أكراد سوريا: موعد مع التاريخ
مؤلف جديد للدكتور رضوان باديني
تعليق الدكتور جواد أومري.. 23.03.05 / 13.50 /
K.Binxete

 
 

  كرس الدكتور رضوان باديني عمله الجديد " أكراد سوريا: موعد مع التاريخ" الصادر في باريس 2005 (196 صفحة) باللغة العربية للذكرى الأولى لانتفاضة الكرد في سوريا. وكما هو معروف أن المؤلف كان قد نشر في نهاية العام المنصرم كتاباً عن نفس الموضوع باللغة الروسية بعنوان: "الأسد والأكراد: شريعة الغاب"(موسكو 2004). ورغم التشابه وقرب محتوى المؤلفين لكنهما متباينان، والكتاب الصادر بالعربية ليس ترجمة للكتاب الصادر بالروسية و يعتبر حقاً كتاباً جديدا بشكله ومضمونه وحجمه وتنوع مواضيعه. والكتاب باختصار شديد، هو عبارة عن سرد مسهب من أرض الحدث عن المواجهات الدامية بين الكرد وأجهزة القمع البعثية في المناطق الكردية بسورية من وجهة نظر شاهد عيان حملته الأقدار لزيارة الوطن والأهل بعد 27 سنة من الغياب. وهو بحث دقيق عن العوامل المؤسسة للحظة انفجار تراكمات سياسة من الاضطهاد والتمييز القومي؛ وعن أشكال التحدي الشعبي العفوي لسياسة التعالي والغطرسة.
نظرة مفصلة عن جوهر المسألة القومية الكردية في سوريا؛ ومقارنة لها مع بعض نظائرها العالمية للخروج بحجج وبراهين لصالح الحل القانوني، السلمي والعادل؛ وعن التحديات السياسية للمسألة ومستلزمات عمليات الإصلاح المرتقبة في سوريا.. وبالإضافة إلى هذا وذاك هو عرض وتحليل للحجج والبراهين المقتضية حل المسألة الكردية في سوريا على أساس حق تقرير المصير من وجهة نظر القوانين والشرائع العصرية".

بدءاً لا بد لي، من إشارة توضيحية حول إيحاءات العنوان "أكراد سوريا: موعد مع التاريخ" على كتاب يحمل صورة نموذجية أصبحت معروفة من انتفاضة 12 آذار، إن هذا العنوان يوحي قبل كل شيء برابطة شكلية مع أسلوب تقريري صحفي عن الحدث، لكن ما نلمسه في النص هو شيء مختلف ومغاير من حيث أسلوبه ووقعه وحبكته. إنه سرد زاخر وغني لشرح أبعاد مسألة إنسانية بالأشكال النافرة والألوان والمدلولات المجسدة لحالة استثنائية خاصة تجتاز معانيها الحدود المعهودة للكلمات. سيما وأن المؤلف يدثر انطباعاته بنسيج ألوان أدبية فنية متنوعة ويعتصم بمعاقل "المراقب" و "المتحري" و"القاص" و"المحامي"... لينقل لنا رشفة الموضوع برعشات أبطاله كما لو إنه يتكلم من داخلهم. لذلك باعتقادي أن هذا كتاب يصعب تصنيفه من ناحية الموضوع الأدبي. فهو يجمع بين مواصفات الرواية والقصة والتاريخ الوثائقي والبحث العلمي والتقصي...في آنٍ واحد.  وقد يكون المؤلف قد احتاج إلى قوة دفينة ومميزة لكل هذه الألوان الأدبية دفعة واحدة للتعبير عن موضوع مترام الأطراف والأبعاد والمعاني، هائل في وقعه وتأثيره على ذاتية المؤلف بالعمق والاتساع. أن ذلك يكون واضحاً حينما نعلم أن المؤلف نفسه كان في خضم هذه الأحداث في الفترة التي جاء لزيارة الوطن ولأول مرة بعد غياب دام 27 سنة من الاغتراب.(!)  فيقيناً إن هوة الاتساع والعمق بين المؤلف والموضوع، بعده عن مجريات الأمور طوال هذه الفترة، ثم قربه بكل المعاني مما حدث ومعايشته لها وبشكل مفاجئ، كان كافياً لخلق حالة اندماج غير طبيعية لمشاهداته. فأحداث الانتفاضة الكردية التي قرأنا وسمعنا عنها الكثير والتي ستحفز آخرين في المستقبل بدون شك، بكتابة وإنتاج أعمال وألوان فنية كثيرة... تأخذ هنا منحى آخر... سجلها الكاتب بطريقة بيانية كما لو إنها تتأثر برعشة داخلية للناس العاديين وبزفراتهم، صعوداً وهبوطاً. إنها قراءة بل وشاية منفعلة للإيماءات الخرساء لأبطاله ولوجوم مشاعرهم المقفلة بالرعب...

  إننا نلاحظ بشكلٍ لا يعتريه الشك تداخل العلائق الذاتية والشخصية الدقيقة للمؤلف مع وشائج الموضوع. وعليه فأن رؤية المؤلف شهادة لميلاد عهد جديد. إن حديثه عن الناس البسطاء ووصفه لتصرفاتهم أثناء الأحداث نستشعره من خلال العمق المعرفي للمؤلف بوضعهم التاريخي. فهو يقارن على سبيل المثال " ردو- الشاب الكردي المغبر الوجه ... "كالمنجنيق الحجري".. وهو يملأ جيوبه بالحجارة ليرمي بها.. رشاً ودراكاً على رجال الأمن..." إنه يشبهه" ببطله "مرجان"- (في روايته" الطائر الغريب" التي صدرت عام 1991 في السويد باللغة الكردية)، حينما كان الأخير ينظم ألعاب حربية مع أقرانه "لتحرير بلده من الظلم والاضطهاد..!"...حيث كان يتحول في خياله الخصب لصقرٍ حديدي صغير لا تحد حركته في الانتشار أية حدود، ولا تعرف قواه البدنية التعب أو الضناء..!.

فالمؤلف هنا لا يتكلم مع الناس من خلال مشاهداته الآنية فقط بل يجد فيهم الصورة المتطورة عن أطفال وشباب جيله (جيل السبعينات) ويلتقط فيهم معالم الحركة الكردية في تلك الأيام العصيبة. " كنا نحتفل بنوروز في غرف شبه مظلمة، محكمة الإغلاق...!"،   ليقيس ذلك بنوروز اليوم و شباب اليوم وهم يحملون الأعلام والرايات عالية، ويصرخون بأعلى أصواتهم الأناشيد الوطنية.. والأغاني القومية الممجدة لكردستان!" ويتسائل: "هل هذا التغيير كثير أم قليل؟"  ويترك القارئ بنفسه يصل إلى القناعات المختلفة ليقودنا من جديد إلى استفهامات واستفسارات عريضة وواسعة لكل ما فات عليه رؤيته في سنوات غيابه.

  إن المؤلف الذي يتشبث بتفاصيل أحداث ومشاهدات ووقائع يرصد من خلالها التطور والنضج الذي طالما شغل باله إثناء تحريه عن المسائل الوطنية. وهو يبغي من ذلك قياس درجة التحولات التي طرأت على مختلف شرائح المجتمع الكردي ويسعى بالقياس على استقصاءاته واستنتاجاته حولها وضع القارئ في صورة الحركة في جميع مفاصل وفقرات المجتمع الكردي. إنها إشارات وعلامات يريد المؤلف تسجيلها للتأكد "بان أيامنا حبلى بمفاجآت... ويوشوش في آذاننا، "إن بوادر ولادة عهد جديد، ليس ببعيد..." ولهذا كله فالمناخ الذي ينقل لنا المؤلف حرارته مناخ نجد تكومات إنجازاته في الطريقة التجميعية الكمية للتطورات مثلما نجد إلى جانبها الدرجات النوعية للجاهزية والاستعداد لكل خلايا المجتمع. وهو يكرر في عدة مناسبات ما مؤداه: "إن الوضع القانوني المخزي لم يعد يناسب هذا الجيل المتطلع بجدية نحو الحرية. وهو في نهاية هذه "المحنة" لن يفقد شيئاً سوى أغلاله وقيوده.

  إن المؤلف يسلك في اتجاهات الفكر والمنطق ومناطق من الشعور والأحاسيس ليجيء لنا من تنقلاته برؤية جديدة للأبعاد التي أحاطت وتحيط بالمجتمع الكردي وذلك في مقارنة ممتعة بين "الأمس" و" اليوم " في حديث الناس العاديين و البسطاء - كعينات من المجتمع.  ويسجل دور " الساتلايت والتلفزة والهاتف الخلوي والإنترنيت والجالية الكردية في المهجر... ووقع الأخبار السياسية باللغة الكردية وظروف العالم الجديد الذي نشهد إرهاصاته في الحروب الإستباقية... الخ، ليشير إلى الفوارق التي لا بد من إزالتها في العمل والسلوك الفردي والجماعي للتمكن من رؤية "غد مشرق" والمجتمع المنشود .


  إن الكتاب يشبه رواية لسيرة ذاتية ممتزجة خيوطها بالوضع الاجتماعي وبعلائمه الماضية والحاضرة، تروى من على أطلال ذكريات الأمس كرؤية تحليلية، بموضوعية، وبتسجيل مجهري الأحداث التي هزت المنطقة الكردية برمتها وجعلتها تتدارك اللحظة الحاسمة للتفكير بما يؤديها لتخطي صعوبات هذه الحياة الغير إنسانية كطموح مشروع لتحقيق وضع قانوني جديد جدير بالحياة الإنسانية الكريمة.

  ومن هنا الوقوف على بدايات تطور الحركة الكردية والوقوف على المراحل التي تعرضت فيه إلى "العقوبات الجماعية" ليصبح عرضة لأكبر وأشرس حملة تستهدف وجوده المادي والروحي وتبغي محوه من الوجود في القرارات الجائرة "الإحصاء الاستثنائي" والحزام العربي" والتعريب والإمعان الشوفيني في تغيير معالم وطنه الديموغرافية. ومن هنا، برأيي، جاء العنوان ألسجعي للكتاب" أكراد سوريا: موعد مع التاريخ". كإطلالة لغد مشرق من خلال وقائع اليوم استنادا بمنطق التاريخ.


    ويتعرض الكتاب بعد هذه النظرة التفحصية العلمية، في باب خاص، للعلاقات السورية الأمريكية المتأزمة. حيث نجد هنا بعض المقالات التي نشرها المؤلف سابقاً في الصحف الروسية، حيث يعطي فيها لمحة موجزة عن الأسباب البعيدة والقريبة التي تسهم في استمرار اتساع الهوة بين البلدين نتيجة تباعد الرؤى الإستراتيجية لقضايا السلام والأمن والحرية والديمقراطية في ظروف العولمة والتأثير المتبادل للدول والشعوب.

 
    إن الكتاب يعتبر برأيي مصدراً جديداً وهاماً في تاريخ دراسات الشأن الكردي في سوريا. والمحاولات الحثيثة للمؤلف بالإمعان في المسائل الحقوقية الدولية لإثبات أحقية بل وشرعية المطالبة الكردية بحقهم في تقرير المصير - إحدى أهم المحاور التي يعالجها الكاتب.. وكما هو معروف حينما تتوفر من وجهة النظر الحقوقية، خروقات في الحقوق الأساسية ( المدنية والسياسية والملكية..ألخ) لمجموعة قومية و أثنية..تملك هذه المجموعة قانونياً الحق في البت في وضعها لدى المؤسسات الدولية المختصة التابعة للأمم المتحدة بإيجاد ما يكفل ضمان هذه الحقوق المعترف بها دولياً.

  وفي القسم الأخير(الملحق) نجد ثلاثة مقالات تقيمية للكتاب والصحفيين الروس (مترجمة للعربية) حول الأهمية العلمية للكتاب ودوره في تنوير جوانب هامة من الحركة السياسية الكردية السورية الراهنة.

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

الأرشيف السياسي

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Syrische Kurdistan