|
K.binxetê.27.03.23.25.GMT
أزمة الهوية في سوريا
الكيان السوري الحالي بحدوده الجغرافية ومكوناته البشرية هبة
الفرنسيين والانكليز ولد وفقا للمصلحة الاستعمارية عقب اتفاقية
سايكس بيكو في عام 1916 واذا رجعنا الى التاريخ فان المصالح
الاستعمارية تركت شرخاً عميقا في الكيان السوري الوليد, ليس في
اصتناعه وحسب بل تعدى ذلك إلى عدم التطابق بين تركيبته السكانية و
حدوده الجغرافية التي قطعت التواصل السكاني القومي والجيو سياسي
بين أبناء القومية الواحدة, ففي الجنوب والشرق انفصل العرب
السوريون عن ذويهم في لبنان والاردن والعراق, وفي الشمال والشرق
انفصل الكرد عن ذويهم في كردستان( العراق وتركيا)وانقطعت السبل
بالسريان, حتى ليمكن القول أن الكيان السوري ولد مقخخا بألغام
الحدود و القوميات والأديان,الأمر الذي أوقعه مبكرا في أزمة الهوية
, فهو جزء من الوطن العربي وشعبه جزء من الأمة العربية لدى العرب
السوريين، وهو أرض سريانية وجزء من العالم المسيحي الشرقي لدى
المسيحيين السريان,وهو في قسمه الشمالي الشرقي جزء من كردستان لدى
الأكراد السوريين , وهو جيو سياسيا جزء من سورية الكبرى أو سورية
الطبيعية أو بلاد الشام لدى قسم رابع ,وهو أكبر من حقيقته لدى
البعض وأصغر من حقيقته لدى البعض الآخر، وهو كل شيء قي نظرنا, يضاف
الى ذلك عدم اعتراف البعض من المكون السوري بالكيان المستحدث نفسه,
وزاد الطين بلة طبيعة النظام الاستعماري الفرنسي وسياسة فرق تسد
التي أججت الصراع سواء بين أهل الريف والمدينة أو بين المكونات
ذاتها, وصاغت فرنسا (دولة الانتداب) الحياة الاجتماعية والثقافية
والسياسية والأخلاقية السورية وفق قوانينها ومصالحها الخاصة, وقسمت
سوريا الى خمس دويلات هي :
دولة دمشق, ودولة حلب,ودولة جبل العلويين, ودولة جبل الدروز, وسنجق
اسكندرون ,الأمر الذي أدخل الكيان السوري المستحدث في تاريخ جديد
ومنازعات جديدة حكم مساره وحدد اتجاهات تطوره حتى اليوم،
وإذا أخذنا هذه الحقائق في الحسبان، ولا سيما المكونات السكانية
السورية التي يمكن تشبيهها بهيئة الأمم ,و توزع ولاءاتها يمكن أن
نفهم أسباب عدم تحول الكيان السوري الى دولة حديثة، إذ لا نزال نرى
نزعات قومية ودينية وأقليمية من جهة, وأفكار وحدوية وانفصالية من
جهة أخرى, تعبر كلها عن عدم اعتراف قطاعات واسعة من سكان سوريا
بالجغرافية السياسية المستحدثة ، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى وصف
سورية بحدودها السياسية وتركيبتها السكانية الراهنة، بأنها بلد
فسيفسائي ووطن غير مستقر(تتحكم فيه أغلبية قومية عروبية قصرا دون
شراكة ومشاركة القوميات الأخرى)وهذا هو سبب تعثر بناء الدولة
الوطنية السورية الدستورية,وما حصل في سوريا حصل في العراق ولبنان
والأردن وفلسطين أيضا,و لم تتحول هذه الكيانات بعد الى وطن نهائي
لسكانها, وبالمقابل ثمة حاجة ماسة الى دولة عصرية تعبر عن كلية
المجتمع و تؤمن الاستقرار والتقدم للجميع و تحتضن الجميع تحت
مظلتها ,ووطن نهائي يمنح هويته لجميع مكوناته بالتوافق والمشاركة
والإعتماد المتبادل والإعتراف المشترك, ويمكن تحقيق ذلك عبر صياغة
دستور جديد لهوية الوطن السوري النهائي ولهوية المجتمع السوري ضمن
الحدود والمكونات الحالية على أساس التعددية القومية (العربية
والكردية والسريانية...الخ ) والدينية( الاسلامية والمسيحية
والعلوية والاسماعيلية والدرزية والايزيدية وغيرها), وعلى أساس عقد
اجتماعي سياسي معاصر تحت مظلة المواطنة الحقيقية, والوطن الحقيقي
النهائي لابد أن يكون متطايقا ومندمجا مع نسيج المجتمع ومكوناته
وثقافاته بحيث لايترك فرصة للعبث أو الاستغلال أو الهيمنة لتمرير
حالة اصطفاف أو فرز أو أغلبية هنا وهناك,واذا بقي كما هو, فهو ليس
بوطن نهائي وانما مكان للتناحرات والصراعات والحروب والاستقواء
بالخارج والتمدد الى خارج الحدود(نزعة التمدد السوري باتجاه لبنان
والاردن, ونزعة سوريا الكبرى) والتفتت من الداخل(النزعة
الانفصالية)كما هو الحاصل في العراق ولبنان وفلسطين وعليه فان
اختصار سوريا بقومية واحدة وبلغة واحدة وبثقافة واحدة كما هو الحال
في الوقت الحاضر أمر خطير يتعارض مع منطق التطور, وطالما يحق للعرب
السوريين(القومية الأغلبية) ممارسة حقهم كاملا في سوريا ينبغي أن
يقر بهذا الحق كاملا للأكراد(القومية الثانية) وللسريان والأشوريين
ولبقية القوميات دون تمييز, وللحقيقة والتاريخ نقول أن أزمة الهوية
السورية والعراقية معا تفاقمت وتعقدت منذ أن استولى البعثيون
القومويون العروبيون على السلطة عبرالانقلاب العسكري في كل من
سوريا والعراق, فالاستبداد البعثي فك جميع عرى التضامن بين
القوميات والأديان و الجماعات والفئات والطبقات الاجتماعية السورية
، بل إنه حول المجتمع السوري والعراقي إلى نوع من مجتمع بلا هوية،
وبلا ملامح وبلا مقومات على نحو يصعب معه ازالة الاستبداد البعثي(
المستند على هوية عروبية عنصرية أحادية) واعادة انتاج الهوية
السورية على أساس وطني من أجل اقامة دولة المواطنة.ليس هذا فحسب بل
جرى تصفية الهوية الكردية وغيرها بشكل منهجي, وبلغت التصفية ذروتها
في سوريا عندما جرد النظام السوري بموجب منهج بعثي اقصائي عشرات
الآلاف من العائلات الكردية من هويتها السورية في عام 1962, و بذلك
قوض البعثيون أسس الهوية الوطنية السورية التي كانت في طور النمو ,ومن
ثم أخفقت الحداثة في مجتمعنا , ففي السلطة الاستبدادية ليس بوسع
الانسان أن يعاين سوى نظام شمولي أحادي منغلق على نفسه و منعزل عن
الآخر ومتعالي يسخر ويوظف طاقات وموارد البلد لحماية النظام
الاستبدادي ، بينما دولة المواطنة على النقيض يعاين فيها الانسان
الحرية والمساواة والانفتاح على الآخر ودولة الدستور والمؤسسات
وتداول السلطة والنظام الديمقراطي البرلماني الحر القائم على أساس
صناديق الاقتراع.
.ويؤسفني أن اقول أن أن مفهوم الدولة الوطنية بالمعنى السياسي، ليس
معروفاً في القاموس الثقافي والسياسي والفكري السوري المعاصر ،
وليس له صورة واضحة المعالم بعد في الوعي الاجتماعي ، باستثناء
النخبة التي تعاني حداثتها من التشويش، ولا سيما بعد سقوط نظام
صدام حسين في العراق وما تلا ذلك من تداعيات استبدال الشرعية
الثورية بالشرعية الطائفية بدلا من الشرعية الدستورية، ولم يرقَ
الخيال السياسي السوري بعد إلى مستوى يستطيع معه إدراك حقيقة أن
الدولة الوطنية هي اندماج لعمومية هويات مكونات المجتمع المدني
وكليته تحت مظلة المواطنة، وأنها بهذا المعنى تنظم هوية الاختلاف
والتصارع .
ليس بوسعنا اليوم فهم الدلالات الجديدة لمفهوم دولة المواطنة
بصيغتها الديناميكية والسياسية والأخلاقيةً بمعزل عن التحولات
الاجتماعية النوعية التي تشهدها المجتمعات المتطورة ، ولعل أهم هذه
التحولات تحرر السياسة والفكر والعقل من التطرف الديني والقومي
والثقافي والدخول في علاقات جديدة يحددها مبدأ المواطنة الحرة
والاقتصاد الحر والعمل الحر والرأي الحر والثقافة الحرة والصناعة
المتطورة ،وسوريا بلد زراعي بالدرجة الأولى في الوقت الحاضر ومن
الأولويات في هذا الاتجاه, تطوير الانتاج الزراعي وانشاء الزراعات
الكثيفة و تصنيعها و رسملتها على نطاق واسع تلبية لحاجة المجتمع
الزراعي السوري و احياء اقتصاد الأرض.....الخ, فالدولة الوطنية
العصرية لا تلائم الوحدات المغلقة ، بل تتناسب مع مجتمع مدني قائم
على السلوك الحر والتبادل الحر والفكر الحر .
مرشد اليوسف m.yousef2@yahoo.com
|