|
|
|
|
|
|
|
. |
|
مقالات وكتابات
الأستاذة
جيان الحصري لعام 2008 |

E: z-jiyan@hotmail.com |
|
K.B.X-29.03.08.17.30.EU
عندما يطالب الكردي بالوحدة العربية !!!
جيان الحصري
عندما كنا طلابا ً على مقاعد الدراسة في جامعة دمشق ، كثيراً ما
كانت تدور أحاديث ، ومناقشات طويلة بيننا وبين زملائنا من الطلاب
العرب في الجامعة ، حول قضايا الإنسان الشرقي بكل مكوناته وأطيافه
عرباً وكرداً وغيرهم من أشكال الطيف الوطني ، وكنا نردد كثيراً
مقولة أننا مهما تطورنا ودرسنا يبقى في نفس كل واحداً منا عرقاً
شرقياً متعفناً .
نحن الشرقيين كرداً وعرباً قدّر لنا أن نتجاور ونتشارك هذه الأرض
منذ الخليقة ، وكنا نتعايش بوئام وسلام طوال العقود الماضية ، حتى
ظهرت الأفكار القومجية والعنصرية ، ثم لتأتي بعض القوى الدولية على
تأجيجها ، وتقسيم المنطقة حسب مصالحها وبما يضمن لها السيطرة
والتحكم بنا وبمستقبل المنطقة من خلال عشوائية التقسيمات دون
مراعاة الجوانب الاجتماعية والسياسية والقومية للمنطقة ، والهادفة
الى إبقاء بؤر التوتر دون حلول ، وليكون المدخل لها إذا ما دعت
الحاجة الى التدخل في شؤون المنطقة ، والتحكم بها متى أرادت ذلك .
لقد نالت كل شعوب المنطقة نصيبها من تلك التقسيمات والاتفاقيات غير
العادلة والبعيدة عن مصالح وأمال شعوبها ، وكان للشعب العربي نصيبه
من التقسيم والتفتيت الى مجموعة من الأمارات (الكيانات ) العشائرية
، كما الشعب الكردي الذي كان له النصيب الأكبر ربما من تلك المظالم
، فإضافة الى تقسيم أراضيه الى أكثر من أربع كيانات وحرمانه من
أبسط حقوقه ، وضع كل جزء من أرضه تحت سيطرة أحدى الدول الأخرى التي
أنشأتها لتكمل مخططاتها الاستعمارية ، وتكون الحارس لمصالحها .
لقد قامت القوى المعادية وأصبغت على الحدود الجديدة صفة قانونية
وشرعية ، حتى لا يستطيع أحداً أن يغيرها ، من خلال قوانين ما عرف
بعصبة الأمم المتحدة ( التي أنشأتها دول الحلفاء المنتصرة بعد
الحرب العالمية الأولى في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م )
والشرعية الدولية ، ومن خلال بعض التكتلات الإقليمية التي أنشأت
بأيدي غربية كجامعة الدول العربية التي أنشأتها انكلترا ،
وبالتعاون مع باقي الدول الحلفاء ، فبموجب دستور الجامعة العربية
لا يجوز المس بحدود الدول القائمة على اتفاقية سايكس ييكو وما
أعقبتها من الاتفاقيات الأخرى ، أي الاعتراف بحدود كل دولة موجودة
في الجامعة واستقلالها ، بمعنى أخر جاء دستور الجامعة ليغلق الطريق
أمام العرب الى أية وحدة حقيقية ، والحفاظ على التقسيمات السابقة
وعدم المساس بها ، ومنذ ذلك الوقت ونضال هذه الشعوب لم يهدأ من أجل
معالجة نتائج سياسات الاستعمارية التقسيمية ، فاندلعت ثورات كثيرة
، وانتفاضات ، وحركات مقاومة مسلحة وسياسية ، وتشارك الجميع في
عملية التصحيح والنضال كرداً وعرباً .
وفي غمرة المناقشات الحماسية كنا نبدي تأييدنا ، ودعمنا وحتى سعينا
الى تحقيق أماني وطموحات زملائنا العرب ، ولاسيما فيما يتعلق
بالقضية الفلسطينية ( محور كل القضايا العربية ) أو تشجيعنا للوحدة
العربية ، وكانوا يستغربون موقفنا هذا !! فكيف لكردي بنظرهم أن
يدعم الوحدة العربية أو القضايا العربية الأخرى ، وليل نهار يقال
لهم بأنهم أعداء يريدون تقسيم ما هو مقسم ، وأن الكردي في أحسن
الأحوال عميل وخنجر في خاصرة الأمة العربية ، ولم يقل لهم يوماً
بأنهم ضحوا بأنفسهم عن هذه الأرض وترابها ، وأن كردستان كانت وما
زالت البوابة الحضارية الوحيدة على بلاد الشام والعراق ، نقلت
الحضارات الفارسية والهندية وأسيا وأوربة إليهم ، وكانت الحاجز
الذي منع الهجمات على الوطن العربي ، والصخرة التي تكسرت فوقها كل
الغزوات .
أما نحن فلم نكن نستغرب هذه المواقف منهم ، لأننا نعلم بأن مواقفهم
هذه وثقافتهم هي نتيجة ٍلعقود من التشويه و التغير ، والأيديولوجية
الشمولية التي زرعتها أنظمة دول المنطقة ، والتي هي وريثة حقبة
الاحتلال العثماني بكل تخلفه ، وحقبة الاستعمار الغربي بكل سياسته
الأقصائية ، و الأمحائية ضد الكيانات الوطنية حتى تسود ثقافتهم
ولغتهم وأيديولوجيتهم الاستعمارية ، أو هي ( ثقافتهم ) أحدى
إفرازات سياسة التشويه والعنصرية ، والشوفنية مارستها الأحزاب
الشمولية التي ورثت السلطة ، وسلبيات الاستعمار الغربي ، والمتغذية
من حقبة الجاهلية العربية القائمة على سلطة شيخ القبيلة ، أو من
الأفكار الثيوقراطية الدينية المنحرفة ، والتي أعطت حكمها صفة
القداسة الإلهية كونها مستمدة من الله ، وشرعية الحكم الديني ، وهي
وريثة أو أنها تتستر بمقولة الكواكبي بضرورة استرجاع العرب لحقهم
في الخلافة من الأعاجم ، وأن العرب أنسب الأقوام لأن يكونوا مادة
الإسلام الأولى ، ويجب أن يحكم دون غيرهم من الشعوب الإسلامية
الأخرى الغير العربية ، وأن اللغة العربية هي لغة أهل الجنة ، وهي
اللغة الأم لكل البشر، ومن قول الرسول (ص) من يبغض العرب فقد أبغضه
.
وكنا نتوه في النقاش والشرح عن منطلقات مواقفنا المؤيدة للقضايا
العربية ، والنابع من اعتقادنا بأن العرب عندما يصلون الى مرحلة
يستطعون فيها تحقيق الوحدة العربية يكون قد توصلوا الى مرحلة من
التطور ، و الرقي المعرفي والحضاري ، والوعي الذي يمكنهم من فهم كل
القضايا الأخرى ، وعلى رأسها القضية الكردية ، وحقه العادل في
تقرير مصيره بنفسه كإحدى مكونات الأساسية الأولى للمنطقة .
بمعنى أخر عندما يكون العرب من حيث الوعي قادرين على قبول بعضهم
بعضاً في وطن واحد ، ويؤسسوا عقد اجتماعي واحد عندها يكونوا قد
تخلصوا من الحقبة العشائرية ، وتحولوا الى أمةٍ حضارية قادرةٍ على
أن يتفهموا حقوق غيرهم كما يفهمونا حقوقهم ، ويبنوا دولة مدنية
خالية من العقد ، والمتحررة من كل الموروثات العفنة التي تعيق بناء
الدول وتقدمها .
عندما نقول أن هذا إنسان واعي فهذا القول ينسحب على كل مظاهر
الحياة ، ولا نقصد بذلك مجال محدد بذاته لأن عملية تشكل الوعي ليست
وليدة قرار أو فعل محدد بمكان وزمان محدد ، و أنما هي عملية
تراكمية غير مجزئة ، وهي شاملة لأوجه الحياة المختلفة ، وهنا نحن
لا نقصد الموسوعية التي كانت تطبع ثقافة المفكرين والمصلحين في
الحقب الماضية عندما كان الفرد الواعي يشمل وعيه كل مظاهر العلوم .
ولكن نقصد تحديداً هنا الجانب الثقافي السياسي والحضاري من الوعي ،
وليس الجانب العلمي التخصصي ، عندما نقول بأن الفرد الفلاني يعرف ،
ويؤمن أن من حق الشعب الفلسطيني أن يقرر مصيره بنفسه دون ضغوط أو
تدخل خارجي فهذا يجب أن ينطبق عليه أن يعرف ، ويؤمن بأن لكل الشعوب
نفس الحق ، والمبدأ في تقرير مصيرها ، أي كما تقرّ حق ما لفئة ما
يجب عليك ومن منطلق الوعي الإنساني الحضاري ، أن تقره لكل الفئات
الأخرى التي تتمتع بنفس المقومات القومية من أرض وشعب ، ولغة وقيم
وتقاليد ، وتراث .....الخ .
وعندما لا يقر العربي أو أياً كان بذلك فهذا يحيلنا الى مسألة أخرى
ليست لها علاقة بالوعي الحضاري ، وإنما يدخل هذا الموقف في خانة
الازدواجية ، والنفاق السياسي ، وفي أطار الثقافة العنصرية
الشوفينية ، والمشوهة ، والمحمولة بفيروسات الهمجية السياسية ،
والبربرية المنقرضة إلا من بعض الناس ، ومن بعض الفئات التي تتغذى
على موروثات التخلف ، والجاهلية كا الطفيليات الموبوءة .
انطلاقاً من هذه الجزئية الهامة ، ومن التاريخ الحضاري ، والنضالي
المشترك والطويل لشعوب المنطقة مع بعضها البعض ، ولاسيما كرداً
وعرباً ، وفي مختلف مراحل التاريخ بدءاً من العصور القديمة حيث
عاشت الشعوب ، وواجهت معاً الأخطار التي كانت تهددهم ، ومروراً
بالعصور الإسلامية عندما كان لا فضل لعربي على أعجمي ألا بالتقوى ،
حيث تعايشوا وشاركوا الإنجازات الحضارية في ظل الخلافة الإسلامية
سواءٍ في مرحلة صدر الإسلام أو المرحلة الأموية والعباسية
والفاطمية ، مروراً بالزنكية والأيوبية التي جسدت أروع ملاحم
التضامن والوحدة بين الكرد والعرب ، وأنتهاءاً بمرحلة ما قبل
الانقلابات القومجية حيث كانت دولة المواطنة الحقيقية .
لقد كان الكردي وفي مختلف تلك العصور معترفاً به ، وبشخصيته
وأفكاره ولغته ، بأعياده وطابعه الخاص كشعب ضمن الدولة الإسلامية ،
حتى كان مهرجان ( نيروز ) من أكبر المهرجانات الرسمية الموجودة في
الخلافة العباسية ، ويحتفل به الشعب الكردي مع الشعوب الأخرى في ظل
الدولة العباسية ، ويشارك الخلفاء مع أفراد الشعب الكردي في أقامة
الاحتفالات بكل سلام ومحبة .
أن مشاركة الكرد في البناء الحضاري للمنطقة كان أكبر عندما كانت
القوانين لا تفرق بينه وبين العربي في ظل الدولة الإسلامية ، وتلك
الانجازات أعظم وأكثر من أن تحصى ، وهي موجودة ووضحه وجلية أمام كل
ذي منصف ومتحرر من النظرة العنصرية ، ومشاركتهم تكبر عندما يعترف
بهم وتقدر شخصيتهم القومية المتمايزة ضمن دستور حضاري وطني متحرر
من العقد ورواسب التخلف .
أن الكردي قريب من العربي والتركي والفارسي ، ومتضامن معهم في كل
قضاياهم بمقدار قرب هولاء من ذاتهم الإنسانية ، ومبادئ العدل
والمساواة ، والاعتراف لهم بحقهم في تقرير مصيرهم بنفسهم ، وبقدر
ابتعادهم عن الشوفينية ، والإنكارية ، والعنصرية التي طبعت حكمهم
طوال المراحل الماضية ، فكلما أقترب العربي من تلك القيم أقترب
الكردي منه و العكس صحيح .
وأخيراً هي دعوة من كردي مجبول بنضال وقيم وعدالة قضيته ، ومن
دماءٍ كثيرة أريقت دفاعاً عن هذه الأرض ، ومجبول بتراب ميزوبوتامية
منبع الحياة البشرية ، والقادم من شانيدار وجارمو حيث ثورة التدجين
الأولى والثورة الزراعية الأولى ، ومن مغاور الدود ريه حيث إنسان
النياندرتال أصل الإنسان الحالي والجد المباشر للبشر على الكوكب ،
والمنطلق من قمم جبال جودي حيث رست سفينة نوح ، والمؤمن بقدسية
دماء شهداء قامشلو .
ندعو لمد يد المحبة والتسامح ، هي دعوة لنعيش معاً المستقبل كما
الماضي ، وعندها فقط يمكن أن نسود فمن الجهل السياسي أيها العربي
أن تعادي قضية عادلة لأربعين مليون كردي ، كانوا من أوائل من سكنوا
هذه الأرض وما زالوا وحتى نهاية الحياة .
|
|
|