بحكم الظروف التاريخية، ينتمي سكان سورية إلى قوميات و ديانات
ومذاهب مختلفة. إن احترام تعددية الانتماءات القومية في سورية
يستدعي استبعاد فرض الانتماء القومي لفئة معينة على جميع
السوريين. وإن احترام حرية الاعتقاد لجميع السوريين يستدعي
استبعاد فرض معتقد طائفة معينة على الجميع.
ولذلك فكل مشروع سياسي يعتمد على مبدأ الأحادية القومية أو
الدينية، في الحالة السورية، لا يمكن أن يستبعد ممارسة العنف
من حساباته في الصراعات السلطوية,، ولا يمكن استبعاد القمع
والاضطهاد من وسائل حكمه. ولا يمكن اعتبار هكذا مشروع مشروعاً
وطنياً وديموقراطياً.
لا يعتبر هذا المشروع مشروعاً وطنياً لأنه لا يأخذ في الحسبان
الانتماءات القومية والدينية لكل أبناء الوطن السوري، و لا
يعتبر مشروعاً ديموقراطياً لأنه يعتمد على مبدأ إقصاء السوريين
المختلفين قومياً و/أو دينياً.
لقد أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في سورية مشروعاً للحكم في
سورية، وسمت مشروعها هذا باسم المشروع السياسي لسورية
المستقبل. ويتكون هذا المشروع في حقيقته من قسمين، يريد
الإخوان في القسم الأول طرح مرجعيتهم النظرية (الإسلام السني
الإخواني) بشكل مقتضب، كدستور لسورية المستقبل. وفي القسم
الثاني، يحاول كتاب مشروع الإخوان إقناع القارئ بأن جماعة
الإخوان المسلمين ستقيم نظاماً ديموقراطياً يحقق كل آمال العرب
والمسلمين في "القطر العربي السوري", ولكن ضمن إطار الشريعة
الإسلامية. وكل الطروحات الواردة في القسم الثاني يتم تعليقها
على شرط عدم تعارضها مع المرجعية المثبتة في القسم الأول. أي
يمكن اختزال المشروع الإخواني فيما ورد في قسمه الأول، أي طرح
الإسلام السني الإخواني كمرجعية لنظام الحكم البديل لنظام
الحكم الحالي.
ما تبقى من المشروع هو فارغ من الأحكام الأصلية(الأساسية),
لأنه مبني على أساس المرجعية وما غيرها إلاّ تفصيلات وأحكام
فرعيات مقيدة.
1-
المرجعية الإسلامية للدولة:
يرى مشروع الإخوان بضرورة اعتماد الدين الإسلامي كمرجعية
وحيدة للدولة " للقطر العربي السوري". إن ما يجب ذكره هو أن
المقصود هنا بالإسلام هو الإسلام السني(كي نسمي الأشياء
بأسمائها). لأن الإرادة الربانية في تنظيم الأحكام السلطانية
ستترجم( في سورية المستقبل) إلى إرادات إنسانية عبر النشاطات
الاجتهادية لأولي الأمر والعلماء التابعين لهم. بمعنى آخر،
حسب مقدمي المشروع، يجب أن يكون نظام الحكم في " القطر العربي
السوري" مبنياً على أسس الشريعة الإسلامية، تلك الأسس
الإسلامية التي تولت و ستتولى قيادات الإخوان مهمة استنباطها
نقلاً واجتهاداً من المصادر التشريعية والفقهية الإسلامية,
وستتولى هذه القيادات تطبيقها على السوريين في حال فوزها في
الصراع على السلطة.
فالسيادة لله وحده, وحدود تنظيم هذه السيادة وممارستها في
الأمور الدنيوية وخاصة في شؤون الحاكمية, هي من اختصاص مجتهدي
الإخوان والمتنفذين من بينهم.
فبأي حق يمكن أن يطلب الإخوان المسلمون من السوريين الدرزيين
والإسماعيليين والعلويين والمرشديين الخضوع إلى سلطة تعتمد
حصراً على اجتهادات وتفسيرات إخوان المسلمين أو بعضهم للنصوص
الإسلامية؟.
وبأي حق يمكن أن يطلب الإخوان المسلمون من السوريين المسيحيين
بمختلف طوائفهم, ومن اليهود واليزيديين والملحدين والعلمانيين,
أن يقبلوا بالإسلام دستوراً لوطنهم ؟.
إن مشروع الإخوان المسلمين مبني ضمناً على مبدأ إقصاء الطوائف
الدينية والمذهبية الأخرى فضلاً عن العلمانيين, و يستخدم
شكلاً من أشكال الإسلام السني كأداة لتعبئة الجماهير المؤمنة
بهدف الوصول إلى السلطة, وفرض إرادتها على جميع الطوائف
والفئات السورية.
وبالنهاية, ألا يسعى الإسلاميون إلى بناء الأمة الإسلامية
الموحدة (في العالم) ؟ . وهل يعترفون بشرعية حدود الدولة
السورية؟. وهل يتساوى عند الإخوان اليزيدي السوري مع إسلامي
أمريكي؟. إن المرجعيات الفوق وطنية, واللهث وراء مشاريع تتجاوز
حدود الوطن السوري, أصبحت من سمة أغلبية النخب السورية
الحالية, واستنفزت الطاقات الاجتهادية لدى هذه النخب وأفقدتها
إمكانية السعي وراء مشاريع وطنية سورية تأخذ في الحسبان
الواقع العياني السوري وتهدف إلى التفعيل الأمثل لكل طاقاته.
2-
الايحاءات العروبية:
يكرر المشروع الاخواني تسمية "القطر العربي السوري" للدلالة
على الدولة السورية. و الغاية من استعمال هذا المصطلح هو
منافسة العروبيين كالبعثيين والناصريين ومشتقاتهم على أرضية
العروبة. وحدث و لازال يحدث أن ينافس العروبييون أيضاً
الإسلاميين على أرضية الانتماء الإسلامي.
وتعد المرجعية العروبية دليلاً آخر على عدم اعتراف الإخوان
المسلمون بحدود الدولة السورية, وبذلك فهم لا يعتبرون وطناً
هذه الدولة (الطارئة العابرة) التي لابد وأنها ستزول في الوطن
العربي الموحد, الذي سيزول بدوره في الأمة الإسلامية
العالمية.
فليجتهد المجتهدون لإنقاذ العالم وإصلاحه, بعد أن يفلحوا في
إنقاذ أنفسهم وأبناء بلدهم من التخلف والحقد والكره والفساد.
إن النخب السورية تلجأ إلى المرجعيات الفوق وطنية تهرباً من
تبني التزاماتها الوطنية.
فالمرجعية العروبية, في الحالة السورية, تؤدي إلى اعتماد مبدأ
إقصاء غير العرب من المشاركة في تولي الشؤون العامة في البلاد.
فكيف سيضمن الإخوان المسلمون, بمشروعهم الإسلامي العروبي, ولاء
السوريين من الكرد والأرمن والشراكسة والكلدو-آشوريين,
والتركمان؟.
و ما يجب ملاحظته هو أن موقف جماعة الإخوان المسلمين التاريخي
والحالي لم يتغير من قضية الأكراد في سورية. وهذا الموقف هو
منسجم تماماً مع الاتجاه الإسلامي العروبي لهذه الجماعة.
إن الاكتفاء بكتابة ديباجات نظرية, ونصوص أدبية جمالية وخطب
بليغة, والعودة إلى الاسطوانات القديمة, لم يعد كافياً لاقتياد
أغلبية السوريين. المطلوب هو إيجاد صيغة جديدة لتنظيم الدولة
السورية ومؤسساتها, بالشكل الذي يسهل المساهمة في ممارسة الحكم
من قبل أبناء كل القوميات والأديان والطوائف والمناطق السورية.
لقد أثبت التاريخ بأن الاستفراد بالحكم من قبل فئة على حساب
بقية السكان, يضعف الوطن ويوقد نار الفتنة بين المواطنين.