|
K.binxetê.16.04.07.10.45.GMT
المفكّر العراقي الدكتور سّيار الجميل
في حوار جديد حول الوضع في العراق
والمنطقة العربية
اجرى الحوار : حيدر وسام
رئيس تحرير " مرافئ "
لسان حال مجلس السلم والتضامن ببغداد
" ان مشكلة العراق اجتماعية قبل ان تكون
سياسية ، وعلينا ان نفصح عنها ولا نخفي الرؤوس في التراب وتعرض
الاجسام عارية مفضوحة ! العراقيون عاشوا حياتهم كلها على شعارات
واوهام .. بل وهم يعيشون اليوم على خرافات واساطير .. انهم يتوهمون
الخيالات حقائق .. حالهم حال غيرهم من شعوب المنطقة ، ولكنهم اكثر
ايغالا في الخيال !! انهم يخدعون بالشعارات وقد اعتقدوا على مدى
مائة سنة ان الشعارات الوهمية يمكن تحقيقها بانقلاب عسكري او تغيير
ثوري او حزب قومي او شعار راديكالي او ائتلاف ديني فينتقل المسحوق
في ظنهم الى عملاق ويتحول العراق من التخلف الى قوة عالمية ..
وتنتقل البلاد من حالة التأخر الى التقدم !! وكل ذلك سيحصل فجأة
بعد اي انقلاب ! بل وانهم يتوهمون اليوم بأن الانتماءات الطائفية
والاقليمية والدينية ستجعل العراق بمصاف الدول المتمدنة " .
د. سيّار الجميل
مقدمة
وسط التحولات السياسية الجارية على الساحة العراقية وما يجري من
عمليات إرهابية طاولت ما تستطيعه من محرمات وحصدت ما تمكنت منه من
أرواح بريئة , يجد العراقيون أنفسهم بأشد الحاجة الى من يأخذ بيدهم
ليوصلهم الى شاطئ الأمان , ولكن كثرت الأيادي وإنعدمت الشواطئ ,
ولذا فإن العراقيين اليوم بدأو بالرجوع الى أسسهم وأخذوا بالإعتماد
على قدراتهم , ولذا توجه موقع (مرافئ) الإخباري ( www.marafea.org
) التابع للمجلس العراقي للسلم والتضامن بأسئلته هذه والتي تمثل
أهم ما يشغل بال العراقيين حالياً للكاتب والمفكر العراقي الاستاذ
الدكتور "سيار الجميل" , كونه أحد الدعائم القوية للمسيرة
الديمقراطية العراقية ولأنه يمثل في آن واحد الفكر التقدمي والوطني
العراقي الغني عن التعريف ... أدناه نص الحوار :
س1 يرى كثر أن الوضع العراقي محزن، مبك،
مقلق أو على شفير الهاوية. ترى كيف تنظر الى هذا الوضع ، ولك في
معالجة هذا الأمر مساهمات عملية ونظرية تجاوزت حتى حدود العراق؟ هل
ترى الصورة مرعبة مثلاً؟ أم لك تصور آخر ؟
- لم يمر العراق على امتداد تاريخه الطويل بمثل هكذا محنة تاريخية
قاسية ، فهي محنة محزنة ومبكية اخذت ولم تزل تأخذ من حياة
العراقيين وزمنهم وقلقهم واعصابهم السنوات الطوال .. اضافة الى
انها غير مقتصرة على ان تكون سياسية او اقتصادية او عسكرية .. فهي
محنة شاملة لكل دقائق الحياة بدءا بالانهيار الامني وانتهاء
بالتفكك الاجتماعي والانسحاق النفسي .. انها ليست محنة نظام سياسي
لا يتحرك الا في دائرة مغلقة ، بل محنة مجتمع كبير وعريق باسره لم
يكن يتخّيل يوما انه سيصل الى هذا " المستوى " من الحياة وكل هذا
الانهيار .. ناهيكم ان المأساة لم تبق منحصرة لدى ابناء العراق ،
بل انها تدولّت بكل ما فيها من مشكلات ودخلت عليها اطراف لا تعد
ولا تحصى .. والمصيبة ان العراقيين قد انقسموا بين مؤيد للمتغيرات
التاريخية التي حصلت وبين رافضين لها وان رهانات اولئك تختلف
اختلافا جذريا عن رهانات هؤلاء .. ان رهانات الجميع على السلطة
والقوة والنفوذ .. وتلاعب كل القوى باوراق غير نظيفة وبحركة اموال
عائلة تنفق على قتل العراق .. من دون العمل على الحفاظ على مصالح
العراق العليا ، وكلها قد اوصلتنا الى هذا الطريق المسدود .. ان
التشرذم السياسي الذي خلقته الظروف السريعة قد جعل انتماءات
العراقيين تتشظى ، وتبلورت ولاءات سقيمة ما كان لها ان تكون ..
الساسة العراقيون ينقسمون اليوم بين موال للامريكيين خشية فقدان
السلطة والمكاسب والاقليم ، وبين موال للايرانيين ويعتبرونهم صمام
امان جغرافي وعقائدي .. وبين موال لهذا الطرف العربي او ذاك باسم
الهوية العربية الاسلامية .. وبين موال للجمهورية التركية
باعتبارها حامية ومحامية !!
ان المأزق الذي صنعه الامريكيون للعراقيين كان بمشيئة
العراقيين انفسهم الذين لم يعرفوا كيف يقودون بلادهم الى بر الامان
في احرج الظروف .. لقد جاءؤوا الى السلطة من فراغ طويل في معرفة ما
حدث في العراق من متغيرات بعد ثلاثين سنة من وجود نظام حكم حديدي
كان قد خلق جيلا لا يعرف على الساحة غيره ابدا .. فالعراقيون على
امتداد 35 سنة عاشوا في علب مقفلة لا يعرفون ابدا متغيرات العالم
الحقيقية وخصوصا بعد اندلاع الحرب مع ايران .. وفجأة يجد العراقيون
انفسهم في داخل متاهة فارغة وتنصيب حكام جدد كان النظام السابق
يصفهم باشنع الصفات .. اي ان العراقيين قد تربوا سياسيا واعلاميا
على كراهية المعارضة وخصوصا الجيل الذي تربى في احضان النظام
السابق .. وهو جيل لم يزل يخفي تعاطفه مع النظام الراحل ، فكان ان
حدث السقوط العسكري والسلطوي ولكن الانساق السياسية والذهنية
الحزبية قد بقيت موجودة حتى في اللاوعي ! ولما لم يحدث اي تلاق
حقيقي بين العقليتين فكان لابد من التصادم الذي اخذ له اشكالا
مختلفة ووجد له مبررات وسياقات بدءا بايام النهب والسلب وانتقالا
الى الاخطاء السياسية وتفكيك المؤسسات باستثناء المؤسسة النفطية
وانتقالا الى حرب الفلوجة وامتدادا الى كل الظواهر الجديدة التي
اصابت الواقع الجديد الذي كان من السهولة معالجته قبل اربع سنوات
.. وقد نادينا وطرحنا العديد من الحلول والاراء ولكن لم يلتفت
اليها أحد ! نعم ، الصورة مرعبة واعتقد ان الامور قد تعقّدت كثيرا
وسيواجه العراقيون اياما مرعبة قادمة ان بقيت عوامل الصراع تفرض
نفسها على الميدان !
س2 بالنسبة للوضع العراقي الحالي أريد ان
اصل معك الى جواب حول سؤال أساسي: كيف وصلنا الى هذه الحال؟ وما
الذي أوصلنا الى هذا الواقع ؟ وأقصد به التطرف الموجود على الساحة
حالياً سواء أكان تطرف أصولي أم تطرف حزبي وقومي ؟.
- لكي اكون صريحا اكثر برغم العوامل المعقدة والمتشابكة ، فان
التطرف عادة ما يخلق في بيئة متخلفة تكثر فيها التورمات السياسية
والكراهية الاجتماعية المتنوعة بين ابنائها .. ولكن كيف تبلور
التعصّب والتطرف ؟ هناك اسباب لا اول لها ولا آخر دفعت بالحال من
سيئ الى أسوأ ، واخشى القول ان وضعنا اليوم سيكون افضل بكثير مما
سيولد في المستقبل . ان الولايات المتحدة الامريكية مسؤولة اليوم
على العراق منذ ان اشعلت الحرب ودخلت الى اراضيه وبقيت هي الوحيدة
صانعة لكل القرارات المصيرية .. ولا ننسى انها قد سحقت كل البنى
العراقية التحتية منذ تحريرها للكويت في حرب 1991 وجعلت العراق
يعود الى ما قبل الثورة الصناعية .. وعندما اسقطت نظام الحكم
السابق ، كان عليها الا ترتكب اخطاء جسيمة بحق ليس مصير مؤسسات
الدولة حسب ، بل كان عليها الا تتلاعب بمصير العراق الوطني .. انني
افهم لماذا قضت على كل ما يتعلق بدولة منهزمة في الحرب ، وهذا هو
منطق التاريخ العالمي فالدولة المنتصرة تسحق كل مؤسسات الدولة
المهزومة .. ولكن الولايات المتحدة الامريكية لم تنجح في تأسيس
البديل الطبيعي للعراق .. انها أساءت لمتغيرات العراق منذ اللحظة
التاريخية الاولى بصناعة الانفلات .. انها ارتكبت اكبر الاخطاء
بالاعتماد على اجندة لا تصلح للعراق ابدا .. انها سحقت العراق من
دون ان تعّوض الشعب العراقي عما خسره من دمائه وارواح ابنائه
وممتلكاته وكل ذخائرة وارشيفه .. الخ لقد غرر صاموئيل هانتغتون
مراكز صنع القرار الامريكي بان العراق سيكون منسحقا مثل المانيا
النازية .. ولقد اخطأ في ذلك خطأ جسيما ، وتحملت الولايات المتحدة
عبئه ، اذ لم يكن العراق ابدا مثل المانيا او اليابان اثر الحرب
العالمية الثانية كي تعتمد اساليب غير صالحة فيه .. ارتكاب اخطاء
واستعجال خلق ظواهر سريعة في مجتمع كان مغيبا عن العالم وعن ميديا
العالم وعن متغيرات العالم جعله ينتج كل هذا الشقاء .. ومن
الفواجع ان يأتي حاكما مدنيا امريكيا للعراق كي يحكمه من دون ان
يعرف شيئا عن العراق ابدا !! لقد كانت امريكا وراء سحق العراق بعد
كل انسحاقاته السابقة من دون ان ترحمه ، بل واسرعت في صناعة الفوضى
الخلاقة ـ كما وصفتها ـ وجعله ميدانا للارهاب العالمي ، ةخلقت فيه
انقسامات لم تكن موجودة ابدا في السابق !! واعتقد ان العراقيين قد
وعوا ذلك كله ، ولكن تاهت عليهم الطرق التي توصلهم الى شاطئ النجاة
!
منذ سقوط النظام السابق وانا انادي بمبادئ اساسية مقترحا ان
يلتزمها العراقيون في مرحلة سميتها " فترة نقاهة تاريخية " .. التي
اعتقد بأنها من ضروريات العراق ، ولكن لا حياة لمن تنادي .. كان
على العراقيين ان يؤسسوا لهم مؤتمرا وطنيا من قوى سياسية وجمعية
حكماء .. ينتخب المؤتمرون من بين اعضائه هيئة وطنية عليا تتحدث
باسم مبادئ عراقية ستة ويحددون اهدافهم لاربع او خمس سنوات تحت
اشراف الامم المتحدة ، ثم من بعد ذلك تبدأ العملية السياسية واقرار
دستور للبلاد على مهل وبعد استعادة المؤسسات حياتها ، وبعد ان
يتشكل جيش جديد وبعد ان يحدد العراقيون طبيعة العلاقة بينهم وبين
الامريكيين .. كان يستوجب للعراق ان يمر بها ، وكان يمكنه خلالها
ان يحدد علاقاته بالولايات المتحدة والتحالف الدولي بمفاوضات
بمعاونة الامم المتحدة ، ويطالب بالحاح على تغيير العملة والعلم ..
ويتقبل التعويضات عن جنايات حرب قاسية ومدمرة .. كان على العراقيين
ان يستبدلوا كل اجندتهم السياسية والشعاراتية في ايام المعارضة
ليكونوا عراقيين من نوع آخر .. كان عليهم ان يغيروا كل انظمة
احزابهم الداخلية .. كان عليهم ان لا يكونوا ضعفاء خائرين منذ
اللحظة الاولى .. ولكن هذا لم يحصل ! والمشكلة هو بدء حالات التشظي
بهروب كل عراقي الى انتماء وهمي له من دون العراق الذي اعتبره
منتهيا .. وستبقى هذه " الحالة " لسنوات طوال ان بقيت الاوضاع على
ما هي عليه .
س3 أود لو تقول لي من أين تنبع مشكلة عدم
التوافق بين الأطراف العراقية ؟ , وفق ما ترونه من تحليلات فكرية
وهل لهذه المشكلة في نظركم جذور تاريخية ؟ .
- انعدام التماسك الاجتماعي وانحلال التوحد الوطني والتراخي عن
المبادئ الوطنية والهرولة الى انتماءات مذهبية وعشائرية وجهوية
واثنية وطائفية خلق انقسامات لا اول لها ولا آخر .. ان مشكلة
العراق اجتماعية قبل ان تكون سياسية ، وعلينا ان نفصح عنها ولا
نخفي الرؤوس في التراب وتعرض الاجسام عارية مفضوحة ! العراقيون
عاشوا حياتهم كلها على شعارات واوهام .. بل وهم يعيشون اليوم على
خرافات واساطير .. انهم يتوهمون الخيالات حقائق .. حالهم حال غيرهم
من شعوب المنطقة ، ولكنهم اكثر ايغالا في الخيال !! انهم يخدعون
بالشعارات وقد اعتقدوا على مدى مائة سنة ان الشعارات الوهمية يمكن
تحقيقها بانقلاب عسكري او تغيير ثوري او حزب قومي او شعار راديكالي
او ائتلاف ديني فينتقل المسحوق في ظنهم الى عملاق ويتحول العراق من
التخلف الى قوة عالمية .. وتنتقل البلاد من حالة التأخر الى التقدم
!! وكل ذلك سيحصل فجأة بعد اي انقلاب ! بل وانهم يتوهمون اليوم بأن
الانتماءات الطائفية والاقليمية والدينية ستجعل العراق بمصاف الدول
المتمدنة .واسمعهم مرات ومرات يقارنون بين العراق ودول اخرى مثل
سويسرا وكندا .. مشكلة عدم التوافق بين الاطراف العراقية ليست
وليدة اليوم ، بل هي موجودة منذ ان بحثوا لهم عن ملك عراقي قبل
ثمانين سنة ! وموجودة منذ ان كتب فيصل الاول مذكرته الشهيرة قبل ان
يموت .. وهي موجودة في الاربعينيات والخمسينيات لتغدو سياسية محضة
وتتبلور عن صراع دموي لاحزاب وقوى في الستينيات وصولا الى
انقسامات طائفية وسياسية مكبوتة في الثمانينيات والتسعينيات لتتفجر
بعد العام 2003 . ربما تترجم مشكلة عدم التوافق بين الاطراف
العراقية سياسيا ، ولكن اسبابها اجتماعية في الاصل وقد وضحتها في
محاضرتي عن بنية المجتمع العراقي وتفكيك اشكالياتها قبل سنتين ..
الانقسام : حضري ريفي بدوي .. الانقسام اثني وعرقي قومي ..
الانقسام جهوي محلي ثقافي الانقسام ديني مذهبي طائفي .. الانقسام
طبقي معيشي اقتصادي .. الخ ربما كانت مجتمعات اخرى لها نفس
الانقسامات ولكنها لم تكن بعنفوان العراق الذي ترجمت انقساماته
سياسيا في صراعات خفية مكبوتة ثم غدت علنية مفضوحة ! وكل العلاجات
سوف لن تنفع ابدا ما دام الوعي بالمواطنة وخلقها بديلا ، اي جعل
القيم الوطنية بديلا حقيقيا عن كل الانتماءات الاخرى .. وهنا
ستصادفنا او بالحقيقة تواجهنا مشكلة القومية الكردية التي تعتبر من
اخطر المشاكل في العراق ، وهي بحاجة الى حلول عملية تعالج فيها
الحقوق الكردية جنبا الى جنب المستلزمات والضرورات الوطنية . اما
كل المشكلات الدينية والمذهبية والطائفية فان حلولها تكمن بفصلها
عن الدولة تماما ، وابقاء الدين وطقوسه والتقاليد الطائفية عند
العراقيين بعيدة تماما عن مؤسسات الدولة تماما ..
س4 العنف الأعمى الذي يضرب بالمدنين
العراقيين يومياً وعلى مدار الساعة من المسؤول عنه ؟ وهل المسؤول
عنه طرف أوجهة أو توجه أو فكر ؟ , وكيف يمكن التعامل معه ؟ للتخلص
من الواقع الدموي الحالي .
- لو لم يجد الارهاب بكل ممارسات العنف الاعمي له بؤرا وحاضنات
ومرتكزات وبيوتا تأويه لما بقي معششا ضاربا بكل اطنابه في اعماق
المجتمع .. ابحث عن المستفيد من بقاء الارهاب ستقف على يزرعه !
ابحث عن من له مصالح مهما كانت طبيعتها في العراق ستجده يقف من
ورائه .. ابحث عن كل الذين عاشوا على افكار ونصوص وشعارات خاطئة
ستجدهم يحتضنون الارهاب .. ابحث عن كل من يحمل الكراهية العمياء
وثقافة الحقد الاسود بين العراقيين ستجده من القتلة الذين يقتلون
باعصاب باردة ! ان المسؤول عن كل صنوف العنف الموجه الى الابرياء
عدة اطراف مشتركة ام منفردة .. وكلها تنطلق من افكار متعفّنة ومن
توجهات فارغة ومن قيم دموية او من معتقدات وهمية .. انها تنطلق من
توجهات خطيرة وتخطط بذكاء لقتل هذا وذاك .. وهي مستعدة لافناء كل
العراقيين المدنيين من اجل اهداف ربما تكون سقيمة وربما تكون
سياسية بحتة وربما تكون تنفيذية لارادة طرف او اطراف !! اما كيف
يمكن التعامل معه ؟ فهذا سؤال كنت انتظر ان تترجم اجاباتي عنه
عمليا منذ اربع سنوات عجاف.. كم سمعت من عمليات القاء قبض على
مجرمين وقتلة بحق الابرياء واعترافات منهم بحق المخطوفين
والمذبوحين والمقتولين .. ولكن هل سمعنا انهم حوكموا واعدموا علنا
!! ؟؟ هل سمعنا باحكام قاسية في محاكم مدنية وعسكرية ؟ لماذا لا
تعلن الحكومة عن اسباب احجامها عن ذلك ؟ ما الذي يقف من وراء ابقاء
المجرمين يكررون القتل بحق الابرياء من دون ان ينالهم القصاص
العادل ؟ ارجو توجيه السؤال للحكومة العراقية وان اجابت بأن امرها
ليس بيدها .. فما المطلوب عمله في هذه الحالة ؟ اليس من واجبها ان
تجد لمشكلتها حل ، ام ان بقاءها سيمضي على حساب شلال دم العراقيين
؟
س5 كيف وصلت إلينا أنظمة الاستبداد؟
أتكلم هنا على أنظمة الاستبداد العسكرية تحديداً... الخلل فينا نحن
أم في بنيتنا الاجتماعية أو أتانا من الخارج؟ ثم حين نقول "نحن"
مَن نعني؟ الشعب؟ المثقفين؟ .
- هذا سؤال الواعي بنفسه اليوم .. وما كان العراقيون ليسألونه ابدا
لو لم يمروا باخطر الاحداث التاريخية .. لقد اختزلت الاحداث
المريرة دراستهم الواعية للمجتمع العراقي الذي يصّنف على انه من
المجتمعات المركبة والمعقدة معا .. ولكن لم يسمح لأحد ابدا على مدى
خمسين سنة مضت ان يتحدث عن مجتمعه العراقي بصراحة متناهية .. فخفيت
امور ، وبقي العراقيون يتعاملون مع بعضهم الاخر بعدة اوجه وليس
بوجه واحد .. منذ خمسين سنة والعراقي يخشى العراقي الاخر .. منذ
خمسين سنة والعراقيون يحيلون كل آثامهم الاجتماعية على السياسة ..
واصبحت الاحزاب السياسية تترجم صراعاتهم الداخلية ، بل وعدت متنفسا
لتراكماتهم من التعقيدات النفسية .. واصبحت السلطة بالنسبة لهم
ترجمة حية لنفوذ عشائري بين عشيرة على اخرى او لنفوذ اجتماعي
لهيمنة المسحوقين على القوى المتنفذة والعوائل العريقة .. واصبحت
السلطة لا مجال لها للبقاء ان لم تستخدم الاستبداد وسيلة قهرية لها
ضد المؤامرات وضد حياكة المعارضة وضد خطط الانقلابات .. الخ اصبحت
السلطة هي النفوذ والجاه والقوة والمال .. فلم يتورع العديد من
العراقيين المستبدين الاعتماد على اجانب وتفضيلهم حتى في الحفاظ
على اسرارهم من العراقيين انفسهم .. لقد تهرئت بنيتنا الاجتماعية
كثيرا في اقسى حكم استبدادي عرفه العراقيون على عهد صدام حسين ،
فكان العراقيون ان لم يجمعهم الولاء الشكلي للحزب والثورة ، فان ما
يفرقهم هو الحقيقة المرة .. وكلنا يتذكر كيف يحسب اي عراقي حسابا
عسيرا وهو يلتقي بعراقي آخر ، فكل عراقي اصبح يخشى العراقي الاخر
.. بل وان اغلب العراقيين كانوا يفضلون التعامل مع اي اناس من
بلدان اخرى دون التعامل مع العراقيين ! حتى وصل الشك بين الاخ
واخيه وبين الزوج والزوجة .. فالخلل فينا وفي بنيتنا الاجتماعية ،
ولا يمكنني البتة ان اسقطه على الاخرين ! واننا عندما نقول ( نحن )
اقصد بها كل العراقيين بلا استثناء ابدا .. فالقادة والزعماء من
هذا الشعب ولم يأتوا الينا من فضاء آخر .. وان المثقفين ايضا بكل
نخبهم وفئاتهم واصنافهم من هذا الشعب ولم يأتوا من اوساط اخرى .
س6 كيف تنظر إلى تحولات المثقف في الوطن
العربي؟ وبالأخص بعد العام 2003 .
- انها تحولات صاعقة من تاريخ الى تاريخ جديد .. ومن ظاهرة الى عدة
ظواهر .. ولكن المشكلة ان التحولات تجري من دون اية بدائل وآليات
تستوعب تلك التحولات نحو المستقبل .. عندما كانت تحدث تحولات في
القرن العشرين بين جيل وجيل لاسباب تاريخية خطيرة ايضا كانت ثمة
بدائل تستوعب تحولات المثقف خصوصا .. ولكن المثقف العربي اليوم احس
انه في ضياع ، بل وانني اجده يجد فرصة التحول حاضرة ومتوفرة ولكنه
لا يستطيع التحرك ، ويشعر انه مقيد بالاغلال .. لقد كان سابقا يخشى
السلطات السياسية ورقابة الدولة واجهزة الامن والطابور الخامس ..
الخ واليوم انضافت الى كل سلطات الدولة سلطات جديدة اقوى واشرس
واخطر وامر هي سلطات المجتمع !! انه يخشى القوى الاصولية
والتكفيرية التي تقف اليوم وقوفا حديا ازاء تقدم المجتمعات وازاء
خصب الثقافة الحقيقية .. وتقف ازاء الحريات بمختلف صورها واشكالها
ومضامينها . ان النخب المثقفة في مجتمعاتنا اليوم تعاني ليس من
اجهزة الدول والسلطات ، بل انها تعاني من اضطهادات الكهان الجدد
ورجال التابو من الاصوليين الذين لهم اساليبهم في القهر والارهاب
الفكري .. واعتقد ان تأثير هذا المد سيبقى الى فترة ليست بالقصيرة
، واعتقد ان الثقافة العربية دخلت طورا جديدا في تاريخها وهي التي
تموجت على الهزائم منذ هزيمة العام 1967 ، ولكنها كانت توّدع الفكر
القومي والصراع مع الفكرة الاممية ايديولوجيا عند نهاية السبعينات
من القرن العشرين ، ليتلبسها المد الاصولي فيبدأ صراع من نوع جديد
بين الاصولية والعلمانية .. ولكن مع هجمة 11 سبتمبر 2001 وغزو
افغانستان عام 2002 واحتلال العراق عام 2003 ، دخلت الثقافة
والمثقف مرحلة جديدة تتمثّل بالصراع من اجل الحرية والانتقال من
سطوة الدولة البوليسية الى سطوة المجتمع وتقاليده ! ان المثقف
اليوم في طور حاسم من التحولات ليس السياسية بالضبط ، فلم يزل بينه
وبين المتغيرات السياسية زمنا طويلا ، ولكن التحولات الاعلامية ،
اذ دخل الاعلام المرئي بانواعه الى كل البيوت والحارات والغرف ..
ولما كان الاعلام العربي هزيلا في برامجه وانشطته ، فان المثقف قد
هزل كثيرا عن مثقف الجيل الماضي ، والعيب ليس فيه بقدر ما يكمن في
آليات التحول وطبيعة المتغيرات .
س 7 بعد هزيمة العام 1967 لماذا لم
يتغير الفكر العربي ... كما تغير تحت نفس الظروف الفكر الأوربي بعد
الحرب العالمية الثانية ؟
.
- لا يمكننا ان نشّبه الفكر العربي الحديث ( ان وجد لدينا فكر نحن
العرب ) بالفكر الاوربي الحديث ، ذلك ان ثمة اختلافات جوهرية بين
الاثنين . ان الفكر الاوربي انطلق بجملة ابداعاته وحداثاته
وفعالياته بسبب الخميرة الفكرية التي ترّكب عليها ، فهو نتاج تاريخ
رائع من الفلسفات والايديولوجيات والظواهر الفكرية الكبرى .. انه
نتاج مناهج الفلسفات الواقعية والتنويرية والوضعية والتجريبية
الامبريقية .. كي تنطلق البنيوية والشكلانية والحداثة النقدية
والظاهراتية والوجودية .. الخ فهل كان لدينا نحن العرب فلسفات
وافكار قبل العام 1967 ؟ في اوروبا تاريخ مثقل من الظواهر
التاريخية الكبرى معمّرة يتصل وجودها بالقرن الخامس عشر مذ انطلق
التاريخ الحديث بدءا بالاستكشافات الجغرافية للعالم في القرن
الخامس عشر وانتقالا الى ثورة الاصلاح الديني والنهضة الاوربية في
القرن السادس عشر وانتقالا الى الثورة الماركانتالية وتأسيس
جمهوريات المدن المالية والتجارية بايطاليا ثم بزوغ فجر الدساتير
في احداث كرومويل بانكلترا في القرن السابع عشر .. ثم انتقالا الى
عصر الانوار وفكرة الحرية وروح القوانين والثورة الفرنسية التي قضت
على الحكم المطلق والكنيسة والاقطاع في القرن الثامن عشر ..
وانتقالا الى الفلسفة الوضعية والافكار الطوباوية الاشتراكية
والادبيات الرومانسية وانبثاق الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر
.. وانتقالا الى الثورة الاشتراكية والثورة التكنولوجية والعلمية
وفكرة التطور وفكرة النسبية وفكرة اللاوعي واستكشاف الفضاء .. ابان
القرن العشرين .. وكلها انتجت ثورة الاتصالات والانترنيت والمعرفة
وظاهرة العولمة وثورة الديجتال الرقمية .. الخ في القرن الواحد
والعشرين .. وعليه ، فثقافتنا العربية لا يمكن مقارنتها بتاريخ
الثقافة الاوربية .
س8 كيف تنظر إلى الأوضاع في المنطقة
العربية وبالأخص في العراق من موقعك ككاتب ومفكر؟ .
- انظر اليها كأوضاع متردية لا يمكن اصلاحها ابدا .. اذ ان المطلوب
البدء بالتحديث بديلا عن الاصلاح . وهذا ما اوضحت تفاصيله في كتابي
( العرب والاتراك : الانبعاث والتحديث من العثمنة الى العلمنة )
المنشورة طبعته الاولى في العام 1997 . فالفرق كبير بين اصلاح
الشيئ وبين تحديث ( أي : تغيير ) ذلك الشيئ . لقد دعوت مرارا
وتكرارا كم هي الحاجة ملحة الى تغيير كل القوانين بما يتفق وحياة
العصر .. وطالبت ايضا بتحديث كل النظم والمناهج التربوية
والتعليمية .. وطالبت بتحديث الذهنية من خلال تنمية التفكير منذ
صغر الاطفال كي نخلق اجيالا جديدة تختلف في تفكيرها وممارساتها عن
الاجيال الحالية . ان العراق قد اضرته عوامل عديدة داخلية وخارجية
في ان يكون مثلا يحتذى ، علما بأنه يمكن ان يكون مؤهلا كنموذج في
التغيير ، ولكن اوضاعه تحت الاحتلال وضياع فرصه التاريخية
وانقساماته اليوم ستؤخر تطوره من دون شك !
س 9 هل ترى ثمة بارقات أمل بتغييرات
ممكنة على صعيد حرية الفكر والتعبير في العراق ، تنطلق من الواقع
ومن الرغبات الإصلاحية التي تطل برأسها ولو ببعض الخجل ؟ .
- انني اعتقد ان العراقيين قد تجاوزوا نطاق الحريات الى خلق عالم
فوضوي ما كان يستوجب ان يكون .. ولكن العراقيين الذين كانوا
محاصرين على مدى سنوات طويلة ومكبوتين يكتمون اسرارهم ومخاوفهم ..
انطلقوا اليوم ولكن من دون اي منهاج ومن دون اي ضوابط .. ان حرية
الفكر والتعبير في العراق كان لابد ان تمارس بصور واشكال افضل لولا
الهجمة الارهابية وانظمة القمع التي تكبس على كل الاحرار من قبل
سلطات اجتماعية متطرفة وتيارات اصولية متشددة وجماعات فرضت
ارادتها على الناس وفرضت القمع على الرجال والنساء وحتى الاطفال .
ان الامور لا تستقيم ابدا ان بقيت الرغبات الاصلاحية تطل خجولة ومن
دون ان يكون لها أي تفعيل ونشاط .. ومن دون اتخاذ قرارات حاسمة
والعمل بها لتطبيقها كاملة . وما دام هناك هجمة لا معنى لها من قبل
المتسلطين باسم الدين على النخب المتحررة والمتعلمنة .. فان الامور
ستبقى في رعاية التهلكة ، وان المجتمع لن ولم تقم له قائمة ابدا !
س 10 رأيكم بمنظمات المجتمع المدني
الموجودة حالياً على الساحة العراقية ؟ , علماً إن المجتمع المدني
اليوم بكل مؤسساته ومنظماته , يسعى الى تبديل المجتمع |