|
K.B.X-06.07.08.11.15.EU
بين باريس و أنقرة و كاراكاس......
مازن كم الماز
لو أن هذا اللقاء جرى قبل بضع سنين لحظي بأكثر بكثير من التغطية
السلبية و الإيجابية على حد سواء , هذا فيما يخص زيارة وزير إعلام
النظام السوري إلى فنزويلا , كان هذا اللقاء ليعتبر , كما اللقاءات
التي كانت تعقد بين قادة "الدول الاشتراكية" و تلك السائرة على
طريق التطور "اللا رأسمالي" , جزءا من "نضال شعوب تلك الدول" كما
كان الإعلام السلطوي يصفها في مواجهة الخصوم أو الأعداء , كان
الخصوم عبارة أيضا عن قوى سلطوية أخرى, ربما كانت أكثر عدوانية و
قدرة على تنفيذ أية جرائم مضادة للشعوب في سبيل مصالحها , كان
للصراع بين هؤلاء الخصوم قواعده الصارمة التي اختبرتها العديد من
الشعوب , المجريين في 1958 , الإيرانيين في 1953 , الاندونيسيين و
الفيتناميين في الستينيات , التشيليين في عام 1973 ,
التشيكوسلوفاكيين في عام 1968 , دفع الملايين حياتهم تحت جنازير
الدبابات أو بقصف القنابل أو برصاص فرق الموت..كانت الشعوب مستلبة
و عاجزة تماما في مقابل تلك القوى التي كانت تتلاعب بمصيرها الذي
كان مادة الصراع , كان زعماء العالم الثالث الموالين لطرفي الصراع
مرحب بهم في عواصم دول المركز و عادة ما جرى تقريضهم بأجمل عبارات
المديح , كان الترحيب الذي قوبلوا به استثنائيا و يعكس "متانة
العلاقات" في الصراع ضد "العدو المشترك" , هذا مثلا كان ما لقيه
الشاه الإيراني في واشنطن , زعماء إسرائيل و جنوب إفريقيا , و
الجنرال التشيلي بينوشيت و الطاغية سوهارتو و زميله موبوتو في
عواصم "العالم الحر" , كانوا جميعا مشاركين أساسيين في الحرب ضد
المؤامرة الشيوعية , أما في عواصم أوروبا الشرقية حل نوع آخر من
الطغاة , كانوا عادة "وطنيين" , ارتدوا الزي العسكري على الدوام ,
و رغم أنهم أحيانا كانوا يصطحبون معهم بعض القادة الشيوعيين أو
القوميين اليساريين لكنهم لم يكونوا أقل رفضا من "أعدائهم" لأي
نشاط أو حراك جماهيري مستقل , كانوا يشددون أولا و قبل كل شيء على
الطاعة الحديدية من قبل الجماهير و يفرضونها "بوسائلهم"
الخاصة..سقط الاتحاد السوفيتي و أصبحت واشنطن و إلى حد أقل لندن و
باريس و برلين محجة للطغاة الباحثين عن استقرار كراسيهم عن طريق
كسب رضا الاحتكارات العالمية , كان هذا هو جوهر "التغيير" نحو
"دمقرطة" العالم الذي جرى مع غياب الجيل الأخير من قادة تلك الدول
المسماة "اشتراكية"..فيما وجد البعض نفسه في خندق "معاداة
الامبريالية" إياه مكرها , كان الرغبة الأمريكية الجامحة في تغيير
شكل الشرق الأوسط و الأهمية الخاصة التي عولوا عليها في واشنطن على
مركز العراق هي ما حددت في نهاية الأمر مصير صدام حسين , أما
ديكتاتور كوريا الشمالية الابن فقد تمكن من حماية نفسه بسلسلة من
الأسلحة الصاروخية و النووية المحتملة التي تشكل تهديدا على جيرانه
اليابانيين و الكوريين الجنوبيين بل و حتى الأمريكيين و كنتيجة
لتسوية تتقدم مع أمريكا و حلفائها الإقليميين يبدو أنه قد أصبح في
منجى من مصير صدام حسين , أغرى نجاح النموذج الكوري آخرين , منهم
حكام إيران , باستنساخ التجربة و الحصول على هذا الدرع الصاروخي
النووي الموجه هذه المرة نحو إسرائيل , تصر هذه الأنظمة على تجاهل
حاجات الناس و حتى مصائرها , كان ثمن هذه الإنجازات هي جوع
الجماهير الكورية حتى الموت في كثير من الأحيان ..في زيمبابوي ,
كما هو النفط في العراق , اجتذب وجود المزارعين البيض و حملة
موغابي لاسترداد أراضيهم الاهتمام الأمريكي و البريطاني لقضية
"تغيير" النظام هناك , هذا خلافا لما تبقى من القارة السمراء التي
ترزح تحت الفقر و المرض و العنف و القهر السياسي , قام النظام هناك
ردا على هذه الحملة و فور صدور نتائج المرحلة من الانتخابات التي
حملت بوادر هزيمته بشراء أطنان الأسلحة من الصين و صعد قمعه
للمعارضة السياسية في تحضيراته للجولة الثانية , الأمر الذي اتضح
أنه كان فعالا مرة أخرى..النظام السوري بعد تجاوزه ضغوط أمريكية
هائلة يتنفس الصعداء عبر محادثات مع رئيس حكومة إسرائيلية يبحث عن
طوق نجاته , إن الانتقال إلى الطرف الآخر و الفوز برضا الاحتكارات
و ممثليها السياسيين ليس سهلا , هذه هي قواعد اللعبة الجديدة , لا
يكفي تبني الوصايا العشرة للبنك الدولي , حتى أكثر الزعماء إخلاصا
و ولاء لأمريكا لم يكونوا بعيدين هم أيضا عن التوبيخ و الضغط
الأمريكي , فهم الجميع القاعدة اليوم : من ليس معنا فهو ضدنا , و
يعمل الجميع على أن يبرهنوا أنهم دون تردد "مع" السادة المطلقين
للعالم , هذا لا يشمل طبعا ضحايا القوى المسيطرة سواء أكانت كونية
أو إقليمية , يجب على هؤلاء أن يبقوا راضين , صامتين , و أن يعملوا
بإخلاص و دون تململ..هنا قد يكون تشافيز هو الأكثر تشويشا , فخلافا
لصدام و موغابي و الأسد و القذافي لم يكن تشافيز في السلطة قبل
سقوط الاتحاد السوفيتي , بل إن وصوله إلى السلطة مثل مرحلة من
تراخي القبضة الأمريكية الحديدية على أمريكا الجنوبية في محاولة
لاستيعاب اليسار الأمريكي الجنوبي القوي و تدجينه الذي يشكل فشله
الخطوة الفعلية في تدجينه و إزالة خطره , الأمر الذي مثل جزءا من
القواعد الجديدة لسيطرة النظام الرأسمالي العالمي في عصر الهيمنة
المنفردة و التي يبدو أنها قد بدأت تخضع لمراجعة جذرية تمهيدا
لمرحلة بعد بوش , كما أن خطاب تشافيز يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع
سياسات الاحتكارات التي تدمر الأرض و الشعوب , لكن تشافيز كالأسد و
موغابي يمثل البيروقراطية الحاكمة التي تفرض سلطتها "كبديل" في
مواجهة الاحتكارات الأمريكية عبر مزيج من الخطابات الشعبوية و
القمع السياسي و التدجين الاجتماعي..هكذا نعود من جديد إلى ذات
الثقب الأسود الذي مسخ الحركة الثورية إلى مجرد دعاية رخيصة فارغة
للبيروقراطية الدولتية و الحزبية و خضوع كامل دون أي مقاومة
لسيطرتها محولا إياها إلى وحش يسحق الجماهير أولا و قبل أي
شيء..لكن معاداة الامبريالية اليوم لا تقتصر على تشافيز و أحمدي
نجاد و بن لادن , في الحقيقة هناك حركة تستعد هذه الأيام لإفساد
قمة الثمانية الكبار القادمة في اليابان , قمة المتحكمين بالعالم ,
هذه الحركة التي تنبه العالم بشقيه , من يملك و لا يعمل و من يعمل
و لا يملك شيئا من أمره , إلى وجودها منذ سياتل 1991 , هذه الحركة
ترفض تحكم هذه الأقلية المحدودة و تدميرها لحياة الناس و للأرض في
سبيل المزيد من الأرباح لكن في سبيل تحقيق حرية سياسية و اجتماعية
أكبر للناس في كل مكان , هذه الحركة القاعدية لا تعبر عن مصالح
بيروقراطيات تجد نفسها في موضع المواجهة مع مشروع الاحتكارات
السياسي الاقتصادي الكوني , إنها تعبر عن الناس , عن ضحايا هذا
النظام الجديد و تلك الأنظمة القمعية البيروقراطية التي تتنافس أو
تتشارك قهرها و نهبها..سيتوجه بشار الأسد قريبا إلى فرنسا لاحقا
بوزير خارجيته , وسط أقاويل كثيرة عن مفاوضات ما أو مصافحات ما
يعدها المضيف الفرنسي بين الرئيس السوري و بين أولمرت , هكذا يمكن
للبيروقراطيات المتهافتة أن تحافظ على وجودها في زمن أولبرايت و
رايس , يصعب اتهام ساركوزي بأي شيء في هذا الصدد , أو توقع أي شيء
منه في هذا الصدد , فالنظام السوري يحقق "ما هو مطلوب منه" , و
بعدها سينتقل ساركوزي إلى هويكادو ليناقش مع بوش و ستة زعماء آخرين
كيف يمكن زيادة أرباح كبريات الشركات و في نفس الوقت تحصين سيطرتها
على العالم........
|