|
التفسير المتكامل في الفكر والسلوك الإنساني
" الجزء الثامن
"
"
K.B.X.11.10.09مدخل " : قد يتساءل
القراء – ومن حقهم أن يفعلوا - , ما هذه الموضوعات الجادة والصارمة
, في الوقت الذي يشتد فيه الإلحاح على ضرورة لملمة الشمل وتوحيد
الصف , والجواب العاجل عن أسئلة مشروعة خول المجلس السياسي أو
الهيئة العاملة أو الميثاق أو المؤتمر... مما هو من صلب قضايانا
واهتماماتنا البالغة.. ؟؟! .. أليس من حق القراء أن يسمعوا رأيا
وموقفا.. ألا يحق لهم أن يروا كما رأى كل من الأخ " منير حسن ,
وإبراهيم عيسى في 9/10/2009 – على تشابه شديد في مقاليهما أسلوبا
ومضمونا حول المجلس السياسي , وفيتواته وإخفاقاته ؟؟ّ!!.. نعم يحق
لهم أن يروا ويسمعوا ويناقشوا , وأن يوضحوا آراءهم بجرأة وقوة
ووضوح كما فعل الأخوان منير وعيسى , ولكني أقول لهم لقد جربنا
كثيرا وخضناها تجارب مريرة وعاتية ومؤسفة , ورأينا الكثير والعجب
العجاب , فرأينا " في استراتيجيات الفكر الجاد والمنهجية والرؤية
الموضوعية الناضجة والصادقة مدخلا عظيما إلى تربية أجيالنا ,
وإحضار الصورة المـألقة والتاريخ المتجذر لأمتنا ودورها الحضاري
الموثق , وخدمة تراثنا ولغتنا وثقافتنا المدخل الفعلي لخدمة قضيتنا
القومية والإنسانية ووجهها الناصع والعظيم .. " بدلا من الخوض في
أمور حسم أمرها , وخبر الناس أدواتها وأدوارها المسرحية المعدة
سلفا ؟! ...
"التفسير المتكامل
والوحدة والقانون الطبيعي "
عبد الرحمن آلوجي
في الجزء السابع من هذا البحث تناولنا بالدرس
والتحليل موضوعة " الضبط والتوازن " ودورهما في التعليل والتفسير
لظاهرتي " التصور والسلوك الإنساني " , وما لهما من أثر عظيم في
فهم ظواهر متعددة وآفاق في الكون والحياة والأحياء , وما لذينك
العاملين أو لعامل واحد ذي وجهين من تأثير بالغ في فهم وتعليل
مظاهر هذا العالم المتشابك , والبالغ درجة شديدة من التعقيد, وفي
هذا الجزء سوف نستفيض في تبيان أثر " النظام والقانون الطبيعي " في
إلقاء مزيد من الضوء على التعليل والتفسير المتكامل , والذي يتدرج
في إيضاح الظاهرة المدروسة , وتبيان خطوطها
..
فما نشهده في الطبيعة على الأرض من مقومات
النظام والقانون الطبيعي في كل صغيرة وكبيرة , وفي دقيق وجليل, وفي
المادة الجامدة والأخرى النابضة بالحياة , وفي الذرة والجزيء , وفي
الخلية الحية والسيتوبلازما , وفي النواة الخصبة والكروموزوم
والشيفرة الوراثية " هذه الشيفرة التي عثر فيها على سر خطير, إنه
وراثة الإنسان وسره المكثف !!, فكل ما في الإنسان من أخلاط ومزاج ,
ودم وعروق , وسمات ومزايا , وميول وأذواق .. وعيوب في الخمائر ,
ونقص في الهرمونات , أو زيادة في الإفرازات أوهندسة خاصة في كيانه
, وفي كل جزيئة من تركيبه الجسدي والعصبي والبيولوجي حيث وجدوا
المسؤولية التامة في ذلك في حمض من نوع خاص هو ال د. ن . أ ..
انظر ص55 / الطب محراب اليقين ج 2/ .." " والأحماض الأمينية تتكون
من أربع عناصربشكل رئيسي .. وهي تتشكل بأشكال متفاوتة, وهي تجتمع
بدورها في سلاسل وترتيبات متباينة , بحيث أنها بهذه الطريقة تشكل
الهرمونات والخمائر والكيان العضلي في الجسم – بحيث لو حدث أي خلل
في هذا النظام الطبيعي لوقع اضطراب لا حدود له بما يشكل خطرا على
الحياة في اختلال خطير في التوازن الهرموني , ودون أن يعلم الإنسان
شيئا مما يحدث في هذه الآلة الجبارة , أعني الجسد البشري – ووجد أن
الأحماض الأمينية التي تدخل في تركيب الجسد البشري هي /23/ حمضا ..
المرجع السابق / ص44/ .. " كما اكتشف العلماء في العناصر الجامدة
غير الحية سرا عظيما في النواة والالكترونات الدائرة في فلكها بشكل
معجز ومنتظم من التلازم بين الالكترونات الدائرة في مادة العنصر
كشحنة سالبة , تقابلها في النواة شحنة بروتون موجبة معادلة , كما
في ذرة الهيدروجين التي تحمل الرقم /1/, فهو يحتوي على شحنة واحدة
موجبة هو البروتون في النواة , والكترون واحد سالب في المدار,
والهليوم على /2/, متعادلين أيضا إلى أن نصل إلى أثقل العناصر
المستكشفة إلى الآن وهي اليورانيوم , الذي يحمل الرقم الذري 92,
حيث يحيط بنواتها اثنان وتسعون الكترونا سالبا , مقابل اثنين
وتسعين بروتونا موجبا في النواة , مما يثير ويدهش وفق ما نجده من
إدامة واستمرار هذا القانون ونظامه الطبيعي الخارق , وما يشي في كل
ذلك بنظام محكم وعلاقات رياضية دقيقة , وما في الكون الشاسع من
أجرام هائلة ومدارات واسعة ومحددة " تنسجم إلى حد كبير مع هذا
النظام الذري, والذي يدور عليه النظام الشمسي ... وبصورة أكمل
وأعقد على مستوى الكون المترامي الأطراف ... المدخل العلمي , وحيد
الدين خان , مترجم إلى العربية ص /22/ .." , وما نجده من أرقام
فلكية تعجز عن تصورها العقول والملكات العظيمة فملايين المجرات
ومليارات الكواكب والشموس والنجوم تسبح في القبة الكونية الهائلة
وفق نظام وقانون طبيعي , في دقة دون تصادم أو التقاء وتنافر , مع
أن المسافة التي تحيط بنا في مجرتنا القريبة التي تدعى بالعامية "
درب التبانة تصل إلى مئة وثمانية مليار سنة ضوئية وهو رقم لا يمكن
مجرد تخيله إذا علمنا أن الثانية الضوئية هي مقدار 186 ألف ميل ,
وفي الكون عدد خارق من المجرات التي لم تصلنا منذ فجر الخليقة ضوء
بعض نجومها إلى اليوم مع اتساع مستمر للكون ومدياته التي تشبه
الكرة التي تنتفخ تدريجيا .. , إلى جانب مليارات من أفلاك ونجوم
باهرة وكواكب منارة , وما تشهده هذه الجملة الهائلة في الكون من
علاقات دقيقة محكمة , وتكرار واستمرار وثبات واضطراد يومئ إلى قدرة
علية خارقة, لا يمكن أن تقنع أبسط العقول , وأكثرها إيغالا في
السذاجة والعته والبلادة, بصحة العبثية والعشوائية والمصادفة
العمياء في تفسير أية ظاهرة , مهما كانت متناهية في الصغر
والمحدودية والبساطة , لأنها تنم عن رقم في نظام هائل , عظيم وشاسع
, ودقيق " في قدر معلوم " ونظام محسوب ومقدر بعناية وتدبير وتصميم
فائق , مبين متناه في وزن الأمور بميزانها , ومقاس بمعايير ذات
أحجام وأبعاد ومقاسات لا تتصادم ولا تتنافر أو تخطئ
...
يقول رئيس أكاديمية العلوم بنيويررك العلامة"
أ . كريسي موريسون " في كتابه : " الإنسان لايقوم وحده
" “the man don’t staned alone “ ومما
يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل من الدقة
البالغة.. فقشرة الأرض – على سبيل المثال –لو كانت أسمك مما هي
بمقدار بضعة أقدام , لامتص ثاني أوكسيد الكربون الأوكسجين, ولما
أمكن وجود حياة النبات .
" ولو أن الهواء سميك
بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيماوي التي
يحتاج إليها الزرع, والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات, دون أن
تضر بالإنسان,إلا إذا عرض نفسها مدة أطول من اللازم , وعلى الرغم
من الانبعاثات الغازية من الأرض طوال الدهور – ومعظمها سام – فإن
الهواء باق دون تلويث في الواقع – بالقدر المهدد للحياة والأحياء
-, ودون تغيير خطير في نسبه المحددة المتوازنة لوجود الحياة .
وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من ماء المحيطات ,
الذي تستمد منه الحياة والغذاء والمكان المعتدل, والنباتات
والإنسان نفسه .. الفصل الأول , ترجمة دار العلم للملايين – بيروت
."
كذلك الشأن في نسب التوزيع الدقيق لمختلف أنواع
الغازات الحافظة للتوازن كالأوكسجين والنتروجين والهيدروجين وغاز
ثاني أوكسيد الكربون والهليوم... فقد أدر ك العلماء – على سبيل
المثال لا الحصر – أن نسبة الأوكسجين في الغلاف الجوي للأرض , لو
زادت عن طبيعتها الأصلية وهي 21% إلى نحو 50% , فإن جميع المواد
القابلة للاشتعال تكفيها شرارة من البرق لتلهب غابة بأكملها, وهي
إن قلت عن ذلك إلى 10% , فإن الحياة سوف تستحيل , وأن هذا الغاز
الحيوي سيؤول إلى نفاد خطير .. وهكذا سائر النسب الموزعة وفق قانون
طبيعي محكم , بما يحقق نظاما عظيما للحياة , وضوابط وموازنات
مقصودة بعناية وتخطيط بارعين, وبما يحقق الاستقرار والتطور والثبات
, ويباعد بينها وبين الفلتة العابرة , واللقطة العشوائية السريعة
الزوال , في قواعد ونظم صارمة وصائنة وحافظة للحياة والأحياء
والنبات , بدقة متناهية , وانتظام طبيعي , لم نجده في فراغ , ولم
يأت إلا وفق ضبط وتوازن , ودقة ونظام , وروعة آسرة , تبدأ بالعنصر
وذراته والكتروناته , والخلية وحمضها الأميني , وخمائر وهرمونات ,
ومفرزات الغدد " الكظرية والنخامية والدرقية ..." , والسيالة
العصبية ورسائلها وانعكاساتها والعصبونات والخيوط العصبية , وما
يقوم به المعمل الكيميائي الضخم في جسم الكائن الحي, دون أدنى
دراية منه حينها, من آلاف العمليات والاستقلابات والتحولات في ثوان
معدودات , مما تعجز عنه كبريات المعامل الكيميائية في العالم ,
لتصل إلى الكائنات الدقيقة بدءا من الفيروسات والأميبيا ذات الخلية
الأحادية, فالميكروبات المجهرية .. إلى أعقد الكائنات وأضخمها ,
لتقف على المعجزة الخالدة والخارقة, وهو الإنسان العاقل المدرك
الذاتي الحركة, والمريد إرادة واعية.. قادرة على التخير والانتقاء
والفرز والشعور و اختزال وتخمير حافظات اللاشعور المركوزة
والمخزونة والذي هو نتاج بويضة من.. " دفقة مني واحدة تحوي 500
مليون من النطف التي وزن المرشح للقاح البويضة منها واحد من مليار
من الغرام للنطفة الواحدة, ليصل وزن التخلق الأخير في الجنين إلى
ثلاثة آلاف مليار مرة ,.. المصدر السابق ص 62 .. " مما يؤكد خارقة
القانون الطبيعي الذي تضحي معه قوانين العبثية والمصادفة الباهتة
ضلالا كبيرا , وخرافة هزيلة أمام الضبط المحكم في قوانين الكون
والحياة والإنسان , وما تنسحب إليه من قوانين في الفكر والاجتماع
والاقتصاد بما يحقق القدرة على تفسير متكامل لظاهرتي السلوك
والتصور القادرتين على الإحاطة والإحالة بمنطق علمي ومنهجي متماسك
ومترابط ودقيق في المقاربة والمقارنة والتحليل والتعليل , وفهم
متكامل لعوامل النشأة والتطور وهو ما نبغي إلقاء الضوء عليه في
أجزاء لاحقة .
|