|
عبدالحليم خدام و ( غيض من فيض )
لقمان عبدالمجيد
المفاجأة التي أطلقها النائب السابق لرأس النظام السوري , ومهندس
وعراب سياسته الخارجية لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن الأسود
عبدالحليم خدام في حديثه المطول لفضائية ( العربية ) أدخل النظام
في مأزق آخر أكثر تعقيد ا وأشد خطورة من كل ما سبقه من مآزق غاص
فيها حتى أذنيه جراء تماديه في الممارسات الإجرامية التي لا يمكن
أن تغتفر , لاسيما أن الحديث الهام – والأهمية تعود إلى مصدر
الحديث لا ما جاء فيها - جرى في وقت حاول النظام الحاكم في دمشق أو
كاد أن يتنفس الصعداء ويلتقط أنفاسه بعد أن مددت مهلة التحقيق
الدولي في إغتيال الحريري ستة أشهر , ومعروف عنه بسياسة إقتناص
الفرص لكسب الوقت , فالبعث الحاكم في سوريا الذي إستفاق في العام
المنصرم على كوابيس الزلازل السياسية المتتالية بعد التمديد للرئيس
اللبناني لحود , ومحاولة إغتيال الوزير مروان حمادة , ومطالبته
دوليا بتنفيذ القرار ( 1559 ) , مرورا بإغتيال الحريري , وسلسلة
الإغتيالات التي تلته , وصولا لإغتيال النائب والصحفي جبران تويني
, إزداد النظام صحوة قبل موته المرتقب مع مطرقة أحد صانعيه وأقطابه
عبدالحليم خدام , فهل ستشكل تلك الحقائق القليلة ( غيض من فيض )
التي تفوه بها خدام كما يتوقعه بعض المتفائلين رصاصات الرحمة في
رأس النظام السوري ؟
من المتفق عليه إنه بخروج خدام من صف السلطة والإنضمام إلى صفوف
معارضيه ومحاربيه أكد إنهيار ركن سياسي خطير من أركان البعث الحاكم
, بعد سقوط الركن الأمني الذي لا يقل عنه خطورة متجسدا بمقتل وزير
الداخلية اللواء غازي كنعان في ظروف غامضة على خلفية معلومة للجميع
.
المثير في الأمر إنه وبعد ساعات من بت المقابلة القنبلة أخذ أعضاء
مجلس البعث السوري من تحت قبة البرلمان بالصراخ والبكاء ,
وكالتلاميذ الصغار أخذوا ينشدون بصوت واحد مطالبين بفتح كافة ملفات
الفساد المتعلقة ب ( أبو جمال وآله ) الميتة في أدراج السلطة
والمنقضية بالتقادم القانوني , دون غيرها من ملفات المفسدين
الآخرين , كما طلب البعض منهم بفتح ملف الرعب النووي ( النفايات
النووية المدفونة في صحراء تدمر ) وقدم أحد الأعضاء البرهان لمن لا
يصدقه بزيارة المركز النووي للأمراض السرطانية في مشفى المواساة في
دمشق للتأكد بنفسه بوقوع الإصابات السرطانية بسبب تلك النفايات ,
وكأن القضية لم يمر عليها أكثر من عقدين من الزمن ¸وكان خدام حينها
الرجل الثاني في حكم البعث بعد الرئيس , وذهب البعض منهم إلى
إتهامه ب ( الخيانة العظمى ) لدعسه ذيل النظام , وكشفه لبعض
الحقائق , ووصفه تقرير ميليس بالمهنية العالية , ومن السخرية إن
الأمر وصل بأحد الأعضاء المطالبة بإلغاء التقادم من القانون ,
وطالبوا بملاحقته وتسليمه إلى الإنتربول الدولي , وهو الذي ودع
رئيس الجمهورية , وخرج في وضح النهار مع كامل الوثائق والأموال
خدام الذي عمل في البداية كموظف تنفيذي في الميدان الخارجي لمصلحة
نظام الأسد الأب , دخل في خدمة حكم البعث في الستينات كمحافظ
لمدينة حماه , ثم محافظ مدينة القنيطرة حتى سقوطها في أيدي
الإسرائيليين , فوزيرا للإقتصاد والتجارة الخارجية قبل أن يستلم أو
يكافأ بحقيبة الخارجية لأعوام فنائب للرئيس الصديق منذ أوائل
الخمسينات , ليرتقي تدريجيا فيصبح نائبا أولا للرئيس , ويحتل
الواجهة الديبلوماسية الرسمية للنظام, والعين الساهرة للرئيس .
خدام نفسه يتبرأ اليوم في أكثر من حديث وتصريح ولقاء من جرائم
وأخطاء وموبقات النظام الذي شارك في صنعه, وإنقاذه من كوارث حتمية
ومطبات عديدة , خرج اليوم من عبائته النتنة , ويبرر تمرده بإختيار
الوطن على نظام غارق في الفساد والفشل , ولكن ما ينتظره الشعب من
رجل بوزن عبدالحليم خدام لا أن يكشف عما يعانيه من ظلم وبطالة وفقر
مدقع ومصادرة سافرة للحريات والسلام , بل كشف المستور مما هو على
إطلاع عليه مما كان يجري في كواليس النظام المافياوي , ثم لايمكن
الوثوق بمن لا يكشف بجرأة عن أجندته المخفية , وعما لديه من مشاريع
في جعبته الموعودة , وخدام منذ الداية لم يختار الصمت , وأبى
الجلوس في إستراحة المحارب , ولا يعقل أن يكتفي لنفسه بدور العجوز
البعثي المسالم المنكب على كتابة مذكراته لتنتهي به إلى الخروج بعد
كل تلك الموائد الدسمة بلا حمص , لذلك يبقى السؤال الملح مرتبطا
بنقطة حساسة ربما تتعلق بصمته أكثر من كل ما تحدث وصرح به .
|