|
|
|
|
|
|
|
. |
|
مقالات وكتابات
الأستاذة
جيان الحصري لعام 2008 |

E: z-jiyan@hotmail.com |
|
. |
|
K.B.X-23.05.08.10.50.EU
الى ذكرى رائدي الصحافة والطباعة في كوردستان
جيان الحصري
إن حركة الإصلاحات الدستورية التي انتهجتها الدولة العثمانية في
عهد السلطان محمود الثاني ( 1808 – 1839) من خلال افتتاح بعض
المدارس القليلة للشعوب التي تتألف منها الدولة العثمانية ،
والدعوة لمشاركة القوميات الأخرى الغير تركية التي تتكون منها
الدولة العثمانية سواء في الحكم أو الإدارة ، ومن خلال إنشاء مجلس
( المبعوثان ) ، وحق كل ولاية إرسال شخصان الى المجلس في الأستانة
للدفاع عن مصالح الولاية ، وكتعبير عن مشاركتهم في الحكم الى جانب
العثمانيين ، كل ذلك لم يستطع إيقاف عملية التفسخ والانهيار في
إمبراطورية ( الرجل المريض ) المتعددة القوميات عن طريق بعض
الإصلاحات الشكلية التي قادها الوالي مدحت باشا ( أبو الدستور ) .
لأن التناقضات الاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية ، وحتى
القومية كانت قد وصلت الى مرحلة عدم العودة ، والتي تراكمت لعشرات
السنيين ، ووصول سلاطين ضعفاء لا يبحثون إلا عن جمع الأموال ،
وفساد الإدارة والجيش الانكشاري ، وعدم تجانس العناصر التي تتألف
منها الدولة العثمانية ، وعدم المساواة بينها بالإضافة الى تخلف
الدولة العثمانية ، وعدم قدرتها على استيعاب أخر منجزات الحضارة
البشرية ، واعتمادها على قوة الجيش لفرض سيطرتها وإيديولوجيتها
الطورانية القائمة على أساس ثيوقراطي ، وعلى حساب نفي ، ومحاولة
صهر باقي القوميات ضمن البوتقة التركية .
إن العدد القليل من المدارس التي سمحت الدولة العثمانية بإقامتها
في فترة الإصلاحات الدستورية ، والتي كان الهدف منها إيقاف انهيار
الدولة ، ومحاولة تجديد شكلها ، مع بعض المدارس الوطنية الخاصة
التي نشأت في بداية مرحلة تكوين الوعي القومي على حساب انحسار مدّ
الإسلام السياسي العروبي الطوراني والفارسي ، تلك المدارس القليلة
كان لها الدور الكبير في تخريج العديد من المفكرين والمصلحين
اللذين قادوا فيما بعد عمليات التوعية ، ونشر الفكر الحر بين شعوب
الإمبراطورية ، ومن خلال تأسيس العديد من الجمعيات والأحزاب وإصدار
الصحف والمجلات ، وإدخال المطابع الى المنطقة .
لقد مارس العثمانيون اضطهاد ومنع وحظر شامل على كل فكر ديمقراطي حر
يسعى الى نشر بذور التحرر من النير التركي ، وفرض عزلة كاملة على
الدولة والمجتمع ، لمنع تسرب ألأفكار الأوربية التحررية ، ومحاولة
إبقاء المجتمع في الجهل والخرافات البدائية ، فقضوا على كل ما يمكن
تسميته الحياة الفكرية والثقافية ، وفرض قيود وأغلال على أية
محاولة تنويرية سواء أكانت صحافة أو حركات سياسية وثقافية .
لم يدع العثمانيون منفذا لظهور صحافة بالمعنى الدقيق للكلمة ، وما
صدر منذ عام 1885م في كوردستان من بعض الجرائد التي سميت بأسماء
الأماكن والمدن التي تصدر فيها ،( ديار بكر – سيواس - وان وغيرها )
لم تكن سوى مناشير لنشر فرمانات ( قرارات ) السلطان العثماني
والمراسيم والبيانات وبعض التقارير وأخبار وانجازات السلطان .
ولكن ورغم كل التدابير والإجراءات التي بذلتها السلطنة العثمانية
في منع بزوغ فجر الفكر الحر ، وإغلاق الطريق أمام أي محاولة
تجديدية تحررية ، لم يمض وقت طويل حتى أخذت الحرية الفكرية تشق
طريقها وسط الظلام ، ومن خلال العديد من الصحف والمجلات والجمعيات
والمطابع منذ القرن التاسع عشر الميلادي ، حتى المدارس التي
افتتحتها العثمانيون لنشر الأفكار الدينية السلفية تحولت الى أبرز
معاقل الحرية ، وتحول طلابها الى دعاة ( كردستان حرة ) كمدرسة (
عشيرت مكتبي ) التي أغلقتها العثمانيون عام 1906م
إن هذا التصاعد القومي على المستوى الفكري كان مترافقاً مع تصاعد
النضال القومي الكردي المسلح للحصول على حريتهم واستقلالهم ، وتمثل
بانتفاضة الأكراد عام 1854 – 1855 م ( انتفاضة يزدان شير ) ثم
انتفاضة القائد الكبير ( عبيد الله عام 1880م النقشبندية ) ، وتحول
أبناء الأسر الإقطاعية الكردية من أسر بدر خان بك ، وأمراء بوتان
وأمراء البابا نيين وعثمان بك وغيرهم الى طريق النضال التحريري .
ففي أيلول عام 1878م دعوا الى انتفاضة كوردية من أجل الاستقلال ،
وفي عام 1898م كانت ردة الفعل العثماني عليهم بالاعتقالات وحملات
النفي للكوادر الوطنية السياسية والفكرية ، فانتشروا في عموم
العالم ليتابعوا رسالتهم الحضارية في نشر الفكر القومي الإنساني
الكوردي بين أكراد كوردستان وباقي شعوب العالم. .
لقد بدء الإنتاج الكوردي الكتابي يظهر في مختلف أنحاء العالم بعد
أن بقي ولآلاف السنيين مخزوناً في الصدور ، فصدر كتاب يوسف ضياء
الدين باشا خالدي ( هديه الحميدية في اللغة الكردية ) والتي احتوت
على أكثر من ( 300 ) صفحة من قواعد النحو الكردية ، وأشعار احمد
خاني ومحمود خزني خالدي نقشبندي ، والقاموس الشعري الكردي ( نوبار
) وغيرها من الجوانب .
وفي نيسان عام 1898م صدرت في القاهرة العدد الأول من الجريدة
الكردية " كردستان " وبها تم وضع اللبنة الأولى للصحافة الكردية
على يد رائد الصحافة المكتوبة مقداد مدحت بدر خان ، وطبعت في مطبعة
الهلال، وكانت تتألف من أربع صفحات وتصل عدد نسخها الى حوالي آلفان
نسخة وتصدر نصف شهرية وباللهجة الكورمانجية ، وسبب صدورها في
القاهرة ربما يعود الى أن مصر كانت تحكم من قبل حكام محليين منذ
عهد محمد علي باشا ، ولم تخضع للحكم العثماني المباشر ، ثم انتقلت
من القاهرة الى جنيف حيث تابع تحريرها عبد الرحمن بدر خان حتى وصلت
الى العدد ( 31 ) في شباط عام 1902م حيث توقفت عن الصدور ألا أن
تأثيرها وصداها بلغ كافة أنحاء العالم وبقي أثرها على كل الصحف
التي صدرت بعدها .
والى جانب صحيفة كردستان كان هناك ثورة أخرى لا تقل أهمية عنها ،
وربما تفوقها في تأثيرها على الفكر والوعي الكردي ، ولكنها لم تلق
الاهتمام والدراسة كما صحيفة كردستان ، ألا وهي ( تأسيس أول مطبعة
كوردية ) .
فمن المعلوم تاريخياً أن الكتب في أول الأمر كانت تخط باليد مما
أنعكس سلباً من حيث محدودية انتشارها وارتفاع أسعارها ، لا يستطيع
الكثيرون اقتنائها ، الى أن قام الصينيون باختراع الطباعة التي
كانت أعظم أنجاز قدم للبشرية ، وذلك باستخدام ألواح خشبية ،وحفر
الحروف والأشكال عليها ، وكانت تملئ بالحبر ثم توضع عليها الأقمشة
الحريرية فتطبع الأشكال على الأقمشة ، ثم اخترعوا الحروف الخشبية
المتحركة ألا أن سرعة تأكل الخشب من الرطوبة الناجمة عن الحبر
والحركة ، دعى الى اختراع الحروف المعدنية على يد الطباع الألماني
( يوحنا غوتنبرغ ) ، وبذلك فتح الطريق أمام تطور الطباعة ، وسهلت
عملية طبع الكتب والصحف والمجلات مما أنعكس إيجابا على سعر الكتاب
وانتشاره .
وكان أول كتاب يتم طبعه في مدينة ( ماينس وستراسبورغ ) بألمانيا
بين عامين 1445 -1446م ثم جاء طبع كتاب ( الإنجيل ) ، فكان هذا
الاختراع أعظم انقلاب في عالم الكتابة ونشر الكتب ، ولم يمض عام
1500م حتى انتشرت المطابع في كل المدن الأوربية ، و وصلت الى الشرق
بتأسيس بطريرك أنطاكية في حلب عام 1704م أول مطبعة ، ثم ظهرت مطبعة
الشوير في لبنان عام 1732م ، وعند غزو نابليون لمصر عام 1798م أدخل
معه أول مطبعة عربية الى مصر ليطبع عليها بيانات ومنشورات باللغة
العربية ، وظهرت في مصر أيضا مطبعة البولاق في القاهرة عام 1822م ،
أما في العراق فقد أسس الوالي المصلح داوود باشا أول مطبعة فيها ،
وانتشرت المطابع في كل مكان ، وكان لها أثر بالغ في تنشيط الحركة
العلمية والفكرية ، ومن خلال زيادة أعداد الكتب والصحف المطبوعة ،
والتي اعتبرت من أفضل وسائل التثقيف في وقت لم يكن فيه غير الصحف
كوسائل للأعلام والنشر .
وفي كردستان وحوالي عام 1910 – 1912م ظهرت جمعية ( هيفي ) ( الأمل
) الكردية بين الطلبة الأكراد ، وبرئاسة عمر جميل باشا وقدري جميل
باشا سكرتيراً ، وقد أصدرت الجمعية مجلة شهرية ( روز- الكرد) أي
نهار الكرد ، وبعد منعها من قبل العثمانيين بدل الأسم الى اللهجة
الصورانية ( هاتاوي كرد ) أي شمس الكردي .
وقد شكل تأسيس أول مطبعة كردية في عام 1915م حدثاً هاماً ، ومقدمة
ضرورية لتطور الكرد الفكري والاجتماعي ، على يد المؤرخ الكردي
الشهير حسين حزني موكرياني مؤلف كتاب ( بيشكتن ) ، وهو من مواليد
1893م في قرية حجي حسن بمنطقة سوجبولاغ في مهاباد في كردستان آيران
، وبعد أن أستكمل تعليمه في المدارس المحلية ، وعلى يد علماء
عائلته ، سافر الى العديد من الدول الأوربية وأسيا ، ودرس الأدب
الروسي ، وبعد أن زار الهند وأفغانستان عاد الى اسطنبول حيث تعلم
الطباعة ، وكان يتقن اللغات ( الهندية – العربية – التركية –
الفارسية والروسية الى جانب اللغة الكردية الأم ) حسبما ورد على
لسان أخوه في مقدمة كتاب بيشكتن ، ويضيف أخوه غيفي موكرياني بأنه
زار كل مناطق كردستان ، ودرس جغرافيتها وحياة الأكراد وتقاليدهم .
وفي عام 1915م سافر حسين حزني موكرياني الى ألمانيا حيث أشترى
بمبلغ ( 120 ) ليرة تركية آلة طباعة ، وأحرف ونقلها الى مدينة حلب
، وأضاف الى الأحرف العربية التي أستخدمها في كتابة اللغة الكردية
إشارات للدلالة على الأحرف الصوتية الكردية بعد أن سكها في ألمانيا
، وبدء بطباعة الكتب والصحف والمجلات الكردية ، وبذلك يكون مؤسس
الأبجدية الكردية بالأحرف العربية ، والمؤسس الأول للطباعة الكردية
والنشر الكردي ، وأول كتاب طبعه حسين حزني موكرياني في مطبعته عام
1915م هو كتاب الشاعر الكردي الكبير أحمد خاني (( مم زين )) .
ومن أبرز الكتب والمجلات التي أصدرها حسين موكرياني ( مجلة كردستان
– جياي كورمانج – بوتان – ديار بكر – ارارات – وسوران وغيرها ) ،
وبقيت هذه المطبعة الكردية موجودة في مدينة حلب حتى عام 1925م
عندما اشتعلت انتفاضة الشيخ سعيد بيراني ، حيث انتقلت الى بغداد
ومنها الى مدن كردستان العراق الى مدينة ( رواندوز ) تحت أسم (
زاري كورمانجي ) ، حيث أصدر هناك مجلة ( زاري كورمانجي ) ، ومجلة (
رونا كي ) النور ، وأصدر أيضاً حوالي ثلاثين نوعاً من الكتب ، الى
أن توفي حسين حزني موكرياني في أيلول عام 1947م ، وبعد وفاته نقل
أخوه غيفي موكرياني المطبعة الى المدينة الكردية الأخرى ( هولير )
أربيل حيث بقيت فيها حتى يومنا هذا كدليل على ذلك الإرث العظيم
الذي قدمه هذا المفكر الكبير و رائد الطباعة الكردية ، والمؤرخ
الكبير ، سواء من خلال مؤلفاته من ( كتاب التاريخ الكردي – نظرة
الى الماضي – الشاهنشاهات الأكراد من الزند – أمراء سوران – نافدا
راني كورد – الأكراد ونادر باشا – كردستان مقريان وغيرها ) ، أو من
خلال عمله في تأسيس أول مطبعة كردية ، فهو يستحق وبكل جدارة لقب
رائد النهضة الكردية الحديثة ، وأبو التاريخ الكردي ، ومؤسس أول
مطبعة كردية ، وله علينا أن نتابع سيرته المشرقة ، وجعل يوم وفاته
في ( 22 – 9 – 1947م ) من كل عام يوماً للأعلام والنشر الكردي .
******
بعض المصادر والمراجع :
1- عبد الرحمن قاسملو : كردستان والأكراد – براغ 1965م .
2- لاذا ريف : كردستان و القضية الكردية – موسكو 1972م .
3- بله ج شيركوه : القضية الكردية – القاهرة 1930م .
4- جليلي جليل : نهضة الأكراد الثقافية والقومية - رابطة كاوا
للثقافة الكردية 1986م.
5- مينورسكي : الأكراد ملاحظات وانطباعات – بتروغراد 1915م .
6- محمد أمين زكي : خلاصة تاريخ الكرد وكردستان .
7- باسيل نكيتين : الأكراد – موسكو – 1964م .
8- بافيج : كردستان والمسألة الكردية – ترجمة- برو .
9- جليلي جليل : انتفاضة الأكراد عام 1880 .
10- روهات آلاكوم : خويبون وثورة آكري – رابطة كاوا – بيروت 1999م
.
11- حسن هوش يار – ديتن وبير هات نيين – بيروت 1993م .
12- عبد الرحمن قاسملو : أربعون سنة نضال من أجل الحرية – اسطنبول
-1992م.
13- د. كمال مظهر أحمد : انتفاضة عام 1925م الكردية في تركيا –
رابطة كاوا بيروت 2001م .
|
|
|