|
K.B.X-24.02.08.22.50.EU
أبي في جمهورية أبونا
لن ننسى بسهولة يوم أقمنا حفلة لأقلام الرصاص ,وتوجنا فيها رجلا
أسميناه أبونا , عندما كنا في الصف الأول الابتدائي وفي بداية
العام الدراسي وزع علينا معلمنا, لكل طالب علبة أقلام الرصاص وطلب
منا أن نردد ورائه/ من أعطاكم هذه الأقلام وبقينا نردد معه أكثر من
عشرين مرة بصوت واحد: أبونا حافظ الأسد/ كنا أطفالا عقولهم كالعجين
تستطيع قولبتهم وتلبيسهم الأكاذيب من كافة القياسات , عقول بريئة
خصبة, حاولوا زرع فيه كلمات أضخم من الأشباح , رددوا في محيطه جمل
اكبر من تاريخهم اظهروا أنفسهم إبطال دون أن نرى بطولات , أصحاب
ثقافة مهجورة متهالكة. وكما يقول الروائي الكردي سليم بركات / نعم
يا صاحبي كنا صغارا.. صغارا مثل فراخ الإوز.. مثل سطور دفتر/ نعم
فلقد كنا صغارا فرحين بتلك الأقلام .. وأشبعنا أهالينا بمقولة
معلمنا / أبونا..هدية أبونا.. أقلام أبونا / في اليوم التالي لم
يهدينا أبونا دفاتر أو حقائب مضت شهور وانتهت علبة الأقلام دون أن
يتذكرنا أبونا بشيء, مضت تلك السنة دون أي جديد, فقط مجموعة من
الرجال قبضوا على احد رجال قريتنا لقد كان بحوزته أوراق تتحدث عن
الكرد, وعلمت بعد فترة أنهم من رجال أبونا و أن لأبونا رجال كالنمل
وأدركت أنهم وأبونا لا يعرفون التكلم بلغتنا, بل و يكرهونها ,علمنا
بعدها أن الشرطة التي كنا نخافها ! دون أن نعرف لماذا ; هم أيضا من
رجال أبونا, بعد سنتين من حملة أقلام الرصاص , بعث أبونا برجال
غرباء ألينا وأعطي لهم أراضينا لان الله غضب عليهم ورجال أبونا
غضبوا علينا , بنوا لهم قرية بجوار قريتنا وتحمل الاسم ذاته وأدركت
بعد سنين أن اسم قريتنا ليس اسم قريتنا وان اسم بلدنا لم يكن بإسم
بلدنا, وان الآباء الذين سبقوا أبونا قد أطلقوا عليهم أسماء مدن
وبلدان تبعد عنا الآلاف الكيلو مترات, يقال كانت من بقايا ممتلكات
أجداد أبونا, وبعد فترة جيء رجال أبونا بجثث شهداء إلى قريتنا
,كانوا مقاتلين من شباب قريتنا ليسوا من طراز مقاتلي أبونا لم
يهربوا ويختبئوا كضباط أبونا, لقد استشهدوا في لبنان فداء أطماع
أبونا. ازداد خوفي من أبونا عندما علمت إن أبونا هو الحكومة كلها
ويملك رقابنا جميعا ويعتقد بأننا نعيش بمعيته وفضله, في نفس السنة
في إحدى الليالي داهم رجال أبونا بيتنا اعتقلوا أبي وأمي أفرجوا عن
أمي في اليوم التالي وبقي أبي قرابة الشهرين ضيفا عند أحفاد حاتم
الطائي ,كانوا كرماء لدرجة إني أنا الصغير وقتها لم اعرف وجه أبي
لأنهم قد غيروا ملامحه .. كان ذو لحية طويلة لم يسبق أن أطلقها في
حياته..كان نحيفا ,هزيلا, ولكنه بقى أبي ,لم يستطيعوا تغيير وجهه
كي يشبه وجه أبونا ولكن الحق يقال فقد اعتذروا منهم عند إطلاق
سراحه. اخبرني أبي.. أبكاني نقاء أبي, عندما اخبرنا انه حلم بنا
مرات عدة في سجنه. آه يا أبي كم أنت عذب الروح تفكر فينا وأنت بين
أيديهم, اخبرنا أبي حكايا عدة عن السجن ولكننا.. كنا صغارا لم نعرف
معنى إدخال رجل في الدولاب كل صباح أو كهربته كل وجبات النهار لقد
بقي حيا لان الله أراد ذلك ولان الله رزقه بنية قوية. أما أبونا
فلم يكن يحب أبي وأشباه أبي لم يكن يحبنا لذلك أعطى أراضينا لرجاله
لذلك حظر لغتنا وتصدى حتى لأسمائنا أدركت إن أبونا لم يكن سوى أبا
غيرنا يزرعون أرضنا يبنون القصور بأموالنا يدهسون رقابنا, يفصلون
أبنائنا وعمالنا ,يغتصبون حريتنا يحرقون أحلامنا يخطفون براءتنا
يشوهون أطفالنا يحيلون شبابنا إلى الشيخوخة وأحضان الموت . بعد
سنوات تحول أبونا إلى الأب القائد لم نردد كثيرا هذه المرة الأب
القائد..&nb sp;. الأب القائد, لأنه أجهض حبنا له لأنه اعتقل نورنا
لم يترك فضاءا لحبه .ما كان يؤلمني نظرات أبي لأنه اعتقد أن الحلوى
وبدلات العيد أغلى من نظرات عينيه ودفء يديه,رجال كثيرون هذه السنة
وسنين أخرى لم يأتوا ببدلات جديدة لصغارهم واكتفوا ببدلات العيد
السابق وأكياس العيد السابق لان الأسعار ارتفعت وأن أبونا قد يخوض
حربا أو أصابه الفقر والعوز أو قد التهمه الجشع, أبونا لم يتعرف
علينا لم يعترف بنا, قال في غمرات صدقه وجنونه, إننا أبناء رجل آخر
قادمون من كوكب آخر من زمن آخر من وطن آخر, كل هذا الحقد علينا
لأننا لا نشبه أبونا , لأننا لسنا مثله, لأننا لا نرضى بالذل ,
لأننا لا نبيع أرضنا لعدونا و لاننا لسنا ناكري الجميل ولم ننسى
رجلا أهدانا بضع أقلام قبل ربع قرن, ولأننا لن ننسى أيضا على مر
العصور من مزق حقوقنا و نهب أرضنا وسرق ميلادنا وثقافتنا من زور
تاريخنا وكبل بشريتنا. بعد عقود.. ذهب أبونا.. رحل أبونا تحول إلى
الأب الخالد ,عاد إلينا ابن أبونا صفقنا له, تأملنا خيرا في ارض
قحط, بنينا أحلام في مدن الكواب يس, قلنا قد يتفهم وضعنا قد يعيد
لنا حقوقنا ولكنه بدا نسخة من أبونا يحمل حقدا كبيرا.. اكبر من
أبونا , يماطل دون خجل , يصرح عبث, يراوغ في وضح النهار وعلى ضوء
القمر حتى لو سمعه أبونا لصدقه, عقودا مرت وحتى اليوم لم نرى في
جمهورية أبونا.. في سجن أبونا, سوى الظلام و الآلاف السياط وجنون
بعض الصغار حول مذبحة لأقلام الرصاص.
أمين عمر
|