|
كما
أن انتخاب السيد جورج دبليو بوش رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية
لدورتين متتاليتين لم يكن متوقعا حتى لدى أفراد عائلته المقرّبين،
فإن نجاح الانتخابات العراقية أيضا لم يكن متوقعا بهذا الشكل حتى
لدى أشد الناس تحمسا لها.. ولكن يبدو أن القدر يسجّل لهذا الرجل
الذي اعتبره كثيرون
على الدوام جاهلاً بالسياسة أو فاشلا في الحياة انتصارا بعد
انتصار، فهو الذي حقق ما لم يتمكّن والده السياسي المحنّك من
تحقيقه في السياسة الداخلية مثل تخفيض الضرائب بشكل حاسم والتغلّب
على المنافس الديموقراطي
جون كيري في وقت كانت فيه وجوه الجمهوريين متشائمة تماما، وهو الذي
تجرّأ على القيام بمغامرة إسقاط النظام الدموي في العراق، نظام
صدام حسين الذي كان مخيفا حقا، في حين أن والده لم يتجرّأ على ذلك
يوم كان رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وشكّل تحالفا دوليا
واسعا لطرد جيوش صدام حسين من الكويت، دون التحرّك صوب بغداد خوفا
من تداعيات وانعكاسات وانهيارات كبيرة في المنطقة، معرّضا بذلك
الشعب العراقي المنتفض آنذاك إلى انتقام رهيب قام به نظام صدام
حسين الدموي ، وبخاصة في الجنوب والشمال..
كما أن جورج بوش الابن هو الذي أكّد مرارا على رفضه تأجيل
الانتخابات العراقية رغم كل عمليات التدمير والتخريب والتقتيل
الإرهابية التي شملت مناطق واسعة من العراق، وتنفّذ بشكل يومي في
كبرى المدن العراقية مثل بغداد والموصل والبصرة... ومنهم من كان
يحلم بأن يؤدي الفشل في الانتخابات العراقية إلى فشل سريع ونهائي
للأمريكان في حربهم الأخيرة يكون على غرار فشلهم الكبير في فيتنام.
وحسب آراء الذين راقبوا الانتخابات العراقية عن كثب، من عراقيين
محايدين وعرب ديموقراطيين وأجانب ومنظمات دولية وإعلاميين معروفين
بموضوعية تقاريرهم فإن الانتخابات قد نجحت رغم ما رافقها من عمليات
إرهابية منظّمة وهادفة ومنصّبة على مراكز الاقتراع لإخافة الناخبين
أو تعطيل المراكز أو كليهما معا، ورغم أن جزءا هاما من العراقيين
في المناطق السنّية العربية قد رفض التصويت كليا، وأن عددا من
أحزاب السنّة طالبت الشعب العراقي بعدم الإدلاء بالأصوات. وفاقت
نسبة النجاح الـ 60 % رغما عن أنف "القدس العربي" و "الجزيرة"
اللتين حاولتا نفث سموم الشك والكره والعداء بتقارير ومقالات
ومقابلات تكشف أنها لا تزال تحبّذ أن يحكم العراق طاغوت مثل صدام
حسين على أن ينتخب الشعب العراقي ممثليه بذريعة أن الأمريكان
متواجدون في العراق. وهاتان الهيئتان الإعلاميتان العربيتان لم
تظهرا شيئا من هذه الرغوة السامة لدى انتخابات أي بلد عربي آخر،
ومنها بلدان خاضعة للنفوذ الأمريكي مائة بالمائة وعلى أراضيها
قواعد ومطارات وموانئ أمريكية ضخمة للغاية.
وجدير
بالذكر أن المناطق الشيعية في الجنوب وإقليم كوردستان العراق في
الشمال يشكّلان معا غالبية الشعب العراقي العظمى وغالبية مساحة
العراق المسكون بشريا أيضا. وفي كل من الجنوب والشمال، إضافة إلى
مدن عراقية سنيّة وكل المراكز الانتخابية في المهاجر، من استراليا
إلى أمريكا وكندا، كا ن
الإقدام على الإدلاء بالأصوات كبيرا ومفرحا للغاية، بل إن الناخبين
الكورد حوّلوا يوم الانتخاب في 30/1/2005 إلى يوم احتفال شعبي
كبير، حيث تم توزيع الورود والحلويات ورقص الكورد رقصاتهم الشعبية
وحملوا الرايات الكوردية والعراقية وارتدوا ثيابهم الفلوكلورية
تعبيرا عن بهجتهم وحماسهم وإيمانهم بوحدة العراق الوطنية..
لقد
قال بعضهم بأن هذه الانتخابات هي بداية الطريق إلى الديموقراطية
العربية الحقيقية، وقال آخرون إنها أثبتت انتصار السلام الوطني
والوحدة الوطنية على الإرهاب، ومنهم من رأى فيها بداية لعودة
العراق إلى دائرة المجتمعات الديموقراطية بعد غياب دام أكثر من نصف
قرن من الزمن، ومنهم من وجد في هذه الانتخابات ترميما للبيت
العراقي وإصلاحا لما أفسدته الحرب ودمّره الإرهاب وانطلاقة جديدة
لبناء اقتصاد عراقي مزدهر، وحقيقة فإن هذه الانتخابات قد أوقفت كل
مشاريع التقسيم والتفتيت والتمييز بين أبناء العراق الواحد في هذه
المرحلة الخطيرة من تاريخ العراق، وأزالت الجدار الصيني أو
البرليني الذي عمل أعداء العراق على بناءه بين الجنوب والشمال، بين
الشيعة والسنة، بين العرب والكورد وغيرهم من العراقيين، وبين
اليساريين واليمينيين...
ولذلك
فإن هذا الانتصار الجديد للإدارة الأمريكية سيشّجعها على المضي في
مشروعها الكبير لدمقرطة الشرق الأوسط، كما سيكون بمثابة متكأ
للسياسة الخارجية الأمريكية وللسيدة كوندوليزا رايس بالذات، وهي
التي وقفت مع رئيسها بقوّة وأشارت عليه بكثير مما قام ويقوم به من
خطوات حاسمة.
ومن ناحية أخرى فإن قوى المعارضة الديموقراطية في البلدان
المجاورة، وبخاصة في سوريا، ستنظر بعين التفاؤل إلى المستقبل، بعد
أن رأت العراق وكأنه على وشك الانهيار التام تحت وطأة العمليات
الإرهابية، فإذا بالشعب العراقي يثبت للعالم بأنه شعب جريء ومصمم
على تحويل العراق إلى بلد ديموقراطي حر وحديث، وهذا ما سيغمر قلوب
السوريين الجيران بالأمل الكبير في أن المستقبل مفتوح لهم أيضا
وطريقهم يؤدّي بصورة مباشرة إلى الخصام والصراع والنزاع مع أنصار
الدكتاتورية والإرهاب، وأن محاولات النظام القائم لتدجين المعارضة
وشلّها وتمزيقها أو دق إسفين بين ما هو معارض في الداخل وما هو
معارض في الخارج ستبوء بالفشل الذريع، وسيجد الديموقراطيون
السوريون، عربا وأكرادا ومن مختلف الطوائف والفئات والقوميات
والمذاهب، في الشعب العراقي بعربه وأكراده وأقلياته القومية
والدينية المختلفة نصيرا ومؤازرا وحليفا...
ولذا
لا يسعني هنا إلا وأن أحيي العراقيين الذين أدلوا بأصواتهم من أجل
العراق، وبخاصة أولئك النساء اللواتي أردن بتوجههن إلى مراكز
الانتخاب للإدلاء بأصواتهن الانتقام من النظام الذي قضى على فلذات
أكبادهن وسلبهن حق الحرية والانتخاب عهودا طويلة من الزمن، وأحيي
أيضا أبناء شعب كوردستان العراق وبناته لأن الكورد استوعبوا بشكل
جيد ما عليهم القيام به وقاموا بمسؤوليتهم وواجبهم القومي والوطني
بشكل يفرح القلوب ويظهر للعالم أجمع بأن الكورد أنصار السلام
والوحدة الوطنية والتلاقي بين الشعوب والديموقراطية والحرية.
وليمت أعداء العراق بغيظهم وبخاصة الطورانيون الترك الذين لا يكفون
يهددون ويرغون ويزبدون لأن الانتخابات أظهرت حقيقة ساطعة كالشمس هم
ليسوا قادرين على النظر إلى أشعتها القوية.
جان كود / ألمانيا |