إذا
ما نظرنا نظرة واقعية حيادية لواقع الحركة الحزبية الكردية
بأجمعها بشكل خاص والحركات الحزبية الأخرى في منطقة الشرق
الأوسط بشكل عام سنجد أنهم جميعا يعانون من أزمة فكرية خانقة
لأنهم ما زالوا متمسكين بأيديولوجياتهم القديمة ومتشبثين
بنظرتهم الضيقة للواقع العالمي الجديد وتداعياته متناسين القيم
الأخلاقية العالمية للحؤول دون الدخول في مواجهات حتمية حسب
المؤشرات والمعطيات الجديدة الحالية وخاصة بعد سقوط الاتحاد
السوفياتي السابق التي تلقت هذه الحركات الحزبية منها جرعات
خاطئة مازالت تتألم منها و قد تؤدي إلى اختلاطات لا تحمل عقباه
بالرغم من إجراء الجراحات التجميلية هنا وهناك ما لم ندرك ونعي
حقيقة التطورات الأخيرة وما تحمل في طياتها من مفاجآت...إنها
الليبرالية الجديدة ؟ أو العولمة –المتداول حاليا في الإعلام-
.
الليبرالية... تعني الأخذ بكل ما نجح الآخرون فيها... وقد
تداولها الشعوب فيما بينها منذ القرن السادس عشر للحد من تسلط
الكنيسة والإقطاع في العصور الوسطى مما أدى إلى انتفاضة الشعوب
وخاصة الطبقة الوسطى منها والمناداة بالحرية والإخاء والمساواة
ونشأت نتيجة التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا في ذلك
الوقت ولكن لم تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع
على يد مفكر واحد بل أسهم فيها عدة مفكرين وإعطائها طابعا
مميزاً وملامحاً وخصائص مشتركة ولم تظهر كفلسفة سياسية
واقتصادية إلا في القرن التاسع عشر في أوربا واتخذت أشكالا
مختلفة في أزمنة وأماكن متعددة وفي طورين مهمين ولكن ما يهمنا
هو الطور الأخير منها التي تعرضت لتغيير في مسيرتها الطويلة
وانتهت إلى حد أن دور الحكومة ضروري على الأقل من أجل توفير
الشروط التي يمكن فيها للأفراد أن يحققوا قدراتهم بوصفهم بشرا
ويحبذون التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد والسياسة من
أجل صالح المنفعة العامة ويؤيدون البرامج الحكومية التي تتوفر
فيها برامج التأمين ضد البطالة – قوانين الحد الأدنى من الأجور
– معاشات كبار السن – والتأمين الصحي. كما أن الليبراليون
يؤكدون على إعطاء الأهمية الأولى لحرية الفرد وأن تزيل الحكومة
كل العقبات التي تواجه التمتع بتلك الحرية وتهدف إلى استقلالية
وفصل السلطات الثلاثة : من تشريعية وتنفيذية وقضائية وأن يعطى
للمواطن أكبر قدر ممكن من الضمانات في مواجهة التعسف ويرى أن
المجتمع لا يعدو أن يكون مجموعة من الأفراد التي يسعى كل فرد
فيها إلى تحقيق ذاته وأهدافه الخاصة بل إعطاء الفرد جميع
الضمانات وإقامة دستور قائم على موافقة المحكومين ووضعت العديد
من لوائح الحقوق التي أعلنت حقوق الأفراد في مجالات الرأي
والصحافة والاجتماع والدين وضمانات سوء استعمال السلطة من قبل
الشرطة والمحاكم وتطالب بالتخفيف من السلطة على الأفراد إلا
فيما يتعلق بالحماية العامة للمجتمع والدفاع بمواجهة الأجنبي
والتي وقع عليها معظم الحكومات الحالية. وقد حدد منظرو
الليبرالية الجديدة دور الدولة الذي يجب أن تقوم به بما يلي :
1-
أن تعمل كل جهدها للحد من التضخم والانكماش.
2-
منع الاحتكار.
3-
أن تتحمل كافة الخدمات العامة.
4-
التقليل من المخاطر والأزمات الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية.
5-
التدخل عند وجود خلل في بنية ما من المجتمع والدولة.
وكلما قللت الحكومة من فرض سلطتها كلما كان أدائها أفضل وخاصة من
الناحية الاقتصادية والحريات العامة وحقوق الإنسان ويرون أن
التنظيمات الحكومية الهائلة ليست ضرورية ولكن لها أهمية في تنظيم
السوق.
الليبرالية... لا تعني انتهاج سلوك دول الخليج حيث أجمعت بين
انفتاح اقتصادي واندماج في العولمة مع أنظمة سياسية تقليدية
ومحافظة وتعشعش الفكر السلفي الظلامي في عقول الكثير منهم ناهيك عن
المناهج الدراسية...؟ ولا تعني أيضا كما سلكتها الحكومة الأردنية
عندما لجئت إلى تأميم سياسي وحل البرلمان وعطل العمل النيابي لمدة
سنتين وأصدرت مجموعة من القوانين الاستثنائية وحلت البلديات
المنتخبة لترسيخ منهج ليبرالي والانفتاح الاقتصادي للحد من ظاهرتي
البطالة والفقر...؟؟؟ وكذلك بالنسبة للصين الشعبية عندما جمعت بين
الليبرالية الاقتصادية والاستبداد الشيوعي الماوي وهروب مواطنيها
بطريقة مهينة إلى السفارات الغربية طالبين اللجوء السياسي...؟؟؟
باعتقادي لا يوجد أي تعارض بين الليبرالية الجديدة الحالية
والديمقراطية والإصلاحات التي ننادي بها ليلا ونستيقظ صباحاً ولا
نجد أي أثر لها على الواقع وان حدثت بعض التجاوزات في مراحل وأزمنة
معينة وكان سببا في عدم استقرار في أوربا حيث كانا في حالة من
الصراع وتنافس متبادلان وان أخذت الليبرالية شكل من أشكال الهيمنة
بينما الديمقراطية هي حصيلة نضالات جماهيرية في ذلك الوقت...وكذلك
تشكل الديمقراطية مكون من مكونات الليبرالية والقوة المحركة لها
ولكنها ليست الكل فيها بل الجزء الرئيسي لها.
الليبرالية ... لا تعني مطلقا بإباحية شرب الخمر أو الزواج المثلي
أو المطالبة بمساحة من شاطئ ما لممارسة التعري طالما هذه المطالب
لا تضر الآخرين... ليس هذا هو موضوع اليبرالية بل تعني الأخذ بكل
ما نجح الآخرون فيها من خلال تجربتهم الفعلية على مدى العصور
السابقة وترك كل ما هو منافي لعاداتنا وتقاليدنا ومستوى وعينا
وتطورنا الاجتماعي والسياسي والأخلاقي ولم تطلب المستحيل من البشر
والحكومات سوى ما هو ممكن...؟؟ مع العلم أن مفهوم الليبرالية ليس
ثابتا ولم تكن ثابتا يوما ما بل تطورت وأخذت أشكال مختلفة ومتعددة
منذ نشوءها خلال إعلان الثورة الأمريكية 1776 و الثورة الفرنسية
1789 وإعلان حقوق الإنسان 1948 وأخيراً وليس آخرا الإعلان العالمي
للأمم المتحدة 1949 وما تلاه من معاهدات وظهور الدساتير الأخرى –
بالرغم من تعرض الليبرالية للانتكاسة عام 1923 ولم يكن بإمكان
الدول المتقدمة الحالية وخاصة الأوربية منها أن تخرج من حروبها
الأهلية وأزماتها الاقتصادية – دعه يعمل دعه يمر- لولا تبنيها
الفكر الليبرالي وفصل الدين- الكنيسة - عن الدولة...الدين لله
والوطن للجميع. فالقيم والمثل والحب والكرم والمروءة والشجاعة
والثبات هي قيم ثابتة لدى البشر ولكن هناك قيم تتغير بتغير الزمان
والمكان كالعدل والحرية والمساواة والاقتصاد والتكنولوجيا والطب
والفلك...الخ وخاصة التاريخ لم يستطع حتى الآن أي فيلسوف أو رسول
من الرسل أن يعيد التاريخ إلى الوراء- حروب داحس والغبراء- ويتحكم
بمسيرته الطويلة – حلوها ومرها- وأن يضع قانونا موحدا لجميع البشر
إلا بالقوة – السيف - والاستبداد...كما فعل أولئك المتزمتون الذين
اتخذوا من الإسلام مطية للوصول إلى السلطة والضحك على الذقون...
إن الطريق لبناء مجتمع عصري متوازن لا يأتي من وراء انتهاكات حقوق
الإنسان وملاحقة رجال أحياء المجتمع المدني تحت ذرائع مختلفة
والتعدي على حقوق الأقليات القومية وصهرهم بالقوة وإبعادهم من
المشاركة الفعالة في إدارة شؤون البلاد وملئ السجون بالكتاب من
خيرة العقول...؟؟ كيف سنبني ونحرر ونواجه مادام خيرة العقول مهمشين
والاعتماد على البلطجية والمزاودين والمنافقين والكذابين والجهلة
والجبناء والمرتزقة - كتاب التقارير- مع كل احترامي للآخرين...
يمكن فقط بناء مجتمع إنساني مبني على أسس صحيحة تستمد قوانينه
ومعرفته من المعرفة والخبرة الإنسانية الطويلة وبنت حضارات رائعة
كما هو الحال في البلدان الأوربية والقائم على المساواة والتسامح
بين البشر مهما كان جنسه أو عرقه دون خوف أو إرهاب أو سجن أو
تكفير...؟؟؟.
إن الحديث عن انهيار وسقوط الاتحاد السوفياتي ومجمل الدول
الاشتراكية التابعة لها بسبب خضوعها للبرامج التقويمية لصندوق
النقد الدولي وهيمنة المؤسسات المالية الدولية يعتبر افتراءات
والتهرب من الاعتراف بالعجز الحاصل في عقول بعض المخططين
الاقتصاديين والسياسيين الكبار وغياب الحريات في تلك الدول وبسبب
غياب الديمقراطية ومركزية القرارات العامة والحزب الواحد والرأي
الواحد والاقتصاد المنغلق على نفسه وغياب الاستثمارات الأجنبية
والتنافس التجاري الحر بين القطاعين العام والخاص – لم يكن هناك
قطاع خاص- مما أدى إلى ظهور وتفشي الفساد طولاً وعرضاً في هيكلة
وإدارة جميع المؤسسات الحكومية وبالتالي إلى تآكل نفسها ومن ثم إلى
الانهيار نتيجة الأزمة المزمنة المتفشية في هيكلية ذلك النموذج من
النظام الاقتصادي... فالاقتصاد الحر هو الذي ينظم نفسه ولكن تحت
رقابة وتدخل الدولة عندما يستدعي الأمر ذلك... فالليبراليون حققوا
مكاسب جمة وتاريخية للطبقات الكادحة والشعوب كالضمان الاجتماعي
وتحديد ساعات العمل والحد الأدنى من الأجور والصحة المجانية
والتعليم المجاني وسيادة القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو
الدين وأعطوا المرأة كامل حقوقها ودورا متقدما في جميع مناحي
الحياة وتمخضت عنها منظمات لا تعد ولا تحصى. منها ما يتعلق بحقوق
الإنسان، ومنها ما يتعلق بالبيئة والحيوانات البرية والقردة
والأسماك وإزالة الألغام المزروعة في العالم والأيتام وصيانة حقوق
الطفل والمعاقين والمعتوهين والصم والبكم ناهيك عن ملايين
الدولارات الإضافية التي تصرفها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل
معالجة المرضى المصابين بالإيدز/ سيدا / وكذلك منظمات للإغاثة
والطوارئ في البحار وضد الكوارث الطبيعية...الخ وأخيرا سأقول: بأن
التغيير والإصلاح هي حاجة بشرية وسنة الحياة على الكون وتحت أي
مسمى كان لا يهم.. وليس دافع فردي جامح ومزاجي يخضع لها الفرد في
المجتمع وأسيرا لعبارات وأفكار غوغائية من هنا وهناك . |