|
استراتيجية الفكر القومي الكوردي
عبد الرحمن آلوجي
" محاورة الفكر و الرأي الآخر"
K.B.X.08.12.09 في مجمل التوجهات
والدراسات والأبحاث والنشاطات القومية في سوريا والحراك السياسي ,
تتركز الأمور حول محورين أساسيين : 1- محور الداخل الكوردي وما
يستوجبه من لم الشمل , وجمع الكلمة وتوحيد الخطاب – برفض واقع
التشتت وظواهره الخطيرة , وإعادة صياغة وترتيب البيت الكوردي – من
خلال تشكيل قوة ضاغطة تضع الحركة والنخبة أمام خيار استراتيجي , لا
بد من ترتيب معالمه , والتأسيس لحالة الحد المطلوب والملح في إعادة
الثقة إلى الصف الكوردي الشتيت والممزق , والداخل في خانة التمحور
حول الذات الحزبية , واجترار الرؤية الذاتية القاصرة , والولوج إلى
دوامة صراع لم يعد مجديا ولا مقبولا , مع تفاقم حالة تضخم الذات
والانكفاء – في تراجع مبين – حول الهموم والطموحات القيادية
الفردية , وانهياراتها , بحكم التقوقع وادعاء العظمة الموهومة ,
والرؤى المجنحة المتماهية حول " أنوات فضفاضة " إن صح التعبير, مما
يعجل بضرورة معالجة هذه الظاهرة المتفشية , مع ما يرافقها من حالة
التبجح وادعاء اتساع الأفق واتهام الآخرين بالقصور , والفردية
الآسرة , والمحكومة بعلات الوسط والجوار الإقليمي , الذي يعزز
مفهوم الفردية والقائد المحور , والتبعية , ومفهوم الغوغائية
والطوباوية البائسة , وما يتبع ذلك من تستر وراء الألقاب والمحاور
واصطناع الأطر غير الفاعلة , سترا للنواقص والعيوب , وإخفاء للحالة
الميدانية المزرية والتراجع التنظيمي والعزلة الأشد في حال البقاء
في دائرة الوهم , وعدم الخروج إلى فضاء المكاشفة والشفافية
والمصارحة , والبدء بعمل ميداني جاد يحقق الحد اللازم للتوافق من
أجل معالجة التردي الحاصل والتراجع القائم , وهو ما ركزنا عليه ,
واهتمت به مختلف الدراسات المنشورة والمنتشرة في الصحافة المقروءة
والالكترونية , وما حرضت عليه الأقلام الجادة والملتزمة , وما نريد
التأكيد على ضرورة أن يكون ذلك مقدمة للمحور الثاني , والذي يشكل
مفصلا أساسيا للنضال .
2- المحور الثاني ( محور الرأي الآخر ): أو
الفكر الآخر , والذي يتجلى في مخاطبة عقول وأفهام الآخرين , إذ
أننا نعيش في محيط محلي وإقليمي ودولي , واقعا ومواكبة وتطورات
لاحقة ومتواصلة , هذا الواقع الذي ينبغي أن نحسن رصده وفهمه , كما
ينبغي أن يفهمنا , ويدرك همومنا وطموحاتنا وتطلعاتنا ككتلة بشرية
واضحة الحضور , ويتفهم قيمنا ومثلنا العليا , وما نريده منهم , وما
نلقاه من عنت ومعاناة , وما ينبغي أن تكون حياتنا السياسية
والاقتصادية والاجتماعية في ضوء ممارسات تعاندها , وتبعدها عن قيم
المواطنة الحقة واستحقاقاتها الدستورية , وأسس وقواعد العدل
والمساواة ورفض كل قيم ومعايير التمييز والإذلال والاستعلاء ونبذ
الآخرين , مقابل ما هو كائن من سماحة ويسر القوانين والنظم
الوضعية والقيم السماوية وشرائعها , وما نطمح إليه من وضع إنساني
مشروع لا يمكن أن يتحقق , ما لم يدرك الآخرون نداءاتنا , ويصغوا
إلى أصواتنا , ويقفوا على الاغتراب الذي نعيشه مع الدعوة إلى
الحوار والتفاهم ومناقشة ما نذهب إليه وما ندعيه , وما نقدمه من
أدلة ووقائع حية على مستوى رفيع من الطرح أفرادا : كتابا وباحثين
ونشطاء , وهيئات حقوقية ومدنية , وأطرافا سياسية , تتعاور في
الدعوة إلى التأكيد على منطق المساواة والعدل والإخاء بين مكونات
المنطقة وشعوبها الأساسية كردا وعربا وفرسا وتركا وأفغانا وأمازيغ
, مما لا يمكن بحال من الأحوال تجاوز وجودها ودورها التاريخي
والكفاحي والحضاري , كما يمكن لقيم الرفض والتجاهل ومحاولات السحق
والتذويب والاستعلاء القومي أن تجد سبيلها إلى النجاعة والقبول
أولا , ولا إلى منطق الواقع والتاريخ الإنساني ثانيا , ولا إلى
إذعان أي شعب – مهما بلغت محنته – لمثل هذا الرفض والإنكار ثالثا ,
بالإضافة إلى ما بين أيدينا من تجارب مريرة في عهود التتريك
التاريخية القريبة في الولايات العثمانية , ومحاولات النظام
العراقي في إقليم كردستان , وما كان لسياسة الأرض المحروقة في
الجزائر على يد الجنرال الفرنسي " بوجو " وفي أقاليم الباسك
والبلقان والجبل الأسود ودارفور من مجازر وانتهاكات للقانون الدولي
ومحاولات الإبادة الجماعية التي ارتدت على الجلادين , وبقيت الشعوب
قائمة تشمخ بحرياتها وكرامتها ووجودها الحي والمتحرك والذي يزداد
قوة وحضورا , وتعلو بقاماتها السامقة على كل أسلحة وقوى الفناء
والتدمير , مما يقرب إلى الأذهان النيرة والعقول التي تتلقى عبر
التاريخ وتؤمن بدروسه , وترقى إلى فهم وقائعه ألا تخرج رؤوسها من
التاريخ , وألا تغتر بما تملك من حريات وقوى وإمكانات لتسخرها في
غير إرادة الحياة والكرامة للآخرين, وكان إلى عهد قريب ولا يزال من
أشد منها قوة وبأسا , وقد غبر مثلها على مدى الدهور من عمر الأرض
جناتا , وفجروا عيونا فغبروا ونسيهم التاريخ, كأن لم يغنوا بالأمس
, وهو مما يشكل محورا أساسيا لخطاب الخارج , وضرورة التلاقي
الإنساني , والتواصل الوجداني مع محنة الآخرين وعذابهم وقهرهم
وإذلال كرامتهم وتجويعهم , وممارسة الاستثناء بحقهم , وجعلهم في
دائرة الاتهام والتخوين من غير جرائر سوى حس وطني رفيع , وشعور يقظ
بكل واجب , واندفاع غير منظور في الملمات والمحن كما هو تاريخ
الكورد العريق , هذا الخطاب الواضح من أكبر تطلعاتنا ومهامنا ,
وأسس فكرنا الاستراتيجي الداعي إلى ضرورة إقناع الآخرين , ومخاطبة
عقولهم وضمائرهم بما هو كائن حقا , ونقل تصورنا الحي دون مواربة أو
مداورة أو لف وتزويق , أو حذر إلا من مراقبة لضمائرنا ,و واجب
إخراج القضية الكوردية من حالة الجدر المغلقة , وفتح منافذ البصر
والبصيرة على حقها العادل , وهو محور أساسي من محاورنا النضالية
التي نساهم فيها , ونسعى بكل ما أوتينا من قوة الإقناع أن نجعلها
نصب أعينا ,حوارا جادا آنيا ومستقبلا , ودون هوادة حتى يتبين الحق
, وتتيقظ الضمائر , ويدرك الآخرون أننا نؤمن بالحياة الحرة لأنفسنا
وللناس جميعا , لنجعل من الخير خيرا لنا وللآخرين , ونتجنب الوقوع
في مثالب الظلم والإثم والخطيئة للآخرين , حينما نكرهها لأنفسنا ,
فندرك بشاعة الإبادة والتذويب والتهجير والتعذيب إذا كرهناها
لأنفسنا , فيما يمكن أن يكون الميزان سليما والموزون في إطار مكيال
واحد لا أكثر , ولا أبعد عن القسطاس المستقيم .
|