|
عندما قال الله تعالى في الذكر الحكيم ( هل يستوي الذين يعلمون
والذين لا يعملون ) كان في ذلك إشارة واضحة على جسامة المهمة
الملقاة على عاتق الإنسان العالم ومدى الدور الذي كلف بأدائه في
هذه الحياة .. والمثقف الكردي مثله مثل مثقفي باقي القوميات
والأعراق يجد نفسه في معترك حياة تداخل فيها الأبيض بالأسود واتسعت
عليه دائرة الرمادي ليس جراء عدم إدراكه لما يجري من حوله بل هو
ككل عاقل يستطيع أن يميز الخبيث من الطيب إن تجرد من العواطف وتسلح
فقط بسلاح المنطق والحق .. فمصيبة المثقف الكردي تشبه إلى حد كبير
مصيبة قرينه العربي .. في أنه محاط بجملة من الخطوط الحمر الوهمية
التي تجعله يعد للمليون قبل أن يقول رأيه .. لكن الكردي يختلف عن
العربي في أن هذا الأخير محاط بأنظمة قمعية أو على الأقل منغلقة
تفرض عليه إيديولوجيا معينة أو تغرسها في دماغه بطرق غاية في
الدهاء ، بينما الكردي تجاوز الخوف من العصا السلطوية ووجد نفسه
أسير خطر أعظم يحيق به إن تجرأ وخالف أو ناقش أو تعرض لحدث يفرض
نفسه على الساحة برأي حر يخالف رأي مجتمعه .. مصيبة المثقف الكردي
أنه يجد نفسه مرفوضاً من السلطة تحوم حوله دوائر الشك وتصطاده
لترمي به في خانة الدخيل وفي الوقت نفسه تراه مهمشاً مهيض الجناح
بين أهله وناسه إن لم يجد لنفسه متكئاً تنظيمياً يفرغه من حياده
وموضوعيته أو على الأقل يضعهما في إطارات معلبة .. وفي الوقت نفسه
يؤمن له بعض الحماية التي تتقلص كلما حنّ لحقه في الإنطلاق وأقول
هنا بعض الحماية وليس كل الحماية لأن تنظيمه لن يحميه من التنظيمات
الأخرى .. وهذه المعاناة ليست مرتبطة بقناعة أو مبدأ بل متعلقة
بالانتماء فأن تكون كردياً فهذا يكفي لينظر إليك الآخرون بشيء من
الريبة وليؤولوا أفكارك كما يشتهون وفق سياسة الرقيب غير النزيه
الذي يعلم ما تخفيه الصدور .. كما أن هذا الانتماء يكفي لتعاني من
رقابة أعتى وأشد من أبناء جلدتك الذين يرسمون لك أطراً إن تجرأت
وخرجت عنها للفظوك ونبذوك .. فتصبح تائهاً لا هوية لك .. والمثقف
الكردي كما أسلفت تجاوز عقدة السلطة بل على العكس وفر له ذلك
فضاءاً أرحب لينال فيه حرية لم ينلها قرينه العربي غير أنه أضعف
بكثير من أن يواجه عقدة ذوي القربى .. فالتهم جاهزة والمصير معروف
ولن يشفع لك كل ما فعلته سابقاً إن خرجت عن الخط المرسوم .. وحتى
لا يفهم البعض خطأً أني أحصر مسؤولية أزمة المثقف الكردي في تنظيم
معين أو حزب محدد فإني أؤكد بأن طبيعة المجتمع الكردي العاطفي هي
المسؤولة عن ذلك ... كما أؤكد بأن الكثير من الجرأة يجب أن تتوفر
لدى المثقف الكردي ليواجه إعصاراً هائلاً من التهم إن أراد أن يخلق
في مجتمعه روح الحوار وتقبل الرأي الآخر وإن رغب في المساهمة في
معالجة القضية الكردية وفق نهج يراه هو مناسباً ضمن الثوابت التي
لا يختلف عليها الأكراد .. ولعل التهمة الأبشع هي تهمة العمالة
والارتباط بالمخابرات فهي أسهل الألفاظ التي قد تسمعها دون أن يكون
قائلها على دراية بمدى الجرح الذي تسببه في نفس المتهم الذي يكون
على الأغلب بريئاً ..ذلك أن الأكراد لديهم حساسية خاصة تجاه مسألة
الارتباط بالقوى الأمنية ومن المعروف أن أي شخص يكون مقرباً من هذه
القوى حتى لو لم يكن عميلاً لها يخسر الكثير من رصيده الاجتماعي
بين الأكراد.. وكثيراً ما نقرأ لمن يخالف بعض القيادات الحزبية
الكردية في آرائهم وتوجهاتهم مقالات تتهم هؤلاء بالخيانة والعمالة
لمجرد أن هناك خلافاً في الرأي دون أن يشفع لهذه القيادات تاريخ
نضالي حافل قد يتجاوز عمر كتاب المقالات بكثير ولعل التهم التي
توجه بشكل دائم للأستاذ عبد الحميد درويش أقدم القيادات الحزبية
الكردية في سورية مثال واضح عن الذي أقوله إلى جانب الهجوم الكاسح
الذي تعرض له الأستاذ اسماعيل عمر قائد أحد الأحزاب الكردية لمجرد
أنه أوضح رأيه في مظاهرة نظمت في مدينة القامشلي خلال شهر حزيران
الحالي بعد اغتيال الشيخ محمد معشوق الخزنوي .. فإذا كان هذا الحال
مع القيادات الحزبية فكيف يكون مع مثقف مستقل وجد من واجبه الوطني
أن يدافع عن قضية شعبه وفق رؤية خاصة به .. ولا تكون التهمة جاهزة
فقط للمثقف الذي له رأيه الخاص بل سيتعرض لها المستقل الذي يبادر
للانطلاق في فضائه الرحب الذي لا تؤطره الانتماءات الحزبية وإن
كانت آراؤه تنسجم كلياً مع آراء التنظيمات الحزبية نفسها وهذا يعني
أن مثقفنا الكردي ليس حراً على الإطلاق وهو يعاني من رقابة ألعن
بكثير من رقابة السلطة فمقص رقيب السلطة قد يلغي المادة المكتوبة
لكن الرقابة الكردية تجعل الكاتب خائناً ولهذا فالمطلوب من المثقف
الكردي إن أراد الابتعاد عن خطر هذه التهمة أن يلجأ لأحد حلين :
إما أن يعيش على الهامش راضياً أو يركب الموجة دون أن يعرف إلى اين
تتجه به لكنها بالتأكيد لن تجعله خائناً
|