كنا في صغرنا نسمع قصصا وروايات تاريخية ممتعة حقا من بعض
ملالي الكورد ممن يقرؤون كتب التاريخ التي دوَنها أسلاف
منذر الموصلي ومحمد طلب هلال وسليم مطر
وغيرهم من الذين يحملون سيف هيريقليطس ويلَوحون به على
رقاب الشعب الكوردي.. ومن تلك النوادر العروبية كنا نسمع بأن
الكورد أبناء الجن والأبالسة وليسوا من ذرَية آدم عليه
السلام.. طبعا لم نكن نصدَق ذلك وكنَا نستعين بسور القرآن
الكريم لنثبت لأنفسنا بأن ما قيل يناقض كتاب الله تعالى وحقائق
الطبيعة البشرية.. ولكنني منذ البارحة، وبعد أكثر من أربعين
سنة من سماع تلك الخرافات والأساطير التي كانت منسوجة بحذاقة
وخبث لانكار وجود أمَة بأسرها، بدأت أشك في صحة معلوماتي
وأتساءل في أعماقي:" هل الكورد حقا من البشر؟!.." ولما أفصحت
عما يختلج في فؤادي، سخر مني من حولي من الأهل وقالوا:"إنها
لكبر..!"
ولماذاالبارحة
بالذات؟
البارحة رأيت على شاشات التلفاز شبابا لبنانيين يحملون العلم
اللبناني وهم يتظاهرون من أجل التنديد بالاحتلال السوري
ويطالبون بسحب كافة القوات الأجنبية من أرضهم وبلادهم، وهذا حق
مشروع لهم أؤيَده من صميم قلبي وأحسدهم على جرأتهم وتصميمهم
ووحدتهم.. فشرعت أسأل نفسي:"كيف يحق لأبناء شعب صغير مثل شعب
لبنان الذي أكَن له الاحترام والتقدير أن يكون له وطن مستقل
وعلم يرفرف في سمائه ويطالب باستقلاله ولا
يحق ذلك لشعب يفوقه في التعداد مرات ومرات كشعب كوردستان والذي
تبلغ مساحة وطنه أضعاف مساحة لبنان؟!.. هل اللبنانيون
والصوماليون والفلسطينيون والتتاريون والشيشانيون والكروات بشر
والكورد من غير البشر؟!.. هل حقا إن البشرية لا تعتبر الكورد
من سلالتها فتفرَق بينهم وبين أبنائها في كل شيء، حتى في
الحرَية وحق تقرير المصير والسيادة والاستقلال التي هي حقوق
أقرَها الله للجميع دون استثناء؟ " وتذكَرت حديث الأصل الكوردي
الذي أعاده بعض المؤرخين إلى الجن والأبالسة، فاغرورقت عيناي
بالدموع.. كيف ترضى دول العالم أجمع بمثقفيها ومرَبيها
وعلمائها وقادتها و(الأمم المتحدة) التي تضَم خبراء في القانون
الدولي والسياسة الدولية وتتشدَق بمختلف القيم والأعراف
والقوانين الدولية وترسل حمامات السلام شرقا وغربا بأن لا يكون
للكورد دولة أو حتى نصف دولة أو ربعها؟! وتجتمع لتصدر قرارا
خاصا يتعلق بالوجود الأجنبي في لبنان، أو بتوحيد جزيرة قبرص أو
بتشكيل دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية وغيرها من سائر
قضايا شعوب العالم في دارفور أو جزر الماوماو؟! والبارحة رأيت
شابا عربيا لبنانيا أيضا على شاشة التلفزيون هو حسن نصر الله
الذي كان يخطب في جمهور كبير من الناس خطبة طويلة ومملَة،
ويسعى لأن يلقَن العالم دروسا في الوطنية والسياسة الدولية وفي
تحدَي أكبر قوَة في العالم.. وكيف؟! لأنه يتمتَع بدعم عظيم من
دول لها مصلحة في ذلك وعلى الأخص سوريا وايران.. فأسأل
نفسي:"ومن يدعم الكورد من أجل نيل حرَيتهم واستقلالهم؟!.."
فيأتيني الجواب الغريب من أعماقي:"طبعا لو كانوا من سلالة
البشر لساعدتهم دولة على الأقل من كل دول العالم هذه..!"
حسنا لنتخلى عن فكرة الدولة الكوردية
والاستقلال والسيادة الوطنية لأنها كما يبدو فكرة يصعب تقبلَها
من لدن العقل السياسي الكوردي "الواقعي" في هذه المرحلة من
التاريخ، ولنبقى عند حد تقزيم وتجزئة وتفتيت قضية هذا الشعب
الكوردي التي ينكر بعض مثقفي العرب من الذين يريدون الحرية
للجميع ما عدا الكورد حتى وجود "مشكلة كوردية" في سوريا التي
خلقت عربية كما يدَعون أو يحلمون.. ونسألهم:"أليس تعداد الكورد
في سوريا بأكبر من تعداد الشعب اللبناني جميعا؟! فلماذا تنادون
بالحرَية للبنان وتنكرون على الكورد حتى حق تعليم أبنائهم
لغتهم الأم؟! أهذه هي ديموقراطيتكم واشتراكيتم وعروبتكم
ورسالتكم الخالدة؟! فإذا كنتم تشكَون في وجود شعب كوردي في
سوريا وتؤمنون بالاحصائيات والأرقام والبيانات العلمية فلماذا
لا تجرون إحصاءا علميا دقيقا لتكونوا على بيَنة مما نقوله؟
وإذا كنتم جادون في حل مشاكل بلادكم والبشر التي تعيش فيها
فلماذا تتهرَبون من حل هذه المشكلة وتنكرون وجودها أصلا؟!"
أكاد أسمع ما تسخرون منه في أفئدتكم ولسان حالكم يقول:"ليش
أنتو بشر؟!.."
حقيقة لو كنا نحن الكورد من سلالة البشر لما
استطاع أحد تجزئتنا وتفريقنا وتسخيرنا وتقزيمنا بهذا الشكل
المؤلم، ولو كنَا من البشر لما مضى على انشقاقات حركتنا
الوطنية الديموقراطية عقود من الزمن وعلى وجود حكومتين كرديتين
في اقليم واحد حين من الدهر، ولو كنا بشرا لخرجنا إلى الشوارع
كل يوم مطالبين بالحرية والاستقلال والسيادة الوطنية، بدل أن
يدعو بعض زعمائنا بضرورة أن نصبح أتراكا كماليين حتى نتمتَع
بفضائل الحرية، حسب زعمه.. ولكن يبدو أن الأساطير مبنية على
أسس وأصول من الحقائق، وأسطورة الأصل الجنَي للكورد قد تكون
مبنية على أصل من الحقيقة، فالجن أيضا جماعات همجية متفرَقة
ومختلفة كما سمعنا من ملالي كوردستان في صغرنا، وبينهم وبين
الكورد في ذلك شبه كبير.