|
استراتيجية الفكر القومي الكوردي "3 "
عبد الرحمن آلوجي
"مقومات الوجود القومي للكورد"
K.B.X.21.09.09 إن مقومات الوجود القومي لأي أمة هي مسوغات فكرها,
ومنطلق أساسي للبحث عن الهوية والانتماء , ولا يمكن لأمة أن تجد
شخصيتها وتميزها وخصائص وجودها ما لم تجد مبررات ذلك في واقع حي
يتحرك في الأرض , وعلى مساحة جغرافية منظورة – مهما صغر أو كبر
حجمها, واتسعت هذه المساحة أو انحسرت وتضاءلت - كما لا يمكن أن
يتحقق هذا الانتماء, ما لم تتعمق جذرا في التاريخ , فتستمد من
تربته نسغا صالحا , لتهتز وتربو , وتورق شجرة حياتها , فتؤتي ثمرات
مختلفا ألوانها وطعومها وأشكالها.., ولا بد لها من منطوق تتفاهم به
ومقروء تأنس إليه , من رموز التفاهم والتخاطب والتواصل , وقيم
جمالية وفنية رفيعة تنقلها هذه الأصوات الحية وتودعها في أعماق
حناياها , وهي تعبر عن مباهجها ومسراتها , وأحزانها وأتراحها ,
ومثلها وقيمها و, ومواضعاتها وتقاليد إرثها , وعشقها وهيامها
بالجمال , وحلها وترحالها , وعاء زاخرا , وصحائف تخلد تفاعلها مع
الحياة , ورحلتها الحية في تاريخ ثقافتها , وموطئ أقدامها في جوانب
ومناح , وآفاق ورؤى , وفكر وفن وتراث شعبي جامع, وإرث في المثل
والحكمة وتجربة تاريخية تنبض بالحياة وتفيض بالأمل , وتشرق بكنز
إنساني يثرى بالمقاربة والمقارنة والتجاور والتحاور , وتداخل الإرث
الإنساني المشترك .
كما لا مندوحة من توافر حد معين من رؤى وتصورات, وأساطير وأحلام,
ومذاهب وتجارب واتجاهات, وحواضن اجتماعية وأخلاقية وقيمية جامعة ,
وطرائق تقليدية في ممارسة حياتية تخص هذه المجموعة البشرية
المتجانسة , لتهبها صفة المقوم الوجودي , والعيش المشترك, والإرادة
المشتركة, والنزعات والرغبات , والتوجه الخاص لبناء معالم وجودها
ورسم آفاق طموحها , وتحديد تطلعات أبنائها , ورفع حس مؤتلف ,
يتمحور حول إطار واضح المعالم, مرسومة خطواته , دقيقة سماته ,
متأصل الجذر والانتماء .
وأمام هذا التصور في المجتمع الإنساني وعلاقاته وتوجهه ورؤاه , وهو
يتجسد على أرض الواقع , ويتحرك في حيز جغرافي واضح , ويتعمق في
الزمن والرؤى والتصورات , يظل السؤال الملح بارزا , ما حظ الأمة
الكوردية من كل ذلك ؟! , وما مدى انطباق هذا السياق على واقعها ؟!
, وما حظها من ذلك كله ؟! وهي تتحدى كل عوامل وأسباب السحق
والاضطهاد , ومحاولات التذويب والإبادة والفناء ؟؟!, أسئلة مشروعة
تطالبنا بالإجابة , بل تلح علينا في وقت باتت القضية الكوردية من
أهم وأكبر القضايا في شرق أوسط , لا يزال يعيش حالة من القلق
والترقب وعدم الاستقرار !! , هذه القضية التي تخص ما ينوف على
أربعين مليونا مزقوا في كيانات ورقع جغرافية, وسياسات متباينة ,ولكنها
تكاد تتفق في التجاهل والتنكربدرجة أو بأخرى – على الرغم من بعض
التباينات في التطورات الأخيرة , ومع اهتزاز وحلحلة كثير من
التصورات والمفاهيم - , ليأتي الجواب حاسما , ومن خلال وقائع حية ,
وواقع عياني متحرك , ولغة واضحة الدلالة , ومن خلال الرقم والآثار
الشاخصة , والتي لم نبذل كثير من الجهد لإبرازها , وإضاءة ملامحها
, وقوتها البالغة في التعبير عن نفسها من خلال الدراسات والتنقيبات
الأثرية العظيمة التي كشفت عن تجذر عميق لوجود كوردي راسخ , يمتد
آلاف السنين وعلى امتداد عمقه الجغرافي , بل في نطاق أوسع بكثير ,
حيث تجاوز طبرستان وخراسان ومناطق واسعة من القوقاز الجنوبي , مما
تم درسه وتعقبه وتدوينه في حلقات متواصلة , لا تزال في تواصلها
وتتابعها الموثق والمنهجي, وبتدوين مدروس بعناية من كبار المؤرخين
والأثريين والعلماء , في تمازج تاريخي بين العرقين الآري والهندو-
أوربي , امتد لأحقاب تاريخية شكلت قبائل زاغروس وطوروس العريقة, في
نطاق لغوي جمع بين لهجات الهورامان والكلهور والكوران والظاظان
والصوران والبهدينان , فيما ائتلف في الصيغة النهائية للغة قومية
جامعة , تجاوزت كل أسباب الفناء , ووقفت حية بثقافتها وآدابها
وفنونها , وحكمتها ومثلها , ى حيث“ dirok u efsan u c Irok u
sepehati “ ووأيامها ووقائعها ومآثرها وبطولاتها , وأساطيرها
وأحلامها , تشمخ بوجود لم يعد بالإمكان تجاهله أو حتى مجرد النيل
منه, بعد أن خاضت إلى وجودها وكيانها وتميزها حروبا وانتفاضات
وقدمت قرابين هائلة , وتضحيات كبرى , أوصلت صوتها إلى العالم ,
وطرقت سمع الزمان بقوة واقتدار , وفي صلابة وإصرار على الحق منقطعي
النظير , مما أفلس كل ترهات ومنكرات الإباحية الفكرية – إن صح
التعبير – في استباحة كرامة هذه الأمة ووجودها الراسخ والمتجذر على
أرضها التاريخية , في يقظة ووعي وإدراك عميق لعوامل الزمن وتطورات
القضية , وتفنيد لكل المزاعم , وفضح لكل المؤامرات, ودخول إلى
المنابر والمحافل الدولية , ولقاء كبار صانعي السياسة العالمية
ورجالاتها والمؤثرين في قضايا المنطقة , مع بروز ووضوح حق الحياة
والوجود المشروع , وفق المعايير والمواثيق الدولية , وما ائتلف
عليه العالم المتمدن في معاهداته الموقع عليها , والقيم والمقاييس
الإنسانية والعلاقات بين الشعوب التي أرستها شرعة السماء , وأقرتها
الدساتير والقوانين الوضعية , مما لم ثمة مجال لمماحكات فارغة
واتهامات غير مسندة , وغير ذات قيمة علمية أو حياتية تدغم هذا
اللغط وذلك اللغو البدائي في الرفض والإقصاء والتنكر , وكل محاولات
النيل من الوجود الحياتي والمقوم القومي الراسخ , مع ما لهذا
المقوم من بعد إنساني رفيع , ورؤية جامعة , بعيدة عن التعصب
والتشنج وردات الفعل على التنكر والتمييز , وحملات السحق ومحاولات
الاستئصال والمحو.
إن المقومات القومية والوجودية الراسخة لهذه الأمة , وما يعينها من
الإقبال على الحياة بإرادة مشتركة , ورغبة جامحة في البقاء
والامتداد والتحضر والعيش المشترك , والتوق إلى السلام ورغد العيش
, ومشاركة الآخرين في صنع مستقبل البشرية وحفظ وحماية تراثها ,
ومنجزاتها العلمية والمعرفية , وتعزيز الحوار وتعميق اللقاء الفكري
والحضاري , ومواجهة أخطار البيئة والسكان وتحديات التنمية , من
المقومات الكامنة والظاهرة للوجود القومي الكوردي , والذي لا
يتعارض مع وجود الآخرين وثقافاتهم وتواصلهم وهموم المنطقة المشتركة
, وآفاق التصور الإنساني وقيمه وتطلعاته, ليبقى التساؤل مشروعا ,
هل أدرك الآخرون حاجتهم إلى فهم وإدراك ذلك كله , أم أن هناك من
ينفخ في الرماد أو من يصيح في واد , كمن يبغي أن يسكب ماء في غربال
, ليحسب السراب ماء , وهو يغذ السير في ظمأ الهجير ورمضائه ؟؟!! ,
ليتعلق الأمل بالعقلاء والمنصفين وأولي الألباب من يعتزون بوجود
هذه الأمة ويسعون إلى أجمل الروابط والعلائق مع هذا الوجود الحي
والقوي ! .
|