|
K.B.X-28.02.08.09.20.EU
العلاقات الأمريكية – التركية
و تأثيراتها على القضية الكردية
شف يار
تركيا , هذه الجمهورية الشاسعة الأطراف , التائهة بين شرقيتها و
غربيتها , علمانيتها و إسلاميتها , عسكريتها و مدنيتها , تسعى
جاهدةً عبر علاقاتها التكتيكية الإقليمية و تحالفاتها الإستراتيجية
الدولية إلى حماية الوجه الأتاتوركي للبلاد , في زحمة الايدولوجيات
و الأفكار وموجات التغيير التي تشهدها المنطقة والعالم .
و الحقيقة هو أنه وضمن هذه الشبكة من التعقيدات و التناقضات
الداخلية و الخارجية ما زالت تركية قائمة و حاضرة بقوة في
استراتيجيات القوى العظمى و سياساتها , مستفيدةً في ذلك لأقصى
الحدود من علاقاتها التاريخية – الإستراتيجية بتلك القوى و على
رأسها الولايات المتحدة الأمريكية .
إن تركية كانت إبان الحرب الباردة " ضرورة أمريكية " في المنطقة ,
لتقف بوجه التغلغل السوفييتي – الشيوعي جنوباً , ومنعه من التوسع
بأريحية نحو المنطقة الأكثر حيويةً و إستراتيجيةً في العالم , و
بذلك تحولت إلى قاعدة أمريكية بامتياز , تمارس دور الشرطي – إلى
جانب إسرائيل و إيران الشاه – في الشرق الأوسط .
في العام 1979كانت تركية سعيدةً و هي ترى سقوط الشاه في إيران و
قيام نظام جديد يناهض توجهات أمريكا ومصالحها و سياساتها في العالم
,لأنها وجدت في ذلك تعزيزاً لدورها و أهميتها و مزيداً من الدعم
الاقتصادي و العسكري و السياسي لها .
و بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق و انتهاء ما كان يسمى بنظام
القطبين و تأثيراته الإقليمية و الدولية ,اعتقد الكثيرون بأن الدور
التركي قد زال أو هو في طريقه إلى الزوال, لأنه لم يعد لوجودها من
مبرر بزوال الخطر الاشتراكي , و لكن التطورات والأحداث اللاحقة
التي شهدها العالم و المنطقة أثبتت بأن هؤلاء كانوا مخطئين في
قراءتهم و تحليلهم السياسي للوضع . فتركية بقيت ذلك الحليف الذي
لايمكن الاستغناء عنه , لا بل زاد أهميته في المرحلة الجديدة –
المعاصرة حيث انقسم العالم إلى قطبين ( الإرهابيون و مناهضو
الإرهاب ) فالدول التي أعلنت الحرب على الإرهاب تحتاج إلى مساعدات
سياسية واستخباراتية وقواعد عسكرية دائمة تؤمن الدعم اللوجيستي
اللازم لجيوشها المنتشرة في العالم .
وفي الحادي عشر من أيلول عام\2001 \ جاءت الأحداث التي هزت أمريكا
و العالم , وشكلت نقطة تحول كبرى في العلاقات الدولية , فبدأت تلوح
في الأفق بوادر حرب عالمية جديدة و لكنها في هذه المرة حرب ساخنة و
ليست باردة ,بين القوى الدولية المختلفة الساعية إلى حماية مصالحها
الإستراتيجية و أمنها الوطني و بين قوى الشر و الظلام التي تزعمتها
القاعدة و مَن ورائها , و سبقت تلك الأحداث تصريحاتٌ للرئيس
الأمريكي جورج دبليو بوش عقب طرد القوات العراقية من دولة الكويت
والتي تضمنت الإعلان عن بدء ما أسماه النظام العالمي الجديد .
و بالعودة إلى تركية , فقد شهد العام\ 2003 \ فتوراً في علاقاتها
مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب امتناعها عن المشاركة في الحرب
التي أعلنتها قوات التحالف الدولي لإسقاط نظام صدام حسين و تحرير
الشعب العراقي من تسلطه و دكتاتوريته , لا بل منعت استخدام أراضيها
و أجوائها في تلك الحرب , وهذا ما دفع بعض المحللين - مرة أخرى –
للاعتقاد بأن أمريكا ستتخلى نهائياً عن تركية و ستبدأ رحلة البحث
عن حلفاء جدد لها في المنطقة و قد رشحوا إقليم كردستان للقيام بهذا
الدور مستقبلاً , و لكنهم أخطئوا مرة أخرى , فتركية فعلت كل ذلك –
و قد تفهمتها أمريكا - لاعتباراتها الوطنية و الإقليمية , وهي :
1- خوفها من أن يتحول إقليم كردستان – العراق , إلى دولة مستقلة أو
شبه مستقلة , فذلك سيؤثر على معنويات أكرادها العشرين مليوناً ,
الذين سيطالبون حينها بنفس الحقوق و الامتيازات و هذا ما ترفضها
بقوة .
2- خوفها من أن يتحول العراق الجديد- المحرّر- إلى حليف لأمريكا و
قاعدةً له في المنطقة , و ذلك سيكون على حساب تركية بالضرورة .
3- خوفها من سيطرة الأكراد العراقيين على كركوك ( أغنى منطقة نفطية
في العالم ) , و بالتالي استحواذهم على الاهتمام الدولي , و خاصةً
القوى الكبرى , وسيكون ذلك بمثابة المفتاح نحو بحث قضيتهم على
مستوى الشرق الأوسط ككل .
4- خوفها من أن تعرّض شبكة علاقاتها الإقليمية ( العربية ) و
الإسلامية للخطر , وخاصةً الاقتصادية منها .
5- خوفها من أن تستهدفها ( القاعدة) إن شاركت مباشرةً في الحرب ضد
العراق ( دولة مسلمة ) إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية و
حلفائها ( الصليبيون ) .
إن الولايات المتحدة قد( تفهّمت ) حساسية الموقف التركي , كما قلنا
, فمضت في حربها , دون أن يكون لها دور يذكر, مع إعطائها تطمينات
جديّة حول العراق و مستقبله و خاصةً فيما يتعلق بالوضع الكردي,
لأنها لم تكن تحتاج إلى المزيد من المعارضين لهذه الحرب , ولكن ذلك
لم يمنع من دخول علاقاتهما مرحلة من الخمول و البرود هي الأولى
بهذا الشكل في تاريخ البلدين .
مؤخراً , أرادت تركية إعادة الأمور إلى مجاريها وإزالة ذلك الفتور
الذي أصاب علاقاتها مع أمريكا , فافتعلت أزمة حزب العمال
الكردستاني , رافقتها معممة إعلامية و سياسية كبيرة , مصورةً نفسها
و مدنييها ضحية الإرهاب الكردي , و ممهدةً لاجتياحٍ عسكري كبير
داخل الأراضي العراقية لملاحقة مقاتلي الحزب كونهم ينطلقون من
قواعد ثابتة داخل الأراضي العراقية ( إقليم كردستان !!) لشن هجمات
على تركية , و قد حملت تلك المعمعة في طياتها تهديداً مبطناً
للأمريكيين يقضي بأنّ هذا التوغل سوف يعكّر صفو الاستقرار و الأمن
في العراق و بخاصةٍ في إقليم كردستان, أكثر المناطق استقراراً و
أمناً , و بالتالي سيلحق أفدح الأضرار بمصالح أمريكا وحلفائها ,
ويشكل ضغطاً إضافياً على جيوشها المنهمكة في حربٍ صعبةٍ و معقّدةٍ
و لا تحتاج للمزيد من المشاكل و المتاعب .
إن تركية سعت من وراء تلك الضجة الإعلامية و السياسية والعسكرية,
بحشد الآلاف من جنودها على الحدود, و الحصول على الترخيص البرلماني
اللازم للقيام بعملية التوغل , - و أعتقد أنها ستقوم فعلاً بعمليات
برية محددة الزمان و المكان - إلى لفت انتباه أمريكا للجلوس معها
على طاولة التفاوض و النقاش , بعد مدةٍ من الفتور السياسي
والدبلوماسي بينهما, وهي تعرف مسبقاً , بأن الإدارة الأمريكية سوف
تحاول إقناعها – خلال المفاوضات - بالعدول عن قرار الاجتياح , أو
على الأقل القيام به تحت إشرافها , وتعرف أيضاً بأنّ مثل هذا الطلب
لن يكون مجاناً, فقد عملت و خططت لتحقيق أهدافها وحماية مصالحها
الداخلية , و في العراق الجديد بعد أن أصبح واقعاً , و قد تمت
الأمور كما رسمها الأتراك , فقد عادت العلاقات بينها و بين
الولايات المتحدة إلى دفئها السابق, و من خلالها حققت أهدافها
السياسية والأمنية وبمساعدة أمريكية , مقابل تخليها عن فكرة التدخل
في العراق , وهذه الأهداف هي :
1- بالنسبة لموضوع كركوك , فقد طلبت تركية من الولايات المتحدة
العمل في اتجاه منع عملية التصويت على مصيرها, خوفاً من وقوعها
بأيدي الأكراد كما قلنا, و بالرغم أنّ هذا الطلب أحرجها باعتبارها
– عملية التصويت- وردت في الدستور كمادة أساسية, فقد عمدت الولايات
المتحدة إلى الأخذ بمبدأ وسط وهو تأجيل مسألة التصويت الذي كان
مقرراً نهاية العام الماضي, أثناء زيارة الوزيرة رايس الأخيرة
لبغداد , وليس إلغائها.
2- إظهار نفسها للعالم بأنها ضحية للإرهاب , و تتحمل جزءً من الحرب
عليه , من خلال عملياتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني
الإرهابي ( على حد زعمها طبعاً ) , في الداخل و الخارج , و تصوير
الكفاح الكردي المشروع و العادل بأنه إرهاب تمارسها جماعات خارجة
عن القانون, للحصول على تعاطف دولي معها .
3- الحرص على أن لا تتعامل الدول الكبرى وخاصةً الولايات المتحدة
مع أكراد تركية كما تتعامل مع أكراد العراق , والحصول على صمتها ,
فيما يتعلق بطريقة معالجتها الصارمة للقضية الكردية في تركية , أما
فيما يتعلق بالاتحاد الأوربي , فتركية أرادت توجيه رسالة إليها
مفادها بأن ما يسميه الأوربيون, حالة حقوق الإنسان غير المحترمة ,
ليست إلا مشاكل متفرقة لحفنة من القتلة و الإرهابيين , ولا داعي
لأن تعارض انضمامها إلى الاتحاد الأوربي بسببهم , والحرب التي
تستعد تركية لشنها ما هي إلا دفاعٌ مشروعٌ تقره المواثيق الدولية ,
على حد تعبيرها , وبتعبير أدق قطع الدعم الدبلوماسي و القانوني عن
الأحزاب الكردية و خاصةً pkk على الساحة الدولية .
4- الحصول على مساعدات أمريكية تقنية في حربها على مواقع pkk داخل
العراق , و بالفعل قامت الاستخبارات الأمريكية بتصوير تلك المواقع
و القواعد بالأقمار الصناعية و سلمتها للجيش التركي ,و قد قصفت
الطائرات الحربية التركية بموجبها تلك المواقع و الأهداف , ملحقةً
خسائر مدنية و بشرية فادحة بها , و بالقرى الآمنة القريبة فأوقعت
عشرات القتلى و الجرحى من المدنيين الكرد .
5- توجيه رسالتين إلى المسئولين الأكراد في إقليم كردستان – العراق
, أولهما بأن الدولة التركية تراقب التطورات في كردستان العراق عن
كثب , و بأنها لن تسمح لهم بتحقيق ما يطمحون إليه( دولة كردستان )
وثانيهما بأنّ تركية ما زالت الحليف الذي لا يمكن الاستغناء عنه من
قبل الولايات المتحدة , و بأنهم – أكراد العراق - بعيدون جداً عن
لعب هذا الدور كما كان يشاع .
6- الحصول على تعاون عراقي من بغداد , على المستويات السياسية و
الدبلوماسية و الإعلامية , في موضوع إدانة pkk وتسميته بالمنظمة
الإرهابية, والطلب منه بمغادرة الأراضي العراقية والكف عن مهاجمة
الجارة الشمالية , خاصةً أن الدستور العراقي يمنع استخدام الأراضي
العراقية لتهديد دول الجوار .
وأخيراً يمكن القول, بأنّ الصراع الداخلي, مهما كان محتدماً بين
أقطاب النظام التركي فانه لايتعدى حدود التنافس و الاختلاف
البرنامجي فيما بينها , أمّا الحفاظ على النزعة الطورانية
والأتاتوركية في البلاد هو القاسم المشترك لجميعها, وفي حالات (
الطوارئ!!) حيث تكون المصالح العليا للدولة التركية في خطر فان كل
الفعاليات التركية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية تظهر
متجانسةً و متحالفةً استراتيجياً .
15-2- 2008
|