للمعرفة القبلة وأوقات الصلاة

 

 
 
ترجمة حرفية غير رسمية للتقرير الذي سلمه امس القاضي برامرتس الى الامين العام للامم المتحدة كوفي انان وهنا النص:
 



النص الكامل للمحكمة الدولية..جريمة الحريري إرهابية والرئيس مسؤول جنائياً عن ارتكاب مرؤوسيه

 

 

K.binxetê.09.03.07.10.50.GMT


سوريا
المشروع الوطني للاصلاح والتغيير

بقلم الأستاذ مرشد اليوسف

المقاربة الموضوعية لمنظومات الدولة و المواطنة والهوية في تاريخ سوريا المعاصر تتطلب توخي الدقة والموضوعية في تناول ملامحها التاريخية وآثارها السياسية كمقد مة لاحياء المشروع الوطني للاصلاح والتغيير وبناء دولة المواطنة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي و السياسي والدستوري.
وضمن هذا المعيار بمكن تقسيم تاريخ سوريا السياسي المعاصر الى ثلاثة مراحل :

مرحلة الحكم الديمقراطي الدستوري.-
- مرحلة الانقلابات العسكرية.
- مرحلة النظام الشمولي الاستبدادي .

من المفارقات الغريبة في تاريخ الشعب السوري أن تدفع حكومة الاحتلال الفرنسي في عام 1925 المواطنين السوريين الى تشكيل الأحزاب كشرط أساسي لاعطاء الحرية النسبية وتشكيل جمعية تأسيسية ودستور أساسي للبلاد, يينما تحرم السلطة السورية المواطنين في الألفية الثالثة من هذا الحق

مرحلة الحكم الديمقراطي الدستوري:
حكم العثمانيون سوريا أربعمئة عام وفرضوا سياسية التتريك والجهل والفقر على الشعب, وواكب الحكم العثماني في القرن التاسع عشر تدخل استعماري أوربي على مختلف المستويات, وانهارت السلطنة في بداية القرن العشرين, وبموجب اتفاقية سايكس بيكوعام1916 جرى تقسيم تركة الدولة العثمانية الى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية وكانت سوريا من نصيب الدولة الفرنسية وبذلك دخلت سوريا الى نفق استعماري من نوع آخر,وقاوم الشعب السوري ( من شماله الى جنوبه ومن شرقه ال غربه) ببسالة المستعمرين الجدد, وضرب الثوار والوطنيون (في بياندور بزعامة سعيد آغا الدقوري في عامودة والقامشلي, و جبل الدروز وسويداء العين بزعامة سلطان باشا الأطرش, و جبل العلويين والساحل بزعامة الشيخ صالح العلي, و جبل التخاريم وحلب وعفرين بزعامة القائد ابراهيم هنانو ,و غوطة دمشق بقيادة البطل حسن الخراط ),أروع الأمثلة في التضحية والفداء ونكران الذات, وفي عام 1925و نتيجة لتصاعد حركة الاحتجاجات الوطنية والمقاومة المسلحة في طول البلاد وعرضها, والصراع الإقليمي والدولي المتعدد المصالح والاتجاهات بين بريطانيا وفرنسا على مناطق النفوذ,,ودخول الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا على الخط الاستعماري في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى, اضطرت الحكومة الفرنسية للتنازل وإعطاء بعض الحرية الى الشعب السوري عبرتشكيل جمعية تأسيسية ودستور أساسي ولكن بشرط أن يتم تشكيل أحزاب تشرف على تنظيم الحياة السياسية في البلاد .

وفي نيسان عام1925أسس الأرستقراطيون في دمشق وحلب حزب الشعب الذي نادى بالسيادة الوطنية ووحدة سورية الطبيعية وكان من ابرز قيادييه عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري.

وفي تشرين الأول 1927 صدر بيان باسم الكتلة الوطنية التي ضمت أبرز الزعامات المحلية من الوطنيين والقوميين في سورية مثل إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي وغيرهم.

وفي نيسان 1928 جرت أول انتخابات للجمعية التأسيسية السورية ووضعت دستوراً للبلاد اقره المفوض السامي الفرنسي في 14/5/1930 مع بقاء شئون البلاد الحساسة (كالجيش والجمارك والأمن العام والأمور الخارجية وغيرها) بيد المفوضية العليا الفرنسية.

ورغم دخول هذه الأحزاب ضمن اللعبة البرلمانية والدستورية فإنها استمرت في نشاطاتها المناوئة للانتداب الفرنسي بالاحتجاجات والمنشورات والإضرابات والمظاهرات، وكان أهمها الإضراب الخمسيني فيما بين 19/1 و8/3/1936 والذي وجدت بعده السلطة الفرنسية نفسها مجبرة على توقيع معاهدة 9/9/1936. لكن هذه المعاهدة كانت من وجهة نظر المعارضة لا تحمل صفة الاستقلال الحقيقي و تفرط بالحقوق الوطنية (كمسألة لواء الاسكندرون )، وازدادت وتيرة الاحتجاجات مما جعل المفوض السامي الفرنسي في 8/7/1939 يوقف العمل بالدستور ويحل البرلمان, ووقعت سوريا مرة أخرى تحت الحكم العسكري الفرنسي المباشر من عام 1939 وحتى أيلول 1941 وسُمحت من جديد بقيام حكومة وطنية ائتلافية من صفوف الكتلة الوطنية وحزب الشعب, وبرز خلال هذه الفترة السيد شكري القوتلي كزعيم وطني سوري كبير .
واستمر النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي واجتمع البرلمان من جديد في 17/8/1943 وانتخب القوتلي رئيساً للجمهورية السورية وكان لهذا البرلمان ولهذه الحكومة ولحكومة فارس الخوري التي أتت بعدها مواقف مشرفة، أهمها رفض توقيع معاهدة تمنح فرنسا امتيازات داخل سورية , وطار صواب المستعمر الفرنسي وقصف دمشق في 29/5/1945 بالطائرات ,وهزمت فرنسا تحت ضربات المقاومة والضغوط الدولية ورضخت نهائيا لمطالب الشعب السوري, وقررت انهاء الانتداب والموافقة على الاستقلال وتم اقرارذلك في 17نيسان1946.
و أخذت الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان إلى مد نفوذهما إلى هذه المنطقة الحساسة. وطُرحت مشروعات غربية عديدة، كان من أهمها مشروع "سورية الكبرى". ، وفي آب 1946 وجه الملك الأردني عبدالله دعوة رسمية إلى سورية ولبنان للعمل على تنفيذ هذا المشروع، وفي 2/9/1947استنكر المجلس هذه الدعوة في بيان رسمي وذلك بعد اجتماعات ومداولات عاصفة في أروقة البرلمان السوري ، وفي 29/9/1947 أعلن المجلس عن رفضه التام لهذا المشروع واعتبره مشروعاً غربيا تتستر خلفه مصالح شخصية ويحمل في مضمونه قيوداً استعمارية جديدة تمس استقلال البلاد ونظام الحكم فيه.
وطرح الملك الأردني مشروعا آخر هو مشروع "الهلال الخصيب"، ويتلخص في إقامة اتحاد فيدرالي بين الأردن والعراق وسورية ولبنان، ولاقى هذا المشروع نفس المصير الذي لاقاه المشروع الأول، ولم يجد أحدا في سوريا يتعاطف معه باستثناء الحزب القومي السوري الاجتماعي. وكان فشل هذين المشروعين انتصاراً هاماً للمحور الوطني ،
وفي أيار 1947 طُرحت على البرلمان مسألة تمثيل الاقليات الطائفية وحدثت مناقشات عاصفة وخرج البرلمان بإرادة قوية بجعل الانتخابات تتم على أساس وطني دون تمييز بسبب الدين أو المذهب أو الطائفة أو القومية أو الاثنية وبالفعل صدر هذا بموجب مرسوم في 4/6/1947.
في هذا الجو الديمقراطي انعقد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في 4/4/1947 واستمر لمدة ثلاثة أيام، وأصدر أول دستور للحزب أقر في مادته الرابعة عشرة أن نظام الحكم الذي يتبناه البعث هو نظام برلماني دستوري والسلطة التنفيذية مسؤلة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة.
وفي 17/7/1947 جرت أول انتخابات في ظل الاستقلال وكانت نتيجة هذه الانتخابات مجلساً ضم أغلب التكتلات السياسية النشطة على الساحة السياسية السورية وحصل الحزب الوطني على أربعين مقعداً، في حين حصل الأحرار أو الشعبيون على 30 مقعداً، ونجح أكرم الحوراني عن حزب الشباب وسقط عفلق والبيطار.
وكانت القضية الأولى التي ناقشها برلمان 1947 هي تعديل الدستور بحيث يتيح للرئيس شكري القوتلي إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية أربع سنوات أخرى، وبعد جلسات عاصفة من النقاش اقر المجلس بإجماع أعضائه هذا الاقتراح ,وعارض حزب البعث هذا الاقتراح من خارج البرلمان واعتبر إعادة ترشيح القوتلي تجديداً للحكم الديكتاتوري؟؟ ؟!!
والأمر الجدير بالذكر أن الزعيم شكري القوتلي الذي كان عضوا في الحزب الوطني استطاع أن يكون رئيسا لكل الشعب السوري,
وأن يقف على مسافة واحدة من كل القوى والتشكيلات السياسية والحزبية، وأكسبه ذلك احترام الجميع
ومن المواقف المشرقة للبرلمان السوري التحقيق مع العديد من العسكريين بتهم الفساد والاختلاس داخل الجيش. وكل هذا كما سنرى عجل في سعي العسكريين للانقضاض على الحكم المدني البرلماني وهذا ما حصل فعلاً مع انقلاب حسني الزعيم في آذار 1949. وبالفعل ففي 30/3/1949 وبأمر من العقيد حسني الزعيم قامت فصائل من الجيش بمحاصرة مباني رئاسة الدولة والبرلمان والوزارات واعتقل شكري القوتلي ورئيس الوزارة خالد العظم.
النتائج السياسية في هذه المرحلة:

1- يلاحظ من خلال الأحداث والوقائع أن الخارج(فرنسا)بجبروته وقوته لايستطيع فرض ارادته على الداخل(سوريا) اذا كان الداخل محصنا تحت مظلة المواطنة والارادة الحرة ,


2- شهدت سوريا بين عام 1946 تاريخ الاستقلال وعام 1949 تاريخ أول انقلاب (حسني الزعيم )حكومات ديمقراطية برلمانية دستورية تناوب عليها الليبراليون والبرجوازيون من أعيان ووجهاء المدن السورية الكبرى دمشق وحلب وحمص وحماه ,وزعماء العائلات الأرستقراطية والتقليدية والمتعلمين من أبناء كبار ملاك الأراضي الزراعية المرتبطين بالمدينة اقتصاديا,هذا الانجاز الحضاري العظيم شابه خطأ خطير غطى بظلاله على سوريا حتى اليوم, والخطأ العظيم الذي ارتكبه هؤلاء الليبراليون بحق الوطن وحق أنفسهم هو أنهم أهملوا مبدأ المواطنة والوحدة الوطنية عندما عزلوا أبناء الريف السوري وترفعوا عنهم, وتفردوا بالحكم وحصروا الحياة السياسية والحكم بأيدي أبناء المدينة الأمر الذي عصف بالبنية التقليدية للمجتمع السوري ,وقسم سوريا الى عالمين منفصلين, عالم المدينة الرفيع ,بسخبها, وضوضائها وضيائها, ومدارسها, وجامعاتها, واقتصادها, وغناها, ورفاهيتها, وشوارعها المسفلتة, وتقاليدها الاجتماعية الراسخة, وعالم الريف المتواضع ( الأدنى , البدوي , القروي, الأمي, الزراعي, الهامشي, الراكد ,الغارق في الأوحال شتاء والعجاج صيفا ) الذي لا يعرف من المدينة الا أنها مكان الحكم والدولة والقوة والثروة, ومصدر الشقاء والعذابات والحرمان ,يتعرض فيها أبناء الريف للاستغلال والاهانة والعبودية (كان العلوي في حماه, والشاوي في دير الزور و الحسكة والحوراني - أهل حوران- في دمشق ) مثالا للاستهزاء والسخرية, وظهر ما يسمى بعقدة الريفي تجاه ابن المدينة,

3- لم يحصل تطور نوعي في هذه المرحلة على الصعيد الاقتصادي والصناعي بحيث يحقق اختراقا كبيرا باتجاه التطور الرأسمالي في البلاد.
لقد عاشت سورية في هذه المرحلة بحق تجربة برلمانية دستورية مثيرة وفريدة، وكانت ترسم بشكل أو بآخر صورة الحياة السياسية في سورية. و شهدت هذه التجربة الرائدة أحوالا من النجاح والاخفاق في مواقفها وخطها البياني وعبرت من خلال هذا الخط عن تطور الحالة الدستورية في سورية.

مرحلة الانقلابات العسكرية

علق الكيخيا زعيم حزب الشعب على انقلاب حسني الزعيم وقال:
ستعيش سورية 50 عاما على الأقل من الألم والمعاناة والاضطهاد من اجل أن تقضي على هذا الداء الذي أصيبت به"
في آذار1949 قام الضابط حسني الزعيم بانقلاب عسكري واعتقل الرئيس شكري القوتلي وخالد العظم رئيس الوزراء,
وقام الزعيم في 3/4/1949 بحل البرلمان وشكل لجنة دستورية لوضع دستور جديد ومشروع قانون انتخابي جديد وأعلن أن انتخاب رئيس الجمهورية سيتم بالاقتراع السري من الشعب مباشرة وليس من مجلس النواب وبدأت فكرة المرشح الوحيد بالظهور، وكان الزعيم هو المرشح الوحيد ونال النسبة الشهيرة 99.99 في المائة في انتخابات 25/6/1949 ، وسجن أغلب القيادات الحزبية والشعبية والسياسية في تلك الفترة,واعتمد على الجيش والمخابرات في حكمه., كل هذا عجل في حدوث الانقلاب العسكري الثاني في تاريخ سورية الحديث، وهو انقلاب سامي الحناوي الدموي في 14/8/1949 حيث اعدم الزعيم والبرازي, و أعلن الحناوي منذ بداية انقلابه أن الجيش سيقوم بإنقاذ البلاد من الطاغية ثم يعود إلى ثكناته, وقام ببعض االاصلاحات في هذا الاتجاه، وأصدر قرارا برفع الحظر عن الأحزاب السياسية ,وشكل وزارة ائتلافية ضمت وزراء من حزب الشعب والحزب الوطني و حزب الشباب وحزب البعث، ووضع قانون انتخابي جديد أكثر تطوراً من الذي سبقه وجرت انتخابات جديدة في 15/11/1948 أسفرت عن نجاح 43 مرشحاً من حزب الشعب و42 مستقلاً و13مرشحاعن الحزب الوطني و4 مرشحين عن الجبهة الإسلامية ونجح مرشح واحد عن حزب البعث ومرشح واحد أيضاً عن الحزب القومي السوري ومرشح واحد عن حزب الشباب هو اكرم الحوراني.
وفي 14/12/1948 انتخب هاشم الأتاسي رئيساً مؤقتاً للجمهورية، ولم يطل العهد المنفتح نسبيا على سورية إذ سرعان ما قام الجيش بقيادة العقيد أديب الشيشكلي في19/12/1949 بالانقلاب الثالث في سورية واعتقل الحناوي.
ومن المواقف المثيرة للجدل التي ناقشها البرلمان في هذه المرحلة كان مسألة علمانية الدولة ففي 22/7/1950 نوقشت بإسهاب المادة الثالثة من الدستور التي نصت على أن دين الدولة هو الإسلام وانقسم المجلس حول هذه المادة,ووقف ممثلو حزب البعث و العربي الاشتراكي والحزب القومي السوري والحزب الشيوعي وبعض أعضاء حزب الشعب إلى جانب الدولة العلمانية، ووقف ممثلو الجبهة الإسلامية والإخوان المسلمون، والحزب الوطني والباقي من أعضاء حزب الشعب، وأصروا على وجوب بقاء المادة على ما هي عليه، وحقق أنصار التيار الأول نصرا نسبيا وعدلت المادة الثالثة من الدستور وأصبحت "الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع".
لكن عودة حزب الشعب بقوة إلى البرلمان والوزارة وخاصة بعد أن اضطر الرئيس هاشم الأتاسي إلى تشكيل وزارة جديدة برئاسة الدواليبي وبأغلبية شعبية وبعد تهديد مواقع العسكريين داخل الحكم قام الشيشكلي في 28/11/1951 بحل البرلمان وتسلم بنفسه مهام السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وقام في 15/1/1952 بحظر نشاط الحزب الوطني وحزب الشعب والإخوان المسلمين والتعاوني الاشتراكي وأغلق مكاتبهم بالشمع الأحمر وأبقى على نشاط حزب البعث والعربي الاشتراكي، وفي 6/4/1952قام بإجراء حظر عام على كل الأحزاب دون استثناء وعادت الأحزاب إلى النضال السري ضد "ديكتاتوريته". وقام الشيشكلي بتشكيل حركة سياسية خاصة به سماها "حركة التحرير العربي" التي انتخبته مسئولاً أول في مؤتمرها التأسيسي الذي عقدته في حلب بتاريخ 25/7/1952 وقام بتعديل الدستور بتاريخ 21/6/1953 وفيه حول نظام الحكومة السورية من نظام برلماني إلى نظام رئاسي وأجرى استفتاء عام بتاريخ 10/7/1953 نجم عنه الموافقة على التعديل ونجح الشيشكلي المرشح الوحيد للرئاسة وكان الحزب القومي السوري الاجتماعي من ابرز المؤيدين للشيشكلي.
في 30/7/1953 أصدر الشيشكلي قانونا جديدا للانتخابات خفض فيه عدد أعضاء البرلمان إلى 82 عضوا وسمح بعودة النشاط الحزبي مستثنياً الحزب الشيوعي. لكن القوى السياسية قاطعت الانتخابات باستثناء حركة التحرير التي حصلت على 72 مقعداً. أما المقاعد الباقية فكانت للقوميين السوريين وللمستقلين وانتخب مأمون الكزبري رئيساً لمجلس النواب. وقد شهدت سورية في هذه الفترة مرحلة خصبة من الحراك السياسي تمثلت بالمظاهرات والإضرابات والبيانات والحشود الجماهيرية ضد "ديكتاتورية الشيشكلي" وقام الشيشكلي بإعلان الأحكام العرفية واعتقل أغلب القيادات السياسية للأحزاب ومنهم (الكيخيا وعدنان الأتاسي والجابري والعسلي وعفلق والحوراني والبيطار) ووضع هاشم الأتاسي تحت الإقامة الجبرية ثم تراجع عن قراراته وشعر بالعزلة لكنه لم يستطع، إذ داهمه الانقلاب الرابع في 25/2/1954 ليضع نهاية لمرحلة الشيشكلي في سورية.
وقد تم هذا الانقلاب بالتعاون بين الأتاسي واتباعه داخل الجيش مع مصطفى حمدون وبعض الضباط البعثيين، وكان نتيجة الانقلاب استقالة الشيشكلي وسفره إلى بيروت وعودة الاتاسي لممارسة صلاحياته كرئيس للجمهورية .
وفي 27/6/1955 أقر المجلس قانون الانتخابات الجديد وتم فيه زيادة عدد النواب إلى 142 كما اقر نظام الاقتراع السري وحدد موعد الانتخابات في 20/8/1955.
في 30/7/1955 أعلن الحزب الوطني مقاطعة الانتخابات احتجاجاً على تدخل الضباط البعثيين في شؤن السياسة وتجاوز مهامهم خارج حدود ثكناتهم وهاجم انتشار الحزبية داخل الجيش ,و قام الأتاسي بتأجيل موعد الانتخابات من 20/8 إلى 24/9/1955 لإقناع الحزب الوطني وحزب الشعب لدخول الانتخابات وبالفعل قرر حزب الشعب والحزب الوطني العودة عن قراره.
وقد جرت الانتخابات على جولتين وحصل حزب الشعب على 30 مقعداً، والحزب الوطني على 19 مقعداً وحصل حزب البعث على 16 مقعداً. وشهد هذا البرلمان في مناقشاته صراعا مريرا بين اليمين واليسار، وركز البرلمان الجديد على البرامج الاجتماعية والاقتصادية للحكومة.
وفي عام 1957أنشأ الشعب الكردي في سوريا الحزب الديمقراطي الكردي على قاعدة المطالية بالحقوق الوطنية والقومية للشعب الكردي السوري.
وفي 5/2/1958 وافق البرلمان على اتفاقية الوحدة مع مصروتحويل سورية إلى إقليم شمالي في الجمهورية العربية المتحدة وترشيح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية، وحلت الأحزاب السياسية في سورية نفسها. وسرعان ما بدأت الخلافات بين البعث وقيادة عبد الناصر، وأعاد البعث تنظيم صفوفه وبدأت نشراته بالظهور والتهجم على سياسات عبد الناصر.
وفي 21/2/1958 جرى الاستفتاء على الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الذي نص فيما يختص بالسلطة التشريعية على أن يتولاها مجلس سمي بمجلس الأمة على أن يكون نصفه من مجلس النواب السوري والنصف الآخر من مجلس الأمة المصري، ولم تدم هذه الوحدة طويلا فسرعان ما انقض عليها العسكريون مرة أخرى وبتشجيع مباشر من البعثيين والشيوعيين
وظهرت الحركة الناصرية على خريطة الحياة السياسية في سورية للقضاء على حكم الانفصالي في كانون الأول 1961 جرت انتخابات جديدة للبرلمان السوري اشترك فيها اكثر رجالات الأحزاب المنحلة (الوطني والشعب والبعث الإخوان والقومي السوري) وكلف الدواليبي في 20/12 بتشكيل الوزارة فشكلت بأكثرية من حزب الشعب والحزب الوطني وتقدمت هذه الوزارة إلى البرلمان بمشروع جديد لإلغاء التأميم وتعديل قانون الإصلاح الزراعي واستطاعت الحصول على موافقة البرلمان رغم بعض الاعتراضات من كتلة البعث (8 مقاعد) وفي 28/3/1962 قام النحلاوي بانقلاب عسكري حل فيه البرلمان وأقال حكومة الدواليبي وزج بأكثر أعضائها في السجن وبدأت الحياة الديمقراطية في سورية تدخل من جديد النفق المظلم الذي سيرافقها طويلا منذ ذلك التاريخ. ورغم أن النحلاوي حاول مد يده إلى الناصريين فإن التنظيمات الناصرية رفضت كل تعاون مع أي نظام انفصالي لا يعلن إعادة الوحدة فوراً مع مصر، وبدأت حركة العصيانات المدنية والعسكرية تتصاعد ما اضطر القيادة العسكرية الجديدة إلى أن تفرج عن المعتقلين وان تسمح بالنشاط الحزبي وحرية الصحافة والتظاهر، وأن تعيد تأميم معمل الغزل والنسيج التابع للشركة الخماسية وان تلغي التعديل الذي أجرته حكومة الدواليبي على قانون الإصلاح الزراعي وان تعيده كما كان أثناء فترة حكم الوحدة.
النتائج السياسية في هذه المرحلة:
حفر الليبراليون السوريون قبورهم بأيديهم عندما ترفعوا عن الدخول الى مؤسسة الجيش, ووجد أبناء الريف والهامشيون الفرصة المناسبه للانخراط في المؤسسة العسكرية ,وارتقى بعض هؤلاء الى رتب عالية وحصلوا على القوة والمال,وتحركت لديهم عقدة الدونية المدفونة ورغبة الانتقام, ووجد هؤلاء أن أقرب السبل الى الانتقام هو سدة الحكم و الاستيلاء على السلطة بالقوة عبر الانقلاب العسكري, وافتتح الضابط الحموي حسني الزعيم عصر الانقلابات العسكرية السيئ الصيت ,وكان ذلك وبالا على الشعب السوري:

1- الغى العسكريون الانقلابيون الحياة البرلمانية والديمقراطية الفتية جزئيا وكليا في سوريا ودفنوها تحت أحذيتهم الثقيلة.

2- زج الانقلابيون بالقيادات الوطنية والحزبية والسياسية في غياهب السجون وتم تصفية البعض منهم جسديا, وتم حظر نشاط الأحزاب في البلاد وبذلك فرغ البلاد من الزعامات الوطنية.

3- ظهرت فكرة المرشح الوحيد في الحياة السياسية السورية لأول مرة وكانت بداية لظهور النظام الديكتاتوري الاستبدادي في سورية.

4- اعتمد الانقلابيون على الجيش والمخابرات في الحكم ,وأطلقوا يد المؤسستين في الحياة المدنية وشؤون المواطنين ,ودشنوا بذلك عصرالأحكام العرفية والنظام السلطوي الارهابي في سوريا.
5- ارتكب الانقلابيون الخطأ نفسه عندما عزلوا المجتمع السوري المديتي عن الحياة السياسية السورية وتعمق الانقسام أكثر بين العالمين.


مرحلة النظام الاستبدادي الشمولي

.قام البعثيون بالانقلاب في 8 آذار واعلنوا الأحكام العرفية (التي مازالت سارية حتى اليوم) وشكلوا مجلس وطني لما يسمى بقيادة الثورة سيطر عليه العسكريون البعثيون بقيادة اللواء لؤي الأتاسي, وبدأ البعث يقوي مركزه و نفوذه داخل مؤسسات الدولة ولا سيما الجيش, وترافق ذلك مع ظهور مفهوم الحزب القائد والنظام الديمقراطي الشعبي وشعارالوحدة والحرية والاشتراكية, وتحت لافتة هذه المفاهيم و الشعارات قمع نظام البعث المظاهرات التي كان ينظمها الناصريون من أجل الضغط باتجاه إعادة الوحدة مع مصر وانتهى الأمر بمجزرة 18/7/1963 إثر محاولة الانقلاب الفاشلة بقيادة جاسم علوان ومن ثم حدثت القطيعة النهائية بين الناصريين والبعثيين ,وقدم البعث نموذجا للحكم يتناقض كليا مع ما كان يناضل من اجله في الأربعينات والخمسينات، وبدأ بقمع الحركات الاحتجاجية, واتضح في حزيران 1965 شكل نظام الحكم الذي اقره المؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث الذي أوصى بأن يتولى مجلس قيادة الثورة ( الذي يسيطر عليه العسكريون ) السلطة التشريعية والإشراف على السلطة التنفيذية. واعتبر حزب البعث الحزب القائد للدولة والمجتمع وعلى كل السلطات أن تنفذ مبادئه ومقررات مؤتمراته,.وبعد حركة 23/2/1966 تحولت السلطة المطلقة من المجلس الوطني لقيادة الثورة إلى القيادة القطرية لحزب البعث التي أصبحت مصدر كل السلطات وأصبح المؤتمر العام للحزب هو البرلمان الذي يرسم السياسة العامة للحكومة. وساد وقع الحزب الواحد أو كما يفضل البعثيون أن يسموه "الحزب القائد"، واستمر الوضع على حاله من القمع والاستبداد حتى1970. واختلف رفاق الأمس وقامت الحركة التصحيحية بقيادة الفريق حافظ الأسد في 16/11/1970 ,وقررت الحركة التصحيحية أن تؤسس لنفسها شرعية دستورية، عبر انفتاح نسبيً على القوى الناصرية والشيوعية وعينت مجلسا مؤقتا للشعب ، وكان أول برلمان صوري في ظل حكم البعث وتم وضع دستور دائم للبلاد والتوقيع على ميثاق ما يسمى بالجبهة الوطنية التقدمية في 7/3/1972,ومنذ عام 1970 وحتى اليوم تحول البرلمان السوري إلى مؤسسة صورية تابعة للنظام ,وأي صوت برلماني يتعرض لسياسات الحكومة والنظام من قريب أو بعيد يتم قمعه واسكاته بشدة، وهذا ما حصل مؤخراً مع النائبين المستقلين مأمون الحمصي ورياض سيف اللذين طالبا تحت قبة البرلمان بالحريات العامة وسيادة القانون ومحاربة الفساد وإعادة الهيبة إلى البرلمان. وحُكم على الاثنين بخمس سنوات,ووقع حدث درامي مع النائب منذر الموصلي حينما ناقش تعديل إحدى مواد الدستور في حزيران 2000 حيث هاجمه رئيس المجلس البعثي واتهمه "بأن نفسه أمرته بالسوء فردعها"، وتحول المجلس إلى مكان للحصول على الامتيازات المادية والمعنوية والوجاهة وكثيراً ما يلمز المواطنون بالمجلس بكلمة "موافق"، إشارة إلى الدور الذي يقوم به البرلمان في الموافقة فقط على ما تطلبه الحكومة البعثية,.
في عام2000 توفى الرئيس حافظ الأسد وانتقلت السلطة الى الدكتور بشار الأسد وبدأ عهد جديد في سوريا,وشهد البلاد انفتاحا محدودا وحراكا سياسيا ضاغطا من أجل صياغة أسس جديدة للدولة السورية تقوم على الديمقراطية والتعددية والاصلاح السياسي واحترام حقوق الانسان,ورغم جدية تلك المطالب فان السلطة الجديدة لم تبدي قدرة ومرونة كافية لتفهم تلك الحاجات ولم تتفاعل معها,وأظهرت مبررات لامعقولة ولا موضوعية لوأد تلك الاستحقاقات الوطنية في مهدها, وفي تحد صارخ للحراك السياسي الوطني مارست أطراف في السلطة شتى صنوف التضليل والخداع واستخدمت مفاهيم واساليب ملتوية للتهرب من تلك الاستحقاقات وهاجمت بقوة نشطاء المجتمع المدني وحقوق الانسان وأدخلت الكثير منهم في غياهب السجون.
النتائج السياسية في هذه المرحلة:
سيطر العسكريون والمدنيون الريفيون الانقلابيون وأصحاب الثقافة المتواضعة من أعضاء حزب البعث على السلطة,ووضعوا البند الرابع عشر من دس