|
عمل المرأة
عامر خ. مراد
طريق شاقة وخطوط حمراء كثيرة
K.B.X.10.01.2009: يلعب
العمل دورا أساسيا في تشكيل هوية وكينونة المرء وبما أن المرأة من
أشد الكائنات حاجة إلى إثبات وجودها في مجتمعها أولا والحاجة إلى
كسب قوتها في الكثير من الحالات فإنها تضطر كثيرا إلى البحث عن
العمل مهما كان نوعه ولكن هذا البحث غالبا ما يصطدم برغبة الآخر من
الجنس الذكوري أو المرأة التابعة للرأي الذكوري في طمس هذه الرغبة
وإرغامها على البقاء في الخانة الثانية ( خانة العاطلين عن العمل )
دون النظر في حاجتها إلى هذا العمل مهما كان نوع هذه الحاجة ولا
تقف هذه المحاولات من الطرف الآخر عند هذه الحدود فما أن تحصل هذه
المرأة على العمل بعد جهد جهيد حتى تصطدم بشتى المحاولات من قبل
هذا الفريق للعودة بها إلى الوراء ومحاولة إرغامها على ترك عملها
سواء بأفعال مادية أو بغيرها من الإشاعات المغرضة أو محاولة حصارها
بكم هائل من الانتقادات وعبر كل من يحيط بها من أهل وجيران ومعارف
وإذا كانت مناطقنا الفقيرة في الجزيرة السورية
قد ألقت بكل ثقل مشاكلها وهمومها على كاهل المرأة أيضا لتجعل منها
الكائن الذي يتحمل العبء الأكبر ولتبتعد بها عن لعب هذا الدور في
ذلك المجتمع فإنها اليوم وعبر تواجدها في بعض الأعمال كالعمل في
محلات البيع مثلا تبدأ بالدفاع عن هذا الحق بكل قوة 0
رحلة البحث عن عمل
وتبدأ هذه الرحلة عبر أضيق الطرق لأن ما يناسب
المرأة ليس هو ما يناسب الرجل فظروف عملهما تختلف إلى حد بعيد
ولذلك فستكون هذه الرحلة أكثر شقاء فهل من السهل على المرأة إيجاد
عمل يحفظ كرامتها ويبعد عنها القال والقيل وخاصة في مجتمع كمجتمعنا
هذا الذي نعيش فيه والقائم في غالبيته على النظرة الدونية للمرأة
عبر تسلط الرجل العشائري والمنحدر من مجتمع غير منفتح على ما هو
مستحدث في الفكر البشري تجاه المرأة وحقوقها , وإذا كان الرجل سيد
هذه النظرة فإن عملها أيضا يخضع لهذه النظرة عبر الأجر المنخفض
والجهد الأكثر وهضم حقوقها كعامل وغير ذلك من الأفعال اللاأخلاقية
تجاهها أحيانا 0
وتسوء في الكثير من الأحيان هذه الظروف في
الأعمال التابعة للقطاعات الخاصة والتي تمتنع عن إتباع نفس
القوانين لعمل المرأة والتي تسير عليه الأجهزة الإدارية في القطاع
الحكومي 0
الحاجة المادية ليست السبب الأوحد
وإذا كان البعض يعتقد بأن المرأة في هذا
المجتمع الفقير تعمل لأجل كسب قوتها وقوت أولادها كما كانت تعمل
المرأة الريفية فإن الكثير من الأمور والكثير من آراء النساء
العاملات تضيف إلى هذا أسبابا أخرى كثير وعلى رأسها إثبات هذه
المرأة لذاتها ولقد أكدت هذه المقولة السيدة ح0ن العاملة في محل
بيع ألبسة وهي أرملة تشغل نفسها بالعمل لملء أوقات فراغها ورغم
كافة الأقاويل وطلبات أبنائها وطلبات الغير لها بترك العمل فإنها
تصر على عملها إثباتا لذاتها كامرأة وترفض كل رأي معارض لعملها
وكانت الآنسة داليا ( عاملة في مكتب نقل ) أكثر حماسة في الرد على
تساؤلنا حول ما إذا كانت قادرة على مقاومة الاعتراضات على عملها
حيث بدت مستاءة من مثل ردود الأفعال تلك وقالت بأنها " رغم كل
المحاولات في الإجابة على مثل هذه الأسئلة ببرود فإنها تبقى تطرح
وأنا غير قادرة على إدراك كينونتي كامرأة لها وجود إلا بالبحث عما
يمكنني أن أقدمه للغير وبذلك أكون قد قدمت لنفسي ولمجتمعي كواجب
مفروض علي أريح به ضميري غير متناسية الحاجة المادية التي تلح علي
وتدفعني للعمل " 0
لا مفر من المضايقات
وإذا كانت المرأة قد بدأت بطرق أبواب بعض
الأعمال التي فيها نوع من الاختلاط الكثير مع من هب ودب فإن هذا
يؤدي بها إلى التعرض للمضايقات الكثيرة سواء من بعض زبائن المحل
الذين ينظرون إلى المرأة العاملة نظرة ازدراء أو من الوسط التي
تعيش هي فيه كمضايقات الأهل والمعارف وغيرهم ممن يحاولون اثباط
همتها , فتقول الآنسة غادة0ح0أ وهي عاملة في إحدى المكتبات بأن :"
المضايقات كثيرة وهذا ما دفعني إلى أخذ قرار بترك العمل وبقائي هنا
هو أمر مؤقت " , وإذا كانت هذه الآنسة قد قررت ترك عملها هنا فإنها
ستبحث عن عمل آخر تقل فيها الانتقادات لها فالعمل كمدرسة أو في بعض
الأعمال الأخرى الحكومية والتي وكأنها خصصت للمرأة دون غيرها من
الأعمال التي مع أنها قادرة على القيام بها إلا أن النظرة
الاجتماعية تختلف إليها إذا ما مارست تلك الأعمال 0
السوية الثقافية لها الدور الأكبر
وإذا ما لاحظنا السوية الثقافية للمجتمع الذي
تعيش فيه تلك النساء العاملات في مثل هذه المحلات لوجدنا بأنها
تجمعات ذات سوية ثقافية عالية أو على مستوى من الوعي الاجتماعي
البعيد عن الخرافة والبعيد عن الرغبة في حجز حرية المرأة وجعلها
عبدة للجنس الآخر بل أنها قادرة على إعطاء هذه المرأة الحرية
الكاملة في العمل في المجالات المختلفة التي ترغب فيها مم يؤدي إلى
الجزم بأن انطلاقة المرأة مرتبطة إلى حد كبير بالذهنية العامة
للمجتمع الذي تعيش فيه وهذا ما تمت ملاحظته عبر النماذج التي
التقينا بهن من النساء العاملات ممن حصلن على التعليم إلى حدود
الحاجة العملية الكافية ,أو كونهن من عائلات متعلمة ومثقفة وهذا ما
بدا عبر حوارنا مع السيدة كناريك سيفيريان والتي تعمل في محل لبيع
الألبسة منذ ثمانية وعشرين سنة وتؤكد هذه السيدة بأن العمل كان
عيبا في تلك الأيام نتيجة للذهنية المتخلفة وقتذاك إلا أنها قاومت
كافة الانتقادات من الغير واستمرت في عملها إلى اليوم ومع أن
أولادها لا يرغبون في عملها إلا أنهم لم يقوموا أو يحاولوا يوما
إجبارها على الجلوس في البيت وترك العمل , وتقول السيدة كناريك بأن
والدها كان مدرسا والجو العام الذي تعيش فيه هو جو قريب جدا إلى
العلم والثقافة وتؤكد بأنها قد تعرضت للكثير من المضايقات ولكنها
استطاعت وإلى الآن أن تتأقلم مع هذا الظرف لأنها تحب عملها وتحب
حريتها بنفس الوقت 0
وتبقى المرأة أسيرة هذه الظروف المحيطة بها
أجمع غير قادرة على تمثلها جملة وتفصيلا أو رفضها تماما ويبقى
الأمل بالعمل الشاق لكل الأفكار النيرة في فتح الطريق أمام المرأة
لتسلك طريقها بيسر وسهولة معبرة عن كونها كائن اجتماعي له أهميته
في رسم المستقبل الذي يهمنا جميعا رجالا ونساء 0
عامر خ0 مراد
|