|
استراتيجية الفكر الكوردي المعاصر..
الحلقة الثانية
بقلم : عبد الرحمن آلوجي
K.B.X.28.08.09
تناولنا في الدراسة الأولى الخطوط العريضة لهذا
الفكر , وضرورة تعاضد الدراسات حول هذا الملف الحيوي الذي يحدد
آفاق استراتيجية واضحة المعالم , بعيدة عن كل أشكال العصبية
والتشدد القومي المشين , مما يشكل ركيزة أساسية للانطلاق إلى
بناء " معالم رؤية كوردية شفيفة قادرة على التأثر والتأثير في
المحيط الإقليمي والدولي " , تجعل من رؤية الإنسان الكوردي الواعية
والقادرة على الفهم رؤية حيوية حركية , بعيدة المدى, عميقة الآفاق
, بحيث تحقق تواصلاً وجدانيا مع المحيط , في غير تشنج أو ردة فعل
أو تشوه, باتجاه ما فعل الآخرون من ضيقي الأفق , ومن الساعين إلى
اللغط والجدل الفارغ والرؤية المسبقة , وبذر الشكوك , وإثارة الفتن
والقلاقل, والحساسية المفرطة تجاه ما هو حف صراح للآخرين , وإيصال
صوت ناعق , يترجم دخيلة سوداء, وموقفا كالحا , بدافع من حقد عنصري
أعمى , بتعدد في المظاهر والمواقف والارتدادات, التي لا يجني من
ورائها هؤلاء إلا الكثير من العنت والإرباك والاحتقان والتوتر ,
وزرع عوامل الشقاق, ونذير تفاقم لا تعرف نتائجه وآثاره , في ضراوة
يائسة , و في أنانية قومية متهاوية , تشكل ظاهرة بدائية غارقة في
العدائية لكل ما هو قومي مشرف و إنساني مريح , الغرض الأساسي منه
احترام الاختلاف في الألسن والألوان والأجناس, مما هو منسجم مع
نواميس الحياة , والقواعد الحقوقية والإنسانية الكبرى , وما
اشترعته الأديان السماوية والقوانين والمواضعات البشرية , والتي
تعد بالأساس مظهرا من مظاهر العظمة في التنوع والتعدد والثراء ,
وآية من آيات الخلق والتكوين , وأساسا لعمارة الأرض وبناء الحياة
في اختلاف الأفكار والألوان والشيات وتنوعها, بما يغني الحضارة
الإنسانية , ويعلي الفكر الإنساني ويعطيه طاقة لا حدود لها , حيث
تضم تلك الطاقات المتعددة والمبدعة , لتكون منطلقا لبناء تراث
إنساني شامخ , يعتز بتنوع واختلاف في البيئات والمعارف والإمكانات
والذخائر الإنسانية , بما يجمع ولا يفرق, ويعطي وينتج , وبما يلم
الشمل ولا يشتت , لإرساء قواعد مدنية عامرة بالحياة , مزدهرة ,
تسعى لمواجهة تحديات الحياة الإنسانية الجامعة ومصائرها ووجودها
وامتدادها الحياتي , وأمنها الغذائي واستقرارها وازدهارها ,
وتواصلها الحياتي الشامل , في البيئة والسكان والمحيط والإنتاج,
وتهديدات المناخ والاحتباس الحراري ومخاطره البيئية , وخطورة
انتشار الأسلحة المحرمة , والسباق النووي المحموم , ومقاومة أسباب
الفقر والمجاعة والأزمة المالية العالمية , و جوائح الوباء وألوانه
وحواضنه , و سيماء التخلف والعبودية والاستغلال ومظاهرها , والحروب
والنزاعات والصراعات العقيمة ودوافعها , وما تعقبه من آلام ومحن
وكوارث , ليتعاضد الفكر الإنساني , وتتضح معالم الفكر القومي بين
المجتمعات الإنسانية بأشكالها وألوانها وقاراتها ومواطنها , لتصل
إلى مقومات وأسس تعمق هذه الظاهرة الإنسانية في التواصل والتكامل
على أسس من المصلحة الإنسانية العليا, دون تهاو على الأغراض
والصغائر القريبة والسمجة المكشوفة , والتراث الإنساني والعلمي
المشترك , والتحديات المواجهة لكل الطاقات والذخائر والإمكانات ,
وولوج عوالم الفضاء وتكنولوجيا الغزو العلمي لمعالم مجهولة, وآفاق
تفجر الطاقة المبدعة لإنسان خلاق , يجمع كل عناصر الإبداع والتفوق
العلمي والتعاون في استثمار ما توصلت إليه البشرية في فهم معالم
عالم مترامي الأطراف , نشكل جزءا حيويا من وجوده , كقوة مؤثرة في
هذا الكون العريض الشاسع , لتحقيق الحلم الإنساني الأعلى والأوسع ,
بعيدا عن الأثرة والتقوقع والذاتية القومية المستعلية و الغارقة في
البؤس والضحالة, والتبعية لرؤية قاصرة محدودة , وأفق ينحسر في رؤية
بدائية هابطة , تحول دون تمايز أو تنافر , و كل محاولات التذويب
والمحو والاستعلاء والصهر وقهر الآخرين , ونهب خيراتهم , وجرهم إلى
متاهات الانتقام والخصومة والدفاع المشروع عن الوجود الحياتي
والدستوري ,كقيمة إنسانية عليا , تتماشى مع طبيعة الأمم التي لا
تزال تتنفس ملء رئتيها كالأمة الكوردية المتجذرة في التاريخ
والجغرافيا والهوية والانتماء , دون عصبية رغم أعاصير الفناء
ورياحها السموم, وتحديات وجودها وبقائها , ومظاهر القمع والقهر
البائسة والمتخلفة , وما تجره بالمقابل من ردود في الأفعال ,
وانتكاسات مواجهة تحاول الدفاع عن الذاتية المهددة والخصوصية ,التي
يصبح الدفاع عنها مشروعا بالقياس إلى ما يواجهها من تهديد ومحاولة
طمس وتشويش و إثارة لكل القلاقل والفتن نتيجة لذلك .. ومن أجل رسم
هذه المعالم كان لا بد من توضيح أفق الرؤية الكوردية الإنسانية
الجامعة , من غير مثالية مغرقة , أو حلم وردي رومانسي , بل دعوة
واضحة وصريحة إلى البناء , وسعي حثيث إلى التواصل والتكامل
الإنساني , حتى يصل الفكر القومي إلى رؤيته الشاملة , وموقفه
الإنساني الرفيع , ودفقه الحياتي وهو يجنح إلى هذه الرؤية القوية
المتعاضدة مع القيم الدستورية والقانونية والنظرة الإنسانية
الواقعية , متحركة ودافقة على أرض الواقع , بما يحقق انسجاما مع
التطلع الرفيع بتوازن وتكامل مع حقوق المضطهدين والمظلومين في سائر
المعمورة لتتبوأ الأمم والشعوب مواقعا ودورها في وجود حي وفاعل
ومثمر بعيدا عن التمييز والقهر والإذلال , والكيل بمكاييل متعسفة
وجائرة ومختلة , ليعلو صوت العدل والتكافؤ والمساواة مع توفر إرادة
حياة حرة ورفيعة.
|