ترجمة حرفية غير رسمية للتقرير الذي سلمه امس القاضي برامرتس الى الامين العام للامم المتحدة كوفي انان وهنا النص:
 



النص الكامل للمحكمة الدولية..جريمة الحريري إرهابية والرئيس مسؤول جنائياً عن ارتكاب مرؤوسيه

 

 

kbê.20.11.07.11.15.EU

 لقاءٌ مع معتقلٍ دافع عن قضية
"بلدٌ يدير فيه المسدس الحوار"

بين براثن الجلاد وحقد المستبد يتكور النضال داخل المعتقل، رغم قساوة الحياة التي تنتهك كل المحرمات من قبل أصحاب القبعات الحمر ومرتديِ البوط العسكري . لا يشفي غليلهم التعذيب، لكنهم يُبدعون أساليباً جديدة فيه، إنهم يجيدون هذه المهنة كما لو أنهم ورثوها أباً عن جد .

هذه الحقائق التي تعيدنا إلى الماضي السحيق وقانون الغاب، متناسيين القوا نيين والقيم والأخلاق ، والتعايش الإجتماعي بين أبناء الوطن الواحد .المسألة ،لا تقف
هنا فحسب ، بل حينما يتعرض السجين للموت داخل المعتقل دون أن يُقدم له أبسط وسائل المعالجة ليموت بألمه وعذاباته. كل هذه الأمور في غوانتنامو سوريا أو أبو غريب الإسم الذي بدأ يشد الأذهان .

من هذه الأمثلة، كان السيد" فرحات علي" أحد معتقلي الرأي في سوريا، الذي مرّ بفروعٍ أمنية سورية عديدة في، وفروع رجالاتهم سابقا في الأمن اللبناني ، الذين اعتقلوه وسلموه إلى الأمن السوري، ولندع السيد فرحات يكمل معنا القصة .

1ـ السيد فرحات علي هل يمكن لك أن تعرفنا بنفسك ؟

فرحات علي، أنا من قرى منطقة عفرين الكوردية. تلك القرى الصغيرة الجميلة ، التي تمتاز بوفرة مياهها وينابيعها، والمحاطة بالكروم والبساتين والواقعة على سفح يحتضن سهلا كبيرا خصبا مطلاً على مدينة عفرين ،أنا من مواليد 15/8/1961.

وكان والداي يسكنان المدينه، تعلمت في مدارس حلب، الإبتدائية و الاعدادية فالثانوية العامة الفرع العلمي في ثانوية المأمون. لم أكمل بعدها دراستي نتيجة الظروف القاسية التي كنا نمر بها، والأوضاع المادية السيئة وصعوبة الحياة.

2ـ كل الشعب في سوريا يمتهن السياسية ، فمن موالٍ للنظام لحفظ مصالحه، إلى معارضٍ يرفض ممارسات النظام القمعية ، وللكورد حصة في السياسية. فمتى التحقت بالمدرسة السياسة ؟ ومن أيِ دافعٍ إتجهت نحو السياسة؟.

بهذا السؤال ، تعيد بذاكرتي مرةً أُخرى الى قريتي ، بحكم موقعها و قربها من مركز المدينة و باعتبارها تشكل عقدة للطرقات البرية ، يمر بها قطار الشرق السريع الذي يصل حلب بتركيا فأوروبة، و هي تشكل المدخل لمنطقة كرداغ و ريفها ، كان ذ لك كله عاملاً لاستقطاب البشر،إضافة إلى وجود مزار" ال بير جاف الزرادشتي "، و ناهيك عن طبيعتها الخلابة . كان للثورات المتلاحقة في بداية القرن العشرين كثورة " شيخ سعيد بيران"أبلغ الأثر في بروز الفكر القومي في قريتنا . فالعديد من المثقفين والقادة الكورد والأرمن الفارين من بطش الأتراك، أقاموا في قريتنا. منهم، الدكتور" نوري درسمي و فريدة خانم ". كان لذلك التأثير الإيجابي على تطور الفكر القومي و الثقافي والتعليم، فكان الاتصال بأوروبة منذ خمسينات القرن الماضي بواسطة طلابنا،وهناك من تخرج من تلك الجامعات، مما أدى إلى تحول كبير في الحياة الاجتماعية و السياسية و الثقافية ، فنشأ واقع جديد للعلم والمعرفة.

من الصعب أن أحدد علاقتي بالسياسة، فهي كانت تنمو معي نتيجة الأحداث في تلك الفترة والتحقت في صفوف البارتي عام ـ 1975 ـ فتقدمت بطلب خطي للانضمام الى الحزب عن طريق أحدا لأعضاء فرفض لصغر سنى ، فتح هذا الرفض أمامى مجالا لنقاشات طويلة ومتنوعة، خاصة إن سياسة التبعيث القائمة فى المدارس وخارجها عبر الترهيب تارة والترغيب تارة أخرى . كتبت رسالة آنذاك، وجهتها إلى الحزب شارحا فيها وضع الطلاب الكورد فى المدارس و الثانويات، مقترحا على الحزب إما تخفيض سن طلب الانتساب، وإنشاء منظمة شبابية رديفة للحزب، وكان الرد سلبيا طبعا وبعد عدة طلبات إنتساب تم القبول أخيراً .

كان الفضل الكبير لوالدتي، التي كانت تحثنا دائما،ً وكونها شقيقة إحد الشخصيات، الذين لعبوا دوراً في نشر التعليم والمعرفة ونضاله ضد القهر الإجتماعي والطبقي، وضد الإقطاع الذي كان يسيطر آنذاك، وقد عايشت أحداث كردستان الجنوبية ،التي قادها المرحوم مصطفى البارزاني ، و مع البارتي بدأت علاقتي الحزبية.

هذة الفترة الطويلة نسبيا فى العلاقة مع الحزب، كان لها تأثير إيجابي دفعني إلى المزيد من القراءة والبحث الجاد فى أمور عديدة، والتقيت العديد من الشخصيات الثقافية الكردية، أمثال المرحوم الشاعر الكبير" سيدا جكرخون والأستاذ صادق محمد علي " الذى كان أفرج عنة للتو من سجون النظام العراقى السابق، كل ذلك أدى الى بناء شخصيتي ، ووفر عاملاً إضافياً دفعنى إلى المزيد من الدراسة ، فدرست اللغة الكردية وقواعدها، وكذلك الماركسية التى كانت موضة العصر .

3 ـ السياسة كما يدعون ممتهنوها الفن الممكن أو سيف ذو حدين. من لا يعرف اللعب بها أصابه و ربما أفقده الكثير. ما هي الصعوبات التي واجهتها في الحياة الحزبية و السياسية ؟؟.

إ ن الحديث عن الصعوبات لايمكن ان يتم فى جلسة أولقاء. فهي كثيرة وكثيرة جداً
عزيزي ،بما إننا نعيش فى بلدٍ الحكم فية لنظام قمعى وبوليسي تماما، صادر كل أنواع الحريات ، ولا مكان فية لأبسط حق من حقوق الإنسان، ويمارس كافة أشكال التمييز العنصري، المبرمج فأضحى بذلك نظاما ديكتاتوريا عنصريا قل نظيره، هذا من جهة، وبالمقابل فان هكذا نظام، وعبر عقود، كان له التأثير على المجتمع كله، وبالتالي على القوى السياسية فيه ،وحتى على مضمون وشكل الخطاب السياسى فى البلاد عامة وعلى الحركة الكوردية بشكل خاص.

تحضرنى هنا واقعة فى عام 1980حيث ان البلاد كانت دخلت مرحلة خطرة، فتزايد العمليات المسلحة للإخوان المسلمين من جهة وانتشار جيش النظام بكل أنواعة فى كل مدينة وحي وبلدة من جهة أخرى، أدخل النظام البلاد فى نفق مظلم ، فى هذة المرحلة، كان لنا لقاءات عديدة مع أطراف متعددة من الحركة الكوردية .كان للتقارب الفكري بين الاتحاد الشعبى والبارتي آنذاك أثر كبير فى نفوسنا وشكل حافزا أساسيا على مضمون وشكل اللقاءات بين مجموعة صغيرة من الشباب. كنا لا نتجاوز الخمسة . كنا نلتقي ونناقش شتى المسائل، ومن بينها مسألة إمكانية إقامة إحتفالات جماهيرة فى اليوم المجيد ـ نوروز ـ ،علما إننا من حزبين، وبدون علم القيادتين، وهذا بحد ذاته تجاوز وأن الاحتفال بعيد نوروز ممنوع تماما .

وبعد أشهر قليلة، اتفقت المجموعة حول طرح مفاده إن النظام م السوري هو أضعف ما يكون فى الوقت الحالي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس للنظام مصلحة فى استعداء الحركة الكردية فى الوقت الراهن. وبالتالي إنها الفرصة المؤاتية لجعل نوروز عيد ا شعبيا، ولنقل الاحتفال به إلى الشارع، وبشكل علني، أي نقل الإحتفال من بين الجدران إلى الطبيعة.

وكان يجب أن تطرح هذه المسألة، وأن يتم إستشارة الحزبين، كوننا ننتمي إليهما، أي الإتحاد الشعبي والبارتي ، كان الرد من قبل الحزبين سلبيا، والحجة أن الوضع الأمنى المتردي في البلاد سيؤدي إلى مواجهات بين المحتفلين وأجهزة الأمن والعسكر ، فى أضعف الحالات الى اعتقالات واسعة في صفوف المشاركين.

لقد كان الإلتزام بقرار الحزبين هذا صعبا جدا علينا ، لكن إمكانياتنا ضعيفة للغاية، ولا مجال لقياسها بامكانيات الحزبين ،عمدناإلى تغيير تكتيكي بحيث لايتم تفريغ مضمون الاقتراح من محتواه وبالتالي مضمون الاحتفال. اعتمدنا على الذات وعلى هذا المحيط الواسع من الشباب والشابات والطلاب،و نقلهم إلى نقاط حددناها فى منطقة كرداغ النبى هورى –شلالات ميدانكى –كتخ – الباسوطة وهى مناطق سياحية بامتياز، ذات طبيعة خلابة كما هو معلوم .

أقيم مهرجان خطابي في النبي هوري ،كان له الوقع الإيجابي، فكانت كلمة سياسية شاملة ارتجالية حول نوروز ومغزى هذا اليوم ألقيتها أنا ، كذلك كلمة باسم العمال والفلاحين الكورد ،ألقاها أحد الرفاق، وكلمة باسم الطلاب الكورد، وأخرى مؤثرة جدا تناولت وضع المراة الكوردية، ألقتها إحدى المشاركات ، بالإضافة الى برنامج فنى فلكلورى فى كل نقاط الاحتفال فى ذلك اليوم. وكان لنا حفل فني كبير في الساحة الكبيرة لحى السريان الجديدة فى مدينة حلب ليلة نوروز.

4 ـ تعدد الأسباب والنتيجة هي ـ هي، لا تتغير في ظل نظام يتحكم في مصير الحجر والبشر، وصنع هذا النظام لنفسه أزلاماً لينشر في الأرض عبثاً وفساداً وتبذير خيرات الوطن هباءً منثورا. أستاذ "فرحات علي " أين تم
اعتقالكم؟ وكيف كانت الطريقة البوليسية هذه المرة ؟.

ان حياتى الشخصية لم تعرف الاستقرار، لا على صعيد الاقتصادي ولا على الصعيد الأمني. وهي نتيجة طبيعية في وطن محكوم بالبوليس وأجهزة أمنية تمارس كافة صنوف القمع، وبكافة الوسائل. و قد تعرضت لسلسلة من المضايقات الأمنية والاستدعاءات من قبل اجهزة الامن المختلفة بدءا من 1980 إثر توزيع بيان مشترك كان عنوانة –بيان مشترك بين الحزبين الحليفين الاتحاد الشعبي والبارتي – والذي تناول فيه الحزبان الموقف من جمعية الإمام المرتضى سيئة السمعة، مرورا بسلسلة من الاستدعاءات والمداهمات والتوقيف من قبل أجهز الأمن أحياناً من الناحية الأمنية .

نتيجة لظروفى المعاشية الصعبة، انتقلت مع عائلة إلى بيروت باحثا عن فرصة عمل وحياة ، كان ذلك فى عام 1999، في هذه الفترة، كان عبدا لله أوجلان زعيم حزب العمال أبعد من سوريا وليعتقل في كينيا، بعد جولة على عواصم عديدة دون أن يجد له مكانا أو حتى ملجأ، وبما إنني مستنكف عن العمل الحزبي، فلا احتاج إذنا، وكان أن دعونا إلى مظاهرتين خلال اسبوع كانت الأولى أمام السفارة اليونانية والثانية امام مجلس الوزراء والمجلس النيابى اللبنانيين بمشاركة الزعيم الدرزى وليد جنبلاط، وطبيعي ،أن كل ذلك تم بالتنسيق مع الأخوة في حزب العمال المتواجدين فى لبنان.

سمحت لي هذه النشاطات بالتعرف عن كثب على واقع الجالية الكوردية فى لبنان وخاصة الشباب، الذين يتواجدون هنا بشكل كثيف، وبنيت علاقات واسعة معهم وتفهمت خصوصية حياتهم، وبدأت التركيز على الجانب الثقافي، وبالتعاون مع بعض الاصدقاء ، افتتحنا مراكز عديدة في أحياء بيروت ومناطق عدة لتعليم اللغات منها الكوردية والإنكليزية وعلوم الكمبيوتر، معتمدين على اساتذة من ذوي الاختصاص، وقمنا بتأمين الوسائل التعليمية من كراريس واجهزة كمبيوتر …الخ هذه المراكز لاقت إقبالا واهتماما واسعا من قبل الشباب الكورد، وحتى أن الكثيرين من الإخوة اللبنانيين انتسبوا إليها طلبا للتعلم، استمرت هذه المراكز بدورها فى نشر العلم والمعرفة لغاية تاريخ إعتقالى ، و الذي تم بعد المظاهرة التى نظمها ودعا اليها الحزب فى دمشق بمناسبة اليوم العالمي لإعلان حقوق الإنسان في 10-12 ـ 2002.

ففي عصريوم 28-12-2002تم اعتقالي من قبل المخابرات العسكرية اللبنانيةـ فرع الزلقا ـ بعد التأكد من هويتي أدخلوني إلى رئيس الفرع، حيث قال حرفيا: ـ نحنا ويقصد الحكومة اللبنانية ـ مالنا عندك شى يا أستاذ، ولكن الأمن السوري يطلبك.
ـ فقلت :هل اعتبر هذا تبليغا لمراجعة السلطات الأمنيه السورية؟!!!! .
ـ فقال : لا ،سنسلمك لهم موجودا. ـ فقلت : كيف، وأنت تقول أنه ليست هناك اية مخالفة عليّ أم انكم تعملون بأمرتهم؟!!.
ـ فقال: هذة المرة بلهجة المخابرات المعروفة: أسكت وإلا سنغير أسلوبنا معك.

وتم تسليمي للمخابرات السورية فى عنجر أي – عند" النبي يوسف" ـ وهو لقب لأحد ضباط المخابرات السوريةـ ذلك العميد المشهود له – وذلك عن طريق قيادة المخابرات اللبنانية في بعبدا. وبعد أيام من التحقيق طلبني" النبي يوسف"، فتم اقتيادي إلى مقره وأنا فى حالة يرثى لها، وسألني متهما أياي بما لانسعى إليه، فقلت له، إن أقصى ما أطالب بة مثبت في برنامجنا السياسي، وهو الشراكة الحقيقية في البلاد ورفع الظلم الواقع عن شعبنا، وإذا غيرنا من مطالبنا فإننا لن نخجل وسنثبتها فى برنامجنا السياسي.

تم ترحيلي بعد اسبوع تقريبا الى دمشق، حيث شعبة المخابرات العسكرية الفرع 248 أي فرع التحقيق العسكرى وبعدها إلى الفرع 235 أي بما يعرف بفرع فلسطين و من ثم مرة أخرى إلى فرع التحقيق العسكري،بعدها ، نقلت إلى السجن العسكري الأول في صيد نايا وفي 16-4-2003 تم عرضي على نيابة أمن الدولة فى دمشق، وبعد حوالي عشرة أشهر عرضت على محكمة أمن الدولة العليا فى دمشق، وبعد عدة جلسات وتحديدا فى 29-8-2004 حكمتني هذه المحكمة الأستثنائية خمس سنوات مع الأشغال الشاقه، و تم تخفيف العقوبة إلى ثلاث سنوات.

قرار الحكم ، تضمن إضافة إلى السجن تجريدي من الحقوق المدنية وقرارا بالحجر على ممتلكاتي الخاصة، طبعا كل ذلك استنادا الى تهم باطلة يتهم بها أي مواطن كوردي فى ظل هذا النظام الحاكم، ومن الطبيعي أيضا، أني رفضت هذه التهم جملة وتفصيلا ، وكانت لي مداخلة رغما عن" اللا" قاضي المدعو" فايز النوري" الذى لم يسمح لي بالكلام ، فقلت رافضا كل تلك التهم ، إننى أنتمى إلى حزب جماهيري واسع يعمل وبشكل علني بين الجماهير ،و لا أنتمي إلى منظمة سرية وهذا الحزب، يعمل وفق برنامج معلن و واضح ويعتبر ال 186000 كم وطنا نهائيا لكل السوريين عربا وكوردا، ولا نسعى إلى اقتطاع أي جزء منة، وهذا مثبت في كل وثائق الأحزاب الكوردية مجتمعة، وإن انتمائي إلى هذا الحزب هو إنتماء إلى هذا الشعب ، وما كان من " اللا" قاضي إلا أن طالبني بالسكوت، مهددا بمضاعفة العقوبة وذلك أمام كل الحاضرين، وأمر عناصر الأمن بإدخالي النظارة رغما عني.
5 ـ قبور النظام ومعتقلاته أصبح يُضرب بها المثل في التعذيب والبشاعة، أكثر من باستيل فرنسا سابقاً و غوانتنامو حالياً. هل لك أن تحدثنا عن الحياة فى الفروع الأمنية السورية ـ الحياة داخل المعتقلات ـ والسجون؟ .

إن الحديث عن حياة يعني إننا كنا نعيش ، لكن مجرد دخولك الى أي فرع أمنى أو سجن سوري تنتهي تماما الحياة البشرية، لتبدأ حياة أخرى أدنى مستوى من الحياة الحيوانية، ابتداء من المعاملة العامة السيئة جداَ إلى إقامتك ، ومن ثم التحقيق وأساليبه البشعة، إضافة إلى تجهيزات غرف التحقيق من أدوات التعذيب النفسي والجسدي.

إلى زنزانة فرع التحقيق العسكري، ذات الأبعاد –الطول 165 سم والعرض 70 سم والارتفاع 200 سم حيث زجوا بيّ تلك الزنزانة الخالية من أي غطاء أو أي مفرش أوأنارة أوحمام، إضافة إلى الكلبشة الحديدية فى معصميّ ، ويداي مشدودتان إلى الخلف ليلاً نهارا،ً فتخيل كيف يكون نوم البشر بهكذا طريقة ، النوم فقط .

كيف لك أن تتخيل عصبة العينين المصنوعة من الإطار الداخلي للدواليب ، وكذلك الدولاب المركون، الذي كان ينتظرني فى إحدى غرف التحقيق، التي كنا نساق اليها كالشاة؟ أوالكرسي الخاص للتعذيب، ومجموعة الكبال من جميع الألوان ، والمقاسات ولا ننسى حذاء الجلادين والمحققين، ذلك الحذاء العسكرى الذى لم نكن نرَى سواه ، رأسي دوما نحو الاسفل.

لقد وضعونا فى " فرع فلسطين" سيء السيط في غرفٍ ، في الواحدة منها 60 معتقلا فى أحسن الأحوال، دون أي غطاء أو فرش، طبعا، كل ذلك تحت الأرض إضافة إلى كل ذلك وجود القمل والسيبان والصراصير لاتفارقنا أبداً، والأسوء من هذا عدم وجود أية رعاية طبية .

أماعن صيدنا يا، فحدث ولا حرج فالعسكر كانوا يحيطون بنا من كل حدب وصوب، مكيلين لنا الشتائم من كل المقاسات والألوان ، يجتمعون علينا كما تجتمع الكلاب البرية على فريسة ، يبدأ المسلسل الجديد مع نتف الشعر كاملاً، ودولاب الاستقبال ولكن هذه المرة باستخدام البواري الحديدية التى يبلغ طولها 2م، وكانوا يسوقوننا بالبوط العسكري بعد تعريتنا كاملاً إلى الزنازين فى القبو، كان نصيبي الزنزانة رقم ـ 3 ـ يسارا، ً تحت الجناح " ب"، فمبنى السجن كان مقسما إلى أجنحة ثلاثة مزدوجة ـ أ ـ ب ـ ج ـ على شكل رمز" المرسيدس" وبعدها بدأ البرنامج الآخر، فالدولاب يومياً عند الظهيرة ، وذلك باجتماع أكثر من عشرة من العسكر، الذين معهم كل الصلاحيات، مما كان يزيد من قساوتهم وحقارتهم.

6 ـ عند السماع بكلمة الموت والتي بحد ذاته تضفي علينا شعور آخر بمرارة الحياة، كيف هذا بالنسبة لكم، وهناك من قتل على أيدي من يدعون الإسلام ؟ و من مات مرضا لعدم وجود طبابه؟ .

بخصوص موضوع الأمراض، فهي منتشرة بشكل كبير بين السجناء، وهي وتتوزع بين نوعين أساسيين. الأولى ، أمراض القلب والشرايين وضغط الدم والسكرى، و الثانية ، ما يُعرف بأمراض ـ السجون ـ ولا أريد أن أغوص في تفصيلات أكثر كونها تؤلمني ، وثانياً أنا لست طبيبا لكن الواضح تماما، إن الكثير من السجناء كانوا يعانون من هذه الأمراض نتيجة طول فترة الاحتجاز والتوقيف، فالكثير منهم تجاوز فترة احتجازهم "20 " عاما إضافة إلى عدم توفر الغذاء الذي يتطلبة الجسم.

من الناحية الثانية: عدم وجود الزيارات من قبل الأهل، مما يزيد من معانات السجناء على كافة الصعد، فهناك من لم يزره أهلة طيلة فترة سجنه، وقد جرب معظم السجون السورية المزة، تدمر العسكري ، إلى صيد ناي، كانت هذه المعاناة لها وانعكاسات سلبية جداً على حياة هؤلاء السجناء وأهلهم ، كل ذلك، في ظل عدم وجود أية رعاية صحية .

كان بعض المساجين ماتوا نتيجة الإهمال المتعمد، فتصور إن إحالة الطبيب لأي مريض إلى المستشفى قد تطول أشهر فى ظل الحرمان الصحي الكامل، وعدم توفر الأدوية والأدوات و الأجهزة الطبية التى يحتاجها أي طبيب ، إ ن كل هذه الأوضاع طبعا، ستؤثر على صحة وسلامة السجناء عامة ، فالمرحوم محمد الخطيب مات من الإهمال وهو فى ريعان شبابه، حيث كان فى عقدة الثالث ، وأبو احمد الديري ـ من البعث اليمين ـ توفي أيضا نتيجة هذه الظروف، وغيرهم الكثير ممن لاأعرف أسماءهم حيث كانوا فى أجنحة السجن الأخرى.

أما عن وضعي، فأنا أُعانيت من أ مرض السكري و ضغط الدم فى السجن، إضافة إلى إصابة كليتي اليسرى بعطب، نتيجة تشكل كيس قشري عليها، سماكة ـ 3 ـ سم مما أفقدها دورها الوظيفي كاملاً، وكان جسمي يطرح البروتينات كاملاً مع البول نتيجة ذلك ، إضافة الى تبارز خلفي ونشوء مناقير عظمية فى الفقرات الرقبية، مما سبب ضغطاً على النخاع الشوكي، وأدى إلى شلل نسبي في أطراف اليساري العلوي، وتورمات في كل الأطراف مصحوبا بآلامٍ شديدة ـ طبعا هذا كلة مثبت بتقارير طبية فى مشفى تشرين العسكري، وعند أطباء السجن ـ وبالتاكيد فأن الدكتور " عبدالعزيز الخير " يعرف أدق، لقد عانيت من هذا الوضع طيلة فترة سجني ، ولم يسمحوا لي بالذهاب إلى المشفى إلا قبل خروجى من السجن بشهرين فقط .

أما عن سؤالك حول الصراع بين السجناء أنفسهم فحدث ولا حرج أيضا ، لأن السجن كان مختلطا،ً فالجماعات الإسلامية لها طبعا أميرها الخاص بكل زمرة و الفتوى ملزمة للمريدين، وكل فئة تكفر الأخرى، حتى فيما بين الإسلاميين أنفسهم، وهم كثر ـ الاخوان المسلمين ، حزب التحرير الإسلامى ، القاعدة، الجهاديين والتكفيريين……الخ كلهم فى صراع مع بعضهم من جهة، ومع الأحزاب والتهم الأخرى من جهة ثانية . هذا الخليط، كان يجعل من حياتنا جحيما أكيداً. لقد كانت الجماعات الإسلامية في الفترة الأخيرة كثيرة في المعتقل وخاصة بعد حرب تحرير العراق، وكانوا يريدون الخلافة حتى داخل السجن ، فيمنعون الناس من حريتهم، لهم الحق في أن يكفروا ...و ....إلخ أما للأخرين فلا ،هذا كان سبباً في قتل أحد الأشخاص عندما تفوه بكلمات متناقضة لتعاليم دينهم الحنيف، و هم بعيدون عن هذا الدين ، وقد تم الاعتداء على السيد" هيثم قطيش" وهو درزى وكذلك على" ابراهيم عبدالعال"، وهو فلسطيني وحوادث كثيرة من هذا النوع .

7 ـ " لا يستطيع الإنسان أن يتحمم في النهر الجاري نفسه مرتين " وذلك لأنه يتغير ولا يبقى على حاله ، هل وجدت تغيرا ً في اللوحة السياسية للمعارضة السورية عامة والكوردية خاصة بعد خروجك من المعتقل؟.
بالتاكيد لاشىء ثابت، ولا شيء جامد، والحياة حركة ولكن الحديث عن المعارضة موضوع له شجون وشجون ، ولابد لي أن أقف هنا، ولو قليلاً على طبيعة النظام الحاكم المتمثل بالبعث.

فمنذ إستلائه على السلطة، وخلال أربعين عاما و نيف، لم ينجز أية مهمة وطنية أو حتى مجرد مسعى لحل أية مشكلة على الصعيد الوطني، بكل ما للكلمة من معنى، بل على العكس، زاد في تعميق الخلافات على كافة الصعد وكل المستويات، بحيث شملت كافة مناحي الحياة فى البلاد، من تغيب المجتمع كلياً عن الحياة السياسية واستئثار بالسلطة وتعميق الشرخ الطبقي في المجتمع السوري عموما، وانتهاج سبيل التفرقة العنصرية والطائفية ، وتغّييب القانون، وفرض هذا النظام حالة من الذعر والرعب والإرهاب فى البلاد.

كل ذلك أثر سلبا على الحياة السياسية العامة و الخطاب السياسي لجملة الأحزاب الوطنية فيها، فجاءت برامجها ترسيخا للواقع السلبي الذي نعيش، وبالتالي جاءت الطروحات قاصرة وناقصة، لم تحمل حلا يليق بمستوى قضايا الوطن و المواطنين، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن سياسة تغييب الحريات التى ينتهجها النظام أثرت على مستوى القدرة لدى الأحزاب فى التعريف عن نفسها بشكل صحيح، في ظل حصرية امتلاك النظام لكل وسائل الإعلام، وعدم وجود متنفس أخر، وعليه
فأن أحزاب المعارضة فى مستواها الحالي إنعكاس غير مباشر لطبيعة النظام البعثي الحاكم وحلفائه، من شيوعيين وغيرهم، واللوحة، لم تتغير كثيرا مع ظهور بعض التغييرات هنا وهناك، والتي لم تأخذ مداها ولم تتضح بعد.

أما عن وضع الحركة الكوردية، فهي بمجملها ليست بعيدة عن الواقع السورى العام، الذي يمكن إسقاطه علية أيضا باستثناء الطفرة التى حد ثت مع، وبعد انتفاضة آذار في المناطق الكوردية، لكن عدم وجود تضامن ورؤية مشتركة فيما بين الأحزاب الكوردية حول طبيعة وجدوى هذه الانتفاضة، وعدم استثمارها سياسيا كما يجب، على اعتبارها انتفاضة شعبية، وفتحت آفاقا جديدة باتجاة حل القضية الكوردية حلا عادلا، يضمن الحقوق القومية المشروعة، والعيش بحرية وسلام على الأرضة التاريخية.

وبدلا من ذلك، انفردت مجمل القيادات الكوردية باتخاذ مواقف، راعت في أغلب الأحيان مصالحها الحزبية والفئوية الضيقة، بل حتى ، لم تكترث لا للشعور القومي العام، ولا أيضا لشعور قواعدها الحزبية، واضعة بذلك مصالح الشعب دونا من مصالحها، بذلك تكون سقطت في أول امتحان، في ظل عدم الثقة بالنفس، وغياب أدوات العمل الفكري والسياسي والتنظيمي، ما أدى إلى إنحرافها في السلوك النضالي متحججة بالواقعية والعقلانية والموضوعية، موقعة نفسها في فخ التناقضات مع ذاتها من جهة عقلانيتها ، ومن جهة أخرى،اهتمامها الملحوظ
بشأن الانتماء الوطني الكوردستاني، وذلك بعد التطورات التى حصلت فى ساحات كوردستان الأخرى وخاصة كوردستان العراق.

8 ـ من متطلبات الحياة العيش بكرامة، و دون أن يمد أحدنا يده.أنت الآن بدون عمل، كيف تستطيع متابعة الأخبار و الموضوعات السياسية، و هل تنوى الابتعاد عن السياسة نعم، أو لا ؟.

معك حق. وخاصة إنني أعيش فى عالم متطور، و في ظل الثورة التكنولوجية يتطور بسرعة فائقة، وعليك مواكبة هذا العالم ، وكما تعلم ، أن الوسائل كثيرة أيضا ومتعددة، لكنني ألاقي صعوبات جمة لأحصل عليها، خاصة و أني من دون عمل، ولديّ مسؤوليات وعائلة. أما عن سؤالك الآخر، فالسياسة ليست نزوة، ولن تكون كذلك، الأمر الثاني هو عهدٌ قطعته على نفسي يوم تقدمت بطلب انتسابي
لحزبي هذا، أن أناضل فى سبيل شعبي ووطني، ما دمت حيا من أجل أن يكون هذا الوطن حرا ،ً ليحيا شعبي بأمان وسلام مثل كل شعوب المعمورة، وعلى هذا ربتني أمي ، وسوف أنقله بأمانة للأجيال القادمة.


في داخل كل منا اليوم، هاجس الرعب البعثي، الذي زُرِع بشتى الأساليب المحرمة، اللا إنسانية والتي تتنافى مع كل المعايير والمواثيق الإنسانية اليوم . وفي إطار التطورات السريعة للعالم ، يتجه النظام إلى بناء القبور لمواطنية لكم أفواههم،وقمع حرياتهم مستفرداً بالسلطة، ممجداً نفسه وشخصه. ولكن إلى أين ؟؟؟؟ ربما، لم نتعرف على الكثير من المعانات، ولكن كان السيد فرحات علي نموذجا من النماذج الكثيرة في وطننا.


حاوره : مسعود حامد

Mesudh75@hotmai