مبادئ وقواعد النشر

E-mail

مواقع أخرى

Link

عربي

 

 حريتكم هزيمة لنا...!!
                                                           
جان كورد

 

منذ أن تحررت البلدان العربية من جور الإمبراطورية العثمانية التي دانت ببقائها زمنا طويلا للصوفية، وذلك بعد تضحيات جسيمة وجهود مضنية قدمتها الشعوب العربية، فإنها تصطدم بما تمليه عليها طلائعها المثقفة من نظريات وأفكار وإيديولوجيات، منها قومية – يسارية في جانب، وقومية – إسلامية في جانب آخر، وتقف شعوب هذه البلدان بين منزلتين:الدكتاتورية والديموقراطية بسبب مجمل الأوضاع التي تمر بها المنطقة منذ أكثر من نصف قرن من الزمن بسبب تخبطات حكومات المنطقة و ولاءاتها وتخلفها واعتمادها على العلاقات العشائرية والطائفية والعائلية بدل مبادىء المواطنة في حكم بلدانها.

وهذا التناحر الإيديولوجي بين أنصار الإسلام والمنادين للشيوعية والداعين للديموقراطية دون انتصار أي منها انتصارا تاما أدَى إلى ظهور مشكلة "الانتماء " أو" الهوية "، إذ بالهوية يمكن لشعب من الشعوب تلمَس طريق الحرية والرفاه والتقدم.. فهناك من يصرَ على أهمية مقولات "القومية" و "العروبة" و "الوحدة العربية"، وهناك من يؤكَد على ضرورات "الطبقية" و "التعايش الاثني" والترفَع عن "القومي" إلى حالة "الأممية" بينما يجلس على الطرف الآخر من طاولة حوار الطرشان من يصرَ على مفاهيم "دولة الخلافة" و"التمازج القومي الرائع" وبناء "المجتمع الديني" بدل المجتمع المدني، وفي الوقت نفسه يشتَد الصراع بين عبيد الدكتاتورية وأنصار الديموقراطية، وبين المعتدلين والمتطرفين في كل طرف وجانب، والشعوب العربية في تغييب وتضييع وتغريب..

لقد أقام المثقف العربي – إلا من رحم ربي وربك - تحالفه مع النظام العربي الذي تمكَن خلال حقبة طويلة من الحكم الاستبدادي الذي لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال بأفضل من الحكم العثماني المتخلَف قد قضى إلى حد كبير على أجنَة التمرَد والتجديد والإصلاح والمعارضة، فخدم المثقف العربي متطوعا في جيش الظلام ضد جموع الشعب، راضيا بدور التبعية لمراكز القوى التي فرضت نفسها على قلمه وفمه وسمعه وبصره بقوَة الحديد والنار وبقوَة "الدولة الواطئة" التي تعمل أجهزتها القمعية السريَة في الخفاء منذ عقود طويلة ونشرت بيتها العنكبوتي بحيث اصطادت معظم المثقفين الذين صاروا مع طول الزمن يعتبرون العمل مع هذه القوى الخفية أمرا عاديا وسلوكا طبيعيا للمثقفين بشكل عام.

وعندما تنطفىء الأنوار يسود الظلام على مختلف الأنحاء وكل الزوايا، ويصعب على المرء لدى الاصطدام بالأشياء من تحديدها أو التعرَف عليها بشكل جيد، وتبقى أحكامه وآراؤه وتصوراته في إطار الظن والتخمين.
ومن تلك الموضوعات التي شوَه المثقفون الدائرون في أفلاك الأنظمة العربية حقيقتها بسبب تحالفهم مع الاستبداد القائم هو موضوع القضية الكردية التي هي قضية أمة ذات خصائص متميَزة في الشرق الأوسط كان ضحية مؤامرة دولية واتفاق استعماري (سايكس – بيكو) جزَأها عن بعضها بعضا على أثر الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي دون إرادتها أو رغبتها.

تتوضَح أبعاد هذه القضية وانعكاساتها الإقليمية والدولية يوما بعد يوم، بعد أن فشلت كل الحكومات المعنية في القضاء عليها بالقهر والعنف والإقصاء والتمييز وبجعل وطن الكورد "كوردستان" ساحة حرب مستمرة لأكثر من قرن من الزمن، كما فشلت في إيجاد حل معقول وعادل لها أو معالجتها معالجة علمية وواقعية...

لعب معظم المثقفين العرب دورا سلبيا للغاية في موضوع القضية الكردية، دورا منسجما مع مطالب الأنظمة السياسية وتصوراتها القاصرة والمؤدلجة والمغرضة، ولم يكلَفوا أنفسهم عناء الفحص والتمحيص والتدقيق والدراسة المتوازنة، بل اكتفوا في كثير من الأحيان بتقارير وتصريحات الفروع الأمنية والعساكر والمجرمين الذين كانوا يقودون الكورد إلى المذابح الجماعية سواء في شمال كوردستان أو جنوبها، شرقها أو غربها... وكان المثقفون العرب يؤيدون الحلول الترقيعية والتصفوية التي تحاول فرضها الحكومات المعادية للكورد وكوردستان بقوة القهر والغلبة مع أن تلك الحلول لم تتمكَن في يوم من الأيام من وقف النزاعات المسلَحة أو تحطيم الإرادة الكوردية في الحرية والحياة، وهذا ما كان يؤدي إلى تدمير إمكانات وطاقات شعوب المنطقة ودوام سيلان دماء الأبرياء واستمرار حكم الأنظمة الدكتاتورية التي كانت ولا تزال تستفيد من دوام المشاكل في تدعيم مواقعها المهزوزة وتجميع الطاقات التي هي بحاجة ماسة إليها في غياب صوت العقل والحكمة.

لقد نشر المثقفون العرب كثيرا من الأضاليل والتحاليل الخاطئة والمسيئة عن القضية الكردية بين شعوبهم العربية الظامئة إلى معرفة الحقيقة، فمنهم من أنكر وجود قضية كهذه بدافع إرضاء أسياده في الحكم أو بسبب جهله بالموضوع أو لمجرَد أنه غير قادر على الخروج من شرنقته العنصرية التي نسجها حول نفسه بنفسه فأعماه تعصبه القومي إلى درجة رفض وجود شعب بأكمله أو الاستهتار بالمطالب القومية العادلة لهذا الشعب أو إنكار معاناة هذا الشعب، بما فيه إنكار المذابح المتتالية التي تعرَض لها عبر التاريخ... واكتفى بعضهم بوصف  قضية أمة كاملة وكأنها مشكلة كسائر المشاكل الأخرى مثل انقطاع الكهرباء عن حي من الأحياء  الفقيرة أو تأخر القطار عن موعد إقلاعه أو ضياع طفل  كان يلعب خارج المنزل، لا أكثر ولا أقل...

وأبشع ما في هذه العروض المسرحية الرديئة لهؤلاء المثقفين الذين يصيحون ملء أفواههم من أجل الدفاع عن حرية شعوبهم وعن ضرورة صون حقوق الإنسان في بلادهم هو اعتبار حصول الشعب الكردي على حريته في عقر داره وعلى حقه في السيادة على الأرض التي استوطتنها منذ أيام "نوح عليه السلام" هزيمة للأمة السائدة، ويجدون في ذلك انتقاصا لوطنيتهم أو رفضا لرسالتهم الخالدة أو خروجا على وحدة الأرض والأمة، وكأن لسان حالهم يقول:"حريتكم هزيمة لنا". وهذا هو عين الخطأ وبعد عن جادة الصواب، فحرية الأمة السائدة في حرية الأمة المغلوبة على أمرها، وليس هناك غالب أو مغلوب في قضايا الحرية وحقوق الإنسان، وتمتَع الكورد بحريتهم له تأثير إيجابي في دفع عملية التقدَم والرفاه لدى جيرانهم، إذ تسكت الأسلحة وتتحول إلى محاريث، وكلَ منا يعلم بأن سلسلة حروب صدام حسين التي انتهت بالفشل الذريع كانت بسبب محاولاته اليائسة لوأد القضية الكردية التي كلَفت العراق وشعبها الكثير من الأموال والتضحيات وكلفَت التنازل عن جزء كبير من شط العرب وعن عربستان (الأهواز)، وكان ذلك سببا في إعلان الحرب على إيران التي أحرقت طاقات الشعبين المتجاورين وأراقت دماء أكثر من مليون إنسان، ومن ثم غزو الكويت.. إلى أن لقي نهاية حكمه ومسلسل جرائمه على أيدي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في آذار2003 عن طريق حرب خاطفة ومدمَرة أوصلت العراق وشعبها إلى ما عليه الآن من وضع رهيب ومؤسف، حيث تذبح الناس ذبح الخراف..

يقينا إن نضال الكورد من أجل حريتهم ليس عداء لأي أمة من أمم المنطقة أو للمثقف العربي أو التركي أو الفارسي أو لهذه القومية أو تلك، وحريتنا نحن الأكراد ليست هزيمة لكم..وهذا يجب أن يكون واضحا..  

 

 
 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

الأرشيف السياسي

الرجوع×××

الرجوع إلى المقالات

 Kurdistana Bixetê

    كردستان سوريا  

Syrische Kurdistan