|
التنوع والتعددية في سوريا لا يشطبان فسرا وإنكارا
عبد الرحمن آلوجي
K.B.X.16.11.09 إن تنوع المجتمع الإنساني وتعدد ألوانه وأطيافه
ومذاهبه واتجاهاته وأفكاره ... مما هو من خصائص النوع الإنساني ,
ومن طبيعة علاقاته وتوجهاته , ومن ضرورات اختلافه وتنوعه , وهو
حصيلة تراكم معرفي وتلاقح حضاري طويل , أفرز ظاهرة عميقة في كيان
المجتمع وطبيعته وتركيبته التي لامفر منها , حيث " لا يزال الناس
مختلفين " في القيم والطبائع والعادات والمثل والتقاليد , اختلاف
تنوع وتعدد في المآكل والمشارب والأزياء والأعراف واللغات ولهجاتها
, وهي " من آيات الله في خلقه , ومعجزاته في تكوينها , وتركيبها ,
وطريقة تعاملها مع قوانين وسنن الكون , وآياته في الأنفس والآفاق
.. " , أينما كان الإنسان , وحيثما حل وأقام , وكيفما ارتحل ,
وتنقل في أرجاء المعمورة , وأصقاعها , وقاراتها وبلدانها و ومدنها
وقراها , في الشرق والغرب , والشمال والجنوب , بما يثري , ويزيد
العالم غنى وترفا وعمقا وتراكما في المعارف والخبرات والقيم
والتقاليد , مما لا يخيف , ولا يمزق الصف بل يعطيه من التنوع
والتعدد في الطيوف الملونة والزاهية ما يزيدها إشراقا ووقدة وجمالا
, وتلاقيا ومقاربة ومقارنة في اللغات والشيات والرؤى والأفكار , ما
يترجم الحصيلة الإنسانية إلى زاد معرفي ثري , هو حصاد ذلك الجهد من
القرون المتطاولة والتطورات الهائلة والجهد البشري المتطاول
والعظيم , مما يمكن جعله ثمرة إنسانية فائقة الأهمية عظيمة القدر ,
ومنهلا خصبا للإنسان أينما كان , ليرتاد مجاهله , ويأخذه من مظانه
, ويستلهم من إبداعاته ومنجزاته الحضارية والمعرفية , فيدرك أنه
يقف على أرض صلبة عميقة الجذر , ضاربة بفرعها متالقة في السماء ,
يتفيأ بها , ويأخذ من ثمراتها وعطاءاتها ما شاء له أن يفعل كحق
طبيعي من الأسلاف للأبناء والحفدة , وأجيال لاحقة , حق لها أن
تتزود من معين هذا التراث الرائق والخالد , علما وفنا , ولغات
وآدابا ومعارف ...
وسوريا من البلدان التي أثرثها الحضارة الإنسانية وتعمق جذرها في
التاريخ , وتفرعت شجرتها تنوعا وتعددا وثمرات شتى إثنيا ولغويا
ومذهبيا ومعرفيا , فهي ليست بدعا , ولم تسلك – في تطورها الحضاري
والمعرفي – سبلا أخرى , في تاريخ وتطور المجتمعات الإنسانية, غير
السبل التي سلكتها تلك المجتمعات , في التنوع والتعددية والاختلاف
في الألسن والألوان والمعارف والعادات والاتجاهات , والتي لا يمكن
للقهر والشطب والإنكار والاعتقال أن تذيب هذا التنوع , وتزيل من
نقائه وزهوه وجماله , وتمحو مكونا لصالح مكون آخر , ويبدل من جلده
وانتمائه وهويته , لبيقى العربي عربيا فكرا ولغة وانتماءا وعادات
وقيما وأعرافا , وكذلك الكوردي والآثوري والأرمني , وتظل الأفكار
والآراء والاتجاهات معززة راسخة ومتفاعلة , دون أن يخيف ذلك التنوع
, أو يضير تلك التعددية بالوحدة وأصالة الانتماء الوطني , وعمق
التلاحم في الأزمات والمحن , حيث ساهم المجموع في بناء حالة وطنية
, شيدت بقوة الخارطة السياسية في سوريا , وأعلت صرح بناء شامخ , لم
يضرها في ذلك تنوع في اللغة والاتجاه والرؤية والتوجه , مما لاتجدي
كل أشكال الممارسة القسري , ورؤية الإنكار والشطب لعين الشمس التي
لا تستر بغربال , و لا تقام بعسف أو خسف أو كسوف وأفول , لعراقة
هذا التنوع ولرسوخ هذا التعدد , وأصالة لهذه الانتماءات التي لا
تجدي معها كل محاولات القسر والتحكم والرفض والقمع وصورها المجربة
والبائسة ..
ومن أجل ان نرقي بمجتمعنا إلى التوجه الحضاري والإنساني اللائق ,
وندرك بؤس كل محاولة للقفز فوق الواقع المعاش بقوة ووضوح ,
بالتذويب ومحاولات المحو وسلخ الجلدة وتبديل الهوية , والتفكير
بمنطق وصائي بات عديم الجدوى .. لكي نفعل ذلك , ونرقى فوق تصور
القهر والاستعلاء والإنكار كان لابد من مواجهة الواقع التعددي –
غير الضار وغير الشاذ بل النافع والمتأصل والمتجذر- والتعامل معه
بتلك الرؤية الحضارية الفاعلة والشاملة , والمؤسسة لنوذج تعددي
اختبرته المجتمعات المتمدنة بنجاح كبير , لتتخطى كل ألوان القسر
والمنع , ومكابدة التمنع والاستعصاء على الامحاء والذوبان والفناء
في الآخر , مما ترفضه طبيعة الحياة والعلم والمدنية , وحقوق
الإنسان , والمعايير والمواثيق الدولية , والشرائع الوضعية
والسماوية , مما ينسجم مع قيم الاختلاف والتنوع , ويتنافى مع إرادة
التذويب والتطهير والتجريد من الهوية الوطنية والإنسانية , وهو أمر
لم يرضه القائمون على الأمر اليوم بأي فرنسة أو تتريك أوتغريب عن
الهوية العربية , ليأتي القياس في الأمر نفسه تعريبا قسريا في غير
محله , دون ان يعني ذلك ضياعا للهوية الوطنية وقيمها واعتبارتها ,
والتي كان النجاح في اختبارها في الأزمات الوطنية خير دليل على
رسوخ الحس الوطني وعمقه وتمكنه , فهل من مراجعة ؟؟! , وهل من عودة
إلى القيم الوطنية الجامعة ؟؟! , وهل من اعتبار بقيم العدل والحق
والتاريخ والعلم , وهل من تجاوز للقهر والإكراه وفلسفته ورؤيته
المحدودة , ورداته الآنية , وإيثاره الأحادي ؟؟! , تلك أسئلة ضاغطة
ومشروعة وينبغي ردفها بإجابات ميدانية ومقنعة !! .
|