر والتواضع الشديد بالإضافة إلى شجاعته الفائقة
وإقدامه الجسور على إتخاذ القرارات الهامة، في الزمان والمكان
المحددين، جعلت منه شخصية نادرة.. استطاع أن يغير مجرى تاريخ شعبه
ويحقق ما لم يستطع أي قائد كردي آخر تحقيقه" وقد تخلل محاضرة
ألبروفيسور أورديخان سرد جميل لبعض ذكرياته الشخصية مع القائد؛
فكما هو معروف كان السيد أورديخان قد التقاه في موسكو قبيل عودته
إلى العراق عام 1958. وقد نشر بنفسه جزءاً هاماً من تلك الذكريات
في الصحافة الكردية والروسية، (وضمنها الكراس الذي صدر بمناسبة
الذكرى الميئوية باللغة الروسية).
ومن بين الشخصيات العلمية كا ن
للأكاديمي الكردي شكرو محويي كلمة في هذه المناسبة. لقد ركز السيد
محويي على أهمية هذه الذكرى "التي تتوافق هذه السنة مع النجاحات
الباهرة التي حققها الشعب الكردي في كردستان العراق والتي تعد
جزءاً لا يتجزأ من ثمرات نضاله، وتتويجاً لنتائج الصراع المرير
الذي خاضه هذا الرجل العظيم". والأكاديمي شكرو محويي الذي له
إسهامات علمية كثيرة في تاريخ الشعب الكردي، ذكر في أكثر من موضع
في كلمته، ان مثل هذا الرجل النادر " بصفاته وموقعه وأهميته تحول
وبحق إلى راية حقيقية مميزة للشعب الكردي عامة. وأصبح أسمه مرادفاً
لمعنى ومضمون كلمة الكرد" وقد ركز على أهمية "الإخلاص والتفاني
الرائعين في شخصية البرزاني" كصفات أساسية، وأسباب حقيقية وسر
لنجاحاته. وقد قال بكثير من التأثير أن "هذا الشخص لم يرض بالقصور
والإمتيازات المادية الكثيرة التي عرضتها عليه الحكومات
العراقية...وقد "فضل دوماً العيش كبيشمركه عادي بين أبناء شعبه على
حياة البذخ والرفاهية"، لقد كان معياره في حساب المنجزات هو مدى
تطابقها مع حلم وحقوق شعبه بالحياة الحرة، وهذا ما ميزه عن
الآخرين".
وفي القسم الخطابي كان هناك أيضاً عدة مداخلات وكلمات لممثلي بعض
المنظمات الكردية ككلمة ممثل "الدائرة الثقافية الكردية الذاتية"
السيد مطلب أوصمانوف وكلمة ممثل "تجمع الأكراد السوريين في موسكو"
السيد مصطفى سينو، وكلمة الحزب الشيوعي العراقي التي ألقاها
الأستاذ حسن النداوي...وبعض المقاطع الشعرية الجميلة باللغتين
الكردية والروسية، القتها السيدة غولنار نابييف.
إلا أن أكثر الكلمات التي استحوذت على اهتمام الجمهور، وقُطعت عدة
مرات بالتصفيق الحار، كانت الكلمة المؤثرة للسفير العراقي الأستاذ
الفاضل عبد الكريم هاشم، الذي قال في معرض حديثه: " لقد أصبحت سيرة
هذا الرجل العظيم الذي قارع الظلم والطغيان منذ نعومة أظفاره شعلة
أنارت وتنير الطريق لكل الشعب العراقي بكل مكوناته..وأصبح هذا
الرجل الداعية الملا مصطفى البرزاني مفخرة لنا جميعاً". ثم أضاف أن
"انتصار الشعب العراقي بكافة مكوناته يمر اليوم في ظروف صعبة، لكن
يخطأ من يراهن على حسابات الوحدة الداخلية أو يتحين الفرص لإجهاض
منجزاتنا العامة...أن النضال المشترك يلهمنا للمضي إلى الأمام،
وبتحقيق الغد المشرق لكافة شعوب العراق الذي ينبغي أن يكون
ديمقراطياً، فيدرالياً، يؤمن بالحرية كقيمة عليا وبالتعددية
واحترام الخصوصيات كطريق لتجذير التآخي بين العرب والأكراد
والتركمان والآشور. وقد ختم كلامه بالدعوة إلى رص الصفوف والتعاضد
"من أجل أن يكون العراق مثالاً يحتذى به في كل المنطقة".
هذا وقد تتوج الحفل بالأغاني الوطنية والشعبية الفولكلورية وفي عقد
حلقات الدبكة الكردية الكلاسيكية التي شارك فيها الجمهور بحماس..
وهكذا تحولت السفارة العراقية لأول مرة المكان الذي أحتفل فيها
الجالية الكردية بإحدى أعز المناسبات الوطنية لتترك دلالات الحدث
الجلل آثارها بعمق في مشاعر الجمهور الذي حرم فترة طويله من زيارة
المكان...حيث تحولت الذكرى العارمة بمعانيها ووقعها في خلدنا
كالأعلام المخبئة طويلاً بين أضلعنا لترفرف بكبرياء على صحوة
الابتهاج الحقيقية؛ وتتساقط دمعات الفرح من مقلتي في المكان الذي
تعالى منه السنة النار في ذاكرتي.. |