|
|
|
02.01.07 |
|
أثر السياسة في المجتمع
ابن الجزيرة
مقدمة عامة
قيل: بين العبقرية والجنون شعرة..( وأقول:ودقيقة أيضا..).
- لا أدري ما هي المناسبة التي قيل فيها هذا القول.. ولكن الذي
أدريه أنه قول يتكرر..! وخاصة عندما يوصف شخص متميز بقدرات
ذكائية.. إذا صدر عنه سلوك ما،يلقاه الناس غريبا.. وربما مستهجنا
أيضا.. من حيث أنه لا تسنده حالة منطقية مألوفة..! مما يجعل القبول
بهذا المعنى غير معقول..و غير معتبر..!!
- والذكاء صفة تطلق – عادة- على من يحسن الفهم والتصرف بشكل عام،
أو على من ينطبق عليه تعريف صاغه أحد علماء النفس بالقول:( الذكاء
هو مرونة التكيف مع البيئة)*.
ولكن التدقيق في معنى الذكاء قد يفتح أمامنا أبوابا لا نحسن في
النهاية إغلاقها..لكثرة تشعبانها.. وكثرة الاجتهادات
فيها..باعتبارها صفة بشرية،لا ما دية.. " يُتفق على تحديدها في
العموم ويُختلف في تفاصيلها" وهذه خاصة مميزة لموضوعات العلوم
الإنسانية عموما،ولا يعيبها ولكن ينبغي تفهمها.
لماذا هذه المقدمة..؟
- في أبحاث علم النفس يوضع السياسيون الناجحون في أولى درجات
الذكاء عادة..
وذلك بسبب صعوبة التعامل مع الكائن البشري، العاقل، النامي،
المتغير، والاجتماعي. . (ذي الجنسين المختلفين" المتكاملين أو
المتضادين أيضا" .وذي الفئات العمُرية، والثقافية، والاختلافات
الاثنية عموما..) فضلا عن التكوينات النفسية المتراوحة بين الكبت..
والتعقيد.. والأريحية..الخ.
فالتعامل مع كائن بهذه المواصفات..طابعه التمرد.. و الانزياح..
يقتضي قدرة ذكائية فائقة، تسمح بتأطير تلك الحالات البشرية
المختلفة، وتوجيه طاقاتها المترجرجة.. نحو مجرى سياسي عام؛يقوده
السياسي (الناجح) نحو بناء شامل لمكونات الحياة العامة في قطاعه
الحزبي" القومي أو ألأممي..الخ". والسؤال الذي يتوارد في الخواطر:
هل تمتع السياسيون – دوما - بهذه الخاصة..؟
من هنا نبدأ..ولكي نحسن الابتداء لا بد من تأطير بعض المفاهيم التي
سنظل نتكئ إليها في البحث، ولتكون مسارا للتصورات لدينا(كاتبا
وقارئا) منضبطا بهذه الأطر..
1- السياسة:
هي تعريفا (فعل الممكنات في إدارة الحياة الاجتماعية في شكلها
الأعم والأرقى..)
وبغض النظر عن تفاصيل البحوث التي تناولت هذا المعنى . والتعريفات
المتعددة ..والتي أخرجها المهتمون بالأمر مثل: - العلاقة بين
الجانب العلمي والفني في السياسة. - أو بكون السياسة هي (الوظيفة
العليا في إدارة المجتمع وقيادته..)...الخ.
بغض النظر عن ذلك، فإن التأطير المبين أعلاه قد يغني حاجة مسعانا
في هذا البحث بشكل عام.
2- المجتمع:
(مجموعة بشرية من الجنسين والفئات العمرية المختلفة،
ذات ثقافة منوعة، تؤطره اتجاهات عامة، وعلاقات تفاعل شاملة
اقتصادية.. سياسية.. اجتماعية..الخ. تعيش على ارض واحدة(ضمن
جغرافية محددة) لها بعدها التاريخي..). وبالطبع فإن تعريفات كثيرة
يمكن إيرادها..إلا أننا نرى أن يكون الإطار الذي أوضحناه هو
المعتمد في تصورنا المشترك..
3- القومية:
..(شعور أبناء المجتمع بانتمائهم إلى تاريخ مشترك في
بناء حياتهم الاجتماعية وتطلعهم إلى الاستمرار في هذه الحياة
المشتركة(وحدة المشاعر والعيش المشترك). بروح جامعة بينهم يسميها
هيجل(روح الأمة)(1) ويتضمن هذا الشعور، اعتزازا بالانتماء هذا،
واستعدادا للعمل من أجله حتى التضحية الكبرى
4- الوطنية:
(حب الأرض، والتمسك بها، والاستعداد للدفاع
عنها..باعتبارها المكان الذي يعيش فيه أبناء المجتمع
الواحد(القومية الواحدة).ويمكن وصفها بعلاقة الإنسان مع الأرض، وهي
علاقة تبنى على العواطف،والألفة والمصلحة(الشعور بالأمان،وتوفير
عناصر المعيشة المباشرة..)أي عناصر مادية ومعنوية.
5- الأمة:
..مفهوم واسع الدلالة ويعني: (الإطار الأوسع لمعاني
القومية، والشعب (أو الشعوب)، في مرحلة متطورة من الحياة
الاجتماعية الشاملة للقومية والوطنية، في جوانبها الاقتصادية
والثقافية..الخ أي في الحياة السياسية).
6- الشعب:
( مجموعة بشرية ذات خصائص مشتركة ..تاريخ..وإرادة..حياة
مستقبلية..). أو هو( المجتمع في معناه الأكثر سياسية..).
ويلاحظ أن هذه المفاهيم جميعا متداخلة.. ومتفاعلة.. ومتطابقة أيضا
في حالتها النموذجية. مع الانتباه إلى الأثر( أو الجانب) المادي
والمعنوي فيها جميعا...
وهذه المفاهيم نفسها تتمايز، إذا وجدت ظروف غير طبيعية كتجزئة
واستعمار وحالات التخلف الشديد..الخ.
وكما أسلفنا القول فإن هذا التأطير قد لا يكون دقيقا في الإطار
ألاختصاصي..ولكنه يبقى صحيحا في السياق الذي نحن فيه.. هادفين إلى
إلقاء الضوء على فكرة:
(القادة السياسيون في نمط التفكير ألذرائعي(النفعي)المباشر وانعكاس
الأمر سلبيا على حياة الناس(المجتمعات) في جانبها التربوي خاصة،
ومن ثم العملي لا سيما على المدى البعيد).
إن مقولة مكيا فيلي التي تلخص فلسفته السياسية في كتابه الشهير"
الأمير " وهي: (( الغاية تبرر الوسيلة))(2) ربما تصلح ضمن ظرف
معين.. في زمن معين.. وفي حالات محدودة..ولكنها قطعا تفقد قيمتها
تماما إذا تجاوزنا المحدودية في الظرف.. والمكان.. والزمان..
وخلافها. لأنها في هذه الحال – حقيقة- لا تخدم سوى حالات أنانية(في
مستوى فردي أو جماعي..) أي استغلال من فرد لآخرين (فردا أو جماعة)
أو استغلال من جماعة لآخرين(أفرادا أو جماعات.. كبيرة أو صغيرة)
مهما كان شكل الاستغلال هذا..
وإذا كانت الحالة الاقتصادية هي الأبرز،إلا أن الحالة النفسية –
بتقديري- تظل الأعمق والأخطر تأثيرا..!(3)
القادة السياسيون – على الرغم مما قد يتميزون به من الذكاء، فإنهم
في الغالب الأعم، أسرى نزعاتهم الأنانية.. إلى درجة تبرير تسخير
الآخرين لهذه النزعات.. (أفرادا ومجتمعات "شعبا أو امة..الخ)
ولكي ينجحوا في هذا المنحى.. فإنهم يوظفون ما لديهم من ذكاء وقدرة
في غرس مفاهيم تخدم هذه النزعات الأنانية، حتى وإن اضطروا إلى
اللجوء إلى سلوك يستنكرونه في الظاهر.. كالرشوة.. والكذب..
والنفاق.. والقتل..الخ.
بعبارة أخرى.. فإن( الفصل الحاد بين السياسة والأخلاق) من مصادر
المشكلة التي نحن بصدد محاولة تشخيصها.. وتلمس السبل لمعالجتها..
على الصعيد النظري على الأقل.
لا نزعم أن هذه ظواهر فاتت انتباه السابقين إليها.. أو أنهم لم
يحاولوا معالجتها.. وإنما نريد فقط إحياء محاولاتهم وتجديد
نتائجها..
إن العودة إلى الأبحاث والدراسات القديمة في هذا المجال.. سواء تلك
التي أنتجتها عقول شرقية ..أو غربية.. فإنها توضح تراكما هائلا من
هذه الدراسات والأبحاث..
إذا ما هي المشكلة..؟
أين تكمن الأزمة..؟
في الواقع تكمن الأزمة (أو المشكلة) في خاصة بشرية قد لا ينتبه
إليها البعض .. إنها تدخل في نسيج التكوين النفسي بمعناه
العام..وتبدو جلية إذا تتبعنا المتمايزات بين المجتمعات من جهة..
وبين الجيلين (أو الأجيال) ضمن المجتمع الواحد..!! ذلك أن الإنسان
كائن عاقل.. نام.. متغير.. ومتطور في إطار اجتماعي. ولكن العقل
والنمو.. والتغير.. والتطور جميعا بحاجة – دوما- إلى توفير المناخ
الملائم الذي يحقق هذه الخصائص، ويعطيها البعد الصحيح. أو بتعبير
أفضل:
مناخ يصلح لأن تنمو فيه هذه الخصائص، وتتبلور في صيغها الأكثر
جلاء، والأفضل تحققا، وبجهود مزدوجة: - بعضها يعود إلى ما يوفره
المجتمع من حوافز، وتسهيلات، ومعطيات مختلفة لازمة.. عبر مؤسساته
المختلفة(نظام الحكم، المجتمع المدني، الوحدات الاجتماعية.. -
وبعضها يعود إلى الاستجابة الفردية من أبناء الجيل الجديد
دوما..وقابلية استيعاب الواقع، والتفاعل الإيجابي معه،لتحقيق تلك
الخصائص(البعد الشخصي في نمو الذات).
في هذه النقطة (أو المرحلة أو الحالة ...) تطرح المشكلة نفسها:
مشكلة الفصل الحاد بين السياسة والأخلاق.
أثر السياسة في المجتمع (مشكلة الفصل الحاد بين السياسة والأخلاق)
في المقال السابق(اي في المقدمة – روزافا.نت ) توصلنا إلى أن
المشكلة في بعض الخلل في العلاقة بين السياسة والمجتمع،ربما كان
سببه الفصل الحاد بين السياسة والأخلاق.
وسنحاول أن نعالج هذه العلاقة بحسب ما يتاح لنا من المقدرة في
فهمها وتحليلها- وتبسيطها أيضا- وهذا يقتضي منا أن نعود إلى تأطير
لمفاهيم معينة مرة أخرى..ذلك لأن تأطير المفاهيم من ضرورات الفهم
والتفهيم..فالتأطير.. يحدد لنا الفكرة في (مصطلح) يحدد المعنى
ويوضحها..فتصبح مفهومة ممن يعبر عنها، وتصبح مفهومة ممن يسمعها (أو
يقرأها). ولعل هذا هو المقصود بالتواصل والتفسير كإحدى وظائف
اللغة(1)
سبق أن حددنا معنى السياسة أو (أطرناه) ونحن بحاجة إلى تأطير معنى
جديد هو الأخلاق..فماذا تعني هذه الكلمة(أو المصطلح)..؟
الأخلاق موضوع دراسة الأطيقا: وشكل من الوعي الاجتماعي، ومؤسسة
1-((اجتماعية،تقوم بمهمة ضبط وتنظيم سلوك الناس.ففي أي مجتمع تنسق
أفعال عدد غفير من الناس في نشاط جماعي إجمالي، وتخضع،على تنوعها،
لقوانين اجتماعية معينة. وتأتي الأخلاق لتقوم بوظيفة التنسيق هذه،
جنبا على جنب مع الأشكال الأخرى من الانضباط الاجتماعي....فالأخلاق
تنظم سلوك الإنسان في كافة مجالات الحياة الاجتماعية بدون
استثناء-في العمل، والمنزل، وفي السياسة، وفي العلم، في الأسرة،
وفي الأمكنة العامة...))(2)
2-((..من بين الأنواع الكثيرة من البحوث التي أطلقت عليها
كلمة((الأخلاق)) في فترة أو أخرى،يمكننا أن نتخير ثلاث مجموعات من
المسائل باعتبارها أهم المسائل التي ينبغي تمييزها بعضها من بعض
وهي: (أ) المسائل الخلقية، ومن أمثلتها " هل ينبغي أن أفعل ذلك
الفعل؟ " و" هل تعدد الزوجات خطأ؟ " و " هل زيد من الناس خير؟ "
وفي هذا المعنى يكاد الجانب العملي والجانب النظري من معنى كلمة "
خلقي " أن يتلاقيا في مدلول واحد تقريبا ".
(ب) مسائل عما هو واقع فيما يتصل بآراء الناس الخلقية، ومن
أمثلتها: " ماذا يعتقد(أو ماذا يقول) المسلم(أو ماذا تعتقد الطبقة
المتوسطة البريطانية أو ماذا أعتقد أنا نفسي) في واقع المر فيما
يتعلق بصواب تعدد الزوجات أو خطئه؟ ".
(ج) مسائل تتعلق بمعاني الكلمات الخلقية (ومنها على سبيل المثال "
ينبغي " و " صواب " و " خير " و " واجب " ) أو تتعلق بطبيعة
المدركات أو " الأشياء " التي " تشير إليها " هذه الألفاظ، ومثال
ذلك " ماذا يعني المسلم حينما يقول إن تعدد الزوجات ليس خطأ؟
".ولما كانت هذه النواع الثلاثة من المسائل متميزة فيما بينها تمام
التميز فغن استخدام كلمة " الخلاق " لتشمل بدلالتها المحاولات التي
ترمي إلى الإجابة عن جميع هذه الأنواع الثلاثة، لا بد أن يكون
مثارا للخلط ولذا يتجنبه من أقرب إلى تحري الدقة من الكتاب
المعاصرين،على انه لم يظهر بعد مصطلح فني يصلح لاقامة التفرقات
الأخلاقية الضرورية ويتفق على قبوله الباحثون جميعا...(3)
ولكي نتفق على تصور مشترك فدعونا نعرف الأخلاق- وعلى ضوء التعريفين
السابقين- بأنها:
سلوك بشري (وفق مبادئ وقيم نظرية محددة، اجتماعيا،ذات بعد فلسفي
وتطبيقها العملي) يكون هذا السلوك ترجمة لها .ويتمثل ذلك العادات
والتقاليد والقيم المستندة إلى رؤية ضميرية.بمعنى اخر
* للذكاء تعريفات عديدة يكن الإطلاع عليها في كتب علم النفس
المختلفة.
(1) روح الأمة: مفهوم استخدمه الفيلسوف الألماني هيغل للدلالة على
الروح التي تجمع أبناء الأمة الواحدة على فكرة جامعة وحيوية
لوحدتها
(2) الأمير كتاب ألفه نيكولا ميكيافيلي لدعة الإيطاليين إلى الوحدة
تحت راية أسرة ميدتشي
(3) العلاقة بين السياسة والاقتصاد طبيعية وضرورية ويسمي المركسيون
السياسة البناء الفوقي أما الاقتصاد فيسمونه البنية التحتية للمجتع
(1) يرد في كتاب (اللغة والتفسير والتواصل) تأليف د. مصطفى ناصيف.
رقم 193 –سلسلة عالم المعرفة الكويتية- كانون ثان 1995م- رجب
1415ھ:
(( وربما لا تكون بعض استجاباتنا وأهدافنا واضحة بشكل كاف لأننا لا
نولي صنوف الخبرة باللغة ما ينبغي من النقاش. إن اللغة والتفسير
والتواصل كلمات ثلاث تتصدى لمشكلات عميقة عمق وجودنا....أما
التواصل فقد نظر إليه طويلا بمعزل عن قضيتي التفسير واللغة، وهذا
تبسيط أو اقتضاب. من خلال نوع من التعامل مع الكلمات وتفسيرها يمكن
أن نكتسب وعيا أفضل بالمخاطر الأساسية وطرق معالجتها.) ويمكن
لمعرفة المزيد، قراءة الفصل الأول من هذا الكتاب
(2) معجم الخلاق-دار التقدم . موسكو- ط 1984
(3) الموسوعة الفلسفية المختصرة – نقلها عن الانكليزية : فؤاد كامل
و جلال العشري و عبد الرشيد الصادق
مراجعة واشراف وغضافة الدكتور زكي نجيب محمود- دار القلم بيروت
-لبنان
............
توضيح: في القسم الأول للدراسة حصل خطأ في إلحاق القسم الثاني به
قبل اكتماله يرجى الملاحظة.
وهذا هو القسم الثاني.
أثر السياسة في المجتمع (2) (مشكلة الفصل الحاد بين السياسة
والأخلاق)
ابن الجزيرة
...في المقال السابق توصلنا إلى أن المشكلة في بعض الخلل في
العلاقة بين السياسة والمجتمع ، ربما كان سببه الفصل الحاد بين
السياسة والأخلاق.
وسنحاول أن نعالج هذه العلاقة بحسب ما يتاح لنا من المقدرة في
فهمها وتحليلها- وتبسيطها أيضا- وهذا يقتضي منا أن نعود إلى تأطير
لمفاهيم معينة مرة أخرى..ذلك لأن تأطير المفاهيم من ضرورات الفهم
والتفهيم..فالتأطير.. يحدد لنا الفكرة في (مصطلح) يحدد المعنى
ويوضحها..فتصبح مفهومة ممن يعبر عنها، وتصبح مفهومة ممن يسمعها (أو
يقرأها). ولعل هذا هو المقصود بالتواصل والتفسير كإحدى وظائف
اللغة(1)
سبق أن حددنا معنى السياسة (أطّرناه) ونحن بحاجة إلى تأطير معنى
جديد هو الأخلاق ..فماذا تعني هذه الكلمة(أو المصطلح)..؟
أولا- ((الأخلاق موضوع دراسة الأطيقا(*): وشكل من الوعي
الاجتماعي،ومؤسسة اجتماعية، تقوم بمهمة ضبط وتنظيم سلوك الناس))
((ففي أي مجتمع تنسق أفعال عدد غفير من الناس في نشاط جماعي
إجمالي، وتخضع،على تنوعها، لقوانين اجتماعية معينة. وتأتي الأخلاق
لتقوم بوظيفة التنسيق هذه، جنبا إلى جنب مع الأشكال الأخرى من
الانضباط الاجتماعي ....فالأخلاق تنظم سلوك الإنسان في كافة مجالات
الحياة الاجتماعية بدون استثناء-في العمل، والمنزل، وفي السياسة،
وفي العلم، في الأسرة، وفي الأمكنة العامة...))(2)
ثانيا- ((..من بين الأنواع الكثيرة من البحوث التي أطلقت عليها
كلمة((الأخلاق)) في فترة أو أخرى،يمكننا أن نتخير ثلاث مجموعات من
المسائل باعتبارها أهم المسائل التي ينبغي تمييزها بعضها من بعض
وهي: (أ) المسائل الخلقية، ومن أمثلتها " هل ينبغي أن أفعل ذلك
الفعل؟ " و" هل تعدد الزوجات خطأ؟ " و " هل زيد من الناس خير؟ "
وفي هذا المعنى يكاد الجانب العملي والجانب النظري من معنى كلمة "
خُلقي " أن يتلاقيا في مدلول واحد تقريبا ".
(ب) مسائل عما هو واقع فيما يتصل بآراء الناس الخلُقية، ومن
أمثلتها: " ماذا يعتقد(أو ماذا يقول) المسلم(أو ماذا تعتقد الطبقة
المتوسطة البريطانية أو ماذا أعتقد أنا نفسي) في واقع الأمر فيما
يتعلق بصواب تعدد الزوجات أو خطئه؟ ".
(ج) مسائل تتعلق بمعاني الكلمات الخلُقية (ومنها على سبيل المثال "
ينبغي " و " صواب " و " خير " و " واجب " ) أو تتعلق بطبيعة
المدرَكات أو " الأشياء " التي " تشير إليها " هذه الألفاظ، ومثال
ذلك " ماذا يعني المسلم حينما يقول إن تعدد الزوجات ليس خطأ؟
".ولما كانت هذه الأنواع الثلاثة من المسائل متميزة فيما بينها
تمام التميز، فإن استخدام كلمة " الأخلاق " لتشمل ، بدلالتها،
المحاولات التي ترمي إلى الإجابة عن جميع هذه الأنواع الثلاثة، لا
بد أن يكون مثارا للخلط ولذا يتجنبه، مَن أقرب إلى تحري الدقة من
الكتاب المعاصرين،على انه لم يظهر بعدُ، مصطلح فني يصلح لإقامة
التفرقات الأخلاقية الضرورية ويتفق على قبوله الباحثون جميعا))(3)
ولكي نتفق على تصور مشترك فدعونا نعرف الأخلاق- وعلى ضوء التعريفين
السابقين) من موسوعتين فلسفيتين مختلفتين(معجم علم الأخلاق"
الماركسي النزعة"- الموسوعة الفلسفية المختصرة " الغربي النزعة ")
بأنها:
سلوك بشري (وفق مبادئ وقيم نظرية محددة، اجتماعيا،ذات بعد فلسفي
وتطبيقه العملي) يكون هذا السلوك ترجمة لها .ويتمثل ذلك في العادات
والتقاليد والقيم المستندة إلى رؤية ضميرية.
بمعنى آخر:
الأخلاق :مجموعة قيم ومبادئ وضوابط يؤمن بها الإنسان ويطبقها وفق
درجة إيمانه بها، ومستوى تمثله لها، في تكوين ذاته النفسية خاصة،
وقد تكون إيجابية أو سلبية..
المهم أنها:( تشكل مصدر السلوك، وملهما له).
من هنا تأتي أهمية الالتفات إلى هذا البعد الأخلاقي في تكوين
البنية النفسية، والمؤثرة في تبني الاتجاهات.. و اتخاذ المواقف.
وطبعا كان هذا(أثر الأخلاق) حالة ممارسة واقعيا في بدايات العلاقات
البشرية في أيام السلم- وإلى حد كبير في أيام الحرب أيضا،باعتبار
الحرب أمر مفروض لحماية مبادئ و قيم وتجلياتها الواقعية - لذا فإن
تقييم السلوك بهذا المعيار: عادل- طيب –رحيم-..الخ.-للملك غالبا،
كقائد للحياة في جوانبها المختلفة وحتى تمثيله للإله في بعض
الحالات..!.
إلا ان تطور العلاقات باتجاه بناء السلوك على المصلحة – كمعيار-
غيّر المفهوم الأخلاقي عبر اختلاف فلسفي حول مدار معناها(مصلحة
شخصية ،مصلحة اجتماعية :قومية.. حزبية.. دينية.. الخ). وتقدمت
أولوية حرية الفرد بالنسبة للحياة الاجتماعية على أولوية الحرية
الاجتماعية (حرية المجتمع) التي كانت سائدة في مرحلة القبيلة. تجلى
هذا -كقيمة فلسفية اجتماعية نفسية- في أوروبا منذ القرنين السادس
عشر والسابع عشر، وربما في القرن الثامن عشر بشكل أوضح.
كما احتدم الصراع بين الملك - كرمز للسلطة الزمنية- والكنيسة -
كرمز للسلطة الدينية- ،والذي حسم في نهاية الأمر للسلطة الزمنية(
وإن تغيرت هذه من الملكية إلى الجمهورية بشكل عام)أي ظهر دور
جماهيري عبر صناديق الاقتراع، وقد نجح الغربيون في تكريس ذلك تحت
مفهوم الديمقراطية الذي يجمع بين معنى حرية التصرف وحرية
الاختيار..ولكن المجتمع الشرقي- وخاصة العربي- لا يزال يناقش هل
الديمقراطية تصح في بلداننا أم لا..؟! وهي مناقشة غبية اخترعتها
الأنظمة وفرضتها على أذهان شعوبها عبر سلسلة من الإجراءات، منها
الربط بين أسلوب نحتها للمفاهيم..وبين مشاعر شعوبها القومية
المتخلفة (القبلية الصيغة) إضافة إلى احتكار كل وسائل التعلم
والتوعية بدءا من المدارس ومرورا بوسائل الإعلام المختلفة
والمؤسسات المالية .. وانتهاء بحجز الحريات المختلفة بتأثيرات
إجرائية تحت تسمية "الأمنية" تصل إلى مصادرة حياة الناس في أقبية
أمنها ومحاكمها الصورية التي ط
الما اتهموا الاستعمار بها في كتبهم المختلفة..!!. على كل حال ،لم
يبق من الصيغة الملكية للحكم- في البلدان المتقدمة- سوى رمزية
متوافقة مع ظروف بعض البلدان(المملكة المتحدة – السويد-
أسبانيا...الخ). - ونحن لا نشير إلى الحال العربية، وبعض البلدان
العالمثالثية، لأنها لم تكن فاعلة، ولم تساهم في تشكيل الصيغة
الاجتماعية والسياسية هذه، لأنها هي ذاتها من مفرزات التشكيل
الأوروبي لها.(صيغ أوجدتها النظم الاستعمارية الغربية ولا تزال
تحافظ عليها أو تحاول تغييرها إلى صيغة تتوافق مع ظروف مصالحها وفق
نمط الحياة العصرية) وما حرب العراق- وهي تحرير بمعنى ما - او
مشاكل لبنان، او الصومال، او شرق آسيا ..الخ. إلا نمطا جديدا
لهيمنة غربية بطريقة جديدة ،ومع ذلك فإنها تبقى أهون على الشعوب،
من هيمنة النظم المحلية المتخلفة في صيغ حكمها(الاستبدادية،
التوتاليتارية، الفوضوية، الملكية المستبدة، جملكية ..الخ). –كما
لا نشير إلى الحال الأمريكية أيضا في تلك المرحلة،لأن الدور
الأمريكي لم يظهر في أوروبا والعالم الثالث إلا مع مساهمتها في
تشكيل الجبهة الرأسمالية حيال الأيديولوجية الماركسية التي كان
الاتحاد السوفييتي أهم تجلياتها.. إضافة إلى الصين ويوغوسلافيا
وغيرها..الخ.
كان لتطور العلاقات هذه والتي تأثرت لتطور التكنولوجيا المتسارع...
الأثر الهام في: تكوين اتجاه الأداء الحياتي- السياسي خاصة- بطريقة
وجهه(أي الأداء) نحو الاهتمام بالمصالح المادية.. وصيغة أمر
الواقع(العملي) وهو ما سمي بـ( البراغماتية، الذرائعية، أو
النفعية، أو العملية، كأسلوب تفكير وعمل(أداء). وكان للإبداعات
العلمية المتتالية والتي أنتجت كثيرا من المخترعات المفيدة، كان
لها دورها في تكريس وتعميق هذا النزوع(غلبة تأثير التكنولوجيا في
إدارة التفسير). و ربما كان لفشل الأيديولوجيات المختلفة (الدينية
الملتحفة بالأخلاق،والسياسية المتمظهرة بها، والقومية التي اختبأت
وراءها...الخ) دور مؤثر – ولا أقول مقنعا – لتقوية هذا النزوع..
فأصبح (الواقع وحده) المعيار للعمل ،واستبعد دور الأخلاق (النظرية)
وعلى الرغم مما بذله علماء الأخلاق والفلاسفة الأوروبيون للوقوف في
وجه هذا التيار الجامح ولكن جهودهم صنفت تحت عنوان (أخلاق
البرجوازية ذات البعد الكاذب الذي يخفي خلفه العمل على مصلحة
الرأسماليين). وكان هذا كافيا لكي تصفق لها، الجماهير البسيطة
الجائعة.. والأمية. أو الشباب الذي يتمتعون بخبرة قليلة. وليس هذا
تبرئة للنظم السياسية والاقتصادية الغربية التي نمت فيها النزعة
ذاتها بعناوين أخرى..المهم أن الواقع غلب الفكر ، وضعف دور الفكر
النظري كالمبادئ والقيم والمعايير.. – على مستوى الأخلاق- في حياة
الناس. وهذا ما عنينا به الفصل الحاد بين الأخلاق والسياسة. ولعل
الجميع يرى نتائج (لم تتبلور – بعد – بما يكفي ولكن معالمها واضحة)
في صراعات وحروب وإبداعات تجارية.. أصبحت معممة، بخلاف ما كان
سابقا، حيث كانت السلوكيات السلبية تعاني من نوع من الحصار لها،
فكانت تعاني من صعوبة الملجأ، والتوجه، في حين أنها أصبحت مما
يُتبنى بصراحة وكأسلوب من الشطارة لفاعليها- وربما كان للسلوك
السياسي دوره المهم في هذا التأثير.
نلاحظ هذا في مختلف بلدان العالم. ولعل العراق النموذج الأوضح..
فما معنى ان يقتل أناس على الهوية مثلا..؟! وما معنى أن تظهر أعداد
من الجثث التي عليها آثار التعذيب وهي مقطوعة الرأس..؟! أو غير
ذلك.. من أشكال التمثيل بها من جهات تزعم أسماء إسلامية، ،مع ان
الإسلام يقول على لسان خليفة رسول الله أبي بكر الصديق في وصيته
لأسامة بن زيد رضي الله عنهما: (( لا تخونوا.. ولا تغدروا.. ولا
تمثلوا.. ولا تقتلوا طفلا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا
نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة. ولا تذبحوا شاة، ولا
بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكله)).
ولنحلل هذه الوصية باختصار:
- لا تخونوا( بعد وعد أو عهد).
- ولا تغدروا بعد اتفاق.
- ولا تمثلوا(بعد مقتل).
- ولا تقتلوا طفلا( لا يقاتل، أو قد يقاتل كرها عنه).
- ولا شيخا كبيرا(لا يستطيع مقاتلة، ولا يقاتل فعلا).
- ولا امرأة(فالمرأة قاصر عن القتال-غالبا- لظروف مختلفة منها:
الحمل، والولادة، والالتزام بالبيت ..الخ).
- ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه(فالخضرة إحياء للحياة.. وزاد
للمسافرين في أيام السلم والحرب وفيء..).
- ولا تقطعوا شجرة مثمرة(فالثمرة زاد للرائح والغادي،مصدر حياة
للناس)
- ولا تذبحوا شاة أو بقرة أو بعيرا إلا لمأكلة(ضمن الضرورة).
ألا يبدو – هنا – دور الأخلاق – ليس في السياسة فقط، بل وفي الحروب
أيضا..؟
ولا بد من التذكير بأن السياسة كانت مشبعة بضوابط أخلاقية تدل
عليها هذه الوصية وغيرها الكثير الكثير..والمهم ان التوافق بين
القيم النظرية والسلوك العملي كان هو الواقع والمراد في ظل فلسفة
دينية – إذا جاز التعبير- غلب فيها البعد الأخلاقي على البعد
الواقعي (الذي باسمه تصبح السلوكيات السلبية مبررة بمعنى ما).
|
|
|