|
استراتيجية الفكر الكوردي ج " 5 " .. " بين القومية والعرقية
والشعوبية "
عبد الرحمن آلوجي
K.B.X.21.11.09 تهدف هذه الدراسة بحلقاتها المتتالية إلى تبيان
الخطوط العريضة والملحة لفكر كوردي واضح الرؤى والتصور والمعالم ,
ليجد من خلالها المتابع كورديا كان أم عربيا أم أي شريك تاريخي آخر
من الجيرة القريبة والبعيدة , وآخرين تربطهم بنا علاقات إنسانية
حميمة ومتآزرة , لخدمة الفكر الجامع , والرؤية الإنسانية المشتركة
, ذات الهموم والمعايير والرؤى المتبلورة .. ليجد هؤلاء في هذه
الشذرات ما يحرض على البحث , ويبعث على تلمس الحلول لمشكلات قائمة
, وقضايا عالقة , وهواجس مؤرقة , مما تكون من الشؤون والشجون
الدافعة إلى البحث, وفهم وتبادل المعارف والتصورات , وإدراك
العقلية الكوردية ومنعطفاتها ومواقفها المعلنة , بعيدا عن الضبابية
, أو الغموض , أو الخنوع لمن يحاول إلصاق التهم الجاهزة من نزعة
عنصرية وأخرى تآمرية تخوينية , أو ربط مصالح وأهداف الكورد بنزعات
وتصورات خارجية , أو النظر إلى كل تصور من هذا القبيل أو ذاك بما
يعكس رؤية تضاد وتعارض مع الأمم المجاورة والشريكة , كأن هذه
الرؤية بنيت على الضد وندية المصالح الأخرى , مع أن الأمة الكوردية
هي المتضررة الأكبر من هذه التوجسات والطروحات القائمة على التحذير
والتخويف والتوجس من كل ما يمت إلى مبادئ ومصالح وتصورات هذه الأمة
التي غبنت تاريخيا , وزاد من غبنها تعقد مصالح الدول المقتسمة
لكردستان , وتلاقي سياسات رسمية في إذكاء الهواجس والمخاوف ,
والدعوات المتكررة للتعاون والتنسيق فيما بينها , في سبيل تطويقها
, ومحاولة لي أذرع الحركة الوطنية الكوردية, في أي مكان في ظل هذه
التصورات الغريبة والخاطئة , والتي لا بد من تبديدها بمنطق واقعي
وعلمي وتاريخي ممنهج , مع طرح الوضوح في استراتيجيا الفكر الكوردي
ورؤيتها الواضحة والمتماسكة , والمطلوب حل عقدها , وفك رموزها ,
وهي – وإن اختصت بوقائع , وأجابت عن مسائل – إلا أنها تظل نموذجا
إنسانيا , يمكن القياس عليه وتمليه ودرسه , ليخرج من نطاق فكر
محدود إلى استراتيجية عمل إنساني مؤثر يطرح في العمق قضايا مماثلة
ومتوازية , ومطروحة على بساط البحث .
وما نطرحه اليوم من مفاهيم ومصطلحات ومواقف وآراء سوف تبلور
الإجابة عليها جملة من إشعاعات تسلط على الغامض والمستغلق والمتعثر
من المفاهيم والأفكار , والآخر المثار بغرض النيل منها وتشويه بعض
المضامين , فما هو قومي مقدس عند الآخرين , ومشروع رائد ينبغي
تأكيده والدفاع عنه , وبلورة المواقف حوله من قضايا الأمة ومصائرها
, ووضع الكراريس والدراسات من خلالها , هو عرقي أو شعوبي أو ادعاء
ضال , وغير مسند بل باطل ووهم عند الكورد والآخرين,, وهو ينذر بخطر
وكارثة بل قد يرقى إلى الارتباط بدوائر مشبوهة , وأجندة خارجية ,
تصل أحيانا إلى التآمر " كما عند القلمجي والموصللي وهارون محمد
والدليمي ومطر .." , رغم أن الدافع القومي في الحالة العربية
والكوردية والتركية والفارسية والأفغانية وسواها واحد لايكاد يتجزأ
, والمفهوم الاصطلاحي الذي أشبع بحثا ودراسة هو نفسه الذي يتناول
مادة البحث في ضرورة " الدفع إلى رفع شأن أي ملة أو قوم أو أمة
تعاني من قضايا ومسائل وضرورات ينبغي التصدي لها , واعتماد رؤية في
حل تراكماتها وعقدها ومشكلاتها الكبرى , سواء كان ذلك متعلقا
بإرادة البقاء والامتداد والتميز كما في الحالة الكوردية وقضايا
تحرر الشعوب المكبلة الأخرى , أم كان ذلك بالبحث عن سبل ووسائل
الاستقرار والتطور ومواجهة بناء الدولة الحديثة وقضايا الديمقراطية
والسكان والتنمية والبيئة كما في الشعوب والأمم ذوات السيادة .."
مما يجعل المفهوم القومي وآفاقه وتطلعاته , وبالتالي مشاريعه
الاستراتيجية مختلفة ومتفاوتة , بحكم ضرورات وقفزات التطور بين هذا
التجمع البشري أو ذاك , وبين هذه الأمة أو تلك , ليبقى المفهوم
القومي واحدا , لا يكاد يتجزأ – كما قلنا - إلى عرقي أو شعوبي ,
إلا في تصور نفر تلقوا ثقافة معينة متراكمة , فيها كثير من
الاستعلاء والتبجح , والنظرة الفوقية الخاوية , والمرتكزة إلى كثير
من الاستهجان والتخوين , بحكم تربية قومية متشددة طويلة الأمد ,
وتقزيم الآخرين , واعتبارهم عالة على المجتمعات المتحضرة كما فعل
الدكتور سهيل زكار , أو عدهم مهاجرين ومقتلعين من صحارى بعيدة ,
رموا من صحراء " راجستان الهندية " كما قدم الدكتور غازي عبد
الغفور تفسيره لهجرة الكورد , أو أ ن هؤلاء مجرد " كيانات مجهولة ,
ينبغي لها أن تجد في شرف قبولها الانتماء إلى الأمة العربية كسبا
تاريخيا كبيرا لها , أو تهجيرها نهائيا من الوطن العربي لمجرد
رفضها هذا الانتماء المشرف , وقبول الذوبان في الأمة العربية ... "
كما يقول إسماعيل العرفي في كتابه " الشعوبية " , بل يفترض "
استئصال المواطن السوري من أصل كوردي استئصالا , إن فكر – مجرد
تفكير قومي - ..!! " كما يقول منذر الموصللي المستعرب أصلا , كل
ذلك بدوافع عنصرية وعصبية موتورة , وغير مستقرة علميا ومنهجيا
لاستنادها إلى ردود أفعال سطحية ,وعدائية غير مبررة , وبخاصة في
موضوع بذلت فيه أبحاث ودراسات تاريخية وأكاديمية كردية وعربية
واستشراقية وغربية – وبمختلف اللغات – في القضية الكوردية الحيوية
لواق وأحوال وأزمات أكثر من أربعين مليون إنسان يتوسطون الشرق
الوسط منذ فجر التاريخ , ولهم بصمات واضحة على تاريخ المنطقة
وحضارتها وتطوراتها المدنية والحياتية , وعملية صنع القرار السياسي
, وما يقتضيه الحق الإنساني والقوانين والدساتير الدولية من وجوب
حل مسألتهم الكبرى والعالقة , والتي تعد واحدة من أكبر وأهم
القضايا القومية والتحررية في المنطقة والعالم , فهي ليست قضية
عرقية عنصرية , يتبادر إلى ذهن البعض عرقيتها بمجرد طرح قضية "
كركوك وتوابعها والمناطق المستقطعة كسنجار ومخمور , بغرض تعريب
وتفتيت المنطقة الكردية ومحوها .. " والخوف الذي يبديه أمثال
النجيفي والمطلق والنجار وسواهم " ممن يحنون إلى ماضي الأنفال
والسحق وفناء شعب آمن وحي , ومحب للسلام , تواق إلى الحرية , بعيد
عن منطق شعوبي " صنعه وابتكره العنصريون " , ممن لا يكادون يؤمنون
بالآخر المختلف والمخالف , مما لم تألف عقليتهم إلا لونا عروبيا
عصبويا واحدا , مع أن الكورد كانوا في الصلب من قضايا المنطقة
والعالم الإسلامي في السلم والحرب , والحضارة والحياة , في بعد
كامل عن كل عنصرية قاصرة وهابطة وممجوجة , قاتمة الألوان , تشوه
فكرا إنسانيا رائدا ومتألقا في المجال القومي الداعي إلى كون "
الاختلاف في الألسنة والألوان والقيم والمعايير والطبائع , من
الآيات الباهرة في الخلق والتكوين , وسنن الحياة .." ليبرز المفهوم
القومي في منطقه العلمي والإنساني واحدا على اختلاف الأصقاع
والبلدان والأمم والشعوب , وليبدو الطرح الآخر العرقي والشعوبي
مستهجنا إلا في رؤية أصحابها وعقولهم وتصوراتهم المحدودة بحكم رفض
تصور " أن يكون للآخرين ما لهم من أماني وآمال ,وتصورات تليق
بالمجتمع الإنساني , أينما كان , وحيثما حل , غير مقتصرة على أمم
وشعوب بعينها , ومسلوبة – وفق أمزجة وتصورات معينة – عن بعض منها ,
مما لا يمكن أن يصلح ويستقيم كمقياس موضوعي , ورؤية منهجية وتصور
علمي محايد , يسقط كل تصور ذاتي هزيل وبائس .. في ظل رؤية قومية
إنسانية واضحة المعالم " , عسانا ندرك – بشيء من التأمل والدراسة
المتأنية- بشاعة أي تصور أحادي الطرح خاوي المحتوى !
|