|
|
|
|
|
|
|
. |
|
مقالات وكتابات
الأستاذة
جيان الحصري لعام 2008 |

E: z-jiyan@hotmail.com |
|
. |
|
K.B.X-11.04.08.10.55.EU
يحق لك أن تصفق
جيان الحصري
يقول ديكارت أسوء الناس هو ( من لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم )
تقول الحكاية : كان للأمير كبشاً مدلل ، يمرح في الأرض وينشر فيها
فساداً ، يدخل بيوت الناس ، يأكل أرزاقهم ، لا يستطيع أحداً أن
يوقفه أو يمنعه ، - لأن الحكمة تقول (كلب الأمير أمير ) – وفي أحدى
الأيام أتفق الأهالي والوجهاء على العزم لمقابلة الأمير حتى يشكو
له سوء تصرفات الكبش ، فشكلواُ وفداً من كبار القوم ليذهب الى
القصر ، وكان الأمير معروفاً عنه ظلمه ، وعندما اقتربوا من القصر
جبن بعضهم وانسحبوا ، ولما دخلوا القصر أنسحب آخرون حتى لم يبقى من
الوفد إلا مقدمهم ، ولما هم الرجل بالحديث والشكوى نظر الى الوفد
فلم يجد أحداً منهم ، فتملكته الحيرة والخوف فما عساه يفعل لوحده ،
لكن رجاحة عقله وخوفه أنجده ، فعندما سأله الأمير عن سبب اللقاء
تقدم وقال يا أميري المبجل أن كبشك وحيداً وأرى أن تأتي له بخليل
حتى يتخلص من الملل والوحدة ، فسر الأمير من الرجل وكافأه .
إن من يبحث ويمعن في هذه الواقعة يجب عليه أن يقول إن شعباً من هذا
النمط لا يناسبه سوى زعيم دكتاتوري ، أن البحث في الدوافع التي
تتحكم في تصرفات الإنسان وعلم النفس السلوكي لدى البشر يرى أنه
كلما أمعن الأتباع في الخضوع تعزز أكثر رغبة السيطرة عند الزعيم .
فعند متابعة المحطات الفضائية الوطنية نجد أنه لا يكاد يوجد أحد في
البلاد سوى الزعيم و الآخرين مجرد نكرات لا وجود لهم . فتجد
العدسات مسلطة على كل حركة من حركات الزعيم وكل لفتة ٍ من وجهه أو
ابتسامة منه ، وتعرض صوره بوجه الملائكي الذي يفيض حباً وحكمة
وإبداعا .
إن الشعوب التي تذعن للطغاة ، هي التي تصنع الديكتاتوريات التي
تركب الأحصنة ، وتقفز الى الصدارة والعرش على بساط من التأله ،
والقداسة ، وعلى أنوف الخانعين الخاضعين ، وحتى يكرس حكمه لا يحتاج
سوى سفك مزيد من الدماء الضعفاء , وإحاطة نفسه بمزيد من الأتباع ،
وعليه فانه لا يحق لنا ومن هذا المنطلق أن نعادي الديكتاتور أو أن
نقف ضده لأنه من صنع أيدينا ، وعندما نهاجمه نكون نهاجم ذواتنا من
حيث لا ندري لأنه من صنعنا ، والزعيم هو بشكل أو أخر تجسيد للشعب
وسلوكه ، تعبير عن الناس ، وعندها لا يجوز لنا أن نهاجمه لأنه بذلك
نهاجم نفسنا .
فعند دراسة سير الزعماء ( نابليون – موسوليني – هتلر.... ) نجد
أنهم كانوا في البداية أناس عاديين ثم تحول الى ديكتاتوريات :
فموسوليني : كان فقيراً متشرداً ثم مناضلاً لتحرير بلاده من
الاحتلال النمساوي ، ومترنيخ ، وتوحيد ايطاليا ، فخرج من الحرب
زعيماً مغامراً تزخر نفسه بالمطامع الكبيرة ، فأسس حزب ( الفاشي )
الذي يعني النادي أو عصى الإمبراطور الروماني بالغة الايطالية في
عام 1919 م ، وكان يرى بأن لكل دولة زعيماً يجمع تقاليد الأمور
بيده وعدّ نفسه ذلك الزعيم وكان يقول ( إن الأمم لا تتوصل الى وعي
نفسها إلا بالحماسة التي يبعثها فيها الرجل الاستثنائي الذي تسلم
السلطة ...) . وأطلق على نفسه لقب ( الدوتشي ) أي الزعيم ومارس
ديكتاتورية مطلقة .
أما هتلر : كان أقرب الى القدسيين من الانتهازيين ، وكان من أبرز
المعجبين بأفكار الفلاسفة أمثال ( فيخته – نيتشه – وهردر .. )
وأعجب ببسمارك ، وعمل رساماً ثم تطوع في الجيش الألماني برتبة عريف
، وأصيب عدة مرات ثم خرج من الحرب ، ونفسه تزخر بالرغبة في القيادة
والزعامة ، وأسس حزب الوطني الاشتراكي ( النازي ) وأصبغ عليه
أفكاره التي لخصها في كتابه ( كفاحي ) ، وأبرز تلك الأفكار اعتماده
على النظرية العرقية ، واعتبار العرق الآري على أنه أفضل العروق
البشرية ، والدعوة الى اتحاد الشعب الألماني ، والاعتماد على أتباع
مخلصين في تأسيس الرايخ الثالث ( الإمبراطورية الثالثة ) حيث أطلق
على نفسه لقب ( الفوهرر ) أي الزعيم ومارس ديكتاتورية مطلقة أيضاً
.
ومنذ عام 1933م عندما أستلم هتلر ( الزعيم ) الحكم تحول من إنسان
عادي الى قوة مجنونة ، فبقدر مظاهر التملق ، و الخضوع من أتباعه
بقدر ما استولى على هتلر شعور أنه القائد الملهم والأبدي والمعصوم
عن الأخطاء ، وبقدر كذب الأتباع وخضوعهم تكبر عند القادة شعور أنهم
خير من يحكمون ، وأنهم من طبيعة غير بشرية .
هكذا ظهر الزعماء والديكتاتوريات منذ الإمبراطوريات القديمة قبل
الميلاد . حيث كان الكاهن يمارس دور الإله في صبغ حكم الزعماء
بطبيعة إلهية مقدسة ، وعندها لا يمكن الحديث عن أمة وإنما يمكن
الحديث فقط عن القائد الزعيم لأنه يكون قد أختزل الأمة في شخصه ،
فكلما زادت صلاحيات الزعيم نقص من وجود الأمة بمعناه الجمعي ، وهذا
يذكرنا بقصة الطبيب الذي أراد أن يفحص أفراد الشعب من الأمراض
السارية ، فطلب الزعيم من الطبيب أن يفحصه أولاً ، وعندما انتهى
الطبيب من الزعيم ، وأراد أن يكمل فحص باقي ألأفراد رفض الزعيم
وقال للطبيب ليس هناك حاجة لذالك لأنه بفحصي كأنك فحصت كل الشعب ،
وما يوجد في جسم الزعيم موجود في أجسام كل أفراد الشعب .
أن القادة يزيدون في تسلطهم بزيادة الآخرين في الخضوع ، والإذلال
فكلما أزداد انصياع الناس للقائد ازدادت سطوة القائد وديكتاتوريته
، وشعوره بأنه الأمة ، وبدونه لا وجود للأمة ، وهذا ما ظهر بشكل
واضح في وصية هتلر عندما أصدر تعليماته بتدمير ألمانيا بالكامل
بصورة انتحار جماعية مع هتلر . فلا يستحق الشعب الألماني الحياة
بعده .
واعتمادا على الدراسات التي أجريت على ظاهرة القوة والخنوع و
التسلط ، توصل العلماء الى ثلاثة نماذج الأول يصل الى القيادة ليس
اعتمادا على الكفاءة بقدر الاعتماد على الولاء ، وهو من أخبث أنواع
وأخطرها ، ويتبدل سلوكه بمجرد جلوسه على العرش ، والثاني لا يحب
ألا أن يرى بأن الأمور في أحسن الأحوال ، ولا يسمع ألا بالانتصارات
والانجازات تتحقق في عهده ، والثالث دائماً لديه البديل والاحتياط
، ويحسب الحساب للنهاية عندما تغرق السفينة ، ويضحي بأقرب المقربين
منه حتى لو كان أخوه ، وهو ذات طبيعة أمنية انقلابية لا يؤمن جانبه
.
ولكن لماذا يحب أحدنا أن يسجد له الآخرون ، وما هذه الرغبة
المجنونة للصعود الى القمة وإذلال الناس وسفك الدماء ؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من الاستعانة بعلماء بيولوجيا حيث
أكدوا ( أن الإنسان يولد ليس بعطش الى القوة بل بميل الى سوء
استخدام السلطة ) أي أن العرش يفسد الإنسان مهما كان نزيهاً
وعادلاً ، وبالاعتماد على هذا العلم يمكن تقسيم المجتمعات البشرية
الى ثلاثة أصناف :
الأول لم يتطور وما زال يعيش في مجتمع القوة العضلية ، وسيطرة
الذكر الأقوى ، كالدول النامية ، والثاني هو الذي يعتمد على من
يخدم مصالح الجماعة أكثر ، وبذلك تنقاد الجماعة له ، كالحركات
التحررية ، والثالث مجتمعات اعتمدت على قوة القانون ، وهو الذي
يفرز القادة ، وبمخالفته يسقط القادة كالدول الديمقراطية .
أذا المشكلة في الفكر ، واتخاذ القوة آلية لتنفيذ ما يريد بغض
النظر إذا كان لفرض أمر ايجابي أو سلبي ، فكلاهما يستخدمان القوة
لفرض الرأي ، ونجد ذلك في بلاد تريد فرض الإسلام بالقوة ، وبلاد
أخرى تريد إزالة الإسلام بالقوة ، وكذلك في فرض الحجاب على المرأة
بالقوة أو نزع حجاب المرأة بالقوة في بلاد أخرى ، فكلاهما يعتمد
على القوة ، وكل ما يفرض بالقوة حتى لو كان إيجابيا يحمل في داخله
بزور الانهيار فهكذا انقلبت اليبرالية الى فوضى ، والمقاومة الى
الإرهاب ، والتحرير الى الاحتلال ، والكبت الى الانحراف .
ففي ظل حكم الزعيم لا وجود سوى لفم القائد ، وعقل القائد وحكمته ،
والنمو يتجه نحو أجهزة الأمن ، والثروة بيد أشخاص محددين مؤتمنين ،
والشباب عاطلين ، ونشرة الأخبار المحلية كاذبة لا أحد يصدقه ،
والمواطن فيها مسجل في أحدى الدوائر الأمنية ، ومراقب بكل حركاته
وأفكاره ، وهو أخرس حتى يعيش لا يعرف سوى لغة الصمت ، والانصياع
للقرارات ، وتمجيدها ، ومدحها الى حدّ القرف ، نكذب حتى نصدق
أنفسنا ، كل مواطن في وطن الزعماء يجب أن يحظى بزيارة الى أحد فروع
الأمن ، والإنسان ممنوع من السفر إلا الى المعتقل بتهم جمال باشا
السفاح في إعدام الشهداء \ 6\ أيار ( عيد الشهداء ) فالعجوز
مرتبطاً بالجهات الخارجية ، والطفل منتسباً الى أحدى الجمعيات
السرية ، والفتاة تحاول قطع جزء من أراضي الوطنية .
القانون أن لا تعرف إلا التصفيق للانجازات ، وترديد الشعارات عن
وطناً أخترقته الأزمات ، وحصرته الأحكام العرفية ، والمعتقلات
العلنية منها ، والسرية ، وكلها للمصلحة الوطنية ، وطناً يولد فيه
الإنسان بقرار أمني ، ويعيش بقرار أمني ، ويموت بقرار أمني ،
الدستور فيه متاهات تضيع فيه البديهيات ، وطناً يجب أن يزحف الى
صناديق الاقتراع ويعبر عن أرادته بقول ( نعم ) ، والإنسان يعيش فيه
ليهتف ، والمثقف يكتب لينال ، والفقيه فيه يفتي بأن الزعيم آله .
|
|
|