|
|
|
|
|
bê.11.12.07.09.15.EU
فاتح رسول في كتابه: صفحات من تأريخ كفاح الشعب الكوردي
كيف يعمل المناضلون من أجل تحريم قتال الأخوة وتقريب وجهات النظر
المختلفة؟
أحمد رجب
تحررت شعوب عديدة في الماضي بنضالها الدؤوب وكفاحها المستمر حيث
ساعدتها العوامل التاريخية والجغرافية
وظروف
التطور الإجتماعي من تشكيل دولها والمضي في تقويتها وترسيخها وإلى
جانب هذه الشعوب المتحررة بقت شعوب تناضل في سبيل إستقلالها ونيل
حقوقها المغتصبة من قبل الأعداء والمحتلين الذين يحاولون بطرق
مختلفة من تشديد الخناق على المطالبين بالحقوق وتعقيد الأوضاع ومن
أجل ذلك يدفعون بإتجاه إشعال الفتن والنزاعات القومية.
وبالنظر من أهمية تحرر وإستقلال الشعوب خاض الشعب الكوردي في جميع
أجزاء وطنه المحتل من قبل الأعداء كفاحاً عنيداً وشاقاً قلّ نظيره
حاله حال الشعوب الأخرى في العالم، وفي هذا الإطار دفع المؤرخ
والباحث الأستاذ فاتح رسول كتابه : {{صفحات من تأريخ كفاح الشعب
الكوردي}} إلى الطبع على (3) أجزاء وبـ (1738) صفحة من ورق
الفولسكاب، أي الحجم الكبير.
الكتاب أو(الأجزاء الثلاثة) من الكتاب من تأليف الأستاذ فاتح رسول
باللغة الكوردية، ومن ترجمة وتقديم الأستاذ الأديب والكاتب الكوردي
المعروف والباحث القدير كمال غمبار إلى اللغة العربية، والأستاذ
كمال يقول في مقدمته كمترجم:
{{انّ أي كاتب أو باحث حين يتصدى لمشروع كتابي في مجلدات، يعتمد
أساساً إحدى الركيزتين الأساسيتين للنهوض بمهمته، إمّا أنه يعوّل
على المصادر والوثائق والمراجع المتوافرة بين يديه، أو أنّه
بمعايشته للأحداث والوثائق يتمكن من معالجة بحثه أو دراسته}}،
ويضيف الأستاذ كمال قائلاً:
أستطيع القول بأن مؤلف {{صفحات من تاريخ كفاح الشعب الكوردي}}
العضو القيادي السابق للحزب الشيوعي العراقي (فاتح رسول) وجد نفسه
محظوظاً حينما اقدم على مشروعه الضخم وهو يعايش الأحداث والوقائع
بدقاتها وتفاصيلها وفي متناول يده أدبيات الأحزاب الكوردستانية
والعراقية.
والأستاذ فاتح رسول غني عن التعريف ليس في كوردستان فحسب، وإنّما
على نطاق العراق، فهو شخصية كوردية وطنية، ومنذ عمر الصبا والشباب
تعّرض للفصل والإعتقال، وحكم عليه لأول مرة سنة واحدة بالسجن بتهمة
دفاعه عن البارزانيين، وتم فصله نهائياً من الدراسة في الثانوية (الأعدادية)
عام 1949 وحكم عليه في المحكمة العرفية العسكرية ببغداد بالسجن سنة
واحدة، وسنة أخرى تحت المراقبة بتهمة إنتمائه للحزب الشيوعي
العراقي، وفي عام 1955 حكم عليه بالسجن مدة ثلاث سنوات، وثلاثة
أشهر تحت المراقبة وقبل إندلاع ثورة 14 تمّوز 1958 بثمانية أشهر
أطلق سراحه.
بعد المؤامرة القذرة في 8 شباط الأسود عام 1963 ومجيء الشرذمة
الضاّلة من البعثيين إلى حكم العراق إضطرإلى الإختفاء والتشرد
والتوجه إلى جبال كوردستان الشماء حتى عام 1970.
وعند إشتداد الحملة الهيستيرية للنظام الدكتاتوري الأرعن على
الحركة الوطنية عامةً وتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي خاصةً إضطرّ
مرة أخرى التوجه للجبال في بداية عام 1979 وعاش حياة في غاية الشدة
والصعوبة إلى أواسط عام 1986.
وأصبح الأستاذ فاتح رسول في عام 1960 عضواً في أقليم كوردستان
للحزب الشيوعي العراقي، وكان لفترة من الزمن السكرتير الأول للجنة
أقليم كوردستان ومن عام 1973 وحتى إنعقاد المؤتمر الرابع للحزب عام
1985 عضواً قيادياً في اللجنة المركزية.
بقي منذ عام 1986 في سوريا حتى عام 1989، وهو الآن يعيش في السويد.
يقول الباحث والمؤرخ فاتح رسول في مقدمة الجزء الأول من الكتاب:
تعد حركة التحرر الكوردستاني من أقدم حركات التحرر في الشرق الأوسط،
حيث أنّها ومنذ أكثر من قرن، كمعبّرة عن أماني وأهداف تطلعات أمتنا،
واجهت السلطات الإستعمارية والإحتلال الأجنبي بهدف إيصال شعب
كوردستان إلى حق تقرير المصير والإستقلال الوطني.
في الأجزاء الثلاثة من الكتاب يروي الأستاذ فاتح رسول بصفته قائداً
شيوعياً (آنذاك) في الميدان، في التنظيم الحزبي وتنظيم الكفاح
المسلح، وهو المطلع على كل سياسة حزبه الشيوعي العراقي وسياسة
الأحزاب الصديقة والعدوة، فهو ينتقد هذا الطرف أو ذاك، ويكتشف
مكنونات ما يدور في خلد وعقول الأطراف، ويكشف الأسرار التي رافقت
المسيرة الثورية والكفاح المسلح ومحاولات هذا الحزب أو ذاك
الإستئثار على ساحة النضال ضد مواقع النظام الدكتاتوري، ويشير
بصراحة إلى المساومات والمفاوضات بين الأحزاب والسلطة القمعية في
بغداد، ويحلل هذه الأمور ويعطي الأجوبة حسب تقديره ورؤيته ويقّيم
عالياً الجهود من أجل ترسيخ الإخاء بين الأحزاب الكوردستانية
والعراقية، والأحزاب الكوردستانية في الأجزاء المحتلة والمستقطعة
من كوردستان، وينتقد بشدة التوجهات ذات الطابع العدواني بين
الأطراف السياسية، وانّ إنتقاداته من أجل تصحيح المسيرة الثورية
لحركة الشعب الكوردستاني التحررية، والإشارة إلى الأخطاء التي
رافقتها، والأستاذ فاتح يريد من نظرته ورؤيته وإنتقاداته للأطراف
المتصارعة والمتحاربة والمساومة للدكتاتورية بناء صرح أخوي للتفاهم
والحوار، والإبتعاد عن كل مايسيء للحركة، وإنتقاداته ليست من أجل
التجريح، وانّما من أجل التقويم والإستفادة، وكتبه موجودة في
الأسواق والمكتبات، ومن يريد توضيح أو توجيه إنتقاد للأستاذ، فإنّه
يستقبل التوضيحات والآراء والإنتقادات بصدر رحب.
يقول الدكتور والشاعر رفيق صابر الذي كتب هو الآخر مقدمة للكتاب:
ان تناول هذا الكتاب يلزمني وان كان بشكل التعبير عن الرأي، ان
أتحدث عن (دور شيوعيي كوردستان) في الحركة الكوردية لأنّه بالرغم
من فرط إخلاصهم وتضحياتهم وبطولاتهم لم يحتلوا لحد الآن موقعهم
اللائق بهم في حركة شعبهم، وظلوا اليوم أكثر مما مضى كأتباع ومقتفي
آثار القوى الكوردستانية.
ويرى السيد رفيق صابر بأنّ سبب تلك الظاهرة الرئيسي ينبع أساساً من
انّ شيوعيّي كوردستان ـ العراق لا زالوا (منتهجين ومقيدين) بحزب
عراقي شامل، والذي هو جزء من الحركة العربية، والحزب ينظر إلى
مصالح شعب كوردستان من خلال مصالح الشعب العراقي والعرب.
ويضيف قائلاً:
أنّ الظاهرة المشار لها أعلاه تضع قضية الحزب (الشمولي) في البلدان
المتعددة القوميات، ومتعددة الأوطان تحت طائلة التساؤلات والشكوكية،
وتصبح لدى مواطني الأمة الخاضعة لتلك البلدان اسطورة، لأنّ من
المستحيل أن تقدر مثل تلك الأحزاب التعبير بمعيار واحد عن تطلعات
وإرادة وأماني الأمم المتسلطة الحاكمة، وعن الأمم الخاضعة المحكومة.
لا شكّ ان الموضوعات والوثائق المتنوعة في هذه الكتب تكشف لنا
الكثير من الحقائق المخفية، ومن خلالها يتمكن المؤرخون والباحثون
أن يطلعوا إلى حد كبير عن: كيف يفكر قادة الأحزاب الكوردستانية،
وقسم من قادة الحزب الشيوعي العراقي؟ وكيف يتخذون القرار السياسي؟
ما مدى ثقافتهم ووعيهم السياسي؟ وكيف يتصرفون أثناء الشدائد
والمخاطر؟ إلى أي مدى هم بعيدو النظر أو قصيرو النظر؟ إلى أي قدر
يفضلون المصلحة الحزبية الضيقة على مصالح أمتهم؟ كيف يديرون رحى
الإخوة الأعداء؟ إلى أي حد يتألمون للمقتولين ويحرصون على أرواح
البيشمه ركة (الأنصار) ؟؟.
بإعتقادي أنّ ما ذهب إليه السيد رفيق صابر الذي كان في السابق (شيوعياً)
يدل على أفكاره التي فيها مزيج من الإزدواجية والتشاؤم والنرفزة
تجاه القوميات الأخرى، وكأن القوميات تشكل العقبات أمام طموحاته،
وهو بطرحه يبّريء الحكام الذين يقفون في طريق ما يصبو إليه السيد
رفيق صابر، وللسيد رفيق صابرحقداً دفيناً على الحزب الشيوعي
العراقي، ويتمكن القراء لمس هذه الحقيقة عندما سمى السيد رفيق صابر
الحزب الشيوعي العراقي بالحزب (الشمولي)، وهو يثني على(دور شيوعيي
كوردستان) في الحركة الكوردية ويقول: بالرغم من فرط إخلاصهم
وتضحياتهم وبطولاتهم لم يحتلوا لحد الآن موقعهم اللائق بهم في حركة
شعبهم، وظلوا اليوم أكثر مما مضى كأتباع ومقتفي آثار القوى
الكوردستانية. السيد رفيق صابر يثني على دور الشيوعيين
الكوردستانيين ويمدحهم، ومن خلال المدح والثناء يصفهم (أتباع
ومقتفي آثار القوى الكوردستانية)،
وهل هناك حقد أكثر من هذا؟؟، هل نسى السيد رفيق صابر بسرعة البرق
الحقائق عن الحزب الشيوعي العراقي؟ هل نسى نضال الشيوعيين
الكوردستانيين على أن لا يكونوا ذيلاً للأحزاب البرجوازية على
الساحة الكوردستانية؟، ألا يتذكر شهداء الحزب الميامين: رسول سور،
صابركركوكي، الشقيقين عبدالله وقادر ده لكه يى وآخرين في سرية بشدر؟؟
الا يدري السيد رفيق صابر لماذا استشهدوا؟ الا يتذكرالسيد رفيق
صابر رواد الحزب الشيوعي الأشاوس الذين ضحّوا بحياتهم في سبيل
إعلاء راية الحزب والشيوعية، وترسيخ القيم والتقاليد الثورية؟، عن
أي حزب (شمولي) يتحدث؟ أنه يشّوه الحقائق بدوافع مبيته، وأراد من
خلال مقدمته القصيرة التهجم على الحزب الشيوعي العراقي وهذا ديدنه
في كل مناسبة وفي كل لقاء، وممّا جاء في سياق كلامه إساءة إلى
سمعته شخصياً.
السيد رفيق صابر كان صديقي ولا يزال، وقد عمل في صحافة الحزب،
وأرسله الحزب للدراسة في بلغاريا (مرتين)، ونال شهادة الدكتوراه،
وعاد إلى كوردستان لفترة قصيرة، ومن ثمّ لم يكمل مشواره في قوات
الأنصار كالآخرين، وكان أحد المشجعين لخروج الرفاق من الحزب
الشيوعي العراقي وترك صفوفه، وأنضّم إلى مجموعة (الشيوعيين
الكوردستانيين)، ولكنه سرعان ما إنقلب عليهم، وأنساق لتلبية عواطفه
الجياشة نحو أهدافه ومراميه، وشجعّ الرفاق على تغيرأسم (الشيوعيين
الكوردستانيين) إلى حزب يلبي ما في جعبته، ولكنه فشل، ولم يصل
لغاياته، وترك الحزب، وأنتمى إلى حزب العمل لإستقلال كوردستان عند
نشأته، ولكن لم يكن بمقدوره البقاء في كوردستان للقيام بمهمات ذلك
الحزب، إذ خرج وترك حزبه الجديد! (أيضاً)، وأبتعد كلياً عن ترديد
الشعارات الفضفاضة، والحلم الذي كان يراوده، وهو حالياً موظف في
مؤسسة من مؤسسات الإتحاد الوطني الكوردستاني في السليمانية، وكان
السيد رفيق صابر من أشّد أعداء ومنتقدي أصحاب المؤسسة التي يعمل
فيها الآن.
يتحدث الأستاذ فاتح رسول عن الكارثة الدامية لأحداث الأول من آيار
عيد الطبقة العاملة العالمي في بشت ئاشان) عندما شنَ الإتحاد
الوطني الكوردستاني هجومه على مقرات الحزب الشيوعي العراقي، وإزاء
هذه الجريمة المروعة يقول:
أثناء رواية حوادث عام 1983، حاولت بكثير من الدقة والصراحة،
وكأنسان ذو ضمير وصادق بعيداً عن العقلية الحزبية الضيقة، عاش جميع
الحوادث قبل وبعد وقوع الكارثة وسجّلها، أن أوضحها، وكيف كانت
آرائي وتوجهاتي ومواقفي الخاصة آنذاك، والقرار الأخير سيبقى
للتأريخ والمؤرخين !.
نتيجةً لجرائم أول آيار 1983 في بشت ئاشان إستشهد عدد كبير من
الرفاق والمناضلين الوطنيين، لقد ألحقت بحزبنا أضرار فادحة، وعصفت
به هزّة عنيفة وبأحزاب الجبهة الديموقراطية العراقية (جود) وجميع
الحركات الوطنية والقومية والديموقراطية العراقية والكوردستانية
أيضاً.
لقد زاد لهيب نار حرب إقتتال الاخوة إشتعالاً، وأنتشرت اكثر فأكثر
بذور الشقاق والحقد والكراهية والبغضاء والعداء، وخرج القتل
والتدمير في معظم مناطق (سوران) عن الحد. لقد إنتفع النظام الفاشي
العراقي أفضل المنافع من هذه الوقائع المرة الأليمة، وإعتبرها
فرصةً ذهبيةً، وقد دسّ أصابعه السامة في الأوضاع، ومن نواحي كثيرة.
لقد تعبنا جميعاً وتحملنا مشاق ومصاعب كثيرة، وأنتقلنا عبر ثلوج
جبل قنديل الأشم إلى شرق كوردستان (كوردستان إيران)، كانت الحياة
قاسية، وكنا جميعاً، بدءاً من رفاق المكتب السياسي للحزب إلى أصغر
خلية للرفاق البيشمه ركة الأنصار في تفكير دائم ودائب عن كيفية
العودة إلى جنوب كوردستان (كوردستان العراق)، وانتقلنا إلى منطقة
لولان في المثلث الإيراني العراقي التركي.
يذكر الأستاذ فاتح رسول قرار الحزب بالتوجه في نيسان 1984 نحو
الداخل، فاستقرت قوات مركز أربيل في منطقة بارزان، وفي بداية آب
1985 يتلقى الحزب رسالة تهديدية مختومة بختم الشيخ خالد البارزاني
ومسؤول الحرس الإسلامي الإيراني رحمان رضائي والإنذار بإخلاء
المنطقة خلال ستة أيام، وإلا سيتعرض الحزب إلى الهجوم، ويحدث هذا
العمل في الوقت الذي كان الحزب الشيوعي العراقي صديقاً حقيقياً
للبارزانيين، وتحوّل الحزب إلى بادينان، وقد أصبح موقع مقر أربيل
في مضيق (كافي) بمنطقة عشيرة الزيباريين، ومقر أقليم كوردستان في
وادي (مه رانه) في مناطق دهوك، وبقى مقر اللجنة المركزية والمكتب
السياسي في منطقة خواكورك.
يكتب الأستاذ فاتح رسول بصدق وبصراحة فيقول:
إنعقد المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي خلال 10- 15 تشرين
الثاني عام 1985 في قرية (( مه ركه وه روك))، وبعد ثلاثة أيام من
إنتهاء المؤتمر أبلغني الرفيق كريم أحمد بأنّ اسمي ليس ضمن قائمة
الفائزين بعضوية اللجنة المركزية !، فقررت أن أتوجّه إلى الخارج،
وألا أعود قريباً إلى المنظمة الحزبية لأقليم كوردستان، وبعد جهد
جهيد وافق المكتب السياسي لحزبنا دون رغبة منه على أن نتوجه مع
عائلتي عبر طريق طهران إلى سوريا.
يقول الباحث والمؤرخ: بعد أن ركنت إلى الإستراحة قليلاً في مملكة
السويد وصلتني كل الدفاتر والوثائق من موسكو(كانت محفوظة عند
أولادي الذين كانوا يدرسون هناك)، وبدأت بإعدادها بغية نشرها،
كتجربة مساهمتي في الحركة الوطنية القومية في أحلك فترات تأريخها،
نيتي وغرضي من هذا العمل هما أن أضع كل الوثائق والتجارب المرة
العسيرة للسنوات الأخيرة في مسار تأريخ كفاحنا القومي في مجموعة من
الصفحات المكتوبة وأعرضها على أبناء الأمة الكوردية والمثقفين
والمخلصين، آملاً أن تكون محّفزة للبحث عن الصفحات المفقودة لتأريخ
أمتنا المجزأة الأوصال.
وبصدد مسيرة شعبنا الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي الثورية
يقول:
أنّ مسيرة تلك القافلة التي إستشهد فيها الآلاف من المناضلين ستمتد
وتمتد، وقد تركت للجيل الحالي كثيراً من الحكم ودروس الكيف ولماذا،
والإيجابية والسلبية والمفجعة، والنافعة والهامة. أنّ المهمة
التأريخية الواقعة على عواتق المثقفين المخلصين ومناضلي الأمة
الكوردية هي أن يرّتبوا جميع حوادث وتجارب تلك السنوات المريرة،
ويدّونوها بروح نقدية موضوعية، ويقدموها إلى الأجيال القادمة
للإنتفاع بها، ولتكون قافلة كفاحهم أكثر نتاجاً ونجاحاً من قافلتنا.
في (الأجزاء الثلاثة) لكتب الأستاذ فاتح رسول يتعرف المرء، وخاصةً
الذين لا علم لهم بالأحداث الدامية التي شهدها العراق، فخصص فصلاً
تحت عنوان (عادت حليمة إلى عاداتها القديمة) ويشير إلى عودة حزب
البعث العربي ""الإشتراكي""" في العراق إثر إنقلاب مشبوه في السابع
عشر من تموز 1968 على زمام الأمور، كما يشير بأن الحزب الشيوعي
العراقي قد إتخذ موقفاً إيجابياً ازاء أي قرار أو خطوة أو موقف
يتبدى فيه شيء من مصالح الجماهير.
عرف البعثيون كيفية التعامل مع الأحزاب والأحداث عند قدومهم، فهم
ينتمون إلى حزب يعج تأريخه كلياً بالأعمال الإرهابية والممارسات
العدائية والشوفينية والنزعة العنصرية، وكانت الجماهير العراقية
تنظر إلى زمرة البعثيين، بأنّها زمرة تمثل قوة شوفينية وإرهابية،
وتأريخها الماضي مليء بالجرائم والقتل والتآمر، فالجماهير لا تنسى
حمامات الدم وأعمالها الوحشية، ومجزرة الثامن من شباط الأسود عام
1963، وكانوا مثار الخوف والحذر وعدم الثقة والإعتماد من قبل
غالبية الجماهير والقوى السياسية العراقية.
عمل البعثيون حسب استراتيجيتهم واولويات توجهاتهم سحب وكسب الحزب
الشيوعي العراقي إلى جانبهم فترة من الزمن، من أجل التعاون معهم،
وكانوا بأمس الحاجة إلى هذا التعاون، ليس على الصعيد الداخلي فقط،
إنّما على صعيد جميع بلدان العالم وحركات التحرر والسلم
والديموقراطية، بهدف الإستفادة من اسم وسمعة الحزب الشيوعي العراقي.
وحزب البعث عمل على تعزيز العلاقات مع الدول الإشتراكية، كما عمل
بنفس طويل، وكتمان شديد، وإختيار أساليب وطرق مختلفة لتعزيز
مواقعهم وتثبيتها، وتعزيز مراكزهم بشكل جيد، لكي لا يفقدوا مرة
أخرى زمام الحكم !، ولتحقيق هذه الإستراتيجية إنتهجوا سياسة (الغاية
تبرر الوسيلة)، وإذا شعر البعثيون بأي خطر يتم القضاء عليه بكل ما
كانوا يمتلكون من قوة وإقتدار، وكان هدفهم الأول يتركز على القضاء
والإجهاز على ثورة 11 أيلول التحررية 1961 في كوردستان، وكانت
خطتهم الثانية إضعاف الحزب الشيوعي العراقي، والقضاء عليه حسب
أحلامهم وتفكيرهم العنصري الشوفيني.
يذكر الكاتب بأنَ إتفاقية الحادي عشر من آذار 1970 كان إنتصاراً
عظيماً ومكسباً هاماً للحركة الثورية والديموقراطية وجميع القوى
التقدمية العراقية، إلا أنّ النظام الحاكم بدأ منذ البداية يخطط
ويتآمرلإفساد الإتفاقية، فأخذ يضع العراقيل والمعوقات في طريق
تنفيذها، ومع إخفاق ثورة أيلول وإنهيارها أثر إتفاقية الجزائر
المشؤومة في شهر آذار 1975 كشف البعثيون عن وجوههم أكثر فأكثر،
فتمزقت الأقنعة عن معظم الأهداف والنزعات المخفية، وقد لاحت
المؤامرات والمخططات الشوفينية، ونوازع الحقد والكراهية ومعاداة
الأمة الكوردية والديموقراطية كالبدر شاخصاً.
يخصص المؤرخ والباحث فصلاً عن الإرهاب الوحشي فيقول:
أخذت الحملات والضربات الموجهة لتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي مدى
أوسع، فالنظام الفاشي وسّع من نظاق حملته الشعواء من خلال تدمير
وتصفية المناطق التنظيمية واحدة تلو الأخرى، إبتداءً من محافظة
البصرة حيث تساق يومياً مئات من الرفاق والمؤيدين إلى دوائر الأمن
والإستخبارات ومقرات البعث وجميع المنظمات التابعة له، وكانوا
يتعّرضون إلى أبشع أساليب وأشكال التعذيب الجسدي والنفسي، طالبين
منهم إفشاء الأسرار الحزبية والتخّلي عن العمل السياسي مع الحزب
الشيوعي، والتوقيع على تعهد بعدم العودة مرة أخرى إلى الحياة
الحزبية، بإستثناء العمل تحت راية البعث العراقي!، وقد صفيت
تنظيمات حزبنا في وسط العراق وجنوبه. ووصلت الحملة إلى بغداد،
وتحولت المدارس والكليات والمعامل والنوادي والدوائر الحكومية
والنقابات ومقرات حزب البعث إلى فروع التحقيقات الأمنية مع أستخدام
كافة وسائل وأدوات التعذيب، فأرسل الرفاق في قيادة الحزب الذين
كانوا في بغداد رسالة مستعجلة إلى مكتب الأقليم للحزب حملها الرفيق
أسعد خضر، وكنا آنذاك ثلاثة رفاق باقين في مكتب الأقليم أحمد
بانيخيلاني، يوسف حنا، والمؤلف فاتح رسول، وكانت الرسالة قصيرة
جداً وجاء فيها: وصلت حملة النظام إلى بغداد، كونوا حذرين، إفعلوا
ما في إمكانياتكم لصيانة أنفسكم وتنظيمات الأقليم كافة، وفي
الإجتماع الثلاثي تقرر ذهاب الرفيق أحمد بانيخيلاني إلى السليمانية
لإبلاغهم بالأمر، وأن يغادر المؤلف البيت، على أن يبقى الرفيق يوسف،
ويواصل إشرافه على مقر الأقليم.
إستطاع المؤلف وبرفقته المناضل الشيوعي توما توماس بعد سهر طويل
ومشاق ومصاعب الوصول إلى كويه، ومن ثمّ رانية ومقرات بيشمه ركة
الإتحاد الوطني الكوردستاني في منطقة (ناوزه نك).
وفي ناوزه نك كان اللقاء الأول مع مام جلال طالباني الذي سمع
بمجيئنا وعدد من الرفاق الشيوعيين، وخرج من غرفته وأستقبلنا بشوق
وحرارة، فدوى صوته إصطخاباً، مرحباً ومحتفياً بقدومنا، ونادى أعضاء
قيادتهم، وقد جاء جميعهم لإستقبالنا والترحيب بنا.وقد أحسست مع
الرفيق توما توماس بأنّ قيادة الإتحاد الوطني الكوردستاني مبتهجة
للغاية بما آل إليه وضعنا الحزبي من الشدة والقسوة.
وضع العراق مأساوي والنظام البعثي يجلب الويلات والكوارث في كل يوم،
وتأتي الإعتقالات الكيفية والتعذيب الوحشي للوطنيين والشيوعيين من
سائر القوميات والإعدامات وحربه القذرة في كوردستان في أولوياته،
وبالمقابل أنّ العلاقات بين الأحزاب الكوردستانية تمر بفترة عصيبة
وشائكة، ويلعب الحزب الشيوعي العراقي دوراً مشرفاً في إيجاد أرضية
لجمع الأحزاب المتقاتلة وحل مشاكلها بالطرق السلمية، وحول هذا
تختلف الرؤى والتقديرات من جانب الأحزاب، فقسم منها لا تمانع
بالجلوس مع الأطراف المتصارعة، والقسم الآخر يرفض الجلوس، وكل طرف
يريد الإستئثار على الساحة، وفي إجتماع ضمّ رفاق الحزب مع قيادة
الإتحاد الوطني الكوردستاني (اوك) تقرر:
منع حدوث حرب إقتتال الأخوة.
أن يطلق الجانبان أوك والحزب الديموقراطي الكوردستاني (حدك) سراح
معتقلي الطرف الآخر.
إيقاف حملات الإعلام والإعتداءات بين الأحزاب الكوردستانية.
يشير المؤرخ والباحث فاتح رسول إلى الإجتماع الموسع للكادر المتقدم
من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي في توزله (في الجبل) بحضور رفيقين
من لجنة أقليم كوردستان لدراسة نقطتين هما:
بيان الحزب الذي نشره في أواسط شهر آيار 1979، ومقترح الجبهة
الديموقراطية العراقية. وقد توصل الإجتماع إلى جملة من الآراء
والمقترحات والإنتقادات، وأهّمها كانت:
تخلفت قيادة الحزب كثيراً عن حماية الغالبية العظمى من الكوادر
والأعضاء، ومن التهيؤ للنهج الجديد.
تتحمل قيادة الحزب مسؤولية الكوارث التي حدثت، والتي تحدث.
هجمات وإعتداءات وجرائم شنت ضد الحزب، ولكن القيادة لم تنبس ببنت
شفة.
تمر الآن سبعة شهور ووصل عدد من الرفاق إلى المناطق الجبلية، ولهم
كامل الإستعداد للمقاومة دفاعاً عن شرفهم الحزبي، ولكن القيادة لم
ترسل لهم سوى القليل من السلاح والمال.
يلاحظ في بيانات الحزب وإعلامه الإختلاف البين والتناقض، ومواقف
مختلفة في القيادة نفسها.
لم يرفع الحزب شعار إسقاط النظام البعثي الدكتاتوري علناً.
وأمّا عن مواقف البلدان الإشتراكية والكثير من الأحزاب الشيوعية،
فهي خاطئة وخالية من روح الأممية، وليس في آذانهم وقر، وعلى عيونهم
غشاوة المصلحة الضيقة فحسب، بل بالعكس ملتزمون بالنظام العراقي،
ويمدون له يد المعونة والمساعدة بكل الأشكال.
وحول الجبهة الوطنية الديموقراطية بين الأحزاب الكوردستانية
والعراقية يقول الأستاذ فاتح:
أيّد (اوك) سياسة الحزب للتقارب بين القوى العاملة على الساحة،
وردّت القيادة المؤقتة للبارتي (حدك) على مقترح الجبهة، وكانت جميع
آرائهم وملاحظاتهم إيجابية، وأبدوا إستعدادهم حول كل أنواع التعاون
والتنسيق والكفاح المشترك في سبيل إسقاط النظام البعثي، وتشكيل
حكومة إئتلافية ديموقراطية، ونحن نتحدث عن الجبهة إستلمنا من إحدى
منظمات حزبنا بأنّ أجهزة المخابرات أرسلت عميلاً يدعى (حسين رسول
ميران) من أهالي قلعة دزة إلى المنطقة للتجسس وإغتيال عدة أشخاص،
وألقت مفرزة من مفارز الحزب القبض عليه، ولم يمض وقت طويل فتلقينا
رسائل ثلاثة أحزاب كوردستانية، كلهم يطلبون إطلاق سراحه، يقولون ان
هذا الرجل يعود إلينا ويعمل لحسابنا!، ولاحظوأ يا جماعة هذا الوضع
الغريب السائب !!، رجل مشبوه تعتبره ثلاثة أحزاب تابعاً لها،
يتسابقون فيما بينهم للدفاع عنه.
في 7/8/1979 أذاعت إذاعة بغداد قرارات المحكمة القرقوشية باسم
محكمة الثورة بإعدام
كوادر البعث الذين إتهمهم الدكتاتور صدام حسين بالتآمر وعددهم (22)
ومن بينهم: محمد عايش وغانم عبدالجليل وعدنان حسين الحمداني ومحي
حسين المشهدي ومحمد محجوب، وهؤلاء كانوا أعضاءً في القيادة القطرية
(قيادة قطر العراق) وأعضاء في مجلس قيادة الثورة، كما أعدم أعضاء
قياديين بدرجة فرق وشعب..
رغم المجزرة الرهيبة التي جرت بإيعاز من الدكتاتور صدام حسين وتحت
إشرافه ضد زبانيته في قيادة الحزب والدولة خرجت مظاهرات في كل
المدن العراقية بتنظيم من البعثيين لتأييد خطوات الرئي | |