نشر رجاء الناصر مؤخرا مقالا في "بريد الشرق-
الصفحة الالكترونية لمركز الشرق العربي بلندن" تحت
عنوان (إنه الحزب الأمريكي الذي يطل علينا بسبب انسداد آفاق
الإصلاح وسياسة التنازلات) وفيه طعن في الأكراد وفي اتجاه
سياسي كوردي على وجه التحديد دون أن يذكره بالإسم، ولكن
عباراته صريحة لدرجة أن الرّد عليه ضروري لتبيان بعض الحقائق
التي نطّ من فوقها كالكونغروالأسترالي المعروف بقفزاته
العجيبة... ومعلوم أن هذه الصفحة الالكترونية ذات خلفية
إسلامية إخوانية لا مجال لانكارها...
يقول رجاء الصالح حرفيا:"لا يجوز التهوين من وجود الحزب
الأمريكي في سورية" ثم يصنّف أنصار هذا الحزب في ثلاثة
تيارات أساسية، "منها أصحاب المصالح في الطبقة
الرأسمالية الطفيلية النهابة، والتي تملك مرتكزات في السلطة،
وهي على استعداد لكي تنقض على أقرب المقربين لها حماية لتلك
المصالح.." ونرى بأن رجاء الناصر لم
يذكر بأن هذه الطبقة تسيطر على السوق السورية بالكامل وهي في
معظمها موالية للاتجاه الإخواني في السياسة، ومعلوم أن
البورجوازية السورية والطبقة الرأسمالية (السنيّة طائفيا) هي
الأكثر حدة في نشاطها الاقتصادي وتغذّي الإخوان المسلمين
بالزعامات والكوادر على المستوى العالمي وتدعمها ماليا كما
فعلت من قبل أثناء الحرب الطاحنة بينهم وبين النظام في أواخر
سبعينات القرن الماضي، وهي لا تزال قويّة بنيويّا رغم الضربات
التي تلقّتها بسبب قوانين الإصلاح الزراعي والمصادرات وسياسة
البعث التي كانت تزعم بأنها ستبني سوريا اشتراكية، وكذلك بسبب
أن النظام سدد لها ضربات قويّة لتحطيم البنية الاقتصادية التي
يرتكز عليها تنظيم الإخوان المسلمين.. وكان هؤلاء آنذاك حلفاء
لأمريكا وأوربا (حزبا أمريكيا)، ونتذكّر جيدا تصريحات زعيمهم
عدنان سعد الدين وأمثاله الذين كانوا يميلون ميلا شديدا
إلى الحزب الأمريكي هذا أثناء حربهم مع النظام البعثي (العلوي
طائفيا)... رجاء
الناصر
يتفادى ذكر هذا كله وعينه على بعض الذين لهم مرتكزات في السلطة
البعثية فقط لأنه يسير حسب إيقاعات سياسة الإخوان المسلمين
الذين كانت معظم الأحزاب السورية (التقدمية!) تتهمهم بالولاء
لأمريكا وأوروبا... التيار الثاني الذي يضعه رجاء الناصر
في الخانة الأمريكية ويعتبره من (الحزب الأمريكي في سورية) هو
كالتالي:" بعض العناصر ذات العصبية الأقلاوية، وهي بسبب
من عصبيتها الشوفينية التي باتت تتحكّم بها، وبسبب اعتقاد
خاطىء بإمكانية الاتكاء على العدو الخارجي لتحقيق نزعاتها
الانفاصلية أسوة بالتجربة العراقية، تبدو أنها أضحت على قناعة
واستعداد لاتباع هذه الطريق من خلال انفصالها الشعوري عن أبناء
الوطن الآخرين، وعن الوطن ذاته." حقيقة لم أكن أتصور
أن يصل الحقد القومي بالإخوانيين ومن سار على نهجهم كرجاء
الناصر إلى هذا الدرك من إلغاء الشعب الكوردي واتهامه، رغم كل
ما يعانيه من اضطهاد واستعباد وتجاوز وظلم على أرضه وكرامته
وممتلكاته وحريته، بأنه هو المذنب والمجرم وذو عصبية أقلاوية،
وصارأمريكيا بسبب من عصبيته الشوفينية..إنه يستخدم عبارة "بعض
العناصر" ولكنه كما يبدو يشمل الكورد جميعا لأنه
لايكتفي بشتم الكورد السوريين وحدهم ووضعهم في خانة العملاء ل"
العدو الخارجي !" بل يقارن بين وضعهم ووضع
إخوتهم في العراق "لتحقيق نزعاتها الانفاصلية أسوة
بالتجربة العراقية!"
أما الطرف الثالث في الحزب الأمريكي فهم أعداء الإخوان
الآيديولوجيين من المثقفين السوريين " بعض النخب
الثقافية من مثقفين واشباه المثقفين ذوي الثقافات المتغرّبة
وغير المنزرعة في تربتها الوطنية، والتي سقطت منظمومتها
الفكرية بسقوط الاتحاد السوفييتي..." إلى آخر النوطة
الموسيقية القديمة والبالية التي يحبها الإخوانيون ومن على
شاكلتهم من المثقفين الذين يرون كل ما يفكّر به الآخرون (غير
وطني وكفر وردّة يجب أن يعاقب عليها صاحبها بالقتل الجسدي أو
على الأقل بالتصفية الفكرية أو التحييد السياسي ورميه من
الملعب...)
الذي يهمنا هنا أكثر هو التيار الثاني "تيار الانفصاليين"
وهو يعني الكورد طبعا.. لذلك سنبقى عند هذا التيار لأننا ندافع
عن هؤلاء "الانفصاليين" وحقهم في الحياة في حرية وسلام
كما هم عليه الآن في جنوب كوردستان "شمال العراق!" حسب
رأي الإخوانيين.. والإخوان حركة قومية المنحى مدهونة بالزيت
الإسلامي لاتختلف عن البعث في الموقف تجاه العروبة في كثير،
وهم أيضا لايزالون يحلمون باستعادة الأندلس التي استعمرها
العرب فيما مضى وطردوا منها بعد قرون ...
الحقيقة الأولى:
هي أن إنفصال الكورد عن ظالميهم ومرتكبي المجازر بحقهم ليس
مخالفا للإسلام حسب رأي علماء إسلاميين مشهورين من غير الكورد،
طالما الهدف توحيد شعب مسلم في غالبيته العظمى يعاني من احتلال
أرضه وسلب خيرات هذه الأرض وتداس كرامة إنسانه من قبل
دكتاتوريات قمعية رجعية مستبدة..وهذا تكلمنا عنه كثيرا..
والفرقة على عدل خير من وحدة في إكراه وظلم...كما أنها
حقيقة ساطعة هي أن الإخوانيين السوريين ظلوا لعقود طويلة حلفاء
غير معلنين لنظام البطش والإرهاب، العدو الأول للشعب الكوردي
في العراق، نظام البعث اليميني البائد، ولم يصدرعنهم بيان واحد
ضد سياسته النكراء تجاه الكورد وكوردستان والتي راح ضحيتها
مئات الألوف من الكورد، مسلمين وغير مسلمين، ودمرّت بسببها
آلاف من قراهم وسدّت ينابيع مياه بلادهم بالاسمنت وضربوا
بالسلاح الكيميائي وشردوا من ديارهم، وعانوا ما لم يعاني منه
شعب آخر على وجه الأرض، فلم يحرّك الإخوانيون من أمثال رجاء
الناصر ساكنا.. لماذا؟! لأن زعماءهم كانوا يتمتعون بحماية صدام
حسين ويتلقون منه مساعدات مختلفة، وانتقدتهم الحركات الإسلامية
الكوردستانية على ذلك الموقف مرارا.. وعلى العكس فقد نشروا
بأنهم لايقبلون وجود حركة إسلامية كوردستانية لأنها تحارب جيش
العراق "عدة تحرير فلسطين مستقبلا...!!" فلديهم تحرير
الفلسطينيين واجب إسلامي ولكن تحرير الكورد من ظلم البعثيين
المجرمين انفصال وخيانة وغدر للأمة العربية.. واليوم يتألم
بعضهم لرؤية الكورد أحرارا في ديارهم غير مشرّدين وغير معذبين
وغير مضطهدين من قبل سلطة جائرة في بغداد تجلب لهم الدمار
والخراب.. ولو كانوا راضين عن وضع الكورد اليوم في العراق
لرأينا ممثليهم في أربيل أيضا، مثلما هم منتشرون في شتى أنحاء
العالم يعانقون إخوتهم المسلمين في كل مكان...
الحقيقة الثانية:
هي أن الكورد لايعتبرون أمريكا "عدوا خارجيا" لهم، فأمريكا لم
تقتسم كوردستان، ولم تنهب بترول كوردستان، ولم تقصف مدنهم
وقراهم بالفوسفور والنابالم والسلاح الكيميائي المحرّم دوليا،
ولم تجر المذابح الجماعية بحقهم، بل ساعدتهم على تحقيق حريتهم
في جزء من وطنهم كوردستان بأن ضغطت على حزبيه الكبيرين لينهيا
خلافاتهما ونزاعاتهما الدموية.. أما القول بأن الكورد ساعدوا
الأمريكان فهذا ليس صحيحا أيضا، فالكورد حرروا إحدى مدنهم
الأساسية وقلب كوردستان "كركوك" كما حرروا مدينة الموصل التي
فيها نسبة كبيرة من السكان الكورد، ولكن الكورد لم يذهبوا مع
الأمريكان إلى الكوفة أو البصرة أو الحلّة أو الأنبار لتحريرها
من طغيان صدام حسين، وانما سقطت معظم المدن العراقية دون أي
قتال...
الحقيقة الثالثة:
هي أن الإخوانيين من أمثال رجاء الناصر لم يكلّفوا
أنفسهم يوما من الأيام مشقّة الذهاب إلى الكورد في سوريا
والسؤال عن أحوالهم ومشاكلهم ومطالبهم، فمشكلة الإخوانيين
الأساسية هي تحرير فلسطين وليس تلبية مطالب الشعب السوري، فكيف
بمشكلة الأكراد؟!.. ولا أدري هل هناك فقرة واحدة في برنامج
الإخوانيين السياسي حول حق الأمة الكوردية في الحرية والحياة
أم لا، كما لا أدري هل هناك فقرة واحدة عن حق الشعب الكوردي في
كوردستان سوريا، حتى يرتاح الكورد إلى أنهم أفضل بقليل من
البعث القومي العنصري الذي يسعى بكل وسيلة للقضاء على الوجود
القومي الكوردي..
الحقيقة الرابعة:
هي أن الإخوانيين من أمثال رجاء الناصر يقتربون من
البعث في خطا ثابتة ولا يزال بعضهم آملا في أن البعث الذي دمّر
البلاد وأذل العباد وله هذا الدستور الرديء قادر على فتح
"آفاق الإصلاح" .. ولا ندري حقيقة من نصدّق: هل البعث فعلا
في هرولة تجاه أمريكا؟ فإن كان هذا صحيحا فلماذا يتودد إليه
الإخوانيون الذين يعتبرون أمريكا "عدوا خارجيا"
ويحاولون اقناعه بممارسة سياسة الانفتاح على الشعب وإصلاح
نفسه؟... ولماذا لايهاجمونه مثلما يهاجمون "الحزب الأمريكي
في سورية" ؟!.. هذا الحزب الذي كانوا هم أول من أقام معه
العلاقات في تاريخ سوريا الحديث. طبعا
سلسلة الحقائق طويلة، ولكن سنكتفي بهذه الحقيقة الخامسة
وهي أن الكورد في العراق أثبتوا عدم انفصاليتهم بما يعملونه
الآن من أجل ترسيخ الوحدة الوطنية العراقية، والكورد في سوريا
أكثر وطنية من أولئك الذين يتاجرون بإسم الوطن والدين والقومية
العربية، ولانحتاج إلى وثيقة حسن سلوك من أحد، لا من النظام
ولا من المعارضة، ونحن لسنا جزءا من حزب أمريكي أو أوربي أو
اسرائيلي، ولكننا لن نسمح لأحد أيضا أن يلغي أو ينهي وجود
شعبنا الكوردي ويقضي على حقه في الحرية والحياة الكريمة وأن
يظل أطفالنا لاجئين في وطنهم إلى الأبد، ولن نقبل بأن يجعلنا
أحدهم جيش معاوية أو رؤوسا حان قطافها للحجاج الثقفي
وأحفاده من البعثيين أو من شابههم... وإذا لم تتمكن حكومات
وأنظمة متتالية تربعت على عرش سوريا من حل هذه القضية العادلة،
فإن الكورد سيقومون بكل ما يمليه عليهم واجبهم القومي والوطني
من أجل رفع الظلم وانهاء السياسة العنصرية والحصول على حقهم
العادل..