|
من عادى الكورد وقع... ومن صادقهم إرتفع..!
محسن جوامير ـ كاتب كوردستاني
سقط السيد الجعفرى بعد أن فتحت دنيا الرئاسة له ابوابها وتأمل
الناس فيه الخير.. ولكنه لم يعرف كيف تزرع شجرة الحكم وكيف تسقى
وتستوي على سوقها ومن ثم كيف تثمر.. حتى آله وأصحابه الذين توسموا
فيه الحركة والبركة، وقعوا في فخ كآبته وحبوطه وأوشكوا أن يفقدوا
مصداقيتهم حتى لدى أقرب المقربين إليهم، من الذين عانوا مع الشيعة
وشاركوهم واقتسموا معهم مآتم ومهرجانات الأنفال والتطهير العرقي
والتشريد وحملات الإعدامات والإعتقالات والمقابر الجماعية.. من
الكورد الذين أحبوهم وقدروهم واحتضنوهم في السراء والضراء، ومن ثم
وضعوا فيهم الثقة لبناء دولة فيدرالية ترضي الجميع، ويتساوى فيها
الجميع، وتعود الحقوق إلى اهلها، والأهل إلى بيوتهم، والغاصب يعود
إلى الأرض التي خلقه الله من ترابها وليس من التي اغتصبها واقام
أعراس زواجه عليها.. وفق دستور مقنن وقع عليه الكل بعد أن إعترض
الكل على كلمة هنا أو جملة هناك..
مع حبي لكل شيعي وسني، ومسلم وغير مسلم، ولكل الذين يعيشون في
كوردستان وفي العراق.. ومع إيماني الراسخ بأنه يجب ان ينعم الكل في
منطقة الشرق الأوسط بالأخوة، ويتمتع الكل بكل حقوقه التي يطالب بها..
ولكني أعتقد في نفس الوقت ومن خلال قراءة التأريخ وما فيه
والجغرافية ومن عليها، أنه قد تبين لكل عاقل يفكر أو سياسي يدبّر
أو مثقف يقدّر أو شاعر يتأمل ويُسَطّر، بانه لا يمكن لهذه البلاد
أن ترى العافية وان تتحقق فيها المساواة والديمقراطية من خلال حذف
دور شعب كوردستان خاصة، وحرمانه من حقوقه أو التآمر عليه، مهما
تجبر الحاكم وطغى وتنصل من العهود وبغى، وطال حكمه وتحقق له مبتغاه.
وخير شاهد ودليل هو العبد الذليل الدكتاتور القابع بين جدران أربعة..
والذي اصبح ـ بعد أربعة عقود من الأمر والنهي والقتل والنفي ـ كل
همه اليوم مقتصرا على أكلة لذيذة سواء كانت طازجة أو معلبة.. وصارت
كل مطالبه مقتصرة على مرحاض نظيف أوشراشف محبَّبة.. بعد أن كان إلى
الأمس عنترا يصارع الثيران والدِببة، يؤنفل ويحلبج من شاء أو يجعله
إربا إربا.!
ولكن حكمة ربك التي لا يعلمها إلا من قرأ سنن الكون أو إليه تقربا..
إستدرجته شيئا فشيئا، حتى قصفته بصواريخ وشهبا.. وحبذا لو كان في
مدارس المنطقة كلها كتاب يَدرس فيه التلاميذ فيه الآيات الكونية
ومداراتها على الظالم والمظلوم، كي يكونوا منها عجبا ويستفيدوا منه
حُقبا.
إنني لا أريد ان اشبِّه السيد الجعفري ـ حاشاه ـ بأي دكتاتور ظالم،
راح وتولى، بقدر ما أقول انه لم يكن يصلح للحكم وإدارة وضع في بقعة
تحتاج إلى الأخذ بنظر الإعتبار رأي الآخر ـ دائما وأبدا ـ والمشورة
في كل ما اُتفق عليه بين الجميع، وأن يكون المنتخب للرئاسة اول
منفذ لكل ما ورد في العهود والعقود من بنود كبيرة أو صغيرة ولو
كانت بحجم خردلة..على الخصوص هو، الذي كان لا بد أن يكون قد إطلع
على قدسية الوعود في كتب مكتبته العامرة، لا أن يجعل كل القرارت (
خاوية على عروشها وبئر معطلة ) .
ولكن وا أسفاه، ما أن إستلم الرئاسة ودخل وبجد في واحة السياسة
والكياسة، إلا وقلب للكل ظهر المجن، ولاح للكل أنه بدأ فصل جديد من
مآسي ومحن.. ولكن الله سلم في اللحظات الأخيرة وتنفس المؤمنون
الصعداء على أمل أن تكون مصيبة إنفراد الجعفري بالقرار آخر مرحلة
مؤلمة في حياة العلاقات بين الشعوب، لدرء الخلافات والفتن .
كل ما نتمناه من رئيس الوزراء الجديد وحكومته، أن يكونوا صادقين في
أيمانهم في إقرارهم بالفيدرالية، وإحترامهم للدستور، ولا تكون
كاذبة.. وجعل تطبيق المادة 140 الخاصة بتطبيق الأوضاع في كركوك
وأخواتها في رأس قائمة أولويات مهمات حكومتهم.. وأن لا يقعوا في
المنزلق الذي أسقط الجعفري نفسه فيه، من خلال بتر الفيدرالية في
الشطر الأول من حكمه وإسراءه ومعراجه إلى تركيا ـ والذي تحول إلى
لغز ـ في الشطر الأخير منه، ترضية لحكام بلد أوقعوا أنفسهم قبل
الجعفري في مأزق الشوفينية من خلال إستعلاءهم الفرعوني الفاشي،
الذين اصبحوا لا يؤمنون إلا بلعلة الرصاص الملعونة والتصورات
المجنونة لحل قضية شعب لم ينل منهم إلا الذل والمهانة والإحتقار في
ظل مبادئ متعفنة عفى عليها الزمن ولا يَعتقد بها إلا من كانت
أفكاره بين رحاها مطحونة..
( فذكر، إن نفعت الذكرى ).. والتأريخ أصدق مثل لمن أراد أن يستقي
منه الدروس والعبر من الملل.. فما سقط عبدالكريم قاسم إلا بسبب
إنخداعه بمن حواليه لسحق الكورد.. وما آل إليه الوضع إلى ما آل
إليه بدءاً بحكم عبدالسلام عارف ومرورا بأخيه عبدالرحمن ومن ثم
أحمد حسن البكر وإنتهاء برأس الأصنام سيد الأنام، إلا بسبب
معاداتهم للكورد وعدم الوفاء بعهودهم التي قطعوها وتعاملهم الجهنمي
معهم من خلال تدميرهم وضربهم كوردستان بالنابالم ومن ثم بالأسلحة
الكيمياوية والفيزيائية وتفريغ مدنهم من اهلها مثل كركوك وأخواتها
وإستقدام الآخرين لإغتصاب أراضيهم ونساءهم.
أخيرا وليس آخرا.. كتبت على غير عادتي ما سبق على عجل، وبشئ من
الوجل، ولكن شفيعي في غض الطرف عن الخلل، بيت من شعر الشاعر
الكوردي الصوفي ( البيتوشي ) في نهاية مقدمة ديوانه، والذي يقول
فيها للقارئ بخجل :
إن تجد شيئا خلاف الأدب
فالطبع كوردي وهذا عربي
mohsinjwamir@hotmail.com
|