|
التجذر التاريخي للأمة الكوردية" ضمن سلسلة"
بين الأسلاف والشمرو السومريين و الكورد"
عبد الرحمن آلوجي
K.B.X.06.11.09 سبق أن وقفنا ـ في التجذر التاريخي ـ على كون جبال
زاغروس و آسيا الوسطى, موطنا لأسلاف الكورد , و منبعا أساسيا
للهجرات الجبلية اللاحقة إلى السهول , ومن هجراتها إلى الغرب
والشمال – عبر المتوسط إلى أوربا الحالية , و هو ما سوف نؤكد عليه
لاحقا ضمن هذا المبحث الهام والدال , و لعل أكثر الأبحاث إثارة في
التاريخ الإنساني المغرق في القدم ما قام به الباحث: (رالف سوليكي
) من جامعة "ميشغان "الأمريكية بين سنوات 1951 ـ 1960 : " في الكشف
عن هياكل و جماجم الإنسان القديم في كوردستان في كهف (شاندر), و
الذي يرقى إلى نحو ستين ألف عام .." , كما قامت البعثة الأثرية
الألمانية عام 1972 بالتنقيب في إحدى مناطق روافد الفرات قرب "تل
أسود" , بالقرب من رافد البليخ " في دشتى سروجى " , وما توصلت إليه
من حقبة تنحصر في الألف التاسع قبل الميلاد , وكشفه لحضارة كوردية
صرفة " نوالى زوري ", ترقى إلى 8200 ق.م , وما قام به الأستاذ (برندوود)
من جامعة شيكاغو الأمريكية بالكشف عن واحد من القرى الأثرية في
التاريخ الإنساني, في ( تل چرمو) بكوردستان العراق, و التي تمتد
إلى الألف الثامن قبل الميلاد.. هذا إلى جانب مكتشفات البعثة
الأمريكية المؤخرة في شمال شرق سوريا والموثقة بدقة متناهية في
منطقة "ديرك " من الجزيرة السورية تحديدا , في العثور على أقدم
مستوطنة في العالم (حموكر) , و التي ترقى إلى أحد عشر ألف عام.
و قد أكدت دراسات العلماء و الباحثين على الاتجاه العلمي السائد ,
و هو كون جبال زاغروس و ما يجاورها هي مواطن الإنسان الأول القديم
, و الذي وجد فيه الكورد و الأقوام الهندو أوروبية الأخرى التي
تشكل أسلافه , وهو ما أكد عليه ول ديورانت , وهو ما وثبته و تبناه
في رسالة الدكتوراة التي عرضت على جامعة كمبرج البريطانية الباحث :
(أ ـ ولسون) من كون انتقال الإنسان القديم من المواطن الأولى في
القفقاس الجنوبي الدافئ (مناطق زاغروس و أمانوس و ما يجاورها) إلى
أوربا عبر المتوسط , و ما جاء في التأكيد عليه مما اعتمدته دراسة
المؤرخ (جورج رو) في التاريخ القديم "ص 95" من : (( انتقال فخار تل
حلف ـ الواقع قريبا من نهر الخابور في سوريا ـ و الذي وصل إلى أقصى
بلاد الإغريق قبل نحو 4500 ق م , من مركزه حول نينوى غربا على
امتداد طريق القوافل المؤدي إلى البحر المتوسط مرورا بالخابور ـ تل
براك , شهر بازار , "چاغر" , و تل حلف إلى نهر البليخ (تل أسود ) ,
إلى كرمكيش ـ مع الأخذ بالاعتبار قيم و عبادات و طرق لدفن الموتى
لتدل دلائل قاطعة على هجرة الأقوام الهندو أوروبية , من الشرق إلى
الغرب .." و انظر للدقة والتدقيق : كولان العربي / العدد 71/2002,
ص92 بحثا تفصيليا لـ أحمد شيخ محمود " ...))
وهو ما يتلاقى مع الرأيين السابقين لـ ول ديورانت : " و الذي وقف
مطولا عند الحضارة السومرية الآرية " , و الباحث الإنكليزي أ ولسون
في دراسته الآنفة الذكر في جامعة كمبردج ..
و ما يهمنا من الأبحاث التي قام بها العلماء في تبيان العلاقة بين
اللولويين و اللور و الهوريين و الميديين و السوباريين والكردوخيين
و النايريين كأسلاف للكورد, عاشت آلافا من السنين في المنطقة
الكوردية الحالية وامتدت إلى أعالي طبرستان وخراسان في بعض الأحيان
, وماقام به هؤلاء وأمثالهم من كشف النقاب عن هذه الصلة الوثقى ك "
هوزينغ ومار وسبايزر, وفيلد, ووايسباخ, وج. ك. درايفر, وجيمس هنري
برستيد ..." وما يؤكده د. كولن رينغرو في كتابه "علم الآثار" : "
من كون شرق الأناضول وشمال وادي الرافدين هو الموطن الأصلي للأقوام
الهندو أوربية ..." معززا الدراسات التي ذكرناها وعزوناها إلى
مصادرها , ومن الجدير أن نذكر الجهود المضنية والشاقة التي بذلها
هؤلاء في التنقيب عن الآثار العميقة التي تدل على الرابطة اللغوية
الدقيقة بين الكوردية و اللغات الهندو أوربية و الآرية الأولى ,
التي كان يتفاهم بها هؤلاء الأسلاف , و إن ارتبطت هذه الجهود
بعقبات كثيرة , كانت تتشكل في البداية من انعدام المقارنة بين
الهورية مثلا و الكوردية أو السومرية و الكوردية , في عدم اهتدائهم
إلى مصدر الإشكال وتعقيداته , حتى تمت المقارنة هذه , لتشكل فتحا
تاريخيا رائدا في التشابه الدقيق إلى درجة التطابق أحيانا , فكانت
جهودا بارزة أحيت إلى الوجود ما نجد من مقاربات و مقارنات دقيقة ,
كما أسلفنا في دراستنا عن اللغة الهورية و اتصالها بالكوردية , و
ما أداره العلامة القمني في دراسته عن النبي الهوري أبي الأنبياء
إبراهيم " عليه السلام " , و الحيرة التي أبداها الباحث "أنطونيو
بوتشلاتي "حينما أعوزته المقارنة , مما يشكل مدخلا دقيقا إلى تبيان
الخطوط الأولى , لفك رموز لغوية دقيقة , وهو ما استطاع العلماء
الحصول عليه في المقارنة بين السومرية كلغة إلصاقية و الكوردية عبر
مفردات تكاد تكون متطابقة إلى حد كبير , هذا إلى جانب آرية
السومريين , و ارتباطهم بالمنطقة الجبلية في كوردستان العراق كما
نص عليه "ول ديورانت في قصة الحضارة " و التي أكد فيها على عادات و
طريقة طلاء و صنع الأبنية الطينية و طرازها, و الأبواب و الأوقاب
الخشبية , و الحذاء الجلدي المسمى إلى الآن (چاروخ) , و ما كان
يصطنعه السومريون من قوالب من التبن الناعم المخلوط والمعجون
بالطين المخمر .. لصناعة القرميد السومري (الكربيچ) و الذي يعتمده
الكورد إلى الآن في أريافهم و قراهم , وهو ما نص عليه "ول ديورانت
الجزء 27 / تاريخ الشرق الأدنى ص102"إضافة إلى ما ذهب إليه من
كونهم آريين جبليين أشداء , سكنوا شمالي العراق منذ آلاف السنين ,
و كون القرميد السومري مكتشفا في عمق 32 قدما تحت الأرض .
و قد أرجع الباحث "هنري فيلد " في دراسة إحصائية أنتروبولوجية "قبيلة
الشمر" إلى الكورد في اقترابهم الكبير من السومريين , و ما كان
يحصل من هجرات جبلية إلى السهول , كما فعل السومريون من انحدارهم
من جبال كردستان العراق إلى جنوبه , و إنشاء ممالك لهم (لـﮔش و أور
على ضفاف الفرات ..) , فقد رأى هذا الباحث (( أن الشمر جزء من
الكورد , نزلوا إلى السهول بحثا عن المراعي فحالوا عن لسانهم و
صارت لغتهم عربية ))" انظر البحث السابق ص90ـ انظر كتاب" الكورد في
نظر العلم" د. محمد رشيد الفيل ص35 ـ 37 " و في دراسة مستفيضة
أجراها الباحث مسعود سعيد ياسين حول السومريين (موطنهم الأصلي ,
عائلة لغتهم ) و المنشورة في القسم العربي من مجلة متين الأعداد
(73 ـ 79) في سبع حلقات , ما ينتهي إلى خلاصة دقيقة حول : " إذا لم
يكن السومريون كوردا فمن يكونون؟؟!! " , عاقدا مقارنات لغوية دقيقة
بين الكوردية و السومرية في مفرداتها اللغوية , و طريقة الإلحاق و
الإلصاق , إذ الكوردية من اللغات الهندو أوربية الإلصاقية
كالإنكليزية و الفرنسية و الألمانية "ا يقول مسعود ياسين : "(( لقد
نسي العلماء في مقارناتهم ما يشابهها بين تلك اللغات التي قارنوها
و وازنوها , نسي هؤلاء العلماء الشعب الكوردي فهذا الشعب يعيش بين
ظهراني تلك الشعوب , ووجد هناك في الموطن نفسه , ولو قدر للعلماء
أن قارنوا ـ بما فيها الكفاية ـ اللغة السومرية باللغة الكوردية في
حينه لفتحت الأبواب و انتهى الجدل .. ج2 / ص151 مجلة متين العدد
74)) و في مقارنته العملية التي أجراها بين الكوردية و السومرية ,
في سبع حلقات متتالية بدءا من 74- إلى ,77
يؤكد الباحث مسعود ياسين على صلة القربى القوية بين اللغتين في
المفردة و السياق و الإلحاق و الإلصاق , من خلال تلك الحلقات
المتواصلة , لتعزز هذه القرابة , إلى جانب طراز البناء و العمران ,
و شدة البأس و عصبية المزاج و النزوح المعتاد من المناطق الوعرة
الجبلية إلى السهول و المناطق الأكثر سعة و استقرارا كما فصل الشمر
أيضا وهو ما أكده أستاذ السومريات في جامعة بغداد الدكتور فاضل عبد
الواحد , و قد عقد المقارنة نفسها الأستاذ مرشد اليوسف في كتابه
الأحدث من بحث مسعود ياسين و المسمى (دوموزي ـ طاووس ملك), حيث
أورد كما من حالات التشابه في الجذر اللغوي و الإلصاقي بين
السومرية و الكوردية , فيما يتجاوز 40 حالة تصل إلى حد التطابق
أحيانا كما في :
: السومرية التي تعني الكبير ـ العظيم Gal
: الكوردية التي تعني كبير العائلة Kal
:السومرية التي تعني الأم cami
:الكوردية التي تعني الأم Cime
:السومرية التي تعني يأكل Xu
:الكوردية التي تعني يأكل Xu
:السومرية التي تعني الطعام Nenda
:الكوردية التي تعني الطعام Nan
:السومرية التي تعني المجرب Kalo
الكوردية التي تعني المجرب " انظر ص24 ـ 32 الكتاب المذكور ـ مرشد
اليوسف ": Kalo
و إذا أردنا مزيدا من التدقيق و البحث فإن ما يعثر عليه من مثل لفظ
سومر الإلصاقية و التي تعني بشقيه الرجل الشجاع) وهي نفسها جزئيتان
بالكوردية وهما سو و تعني : الحاد الطبع ( الشجاع ) , و (مير أو
ميرد) و تعني الرجل .
و كلمة (بصرى )التي وصل إلى أراضيها السومريون و هي تشتمل على
جزئيتين أيضا , الجزئية الأولى باست و تعني بالسومرية الأرض
الواسعة , و لعل بسط العربية آتية منها , و الجزئية الثانية "راه "
و تعني بالسومرية الطريق , فهي تعني الطريق الواسعة اللاحبة و هي
نفسها و حرفيا بالكوردية .
إضافة إلى ما يكشف عنه التنقيب اللاحق من كتابات في الألواح و
الرقم السومرية الطينية , و ما يمكن أن تشكله هذه المكتشفات
المقبلة من فتح لغوي أكثر عمقا و شمولا مما لا يستبعد ذلك , فقد
اهتدت البعثة الأثرية في أوركيش إلى هذه المدينة الهورية العريقة ,
اعتمادا على ما توصل إليه العلماء من ذكرها المتكرر في الألواح
السومرية الطينية , وهو محتمل نظرا لبدايات التنقيبات في المناطق
الكوردية , و بخاصة في كوردستان العراق , حيث تجد فيها 8000 تل
أثري , أكتشف منها 140000 رقم و منحوتة أثرية , هذه الآلاف الثماني
هي من جملة تسعة آلاف تلة أثرية في العراق كله , لم يكشف النقاب
إلا عن النزر القليل منها , مما سوف يعزز الجذور اللغوية لأسلاف
الكورد و ارتباطها باللغة الكوردية المعاصرة , كما رأينا في
السومرية و الهورية اعتمادا على المنهج العلمي – غير الاعتباطي –
في البحث الرصين والهادئ , وهو ما نأمله وننشده .
|