|
هل يستفيد الكورد من نصائح السير ونستون تشرشل
اجتمع الساسة الإنكليز بمهندس السياسة البريطانية السير ونستون
تشرشل بعيد الحرب العالمية الثانية تتآكلهم هواجس شتى عما وصلت
إليه الحال في الإمبراطورية التي لم تكن تغب عنها الشمس ؛ ملايين
القتلى واقتصاد منهك وبنية تحتية مدمرة ومآس اجتماعية وإنسانية أدت
لشلل في مفاصل الحياة المدنية ؛ وطالبوا السير تشرشل النصح والرأي
السديد فأجابهم إنه مستعد لإعطاء الجواب الشافي شرط إجابتهم عن
تساؤلين بكل صدق:
- ميزان العدل وكيفية تطبيق القانون
- ميزان العلم وواقع حاله ومستوى التعليم والتدريس
أجابه الساسة المتألمون على حال إمبراطوريتهم: العدل والقانون في
إنكلترا مشهود له من العدو قبل الصديق فالقضاة الإنكليز ُيختارون
بدقة متناهية من أصحاب الكفاءات النادرة علميا وأخلاقيا و يملكون
شيكا مفتوحا يأنفون به عن الرشوة ويحكمون بما يمليه عليهم ضميرهم
القانوني والمهني والأخلاقي 0 كذلك الحال مع ميزان العلم فالعلم
متاح للجميع بدون تمييز (فليس هناك من هو بحاجة لموافقة الأمن
السياسي لدخول المدارس والجامعات كما هو حال الكورد المجردين من
الجنسية في سوريا ) وأن الطالب الإنكليزي ينال حقه في مجالات العلم
حسب تفوقه وليس هناك استثناءات أومحسوبيات أبدا ولايمكن لابن
الملكة الدراسة في الكلية الملكية البريطانية إذا لم يكن مستوفيا
لشروطها.
أطلق السير تشرشل نفسا عميقا من سيكاره الشهير مبتسما و قال :
ستعود المملكة المتحدة كما كانت بل وأقوى0وهاهي المملكة المتحدة
بعد أكثر من نصف قرن أكثر قوة ومنعة وامتلاكا لاسباب الحضارة
والتقدم والتطور على كافة الأصعدة.
نستنتج مما سبق أن سيادة القانون والعدل و استقلال القضاء وانتفاء
المحسوبيات ؛ وإتاحة فرص التعلم والدراسة للجميع مع تأمين
مستلزماتها من مدارس وكوادرومناهج مواكِبة للعصر والبعد عن كل
الإستثناءات والتدخلات من أي جهة كانت في سياسة التعليم ؛ سيوصل
الأمة إلى بلوغ الركب الحضاري والتقدم والمنعة والرفاهية وبالتالي
إلى قمة ما تطمح له الحضارة الإنسانية.
فما أحوجنا نحن الكورد إلى التمسك بكل جدية في نضالنا اليومي( كل
جزء حسب ظروفه) بنصائح السير تشرشل والعمل الدؤوب لأخذ مكاننا تحت
الشمس إلى جانب الأمم المتطورة والحضارات الاخرى.
فيجب على الكورد في سوريا وتركيا وإيران التوجه نحو المدارس
العلمية بشتى مشاربها واختصاصاتها وأن يضاعف من أتيحت له الفرصة من
دراسته ليسد الفراغ الحاصل عمن لم تتح له الفرصة من أبناء جلدته
وليوازن النقص العددي مع أقرانه من باقي الملل ثانيا0فبالعلم وحده
يمكن إفشال كل المخططات الهادفة لحل وصهر وابتلاع الشعب الكوردي
ضمن بواتق المحتلين وسياساتهم الشوفينية الحاقدة(من تعريب وتتريك
وتفريس وتخويف وطمس ) ؛ واستغلال تقنيات العصر الحديثة لفضح هذه
المؤامرات ولإيصال صوت الكورد إلى المحافل الدولية ذات الصلة
0وبالعلم وحده يتخلص الكورد من تشرذمهم السياسي وتناحرهم العشائري
وتخندقهم الحزبي وبالتالي قدرتهم يوما على خلق مرجعيات تعمل على
تنظيم الجهد الكوردي وتوحيد صفوفهم للوصول بالسفينة الكوردية إلى
شاطئ الأمان والأمل.
نصائح السير تشرشل والكورد في كوردستان الجنوبية :
إن أخطر ما يواجه الكورد هنا هو خلع عباءة البيشمركه النضالية
والاستسلام لحياة البذخ والتبذيرو المحسوبيات والفوقية بأحقيتهم في
الثروات التي طالما حرموا منها في زمن النضال والكفاح والتعامل مع
كوردستان أرضا وشعبا كنوع من الغنيمة وبالتالي التفرد بالسلطة
والإستقواء بها على الشعب الذي طالما تغنى برموز يتهم ُمؤملا النفس
بهم للخلاص من الجلادين الذين انتهكوا الكرامات والأعراض وسلبوا
الأرض والممتلكات ؛ وبالتالي فقدان الطليعة والحامي في فترة
النقاهة الحرجة مما سيؤدي لتفكك الصف الداخلي والانشغال عن الإعمار
ولحق ركب الحضارة ويسهل الطريق أمام الجراثيم الهامدة والحاقدة
لإعادة الانقضاض على الجسد الكوردي بعوده الطري 0إن العوامل
الدولية والإقليمية وُعهرَ الديكتاتورية البائدة سهّلت أجواء
الفدرالية لكوردستان العراق ولكن العامل الذاتي هو الضمان الأوحد
للحفاظ على مكاسب الشعب الكوردي في التحرر والإنعتاق وشعوره لاول
مرة في التاريخ الحديث بهويته القومية وتمتعه برفرفة علمه الخاص(
آلا رنكين ) فوق ترابه أسوة بباقي شعوب المعمورة ؛ ولنبدأ بنصيحة
السير تشرشل على نطاق سيادة القانون واستقلالية القضاء ونشر العلم
والمعرفة والأخذ بأسبابهما لنتجاوز بذلك حتمية ابن خلدون في
"انهيار الدولة":
1- سيادة القانون واستقلالية القضاء :
إن الإنسان أسمى ما في الوجود وقد سخر الله له ما في السماوات
والأرض عند امتلاكه سلطان العلم ؛ وكرّمه (ولقد كرمنا بني آدم )
وما الشرائع القانونية عبر التاريخ كشريعة حمورابي وصولا إلى
الشرائع السماوية إلا لخدمة الإنسان وصون كرامته فالأمة التي ينضوي
كل أفرادها تحت سقف القانون هي أمة حية تحمل بذور الحضارة والتقدم
في جنباتها ؛ فيجب بادئ ذي بدء أن ينضوي كل المسؤولين الكورد تحت
سقف القانون الذي سنّوه ويلتزموا به ويطبقوه على أنفسهم كي تتقبل
شرائح المجتمع تطبيقه واحترامه مع الحذر الكامل الا يحمل في طيا ته
أو تطبيقاته مواقف عانى منها الكورد على يد الديكتاتوريات (كمصادرة
الممتلكات ولو للمصلحة العامة الا بعد موافقة المواطن الكوردي وشرح
مقتضيات المصلحة العامة وتعويضه بشكل عادل ) ؛ وأن تكون سعادة
المواطن الكوردي هي غاية القادة في السلطات التشريعية والتنفيذية
وجل مرادهم 0 وأن يُختار القضاة من أصحاب الكفاءات العلمية
والأخلاقية النادرة ومن خلفيات وطنية كي يحكموا بروح القانون لا
بنصوصه فقط 0ويعملوا كي يتعود الشعب الكوردي على الخروج من الدائرة
العاطفية إلى الدائرة العقلانية و حياة النظام والتعرف على
الأساليب الحضارية وتقنياتها في ممارسة حياته اليومية 0 ولعل غاية
الأمل أن يصل الشعب الكوردي إلى التزام البيشمركه ومحبتهم لقادتهم
الميدانيين : تجاه كل المسؤولين في كوردستان بعد لمسهم تضحيات
المسؤولين للوصول بشعبهم إلى الطريق المرسومة لموازاة باقي الشعوب
العالمية الحضارية 0وليعمل الجميع متكاتفين للتخلص من كل الشوائب
التي رسختها الأنظمة الديكتاتورية كأساليبٍ لتعامل القادة مع
شعوبهم؛ فكثيرا ما نرى الأمراض التي كانت تعاني منها الأنظمة
الديكتاتورية قد بصمت الأحزاب المعارضة لها في التعامل الداخلي
لهذه الأحزاب ؛ مثل : الرئيس في هذه الأنظمة هو الملهم إلى الأبد
وكذلك الأمناء العامين للأحزاب الكوردية هم للأبد... وغيرها الكثير
من الأمراض التي يجب على الكورد التخلص منها في مسيرته نحو التقدم
والحرية وفي الوقت المناسب . في المجتمعات البشرية التي تحاول
البناء من جديد يجب عدم خرق الدستور والالتزام به من رأس الهرم
نزولا إلى القاعدة . بل يجب أن يشعر الجميع بالسعادة عند تطبيق
القانون ؛ أقتبس هنا رأي أحد رجال الأعمال الكورد السيد عارف رمضان
: أنه شعر بسعادة غامرة عندما سدد الرسوم الجمركية في بوابة
إبراهيم الخليل الكوردية ؛ فعندما نساعد كل المواطنين للوصول إلى
ذات الشعور عندها نطمئن على مستقبل كوردستان 0 سأختم هذه الفقرة
بحادثة لذات المغزى0ِاسُتدعيَ تشرشل لحضور اجتماع عاجل أثناء الحرب
فتجاوز سائقه الإشارة الحمراء فأشار شرطي المرور له بالتوقف عاجله
السائق كي يتوقف عن تحرير المخالفة بأنه يقل السير تشرشل إلى
اجتماع عاجل ؛ فأتم الشرطي مخالفته طالبا منهم التزام الأنظمة ؛
عندها خرج تشرشل من السيارة وأخذ يصفق للشرطي وهو يقول : الآن أجزم
بانتصار هذه الأمة في حربها لقدسية النظام المغروس لدى أفرادها في
أحلك الظروف.
2-عامل العلم والتعليم :
لاشك أن الأنظمة الدكتاتورية عملت على إبعاد الشعب الكوردي عن أبسط
مراحل التعلم كي يسهل لها دائما السيطرة عليه وذلك عبر تحويل
أراضيه إلى ساحة حروب دائمة و إفقاره ماديا ضمن قوانين استثنائية
صعبت على الكورد لقمة العيش ناهيك عن الأخذ بأسباب العلم فقد كان
هدف الكورد في هذه المرحلة هو الحفاظ الغريزي على الوجود 0فكثيرا
ما لجأت هذه الحكومات القاتلة إلى استهداف بعض المدارس إن وجدت كما
حصل في جريمة قصف المدرسة الابتدائية في راوندوز حيث دمرت المدرسة
واستشهد المئات من الأطفال فيها.
لذا يجب رسم خطط تعليمية شاملة مستعينين بكل المؤسسات الدولية ذات
الصلة ومرحبين بكل الطاقات العلميةالكوردستانية المنتشرة في العالم
أجمع وذلك عبر :
1- البدء بالتوسع الأفقي في بناء المدارس كي تشمل كل أصقاع اقليم
كوردستان
2- إلزامية التعليم وتهيئة الفرص لضم كل طفل كوردي إلى مقاعد
الدراسة الأولية
3- استيراد المناهج من الدول المتقدمة في هذا المجال وصقلها بما
يتناسب وثقافتنا الكوردية
4- احتضان كل الفعاليات العلمية الكوردية المختصة وتوجيه النداء
لها من كل أصقاع العالم كلٌٌ حسب اختصاصه ليدلو بدلوه للمشاركة في
بناء الهرم التعليمي وفق أحدث الشروط في اقليم ٍكوردستان مستفيدين
من تجارب الشعوب المتقدمة التي عايشوها
5- الاستعانة بالخبرات البشرية المتقدمة لدول العالم الصديقة
واليونسكو واليونسيف
6- إرسال الكوادر الكوردية ذات الخلفيات المؤهلة علميا ووطنيا
للإطلاع على تجارب الشعوب المتقدمة كأوربا وأمريكا واليابان
واستراليا وكوريا الجنوبية وليعملوا كجسور لنقل حضارات هذه الأمم
إلى كوردستان
7- منع التدخلات في سلك التعليم من أي سلطة غير مختصة والحفاظ على
نزاهة الميزان العلمي مهما كانت النوايا خلف تلك التدخلات ؛وإتاحة
المجال للمتفوقين لبلوغ أعلى المراتب التي يستحقونها
8- افتتاح حملات وطنية لدورات محو الأمية لكافة فئات الشعب ضمن
نطاق عملهم وخاصة البيشمركه لمساعدتهم في استيعاب الأساليب الحديثة
9- رفع المستوى المعاشي للعاملين في سلك التعليم كي تزداد الرغبة
للانضمام إليه والعمل فيه
10- العمل على تعليم الأطفال قدسية النظام وعدم إقحام السياسة في
المدارس ؛ أي إبعاد المدارس عن المسيرات والتظاهرات السياسية
للحفاظ على براءة الطفولة بلا تشويه
11- توأمة الجامعات الكوردية مع نظيراتها في العالم المتقدم
مستفيدين من الانفتاح السياسي العالمي نحو كوردستان واستقطاب
العقول الكوردية والصديقة في العالم مع التشدد في الحفاظ على نظام
الأهلية في ارتياد هذه الجامعات والضرب بيد من حديد على العقليات
التي تحاول إدخال سياسة الإستثناءات فيها
12- العمل على إنشاء مؤسسات فكرية متخصصة في التحليل السياسي
والاقتصادي لرسم الاستراتيجيات المستقبلية واطلاع الساسة عليها
لتكريس علمنة السياسة.
وأقتبس هنا من الأستاذ الكوردي الكبير كاميران بدر خان قوله:
Bi xandin u dibistana
Kurd e bigine azmana
"بالعلم والمدارس يبلغ الكورد السماء"
هل يستفيد الكورد من نصائح السير ونستون تشر شل أرجو من القلب ذلك.
الدكتور: صلاح الدين حدو عفرين 2005
|