قال ـ تعالى ـ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا
تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ
أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ
النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].
الوحدة كلمة ترتاح لها النفوس الزكية وتتطلع إليها القلوب النقية
لما لها من مدلول عظيم ، فالوحدة بها لم الشمل وتوحيد الصف وقوة
الجماهير وعقيدة شعب مضطهد مسلوب الإرادة ومغتصب الأرض ومحروم من
كافة حقوقه السياسية والقومية
ولا أعظم ولا أدل على هذه الوحدة من الموقف الذي يتوحد فيه فصائل
البارتي ويجتمعون في مؤتمر واحد فتصوروا هل حلم أم حقيقة ، لأن
الفرقة هي انحطاط فإن الوحدة هي سبيل الارتقاء وتبوء المكان
الفاضلة من جديد .
فدعوة الأحزاب الكوردية في كوردستان سوريا إلى الوحدة أو التضامن
أو إتحاد الكلمة والالتزام بمنهج الحركة الكوردية من يوم تأسيسها ،
وإلى تطويرها ، خاصة بين فصائل البارتي .
لقيامهم بواجبهم الوطني والقومي في تقديم الحركة للعالم كحل جذري
لمعضلاته بدلاً من اللجوء إلى المبادئ المادية المنحرفة والتي ظهر
إفلاسها ، كما ليدعوا الحركة ويجمع فصائلها الوحدوية جميعاً
والعناية بقضية الأمة الكوردية المجزئة ومساندة حقوقهم المشروعة
والاحتفاظ بشخصيتهم القومية والدينية ، فكرد غرب كوردستان دوماً هم
المضحون .
وكوني فرد من هذه الأمة ولي قضية سياسية قومية في الجزء الغربي من
كوردستان اناشد كل الفصائل لتوحيد كلمتها والوقوف في وجه الأخطار
التي وقعت والتي سوف تقع في المستقبل ، عليهم الاهتمام بكل وسائل
الإعلام والعمل على ترشيدها وتوجيهها بحيث تؤدي إلى الإصلاح
والرشاد في خدمة القضية المضطهدة ومواجهة التحديات العصرية الهدامة
، ولكل قول صادق أو كاذب عند المقال جواب ، ويفهم من هذا التصريح ،
والتصريح الأول فيه شيء من البلاغة لأن في كلًّ اختلاف فوائد ،
والبليغ من ينظر إلى تلك الفوائد لا من برده إلى التطويل والحشو في
الكلام ، وأيضاً لا بد من قول صادق وللكل حق حقيقة ولكل قول صادق
بيان .
إن وحدة الأحزاب بجماهيرها مبدأ حث ورغب فيه الشرع الحنيف ولروح
مبدأ الحركة النضالية ولا يمكن لهذه الأمة المجزئة ونحن قسم منها
أن تجتمع إلا تحت منهج قويم يمنعها من التفرق والتشتت والتشرذم ،
هذا المنهج لا بد أن يكون نابعاً من مبادئ الحركة الكوردية في غرب
كوردستان .
فإذا كان ربنا عز وجل قد تفضل علينا وهدانا إلى أن وفقنا للسلوك في
هذا الطريق المستقيم فيجب علينا أمران اثنان.
الأمر الأول :
أن نقدر هذه النعمة الوحدوية في سلوك صحيحة لا تفريق رغم الاختلاف
في بعض الآراء والأطروحات ضمن نقاش ديمقراطي يتقبله الأخر بكل روح
ومسؤولية .
الأمر الثاني :
وهي إبداع ومثابرة على المنهج وأن نصبر ولا نخلق طرق ملتوية ومحشوة
بالسم القاتل .
والابتعاد عن الاختلاف الذي يفرق الصف ويشتت الشمل ، تعلمونها
جميعاً مرارة الاختلاف ، والاختلاف في منهج الحركة وتطويرها ليس من
شيم الكورد ولا من نهجهم ولا من طريقتهم بل هو من شأن العملاء
المأجورين غير مهتمون إلا مصالحهم الذاتية .
والواقع الأليم والمؤسف يعيشها جماهير هذه الحركة بتشرذم الأحزاب
في اختلاف بعضهم البعض وفي أشد الاختلاف المدمرة ، وقد انقسموا إلى
أحزاب وكتل عشائرية وعائلية ، ومن المؤسف جداً أن أصحاب قرارات
التشرذم اغلبهم من موقع جغرافي من غرب كوردستان (درباسية) بينهم
صلة القرابة في الحسب والنسب ، فيجب علينا أن نبتعد عن الاختلاف
التدميري في خشية أن تقع الفرقة لأنها كما أسلفت ليست من شيم
الكورد ، إنما هي من سجية الحاقدين كمأجورين لخيانة قضية شعبهم
السياسية والقومية ، أذكركم وأنا أعلم أن الخلاف أمر لا منجاة منه
، لآن الواحد الأحد قد خلق الناس متفاوتين في إفهامهم وفي قدراتهم
ومداركهم وفي فهم نصوص المنهج الذي وضع سنة /1957/م ، فلا بد أن
يقع شيء من الاختلاف بين الاتجاه الواحد والخط المرسوم ، فعلينا أن
نكون متفقين في المنهج وتطويرها حسب الواقع والظروف المحلية
والإقليمية والدولية ، ولكن إن اختلفنا في بعض المسائل فلتكن
الفرعية .
لأنها لم يؤد بهم إلى أن ينقسموا إلى أحزاب وكتل متفرقة ولا يحمل
المتفرقين على أن يعادي يعضهم البعض ، ويبعدهم عن الأمور السياسية
في اتجاههم جميعاً صفاً واحداً في محاربة التشتت والوقوف بالكلمة
الواحدة في محاربة شتى الألوان التي تتخذ بحق هذا الشعب من جزء غرب
كوردستان التي فرضها قوى الغدر والعدوان في طمع خيرات وقدرات هذا
الموقع من جغرافية الكون الغنية بحضارتها وإنسانيتها ومواردها
الطبيعية والباطنية ، بعد كل هذا عيهم أن يختلفوا وإن اختلفوا في
بعض المسائل الفرعية ، لكن ذلك لم يوصلهم إلى التباغض وزرع الفتن ،
ويمكن أن نغير بالتسامح مع بعضنا البعض ، والإصلاح لا يقوم على
تجاهل الواقع والحقائق متفاهمين في فهم المنهج والواقع المتطور .
وإنني لا أعتقد ما يعتقده البعض أن الاختلاف رحمة بل أدعوهم جميعاً
إلى الوحدة لا التفريق ، وإن كان ذلك فليس لنا أن نقلب الحقيقة
فنجعل الاختلاف رحمة .
و بعد كل الجهود في سبيل الاتفاق ، وإن اجتهدنا وبإمكانيتنا فهو
رحمة ، وإن بقي شيء فنقول لا حول ولا قوة إل بالله .
الحق في وسط الجماهير وبين القليل من الأفراد الحيويين بتحركهم على
وحدة الكلمة وعلى توحيد الصف يتوهمون أن بالإمكان أن نجعل كل فرد
مطابقاً هذا أمر مستحيل ، يجب أن نوسع بعض الشيء إذا ما ضيق غيرنا
وأن نضيق إذا ما وسع غيرنا ، لأن هذا التوسع الذي لا حدود له خلاف
في منهج الحركة في غرب كوردستان ، أغلبهم خلاف الهوى وخلاف تعصب
وخلاف تطلب للهدى.
وأقول كما يقال أن إيمان هذه الجماهير بالوحدة الوطنية والقومية
إيمان راسخ لا شك فيه والدعوة التي ننادي بها جميعاً الدعوة إلى
القومية في وحدة الأحزاب تقضي على وحدة الحركة الكوردية في غرب
كوردستان .
لأن الوطنية تجعل الولاء والبراء للتراب والقومية تجعل الولاء
والبراء للجنس ، وأن الوحدة بين الفصائل الثلاثة خاصة وحدة حقيقية
لا بد منه وبين جميع الأحزاب المتشرذمة وحدة حلم ، ولا يمكن تحقيق
أي انجاز وحريتها إلا بالوحدة بين الفصائل المعنية خاصة .
والوحدة ليست مجرد تجميع ولصق بل هي التحام فصهر لهذه الأحزاب ،
وقد علمتنا التشرذم أن الوحدة هي الخطر الأعظم على العقليات
الشوفينية والعنصرية العربية والكوردية في آن واحد .
وإلى كل متباك على الوحدة الزائفة والتقارب المكذوب إنهم مجرمون في
سلب القلوب ، ليعلموا أن لا توسط بين النور والظلام وبين الإيمان
والكفر وبين التقوى والإلحاد ، وليعلم الصادق الذي لا يرضى ويركن
إلى الظالمين عملاً ، أن الوحدة قادمة لا محال .
ومن المعلوم أن تقام مؤتمرات منظمة من أجل تقرير وحدة الأحزاب
وخاصة البارتي وإزالة الخلاف وإسقاط الفوارق فيما بينهم من أجل
توحيد ، والدعوة إلى الوحدة صريح لأنها تجمع الفصائل كله في الحركة
النضالية والتي تأسست عام /1957/م وتجمع الرسل من الكوادر والرفاق
بالجماهير العاطشة لهذا اليوم وتجمع الآراء كلها في وحدة حقيقية
قوية كما وجدناه والتمسنها بعد فترة من المؤتمر الوطني سنة/1970/
الخامس من آب بالدعوة من الأب الروحي الخالد في وجدان الأمة
الكوردية الملا مصطفى البارزاني رحمه الله ، فهل نلتمسه اليوم من
أبنائه وأحفاده بالدعوة الحقيقية والدعم في سبيل وحدة البارتي في
القسم الغربي من كوردستان الكورد ! .
وقيام هذه الوحدة فيه معرفة لأحوال الرعية والاتصال بهم مباشرة
والتعرف على شؤونهم السياسية والاجتماعية ، فإن هذا المؤتمر
الوحدوي بين فصائل البارتي مؤتمر عظيم في تاريخ شعب عظيم وقادة
عظماء من غرب كوردستان ، ليضم وفوداً متنوعة العلوم مختلفة
الثقافات متباينة الاتجاهات والنزعات ، وبحضور مندوب عن الأمم
المتحدة ولجان حقوقها ومنظمات حقوقية عربية وعالمية وإقليمية من
عرب وترك وفرس ليروا حقيقة الكورد في التاريخ إلى يومنا هذا بأننا
أصحاب حق وقضية عادلة لا أصحاب غدر وتنكيل وتشريد وصهر في بواتق
الغير .
فإذا اجتمع كل حزب بحزبه وكل كتلة بجماعته ودرسوا وضعهم الغابر
والحاضر والمستقبل ورأوا ما الذي أخرهم وما الذي يقدمهم وما هي
أسباب الفرقة بينهم وما أسباب الائتلاف والاجتماع وتوحيد البارتي
بالوحدة الاندماجية ، حقاً كل الأحزاب المتشرذمة منذ الانقسام
الأول من كونفراس آب/1965/.
بهذا المؤتمر القومي والوطني ابحثوا عن شئونكم الدينية والسياسية
والاجتماعية والاقتصادية على أساس المحبة والوئام وبروح الوحدة
والالتئام .
تصبحون يداً واحدة ضد الاضطهاد والظلم والتشريد والاعتقالات
والحرمان من أبسط الحقوق القومية والسياسية والإنسانية والوطنية
قوة مرهوبة بوحدتها في وجه المعتد ، بهذا الوحدة يصبح لكم كيان
مستقل وخاص له مميزاته وأهدافه ومقاصده ، يسمع صوته ويصغى إلى
كلمته ويحسب له ألف حساب .
وتدل كل التجارب الفاشلة بين الفصائل في غرب كوردستان والخيار في
هذا الشأن هو بين طريقتين:
طريقة رأسية متمثلة بالعشيرة
طريقة تأليفي وهي معدومة فيما بين هذه الفصائل
الأولى فهي نازلة من فوق بقرار سياسي وفقاً لإرادة النخبة وطبقاً
لبرنامج مسبق كالميدان الإداري أو العسكري أو الاقتصادي ، وبهذه
الطريقة في بناء الوحدة يتعجل الأحداث ويقفز فوق المراحل ويتعامل
مع المصاعب الاجتماعية ومع العراقيل الأنفسية بمنطق التقليل من
شأنها والتنقيص من قدراتها الاعتراضية. وسأعيد للأذهان ذكر العديد
من التجارب الوحدوية الفورية الفاشلة والتي جرت المحاولة بإنجازها
منذ عام/1965/م في غرب كوردستان كلها كانت قصيرة العمر تركت في بعض
الحالات مشاعر قوية من الإحباط ، علينا الحذر في هذا التعامل
والحذر لا يعني الاستكانة لواقع التجزئة والشتات .
ولعل الطريقة التأليفية أنسب وملائمة مع الواقع السياسي المعاصر
وأضمن من العثرات وأدعى إلى الاطمئنان والوحدة بهذه الطريقة ومن
خلال واقعها الأساسي هو التعامل معه ولا على أساس الأدبار
والاستخفاف وخلافاً للطريقة الرأسية لا ترى في القضاء على
الخصوصيات الوطنية شرطاً واجباً لبناء الوحدة ولا في محو السيادات
القبلية أو العشائرية أو الطائفية بل تعمل على الخصوصيات لصالح
الوحدة ، ومتجانب المنازعات السيادية وهو الأصح .
ملاحظة
لمن يهمه الأمر:
أوافق على مضمون مقال الأخ جان كورد في دراسته العلمية لواقع
الأحزاب في غرب كوردستان بعنوان عراقيل ومقترحات للوحدة التنظيمية
للبارتي.
هذه مجرد وجهة نظر لواقعنا المر