|
|
|
|
|
k.binxetê.08.10.07.09.35.GMT
لبنان : هل يفسد السياسيون ما أصلحه العسكر ؟!
عبداللـه إمام
احتفل الجيش اللبناني في ذكرى تأسيسه هذا العام ، المصادفة للأول
من شهر آب / أغسطس، بطقوس اختلفت كلياً عما هو متبع لدى جيوش
العالم وعما هو متبع لديه هو بالذات منذ يوم تأسيسه. فقد كان
الاحتفال بفتح مكثف لنيران الرشاشات والمدافع وتحليق مستمر لطائرات
الهليوكوبتر ممزوجاً بدماء العشرات من العسكريين اللبنانيين الذين
استشهدوا في ساحة المعركة التي حولت مخيم نهر البارد إلى أكثر
الأماكن دفئاً وسخونةً.
تلك هي الأيام التي قارب عددها المائة في تحرير/ تطهير المخيم
المذكور من عصابة «فتح الإسلام» الإرهابية والقضاء على تلك العصابة
قتلاً وجرحاً وأسراً.. وكانت نهايتها متوجة بخروج كافة اللبنانيين
إلى الشوارع والساحات فرحين بنتيجة المعركة ومحتفلين بالنصر الوطني
ومعتزين بالجيش ذي الإمكانيات المادية المتواضعة والإمكانيات
المعنوية العالية.. إلى درجة أن بعضاً من اللبنانيين الذين حاولوا
في بداية المعركة تجييرها لصالح توجههم السياسي، وخاصة قوى
المعارضة التي ذهب بعضها إلى اعتبار مخيم نهر البارد خطاً أحمر
ومحاولة خلق جو من التردد والارتباك لدى الجيش اللبناني في دخول
هذا المخيم وحسم «معركة البارد»، هؤلاء – وبعد أن أصبح الانتصار
أمراً واقعاً – عادوا أخيراً ليعتبروا أن النصر نصرهم وأن هذا
الإنجاز الوطني للجيش يدخل في صالح توجههم السياسي وفي خدمة لبنان
أرضاً وشعباً..
لقد كان لهذا الإنجاز الوطني الذي حققه الجيش اللبناني نتائج هامة
يمكننا في هذه العجالة التطرق إلى أبرزها:
- فقد احترقت إحدى وريقات الشر التي استخدمت من أجل زعزعة أمن
لبنان وضرب استقراره والمساس بسلامته ووحدته لسلب سيادته والسيطرة
على قراره، أو باختصار: «تكسير لبنان فوق رؤوس اللبنانيين»..
وتبددت آمال أصحاب هذه الوريقات في تحقيق غاياتهم التي حضّروا لها
منذ أشهر عديدة في تدريب عناصر «فتح الإسلام» وتسليحها حتى وجدوا
الوقت المناسب لإصدار الإيعاز إليها بتنفيذ العملية وتحويل لبنان
إلى مستنقع لاستحراب أهله واستنزاف جيشه واستهلاك حكومته.
- وإن احتراق وريقة الشر هذه أدى إلى خلق حالة من الشك في قدرة
وريقات الشر المتبقية في تحقيق وتنفيذ ما يطلب منها عند الطلب،
وبالتالي سيتم إعادة النظر في تلك الوريقات إما تقوية لها أو
تخلياً عنها أو عن بعضها حسب مصالح مالكيها وأوضاع «مزارعهم»
والمصائر التي يواجهونها في المستقبل القريب.
- كما أن هذه المعركة قد أعادت الاعتبار إلى الجيش اللبناني الذي
كان مشكوكاً في قدرته، بل وحتى وطنيته، من لدن بعض القوى اللبنانية
التي منعته على مدى سنين طويلة ولا تزال تمنع القوات المسلحة
اللبنانية من بسط نفوذها وممارسة واجباتها الوطنية وصلاحياتها
الدستورية في بعض الرقع من الأرض اللبنانية. ويفترض، أمام هكذا
نتيجة، أن يعاد النظر في هذا الأمر بحيث يتاح المجال للجيش
اللبناني وقوى الأمن الداخلي اللبنانية لممارسة صلاحياتها ومهامها
في أية بقعة من أرض لبنان ودون أن يمنعوا من ذلك وبأية ذريعة كانت.
- واستطراداً ، فإن هذا الجيش وهذه القوى الأمنية ينبغي أن تكون
الحاملة الوحيدة للسلاح ، وينبغي أن يصار إلى تجريد كل من يخالفها
من السلاح، سواءً أكانت مجموعات لبنانية أو غير لبنانية مقيمة على
أرض لبنان.
- وكانت إحدى أهم النتائج المباشرة لـ «معركة البارد» سقوط شعار
«حكومة الوحدة الوطنية» لدى قوى المعارضة اللبنانية التي تمسكت
بهذا الشعار مراراً وتكراراً وبحثت له عن تعابير مختلفة ومخارج
شتى، وعطلت من أجله وبذريعته البرلمان اللبناني عن الانعقاد
وممارسة المهام الموكلة إليه، حتى وصلت إلى طريق مسدود بعد أن
انتهت المعركة واقترب الاستحقاق الرئاسي ولم يعد ثمة مجال للعب
بورقتين معاً، فبقيت ورقة «الرئيس التوافقي» وحيدة يُلوَّح بها.
ويُتوقع أن تكون الأيام القادمة معركة خاصة بالملف الرئاسي دون
غيره بعد أن انطوى ملف حكومة الوحدة الوطنية، وقبله ملف المحكمة
الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني
الأسبق الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
في خضم هذه النتائج الإيجابية التي كان للجيش اللبناني الدور
الأساسي في تحقيقها، وبينما توقّع البعض استثمارها سياسياً لمصلحة
لبنان، صدم جميع الخيًرين باغتيال النائب اللبناني الشهيد انطوان
غانم قبل ستة أيام من موعد الجلسة البرلمانية المخصصة لانتخاب رئيس
للجمهورية اللبنانية، وجاء ذاك الاغتيال كحلقة أخرى من سلسلة
الاغتيالات السابقة التي استهدفت شخصيات لبنانية بارزة ومؤثرة،
بهدف إسكاتها والتأثير على الأغلبية النيابية التي ينتمي إليها
المغتالون جميعاً بإنقاص عددها وتعطيل قدرتها.
ولم تخيّب الأقلية البرلمانية توقعات استثمارها للاغتيالات
المذكورة، فكانت مقاطعتها لجلسة البرلمان اللبناني يوم 22 أيلول /
سبتمبر 2007م تعبيراً عن تماديها في الوصول إلى النتيجة التي
تنشدها هذه الأقلية: «ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم»، في مخالفة
صريحة لبنود الدستور اللبناني الذي يلزم النواب بالحضور.
والآن .. وبعد أن تم وضع موعد آخر هو الثالث والعشرون من شهر تشرين
الأول / أكتوبر 2007م لانتخاب رئيس للجمهورية، وحيث أن هنالك عدداً
من الأيام التي تفصلنا عن ذاك الموعد الذي يسبق انتهاء ولاية رئيس
الجمهورية الحالي بشهر واحد فقط، فإن المطلوب من جميع اللبنانيين
عدم تفويت الفرصة، واستثمار هذا الوقت المتبقي القصير نسبياً
للوصول إلى انتخاب رئيس للجمهورية، سواء أكان بالتوافق، أو حسب
الأصول الدستورية التي تعطي الحق للأكثرية البرلمانية بانتخاب رئيس
من بين المرشحين للرئاسة، بأغلبية الثلثين في الدورة الأولى
وبالأغلبية العادية فيالدورات التي تلي الأولى.. وهنا لا بد من أن
تسلك الأقلية البرلمانية السلوك الذي تتطلبه المصلحة الوطنية
اللبنانية ونصوص الدستور اللبناني، دون الرضوخ لإرادة القوى
الخارجية التي لا يهمها في هذا المجال سوى مصالحها الخاصة بها.
بهذا يكون السياسيون اللبنانيون قد تابعوا مسيرة ما أصلحه الجيش في
معركة «نهر البارد»، وبخلاف هذا يكون السياسيون قد أفسدوا ما أصلحه
العسكر.
baveroni@yahoo.com
ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) عضو مجلس الأمناء في المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان
والحريات العامة في سوريا (DAD).
|
|
|