|
مكعبات الضوء
المشطور ....قـصة
بـِيـَد
جـِوانىِ عـَـبْدال ـ قبل شرب الشاي
يُرى وهو يحمل حقيبة على كتفه ، ويسير بوهيميا على رؤوس أصابعه ،
ويتمطى مع كل خطوة وأخرى ، ويتطاول برأسه وينظر آرمة معلقة بتمعن
فوق أحد الدكاكين .. يلهث ويقول :
ـ آه .. هاهو ، لقد وصلت إلى مبتغاي سريعا .. هه ها.
ويدخل برجله اليمنى - تبركا وتيمنا بفأل حسن - عتبة لمحل ما ، ويقف
محييا .. يلقى الإجابة بمثلها من الذي يجلس في كرسيه المهترئ ، وقد
تناثرت من حوله على الطاولة التي أمامه مجلات وصحف .. وأخرى كتب
مبعثرة هنا وهناك ، وعلى الرفوف مصفوفة مكومة ، وقد زين الجدران
بصور لممثلين وممثلات مكشوفات الجسم اقرب للعري في أوضاع وحركات
مفضوحة، كل ما في المكان يضيق بما حوله .
ـ العفو عن فضولي .. أرجو أن لا أكون قد أخطأت في ما أنا فيه ،
أعتقد أنك الأستاذ برنسي ..؟
ـ نعم كما ترى , تفضل ..
وقدم له كرسيا و أشار إليه ليتفضل ، حدس على انه ليس زبونا للمحل ,
وان له طلب خاص كما يبدو من هيئته ..
ـ نعم , تفضل .. حسنا ما الامر .. ؟ !
جلس حيث أشار له , وأنزل سيور حقيبته من أعلى كتفه ووضعها في حضنه
لبعض الوقت .. وبعد هنيهة أنزلها بين قدميه ومن ثم ليركلها إلى جنب
آخر ، جال ببصره في المحل من تحت إلى فوق وهو يمسح بيده حبات عرقه
، و يختلس نظرات إلى الأستاذ برنسي ويتسائل في سره :
ـ وهل يجوز ذلك .. كيف يُجمع بين الأضداد -و المتضادات .. كاتب
وبائع تشكيلة ، هذا واقعنا .. المهم : وهذا هو برنسي ولقد وجدت
ضالتي ..
ـ في الحقيقة والواقع .. أنا .. وأسمي { برسين داو } وأعمل في
إعداد دراسة بانورامية للحركة الأدبية بشقيه الشعري والقصصي في
منطقة ناستا دروك الجزيرة .. من خلال هذا الهامش الديمقراطي ، وهي
حلقة بحث أتقدم بها لسنتي الدراسية –الجامعية الأولى (وهي لمقالة
صحفية ) ، وبعد سؤال واستفسار دلوني عليك لأخذ فكرة عن الحركة
الأدبية والثقافية هنا في مدينة دارسوك ، لذا أرجو أن لا أُخَيّب
الظن .. كما وأرجو أن لا أزعجك ..؟!
وصار أثناءها برسين داو يكش بيديه ، وقد بسط أنامله على وجهه
ترطيبا للجو الخانق هنا لغرفة المحل، وقد تندى جبينه بقطرات عرق
باردة لزجة ، يلتفت برأسه ذات اليمين واليسار ، وهو يتفرس في وجه
مضيفه المزعوم برنسي بتقاطع النظرات والأعين ، وثقلت الكلمات من
مخارجها .. وهو في العمر يبلغ الثلاثين او الخامسة والثلاثين حولا
.
حدس الأستاذ برنسي من إشارات ضيفه ومن تعرقه ومن تلزج شفتيه ..
بأنه عطش ولابد ، فقدم له ( صلحية ) ماء كانت مركونة هناك , وارجع
بعض جسده للوراء إلى آخر المسند , وقد فهم من كلماته أيضا , فأجاب
باقتضاب وقد ارتد للوراء في عمق كرسيه الفضفاض المهترئ , وعب من
الهواء كيلو غراما إضافيا ليثقل نفسه (وليس الاصح ليترا اضافيا,),
ونفخ به صدره وأوداجه :
- لقد وصلت .. بكل تأكيد ، لقد وصلت إلى بغيتك .. ولكن لتستحمل هذا
الحر قليلا .. يا سيدي .. وقبل كل شئ لنعدل في مزاجنا بكأس شاي
ساخن .. وهو كما ترى جاهز أمامي ، وكما يقال انه يرطب الجسم ..
وأهلا وسهلا .. وأوف من هذا الغبار الملعون يتطاير أفقيا وعاموديا
، ويركن على كل شئ حتى حوله إلى كأبة مقيتة ، أوف من كل هذا ..
إنها دشتا ماردين ، العمى فيما رمى ..( وأردف مكملا بعد إن أعد
كأسين من الشاي ) ـ إنها كما ترى دارسوك بلدة ريفية .. لمجتمع قروي
جاهل .. المهم يا سيدي .. لا أريد أن اوجع لك رأسك , اشرب ماءك ..عفوا
اشرب شايك بتلذذ ..
وبعد هنيهة .. وقد تمعن جيدا في ضيفه وهو يحاول أن يكون لطيفا
مؤدباً .. يتفرسه من تحت إلى فوق وقد فرد صدره في كرسيه الفضفاض
المهترئ .. تنحنح وتمايل في موال بهاء للأخير المؤجل ..
ـ قلتَ لي بان أحدهم دلّكَ عليّ .. ومنْ هم ..هه ؟؟
ـ أستاذ عيواز صاحب ومدير مجلة شانشيك Sansik ..
ـ هه هها .. يعرفوني كما ترى .. هه هها .. ولا أعرفه ، مشهور أنا
.. كما ترى .. ؟!
وحينها .. يدخل أحدهم ويطلب شراء علبة سجائر ، يتأمله برنسي لبرهة
كمن يقول : وهذا وقتك .. فيرد عليه دون النظر أليه برؤوس أصابعه
طاردا .. :
ـ عد بعد قليل .. او بالأحرى لا يوجد ما تطلب ..
2ـ بعد شرب الشاي
يتفرس الصحفي برسين داو في مضيفه/ برنسي/ ، فيرى أمامه رجلا في
العقد الرابع اقل او اكثرا يزيده .. وقد وضع نظارة ملونة عادية على
مقدمة انفه ، ليغطي كبرها وانخفاس جبهته ، ويفرق شعره الغزير
المصبوغ على ما يبدو ، كالمراهقين بغرة لولبية كغرة الحمام { قمر
بوردة } في منتصفها ، حليق الوجه أمرد .. ولكن الآن قد مر على
حلاقته أكثر من يومان كما قدر ذلك برسين داو ، فوق تجاعيد سوداء ..
بيضاء (أي تجاعيد مسطحة) ، ويظهر من تحت إطار النظارات منتوفُ
حاجبيه .. ينظر من تحت نظارتيه حين يرفع رأسه ، وينظر من فوق حين
يخفض رأسه ، وقد نفخ في أوداجه وفي ريشه السادة ، كما قد فرد
اليدين على مقبض مسند المقعد الفضفاض والمهترئ بعد أن رشف من الكأس
التي أمامه ، ولف بحركة دائرية رأسه .. قال برسين داو في ذات نفسه
:
ـ هذا من حقه ..هاهه ؟؟!!
ـ قلتَ لي بأنك تسأل عن الحركة الأدبية .. أقول وأضيف إليها الحركة
الفنية .. لقد ابتدأت بيّ ، وأنا في الثالثة عشرة من عمري . إن
الأدب بشقيه كما تفضلت بالقول .. الشعر والقصة وكذلك المقالة في
دمي .. أقوله على السليقة ، فلقد نشرتُ مجموعة شعرية ،قبل أن تنشر
أي مجموعة لأي أحد وقبل أن يتجرا أحدهم على طباعتها ، لقد نشرتُ
قبل تيريز وبيبهار وما لا اعرف ، يا سيدي إنها ابتدأت بيّ ، ونشرتُ
أخرى للأطفال ومجموعة قصصية تحت الطبع ومخطوطات مسرحية .. وأخرى
كثيرة ،،هه هها .. وقد نشرت في القامشلي وفي دهوك وبيروت واستنبول
.. بحيث لا تخلو مجلةٍ إلا ولي فيها مساهمة بمادة او مادتين ، رغم
ضعف تلك المجلات والإصدارات .. والتحفظ على ما تصدره مبتورة من
مساهماتي, ولكن .. المهم...
وصار يعدد ويسهب في مدح ذات نفسه ,وفضائله الجمة ويده البيضاء في
الأدب والثقافة وفي الفن ..
وتمطى بيده إلى هذه الزاوية او إلى الأخرى ساحبا مجلات وصحف وبات
يقلب فيها دون أن يتممها بين يديه ، ويشرح كل قصيدة او نص او مقالة
او أقصوصة منشورة هنا والمناسبة التي لها ذكرى خاصة لديه ، وتمطى
الحديث .. لابد انه كان شيقا واستحوذ على اهتمام برنسي حين وجد
أذنا تصغي .. ومن ناحيته اخذ راحته إلى أقسى مداها ، إلى أن تمطى
برسين داو وسمع مواء قطط ، ورأى كيف كان يعلو دخان متلون من الجوار
ومن أصابع صاحبه برنسي ، كأنها تنبع من تجعيدات صوته ، ومن عطر ماء
عرقه ..
ـ حسنا والله ..حسنا أستاذ برنسي ( قاطعه برسين داو وهو يرفع رأسه
من بين أوراقه التي كان قد فردها أمامه على الحقيبة ، وهو الذي كان
يملي من إجابات برنسي ).. نعم .. نعم .. الآن عرفت عنك ..الكثير ..
أنت ولاشك استثناء .. أريد أن أعرف : وماذا عن الآخرين ، من كان
قبلك ومن كان بعدك .. وكيف استمرت ..
- وماذا تقصد هه .. كما ترى أني اشرح لك ..هيا .. هيا اكتب ما
أقوله لك ..
- ألا يوجد غيرك .. جوان ، شفان ، بهار .. كالان .. العفو أريد
بانوراما .. يا أستاذ .!!
- يا لعقلك .. وتصدق ذلك ، من قال لكَ ودلكَ ، إن ما ذكرتَ من
أسماء لهي عالة على الأدب ، يا .. أقلت لي بان اسمك برسين داو ..
يا سيدي أنهم عالة على الأدب .. ولا تفهم الخيط من الحيط .. لقد
جئت إلى النبع وأنا هو ، ودعك من المجاري ، ومن الترهات وال .. إن
لاسمي كما ترى ..
- عفوا أستاذ هذا يكفي ، { قاطعه بحدة } عرفتُ عنك وماذا عن
الآخرين ، متى وأين .. عن أي فراغ تتكلم ..
- وماذا عن ماذا .. ماذا أقول له وبماذا يرد علي .. وأنت أيضا لا
تعرف أن تفك الخط من الخيط .. انك على ما يبدو ستكون صحفيا ..
ولابد ..فاشـ ( ولف بيده أصابعه ، دليل من لم يعجبه الموال )
- مع احترامي ، انك تسد النفس .. ابتدأت بك وانتهت بك ، حسنا ..
الى هنا وكفى ، وها أني أمزق ما نقلت عنك ، لأني بالأصل لم أدون
شيئا مفيدا ، لن أريد هذه البانوراما منك ، يخلف الله على تعبي ،
خسرنا أجرة الطريق ومشقته وتعرفنا بك ، وكسبنا شرب ماء مثلج وكأس
شاي ، إن كنت لوحدك فما الداعي لرسم خارطة للمشهد الثقافي والحركة
الأدبية . . إن النقد لا يصير بواحد .. كمن يشارك في سباق عدو ..
بالتأكيد سيكون الأول في الوصول ، مهما سار وكيف ما كان ، وسيكون
الفائز الأول حتما .. إن بوردة واحدة لا يتجمل الربيع ، ومن يفعلها
سيكون متعجرفا حينما اسقط من هم حوله ..
.. كان المضيف يتأتى بين كلمة وأخرى فاغر الفاه ، ويحمحم مقاطعا ..
ولكن برسين داو لم يمهله لتقاطع مصحح ، أردف بعناد متابعا قبل أن
ينسى او يفقد حماسه الذي أبتدأ به ، وقد تمسخ واصبح منفوخا كضفدع
او كمثل المتحول- هالك - مخضراً ~ مشعراً ، أزرق العينين ، متهدج
الأوداج ، مكشراً كقط مستفز.
- غشيم والله ..[ بالكاد لفظها مترادفة ، ومكملاً لإيضاح مهدئ ] ،
إن الوردة التي ذكرت هي الربيع ..
- قال لا يوجد غيري , والله حكاية ، مبيد الحشرات .. وعنكبوت جالس
على شبكته الواهية ، وخيوطه هالك .
* جـِوانىِ عـَـبْدال
|