|
يشير
تاريخ العراق خلال ما يقارب من 6500 سنة على تعاقب حوالي 20عهدا
مبتدأ من السومرين والاكديون خلال الفترة 4500-2300 قبل الميلاد –
ق. م الى يومنا هذا(1) , وعصفت رياح الخراب والدمار بالعراق في
اغلب تلك العهود ولا سيما في نهاية العهد العباسي التي زحفت على
العراق سيول من قبائل المغول والتركمان وكسحت القرى المدن في
العراق, فوقعت بأدي امراء المغول والتركمان وتعمقت الازمة فيها
خلال النزاع المحتدم بين الايرانين والاتراك العثمانية نتيجة تعرض
سكانها لكوارث جسيمة,وتدهورت الامور اكثر في ظل النظام الحالي.
يصعب على الباحث تصور وتقييم حجم وتأثير تلك الاحداث على سكان
العراق والتغيرات التي طرأت عليها من هجرات بشرية من مكان إلى
آخر من اجل حماية حياتهم من تأثيرها والمخاطر التي نجمت من الكوارث
الطبيعية, كفترات الجفاف والفيضانات التي كانت تغرق تقريبا وسط
وجنوب العراق في مواسيم فيضانات نهري دجلة والفرات, والزلازل
المدمرة وسنوات القحط والمجاعة، وما رافقتها في اغلب الاحيان على
انتشار الاوبئة الخطيرة, كالطاعون والكلوليرا. ان الاهتمام في
تاثير الكوارث الطبيعية على سكان العراق سيساعد الباحثين علي
تقييم الاوضاع بشكل موضوعي وعلمي لأهم المراحل التاريخية التي مرت
بها المنطقة والتي ادت اغلب تلك الكورث الطبيعية علي هجرة
المجموعات البشرية من منطقة الى اخري بحثا عن مصادر العيش لهم
ولحيواناتهم من الاغنام والتنافس علي مصادر العيش والبقاء, لا سيما
في فترات المجاعات البشرية والجفاف التي ادت الي الهجرات وما لحقت
بها من ويلات انتهت اغلبها في الاحتلال وسفك الدماء بفعل الغزوات
التي تعرضت إليها الكثير من المناطق المنعزلة عن الاخري ثقافيا
ودينيا, واعتقد كان هذا هو من احدى اهم الاسباب التي ادت الى تعرض
منطقة سنجار – كردستان العراق الى حوالي تسعة حملات شرسة على سكان
منطقة سنجار من الاكراد – البزيدين خلال الفترة 1720 ولغاية 1838.
(1720,1752,1753,1780,1800,1803,1833,1837).
لقد تعرضت المنطقة في سنة 1572 الى كسوف كلي للشمش والى زلزال
مدمر واعقبتها خلال الفترة مابين 1574 - 1576 الى جفاف قاحل,
استمر حوالي ثلاثون شهرا, لم تسقط فيها الامطار علي منطقة الجزيرة
ووسط العراق ( 3 ), وتكررت فترة الجفاف في سنة 1621 التي ضربت
الجزيرة ووسط العراق, ادت إلى هجرة الفلاحين والرعاة باتجاة الشمال
واحلت المجاعة بوسط العراق, بحيث وصلت الامر الى ان اضطر البعض على
اكل لحم البشر من اجل البقاء, وتكرر المجاعة في سنة 1619 في وسط
العراق. لقد تعرضت وسط العراق وجنوبه الي الفيضان في ربيع سنة 1619
وتكرر عشرات الفيضانات منذ سنة 1700 ادت الى غرق معظم المناطق
الوسطي والجونبية من العراق( 3 ) .
لقد ادت سنوات الجفاف التي تعرضت لها الجزيرة العربية في سنة 1640
الي هجرة عشائر الشمر باتجاه الشمال بحثا عن المراعي والمياه
لحماية حيواناتهم من الموت, فأستقروا علي ضفاف نهر الفرات وعبر
البعض منهم الضفة الشرقية لنهر الفرات بالقرب من منطقة الفلوجة, و
شنوا حملات النهب على بغداد في سنة 1705 بحثا عن الاكل نتيجة تعرض
المنطقة الى مجاعة محدقة في سنة 1706 التي شملت سكان المنطقة مابين
ماريدن - كردستان تركيا والموصل وبغداد, مما افلت الامور من سيطرة
الادارات الحاكمة انذاك, وتعرض سكان بغداد مرة اخرى في سنة 1733
الى مجاعة مات حوالي مائة الف بسبب الجوع ورميت الجثث في الانهار
مما ادت الى انتشار الاوبئة كالطاعون, وهذا مما دفعت النظام
العسكري في بغداد انذاك الي حملة تأديب ضد العشائر في سنة 1736 مما
دفع بهم الي الانتشار نحو الشمال والشرق حتى تمكنوا في سنة 1797
من العبور الي شرق نهر دجلة وتوزيعهم المنطقة ما بين الدجيل
والدليم وسنجار وما ورائها, وادت تلك التغيرات الي استبدال قسم من
سكان المنطقة مكان الاخر, الجفاف التي ضربت وسط العراق في سنة 1786
ادت الى تعرض سكان المنطقة الى المجاعة ومنها مدينة بغداد مما ادت
الى تدهور الاستقرار والامن في المنطقة وظهرت عمليات النهب
والسرقة, وهذا ما دفع الى قيام العشائر الاخرى القاطنة في تلك
المنطقة للقيام بحملة شرسة في سنة 1805 ضد الشمر وغيؤها من اجل
طردهم في حوض دجلة والفرات بسبب استلائهم على المراعي الطبيعية
لسكان تلك المناطق وفقدان الامن والاستقرار فيها.
لقد عان العراق خلال الفترة 1690 ولغاية 1882 من جراء تعرض سكان
العراق الى حوالي ثمانية عشرة مرة الى مرض الطاعون والكلوليرا.
1690,1689,1719,1747,1774.1776,1778,1780,1789,1801,1823,1827.1830,1833,1877,1881,188
(3) وما رافقتها من المجاعات, لاسيما في سنوات الجفاف والقحط
والفيضانات والزلازل, راحت ضحيهتا الاف من سكانها واغلب تلك
الاوبئة والمجاعات ظهرت في وسط وجنوب العراق والبعض الاخر كانت
اكثر انتشارا, حيث شملت الدول المحيطة بالعراق. لقد تعرضت سكان
وسط العراق الى المجاعة و الطاعون في سنة 1689 وانتقل الطاعون الى
مدينة البصرة في عام 1690 امتلئت المدينة بالجثث بحيث وصلت معدل
الوفيات الى 500 شخص في اليوم, وتعرضت بغداد في عام 1719 الى
الطاعون وتكرر في سنوات 1747,1774,1773 الطاعون, اصيبت سكان
المنطقة الوسطى بشكل كبير ورافقتها سنوات المجاعة في سنة
1776و1778 وتوسع في سنة 1780ا لى ان شملت المنطقة الكردية والى
ان وصلت الى ماردين, والى مجاعةمهلكة في سنة1827 وانتشر بعدها
الطاعون في المنطقة ما بين كركوك وتبريز في سنة 1830 مات حوالي
سبعة الاف شخض خلال 15 يوما, وارتفع عددالموتى الى مابين 2000 -
3000 شخص في اليوم الواحد, وحاول سكان المنطقة بالهجرة هربا من
الطاعون, ولذا جرى هجرات معاكسة, وكان اغلبها باتجاة المناطق
الشمالية والشرقية لتوفر المياة والمواد الغذائية فيها اكثر مقارنة
بالمناطق الوسطى والجنوبية, وسادت خلال تلك الفترات الفوضى وعدم
الاستقرار مما ادى الى
انتشار اعمال النهب والسرقة وسفك الدماء والنزوح من موقع الى اخر
هربا من المصائب والكوارث والجيوش التي كانت انذاك منتشرة في اغلب
المناطق وموزعة على القرى, وقد وصلت الامر في كثير من الاحيان الى
قيام الجيش بنهب ارزاق اهالي القرى
لاسيما في كردستان العراق مما اضطر سكان القري الكردية بنقل موادهم
الغذائية الى المخابئ الكهوف لحمايتها من الجيش العثماني.
كما ادت تعرض العراق والدول المجاورة لها للعديد من الزلال القوية
المدمرة خلال الفي سنة الاخيرة, بموجب التقارير الاخيرة التي نشرة
عن اهم تلك الزلازل الذي يمكن ذكرها في ( 592 قبل الميلاد- في
منطقة الزاب الاعلى, 342 ميلادية ,840 – أدى إلى تدمير مدينة بغداد
,844 - وتدمير دمشق,1007 كذلك منطقة خانقين وديالى, وادت إلى قتل
حوالي 10000 شخص, 1058 - ومنطقة الموصل, وفي سنة,1129- ضرب زلزال
مدينة بغداد, وتعرضت سوريا في سنة 1138 الى زلزال ادى الى قتل
الالآف من الاشخاص, وكما تعرضت منطقة الموصل في سنة 1666 الى زلزال
ادى إلى– تدمير 45 قرية و 5 مدن في منطقة الموصل، وتعرض مدينة
تبريز في سنة 1730 إلى زلزال – قتل حوالي 77 الف شخص في تبريز,
1769 وتكرر زلزال اخر في بغداد في سنة 1769, تهديم مدينة دمشق في
سنة 1837 وتدمير بغداد في سنة 1867 و قتل 15000 شخص في تركيا في
زلزال سنة 1859 (2), اضافة الى العديد من الزلازل لاخرى التي
لامجال لذكرها هنا, وما هذه الامثلة ألا اشارة وايضاحة للباحث
والقاريئ عن حجم الخسائر التي تعرضت لها العراق والمناطق المحيطة
بها في ظل الظروف القاسية والصعبة جدا والتي مرت على العراق خلال
ما يقارب من الفي سنة الاخيرة حوالي 12 عهدا كان اغلبها تتسم
بالتدهور والانحطاط.
اعتقد من خلال تقييم حجم الاضرار التي لحقت بسكان المنطقة خلال تلك
الفترة, كانت العوامل الطبيعية (- الكوارث الطبيعية من الزلازل و
الفيضانات, الجفاف والمجاعة والاوبئة كالطاعون) من اهم الاسباب
الرئيسية التي ادت الى سقوط اغلب تلك الحكم والعهود وكانت من احدى
اهم الاسباب الهجرات والغزوات وتم استغلال التناقضات القائمةانذاك
في المنطقة لتبرير تلك الغزوات التي ازداد معاناة سكان المنطقة
وطالت فترات طويلة واستمرت حتى الحرب العالميةالاولى(3).
لقد لفت انظار النظام الملكي في العراق منذ تأسيسها في 1921 الى
الاهتمام بقدر الامكان عن مواجهة المخاطر الناجمة من الكوارت
الطبيعية ومن تاثير التغيرات المناخية- كالجفاف والفيضانات, لذا
بادر النظام الملكي الى القيام بحفر الابار في المناطق الجافة التي
تسكنها العشائر من اجل توفير ا الظروف المناسبة لهم للاستقرار حول
مصادر المياة, لاسيما في مناطق البادية والجزيرة, حيت تم حفر حوالي
168 بئرا لسكان تلك المناطق, وكان هذا من احدى اسباب تشجيع العشائر
على لاستقرار ,وانعكس ايجابيا على على توفير الامن والاسقرار في
المنطقة(1).
لقد ادخلت العراق بعد مجيء البعث إلى السلطة لا سيما بعد انقلاب
1963 الى تدمير مقومات الحياة في العراق ووصلت تأثيرها الى الدول
المجاورة للعراق(5), اشعل حربا داخلية ضد الشعب الكردي انتهت
بالانفال واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا ناهيك عن تعريب اهم
المناطق الكردية في كردستان العراق- ارضا وشعبا, وشن حرب ظالمة على
الجارة ايران ودولة الكويت الشقيقة ودمرت مقومات الحياة - مصادر
الحياة من الماء التربة والهواء والغطاء النباتي والطبيعة
الجغرافية للعراق – تجفيف مناطق الاهوار في جنوب العراق وتطبيق
سياسة الارض المحروقة في كردستان العراق مما انعكس ذلك حتى على
تسريع التغيرات المناخية في المنطقة والتي ادت الى زيادة الجفاف
والتصحر وتراجع الغطاء النباتي ونضوب مصادر المياة وتدهرها كماً
ونوعاً (4) وسبيقى اثارها لعدة جيال لكونها من اخطر العهود نتيجة
تشابك العوامل الطبيعية والبشرية – سياسة النظام, وادت بالنتيجة
الى ان تشم رائحة المجاعة في العراق, وهنا من الضروري الاشارة الى
اهمية ذلك القرار – برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تم تطبيقه في
اواخر عام 1996 الذي انقذ حقا الشعب العراقي من مخاطر المجاعة التي
كانت تشم رائحتها قبل تنفيذ البرنامج في عام1996 وماسيلحق من مخاطر
كالاوبئة الفتاكة, وهذا مايذكرنا بالويلات السابقة من المجاعة
والاوبئة والجفاف وغيرها.
لقد حان الوقت بعد اسقاط النظام البائد في العمل على ترسيخ دور
مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات العلمية والبحث العلمي لتوسيع
نشاطهم من اجل اعادة تقييم تاثير الظواهر الطبيعية والبشرية او
تشابكهما في الكثير من المراحل, عبر تنفيذ دراسات وبحوث علمية
متنوعة تشمل كافة جوانب الحياة, التي لابد وان تعطي نتائج قيمة
وتشكل اساسا علميا في مواجهة وتخفيف تاثير الظواهرا لطبيعية
كالجفاف والتصحر وتراجع الغطاء النباتي نضوب مصادر المياه في
العراق والمنطقة, التي ستكون تلك القضايا من ابرز القضايا الاساسية
في القرن الحالي, هذا النهج كفيل لتلافي مثل تلك الكوارث وتخفيف
تأثيراتها على الشعب العراقي .
المصادر
1. معجم العراق
2. د. بيوار خنسي: المياه, النفط والبيئة. كتاب طبع في اربيل عام
2001.
3. الميتر ستيفن هيملي اونكريك. اربعة قرون من تاريخ العراق
الحديث. ترجمة جعفر الخياط والطبعة السابعة
1985.
4. د. بيوارخنسي: التصحر مشكلة القرن الجديد. مجلة الزمان الجديد
العدد السابع 200
5. علي حنوش. البيئة والحروب. جريدة المؤتمر, العدد 335 لسنة2003. |