|
ان تكون كردياً في سوريا اليوم، فأنت متهم ، تهمتك تلاحقك من المهد إلى
اللحد ، ألا وهي كرديتك، والتي ولدت معك مثل لون بشرتك . وأن تكون
شيخاً مسلماً في سوريا اليوم ، فأنت متهم ومراقب ومدانٌ ، لأنك
تعتبر منذ البدء معارضاً للنظام ، إلى ان يثبت العكس ، وهذا العكس
هو شهادة حسن سلوك من المخابرات ، وهي في الوقت نفسه، شهادة موت
الفقيه والشيخ فيك.
أما ان تكون شيخ دين متنور، في هذا الزمن الإسلامي الأعمى ، هذا
الزمن الذي تحول فيه الإسلام على يد شيوخ السلطان من جهة، وشيوخ
الإرهاب من جهة أخرى ، إلى منظومة تكفيرية، تحريمية ، تبحث في
ذرائع قتل الناس ، وشرعنة هذا القتل ، أكثر بكثير من بحثها في حياة
الناس وسعادتهم وكرامتهم.
أما ان تكون في سوريا اليوم، دفعة واحدة كردياً، وشيخ دين ، ومتنور
، فانك تواجه جبهة واسعة من السلطة واوساط واسعة من جماهير تمثلت
عبر نصف قرن مقولات البعث الشوفينية، واوساط واسعة من التكفيريين
والقتلة والمجرمين.
يا شيخاً لم تكتفي بتهمك الثلاثة هذه ، وبعبأ حملها الثقيل، لتعيش
معها بهدوء علماء الدين في صومعة مقفلة على الحياة. وإنما حملت عبأ
الواجب القومي لشعبك الكردي ،وكافحت من اجله أينما سرت ، وعملت
وكافحت من اجل أفكارك المتنورة أينما حللت . أيها الشهيد ألم تشعر
بأنك كنت تسير على حد السيف ، ذلك الذي لا يسير عليه ألا الرجال
العظام. برزت كبرق لمع في ليل دامس الظلام ، وذهبت لتنام هناك على
أثير الخلود. ذلك الزمن الذي لم نستطيع فيه التقاط كل أفكارك ،
وإشاراتك ، أو قل وحيك .
والآن ، وروح الشيخ ترفرف في الخلود . ماذا تبقى لنا منه، وماذا
أبقينا منه بعد أيام معدودات من استشهاده.
لن أطيل الشرح في هذه المناسبة ، وإنما أقول ، وباختصار شديد، بان
ما بقي وما يجب ان يبقى من مدرسة الشيخ الحوارية العقلانية الكبيرة
، هي دعوته وعمله من اجل سوريا ديمقراطية ، وطنا لجميع ابنائها،
حيث الجميع يتعايش مع الجميع ، مواطنين متساوين في الحقوق
والواجبات ، بغض النظر عن الدين والقومية والجنس . هي دعوته وعمله،
لرفض نعرات الشوفينية والطائفية والانعزالية.هي دعوته وعمله، لوحدة
الحركة الكردية، لا بل تكشف بعد استشهاده، بأنه تجاوز اشد الخطوط
احمراراً من قبل السلطة ، بلقائه بقادة الإخوان المسلمين في الخارج
، هي دعوته وعمله ، من اجل إسلام متنور يعايش العصر والحياة ويقبل
الآخر .هذه باختصار مدرسة الخز نوي ، هذه باختصار رسالته.
ماذا أبقينا بعد هذه الفترة القصيرة من هذه المدرسة ايها الأخوة؟.
كردياً، حدث لأول مرة شرخ عميق في الحركة الكردية السورية ، والسبب
في ذلك، ولسخريات القدر، الخلاف على طريقة معالجة واقعة استشهاد
الشيخ الجليل .
سورياً، لا داعي لإدانة السلطة وعصاباتها ولصوصها ، فقد أدانهم
عشرات الآلاف الذين نزلوا إلى الشارع لوداع الشيخ للمرة الأخيرة.
لكن الإساءة إلى مدرسة الشيخ كانت كبيرة عندما ردد بعض المتظاهرين
الكرد ، شعارات تطعن هذه المدرسة في الصميم ، عندما رددوا شعارات،
لم يكن اسوءها (( لا عرب ولا سريان هون كردستان)) ، والتي اساءت
للشعب الكردي قبل أي طرف اخر.
هل كانت مدرسة الشيخ تقول، بان نقوم بما تقوم به اليوم مجموعة من
الشباب الكرد في هولندا ضد فريق رياضي سوري . هل هذا الفريق هو من
أهل السلطة ؟. هل علمنا الشيخ كيفية كسب المزيد من الأعداء ؟.
وتشويه صورة الجالية الكردية في بلدان الإقامة الاوربية.
وعندما أراد الأستاذ إسماعيل عمر ، المناضل القديم في الحركة
الكردية ، إبراز الجانب التنويري الإسلامي ، في مدرسة الشيخ،
ومحاولة إيضاح ان للجريمة دوافع وأبعاد متشابكة، ولا تقتصر على
كرديته، ونشاطه في هذا المجال، تعرض ويتعرض لإرهاب فكري حقيقي . ان
اختصار الشيخ إلى بعده الكردي فقط، ، وان تحويل وتشويه صورته من
رمز للحوار والانفتاح والتنوير ، إلى رمز للاشتباك والكراهية ، هو
ظلم فاضح ومقيت للشيخ نفسه ، لا يناسب حتى المعشوق في اسمه.
أيها الشيخ أعترف بأننا على الأقل إلى الآن ، لم نكن طلاب نجباء
لمدرستك، فعذراً لك أيها الشيخ الجليل في الأعالي.
هانوفر 12 / 6/2005
|