K.binxetê - 07.05.05

 المثقفون الكرد والمهام المنتظرة في سوريا     
عدنان بشير الرسول / ديركا حمكو
 

 
لا يخفى على أحد ما للمثقفين من مكانة سامية في المجتمع، و مالهم من دور ايجابي للتأثير في الحياة الاجتماعية للشعوب، فهم يشكلون العقل المدبر لمسيرة التقدم في المجتمع وتتشعب مهامهم وتختلف أدوارهم في شتى ميادين الحياة, فالمثقفون هم الذين يحملون مشاعل النور فيضيؤن ما حولهم ليكون الناس على بيّنة من أمرهم ويتمكنون بالتالي الآتيان على الأعمال التي يرغبون بتنفيذها بكل يسر، وقد حافظ المثقفون على أدوارهم عبر مختلف المراحل التاريخية فكان منهم الحكماء والمستشارون لدى الحكام والقادة وأثبتت الأحداث التاريخية حقيقة علينا الاتعاظ بها وعدم تغافلها, حيث كان الأمن و السلام و الرخاء و الخير الوفير يعم أرجاء الوطن والمجتمع      و يسود العدل و الأمان والطمأنينة بين الأوساط الحاكمة كلما كان الحكام يقتربون من الحكمة و الثقافة ورجالاتها، و بعكسها فقد كان يحل الظلام و الخراب و يشمل الدمار و القتل و النهب كلما أبتعد الحكام عن المنطق و صوت الحق و العقل و لجؤوا إلى نزواتهم و غرائزهم ورغباتهم التي لا تساير العقل و الرأي السديد.

و قد مارس المثقفون على مرّ التّاريخ المهام و المهن و الأعمال التّي غلبت عليها الطابع الإنساني فكان منهم الأطباء والمحامون و المهندسون و المعلمون و العلماء و الأدباء و ساهموا في نشر المعارف و تنشيط الحركة الثقافية و نتاجاتها و أفسحوا المجال للفكر النير و حرية الاعتقاد و أغناء الفنون وحفظ التراث و تطويره ونشره على أوسع نطاق. و يتفق جميع القادة و الزعماء و رؤساء الدول و الأحزاب من حيث الاستعانة بالمثقفين و الاستفادة من معينهم الثقافي على اختلافها و لكنهم يختلفون من حيث الدوافع و الغايات من هذه الاستعانة إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: من يشجع العلم و الأدب و الثقافة و يرعى رجالاتها و يفسح لهم المجال لتسخير ذلك لخدمة الشعب و الوطن و يجعل من نفسه معيناً لتذليل الصعاب و العراقيل في مساعيهم الخيّرة لبناء دولة المؤسسات وإقامة المكاتب و اللجان المتخصصة لدى الأحزاب في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية و غيرها و يتحدد دور القائد هنا بالإشراف و التوجيه و الرعاية دون أن يقحم نفسه بالتدخل في جميع المجالات واتخاذ القرارات في المسائل الّتي تخرج عن اختصاصه أي يكون تعامله تعاملاً ديمقراطيّاً مبنياً على أسس حضارية علمية.

الاتجاه الثاني: هو الاتجاه الفردي الاستبدادي و أصحاب هذه التوجه يستفيدون من الثقافة والمثقفين بقدر ما يمكنهم تسخير ذلك لتجميل سياساتهم، و يجعلون المثقفين أبواقاً دعائية لتبرير سياساتهم و الوصول إلى تحقيق مآربهم و يقحمون أنفسهم في جميع المجالات و يتشبثون بإبقاء سلطة القرار بأيديهم على كافة الأصعدة حتى في المسائل التي لا يجيدون فيها ولا يعرفون سوى الاحاطة ببعض خطوطها العامة و يكون أساس التعامل هو سلطة الفرد و التفرد في اتخاذ القرارات المصيرية و يلغى بالتالي عندهم الرأي الآخر و إن كان صواباً و قد يستعين أصحاب هذا التوجه ببعض الموظفين من المثقفين للوصول إلى غاياتهم الدفينة و بذلك يجد معظم المثقفين الملتزمين أنفسهم خارج هذا التيار و يضطرون للانزواء في زوايا محصورة و هامشية.

 تصنيف المثقفين:

إن المثقفين على اختلاف علومهم و مناهلهم الفكرية و الأيدلوجية لا يمكن تقسيمهم على أنهم طبقة واحدة و بالتالي لا يجوز الحكم عليهم بأحكام شمولية فإنهم كسائر الفئات و الطبقات الاجتماعية الأخرى يمكن تصنيفهم إلى فئتين:

1 ـ فئة المثقفين الانتهازيين الذين يلهثون وراء مصالحهم الذاتية و يختارون مواقعهم إلى جانب الأقوياء كائناً من كانوا و إلى جانب الأنظمة الحاكمة في أغلب الأحيان متناسين هموم و آلام أبناء شعبهم بل قد يستخدمون ذلك كجسور بشرية للوصول إلى مناصب و غايات شخصية ضيقة و مقيتة.

2 ـ فئة المثقفين المتنورين الملتزمين بقضايا الشعب و الوطن والذين يفضلون المصالح العليا للشعب الكردي فوق المصالح الشخصية و الحزبية و بذلك يشكلون أداة فاعلة للنيل من   مخططات الأعداء الرامية إلى إنكار الهوية الكردية و محاولاتهم اليائسة لطمس معالمه القومية و يسعون جاهدين إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من حقوقه القومية المشروعة و هذه الفئة من المثقفين               الكرد وصفهم البرزاني الخالد بقوله (المثقفون يشكلون رأس الرمح في صدور الأعداء) وهم بالتالي يشكلون معقد الرجاء و الآمال، و يساهمون في معركة الحرية بأفكارهم و أقلامهم غير مبالين بالهموم الصغيرة التي تعكر صفو معيشتهم الخاصة متجاوزين المصاعب و العراقيل التي تقف حجر عثرة في طريقهم غير مبالين بأساليب الترغيب و الترهيب التي تعرضها الأوساط الحاكمة عليهم.

 الحركة الوطنية الكردية وتعاملها مع المثقفين

 إن الحركة الوطنية الكردية في سورية تعمد إلى استثمار الأنشطة الثقافية لنفسها دون أن تفيها حقها على أكمل وجه, فهي تقوم بمهمة إصدار المجلات الثقافية باللغتين الكردية و العربية ورغم التقدم الإيجابي لبعض هذه المجلات من حيث الشكل والمضمون لكنها ظلت تعاني من مصاعب عديدة في طريق تقدمها و منها اقتصار توزيع هذه المجالات ضمن الأوساط المقربة من الجهة التي تصدرها و عدم الإصدار المنظم و عدم نشرها لمواضيع قد تختلف مع نهج أحزابها و توجهاتها السياسية فتبقى مغلّفة بإطار سياسي وإيديولوجي يحد من تطورها وتنوعها بالإضافة إلى مصاعب التحرير و الطباعة والتوزيع كما قد يتردد بعض الكتاب من المساهمة في تلك المجلات نظراً لانتماءاتها السياسية والتنظيمية ، وأما عن تعامل معظم أطراف الحركة الوطنية الكردية مع المثقفين فيكون تعاملاً استعلائياً و يتم تقييم نتاجا تهم من منظور حزبي ضيق بمدى قرب مكانتهم من تلك الأحزاب أو بعدهم عنها لا الحكم على قيمة ذلك النتاج بحد ذاته, كما تنفرد أطراف الحركة باتخاذ القرارات في المسائل الثقافية و يتم تجاهل دور المثقفين أصحاب الشأن في هذا الصدد.

 الأرضية الثقافية للحركة الكردية بين اليوم و الأمس

 لقد ساهمت شخصيات ثقافية رائعة من الأكاديميين و الأدباء والشعراء في تأسيس البارتي عام 1957م وقد انطلق الحزب من ركيزة ثقافية ثرة مما أثر ايجابياً على نشر الوعي القومي بين صفوف الجماهير الكردية و لاقى برنامج الحزب رواجاً و تقبلاً كبيراً في وقت كان ظلام الجهل يعم معظم مناطق تواجد الكرد في سورية فأبدعت قيادة البارتي آنذاك واستطاعت إقناع الجماهير للالتفاف حول الحركة و أخذت زمام المبادرة في حل المشاكل الاجتماعية وأصبحت تقديم الشكاوى الاجتماعية إلى السلطات الحكومية من الحالات النادرة و عار ما بعده عار. كما كان عدد العملاء و الجواسيس المرتبطين بالأجهزة الأمنية (المندوبين الأمنيين) لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة في كل منطقة و يؤشر لهم بالبنان على سوء أفعالهم. و الكادر الحزبي الملاحق كان يختفي عن الأنظار و يقوم بواجباته على أكمل وجه و لم تكن تتمكن الجهات الأمنية من إلقاء القبض عليه إلا بشق الأنفس, وعمم تداول الألف باء الكردية بين صفوف الحزب حتى القاعدة. أما مرشحوا الحركة للمؤسسات التشريعية في الدولة فكانوا يحصلون على كامل أصوات الناخبين الكرد ممن يحق لهم التصويت قانوناً وتحمل سياراتهم بمن فيها على الأكتاف. أما اليوم فقد تم تهمش الأرضية الثقافية لدى معظم أطراف الحركة ويغلب على قيادات الحركة صفة الاحتراف السياسي والانطلاق من وجود خبرة تنظيمية محدودة لديهم محصورة في قالبها الجامد المستمد من الأسس اللينينية في التنظيم (المركزية الديمقراطية) لرسم سياسة أحزابهم بالإضافة إلى وجود مناهج ضبابية. فهناك اليوم دزينة من الأحزاب الكردية، وأكثر من مئة وخمسون شخصاً يعملون بصفة أعضاء اللجان المركزية!! بالإضافة إلى وجود حوالي خمسمائة عضو في القيادات التنظيمية (اللجان المنطقية)  والكثير من هؤلاء لا يتمكنون من كتابة مجرد رسالة واحدة باللغة الكردية!؟ ومن حقنا إن نتساءل كم يبلغ عدد مؤلفات ونتاجات هذا العدد الهائل من أعضاء اللجان المنطقية والمركزية والمكاتب السياسية والأمناء العامين وسكرتيري ورؤساء هذه الأحزاب على مدار الأربعين عاماً من النضال المتواصل من عمر الحركة؟

هل تبلغ مجموع نتاجات الحركة كلها من كتب ومؤلفات مجموع ما كتبه كاتبان كرديان من أمثال / سليم بركات وإبراهيم محمود/؟ وهل بلغت مجموع إصداراتهم مجتمعين بحجم إصدارات رابطة ثقافية كردية مثل رابطة كاوا وحدها؟

 ناهيك عن الخلط العجيب بين صفة هذه الأحزاب وكيفية تعاملها مع الجماهير والمثقفين منهم بشكل خاص ومواقفها من السلطة، هل هي أحزاب سرية أم علنية، وما هي الضوابط التي تفصل بين الأسلوبين, ثم ما طبيعة تعاملها مع السلطة؟ هل هي أحزاب مطلبية أم مناوئة لبعض سياسات السلطة وخاصة فيما يتعلق بالجانب الكردي منها، أم هي أحزاب سرية محظورة؟ أم هي أحزاب علنية غير مرخصة. إن هذه المسألة يكتنفها بعض الغموض ثم ما هي الأساليب النضالية التي تعتمدها الحركة للوصول إلى تحقيق أهدافها، فرغم تثبيتها لأسلوالقومي بأساليب الديمقراطي لكن تلك الوسائل بقيت غير مشخصة فهناك أشكال عديدة للنضال السلمي الجماهيري (الإضراب – المسيرات – الاعتصام-التظاهر-الاحتجاج..) لم يتم تشخيص إي منها وبالتالي لم تعمد الحركة إلى تحديد الشكل الذي تراه مناسباً من هذه الأشكال وقد تاهت بين أسلوب نشر الوعي القومي  بأساليب كلاسيكية مملة وبطيئة وقيامها على تشجيع الجانب التحريضي للجماهير وتحريكها، للحصول على حقوقها القومية. إن هذه المسائل بالإضافة إلى جوانب أخرى يضيق بنا المجال لذكرها، تتضافر جميعها لتشكل حواجز بين معظم المثقفين الكرد وأطراف الحركة الوطنية الكردية، وتتسع الفجوة بينهما لتشكل هوة سحيقة يصعب ردمها. لذا أرى من المفيد أن يسعى الجانبان للعمل على بناء جسور اتصال عديدة لتشكل بالتالي وسيلة التقاء وتفاهم وتؤدي إلى تقديم دعم متبادل يتم فيه تحديد نقاط الالتقاء والتركيز على إيجاد حلول منطقية لردم الفجوة الموجودة وأرى أن يبادر المثقفون المنضمون تحت ألوية فصائل الحركة الوطنية الكردية بمختلف مواقعهم واتجاهاتهم للتعاون مع المثقفين المستقلين من أجل قيام وتأسيس اتحاد الكتاب الكرد أو تأسيس رابطة ثقافية كردية مستقلة غير متناقضة مع أهداف الحركة الكردية. وقد أثبت التاريخ الحديث إن تلك المنظمات والروابط الثقافية قد أتت بثمارها اليانعة والأهداف المرجوة.

 ومن ثم يجب إن يتم العمل بعد ذلك وفي خطوات لاحقة لإيجاد التنسيق بين المنظمات الجماهيرية الشبابية والنسائية والاتحادات المهنية والفنية نظراً لبقاء الكثير من النتاجات والأعمال والمخطوطات من شعر وقصص وكتب تاريخية تنتظر الخروج إلى النور والتخلص من سباتها كما يمكن من خلالها إعادة طبع ونشر الكتب النادرة والمؤلفات العلمية ونتاجا المستشرقين والمهتمين بالقضية الكردية وتحديد ضوابط النشر وتقييم الأعمال قبل نشرها من قبل مختصين والاهتمام النتاجات الشابة والنشاطات الثقافية واسترشاد الأعمال التي يكتنفها الغموض والضبابية وتحتاج إلى وضوح في الرؤية والهدف، كما هناك مهام أخرى عديدة تنتظر هذه المنظمات. منها القيام بحملات منظمة لمحو الأمية باللغة الكردية بين أبناء الشعب الكردي والمساهمة في تنشيط الحوار العربي الكردي وإجلاء الغموض عن قضية شعبنا الكردي في سوريا وكسب الرأي الوطني إلى جانب المسألة الكردية العادلة.

 أسلوب العمل لاتحاد الأدباء المقترح

 أقترح أن يتم أتباع صريح وواضح ومستند على أسس وأركان ثابتة ومنها:

1- العمل بكل السبل الممكنة من أجل الحصول على تراخيص نظامية من الجهات المعنية والوزارات المختصة لإتباع علنية العمل في كل مراحلها والدفاع عن التنظيمات المهنية أمام جميع الجهات وترك مسألة انتقاد السلطات على سياساتها الخاطئة والممارسات الشوفينية للقوى السياسية وأطراف الحركة الوطنية الكردية استنادا إلى حقيقة وجود الكرد كثاني قومية في البلاد والعمل ضمن وحدة البلاد السورية والانطلاق من وجود القومية الكردية كونها جزء من النسيج الوطني العام كما أقر بذلك سيادة رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد.

2- إن نطاق عمل التنظيم يجب أن يشمل المسائل الثقافية العامة. الأدب - الفن- التاريخ- التراث.

3- الا تكون برامجها متناقضة مع مناهج الفصائل الوطنية الكردية وسياساتها وبرامجها الثقافية

4- أن يكون باب التنظيم مفتوحاً أمام جميع المثقفين الوطنيين سواء الملتزمين أو المستقلين على أن يكون كل شخص يمثل نفسه و ألا يكون ممثلاًًًً لتنظيمه ضمن إطار التنظيم.

 5ـ إقامة العلاقات مع المراكز الثقافية و الأدبية في باقي أجزاء كردستان و المهجر و المؤسسات الإعلامية المستقلة و النوادي الثقافية والمنتديات والشخصيات الثقافية والأكاديمية على امتداد الساحة الوطنية. 

6 ـ إيجاد ممثلين لها في أوساط الجاليات الكردية في المهجر.

7ـ إصدار الدوريات المنتظمة ووسائل الأعلام الممكنة وإيجاد مواقع لها على شبكة الانترنيت.

    واختتم هذا الموضوع ببعض أقوال السيد أحمد بهاء الدين حول المثقفين و السلطة فيقول )) إن أدهما لا يصلح لأن يأخذ مكان الأخر، إنما المطلوب أن تقوم بين الاثنين علاقة صحيحة سليمة، تفيد رجل العلم و الفكر لأنه يدرك و يتعلم التعرف على المشاكل الحقيقية. و تفيد رجل العمل لأنها تزوده بكل ما بذله رجل العلم و الفكر من جهد و دراسة و معرفة. و التقدم المادي لابد معه من تطوير و تنوير بالنسبة لمجموع الشعب، و لابد لتطوير وتنوير مجموع الشعب من العناية بالعناصر المتميزة من أبنائه، والمحافظة على المصابيح التي تضيء طريقه، والقوى التي ترعى قيمه و تقاليده و عقائده و أفكاره ))
 

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

الأرشيف

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Kurdistan Syrien