|
الخوف، بشكل عام، هو رد فعل متصل بالعاطفة أكثر منه بالعقل، فهو
نتيجة التهديد المستمر وعلى وتيرة معينة بالإضافة إلى الپروپاگاندا
(الدعاية المغرضة) التي يقوم بها الطرف الآخر وأعوانه، وهذا كله
يخلق نوعا من التوتر الوهمي والفوضى الفكرية والعقلية وليصل بالفرد
وفي ضمنه المجتمع (أو الشعب أو الأمة) إلى الدرجة المطلوبة من
الشلل والانهيار.
الخوف كلمة بل عبارةٌ مقتصرة في ذاتها و على ذاتها، تعبّر عن اتصال
الإنسان وتوحُّده في ذاته المعدمة. كلمة اُختُلف في تحديدها وتغيرت
معناها من العلم إلى الأدب إلى الفكر حتى آلت إلى الجبناء وبُطّنت
بكلمات لا تُدركها العقل فحالت في أحيانا كثيرة إلى انضباط للنَفْس
التي يُراد لها الخنوع أبداً. كلمة تفتح أبواباً لا غنى للإنسان
عنها، للعلم رأي وللأدب رأي وللفكر رأي ولنا رأي، فبكل المقاييس
لنا استثناء شاء الله أن يخصّنا به !.
فالعلم يعرّفه بمرض بشري والأدب يستنبط له صفات المهزومين
وأما الفكر فيربطه بتصرف لا عقلاني وجعل الضحية في مُعترك غامض .
فهو محاولة التهرّب من حالة ما خرجنا منها أبداً وإيصال النفس إلى
هاوية فوضى الرعب، قلقٌ لا معنى له ناتج عن إساءة فهم الحالة
الواقعة بفعل (فاعل)، هذه الكلمة التي عجز عن فهمها إلا من خصّه
الله على القدرة في تحمل تركيب الحروف المتعبة من حمل الأكاذيب.
إنسان – مجتمع بل شعبٌ يُراد له الانهيار في هاوية كلمةٍ تَدَبَّر
أمرها القائمون على صنع الكلمات وترويجها. أُناسٌ تدبروا أمورهم
على تكيُّف الخوف معهم وليس تكيفهم معه، إذاً هناك شيءٌ يُحاك يشبه
في ملامحه المؤامرة، مؤامرة تلقين الخوف لشعب أبى أن يركع في الشهر
المقدس لكن أبناؤه أرادوا له ذلك. صراعاتٌ خفيّة تتهافت على
إقناعنا بالذل الأبدي ومناورات مُبطّنة بدمِ رافضي الذل تحاول
إقناع (الأخوة) بأُلفيتِنا.
قلقٌ,خوفٌ, رعبٌ ووقوعٌ في الهاوية التي ينتظرها الكثيرون .فالحالة
التي يتوجب على الفرد إدراكه قبل كل شيء هو إدراك المعنى، حقيقة
المعنى، إدراك حقيقة الوجود وفهمه ليتجاوز فخ الخوف وإفراغه من
محتواه المشحون عمداً. الخوف يضم بين حروفه الذل والهوان
والاستسلام وكل كلمة تناقض الحياة وتنسف الجبال، هو تحذير ضمن
تحذير و موت ضمن ذاته وعقلٌ مشلولٌ تحت وطأةِ ضربات العاطفة.
للكائناتِ (غير العاقلة) اختبارات بتدريبها على تعلّم الخوف
لحماية الكائن العاقل و ها هو يتحول من حقلٍ إلى حقل لينتهي بتلقين
الإنسان للخوف واختباره بل تعليم الكوردي صفاتاً أبت الجبال
احتضانها فلم يعتد على إدراكه أبداً.
ما زالت النفس المُهانة تبحث عن مبرر لادعاءاتها الكاذبة في سعي
فاشلٍ لإثبات وجود فاشل، أما الإهانة نفسها في علاقتها مع الكائن
فهي عملية الإخضاع. رفضٌ – تعايشٌ – قبولٌ – فامتثال، الامتثالُ
للإهانة في سعيٍ جديدٍ لخلق وجه زائفٍ لشعبٍ منكوبٍ بأهله، شعبٌ
أُجبر على الإصابة بمرض قبول الإهانات أراد أنصارها بهتانا الحفاظ
على رونق الدماء. دماءٌ أراد إقناع مَن حوله بأنه وحده الذي ما زال
يُسطِّر معنى التشبّث بالأرض والوجود .
مساعٍ لرمي ما تبقى من الجهود في أحضان الخوف – عقدة الحياة وجشع
البقاء الذي يستمد شرعيته من عدم إدراك حقيقة وعي الانتماء وجهلٌ
ممزوجٍ بغباءٍ مُفتعل.
فالإرادة – إرادة الحياة والتي هي في اختلافٍ ضمنيٍ مع العُقَدِ
والجشع المُطَعّمِ عمداً هي جوهر كينونة الإنسان في محاولته لتحقيق
الكينونة والوجود معاً. بقدر انتقاص الإرادة يزداد التشبث بالواقع
وخصوصياته وتفاصيله المخلوقةِ بنتيجة الماضي و إفرازاته، فأنصار
الواقع والمتشبثين به والداعين للتقوقع في واقعٍ هلامي أو ما يسمى
بعقلانيةٍ واقعية – شعاراتٌ و مواقفٌ يكمن في باطنها خوف مَرَضيٌ
متضخم بفعل فاعل. دعاوى و فتاوى تهضم أصحابها بفعل الجهل المُسلَّط
فوق عقول عفنة تجهل ذاتها.
فعلاقة الإنسان مع قوميته كانتماء تاريخي وحضاري هي علاقةُ ارتباطٍ
بعقد إلهي منوط بوعيٍ إنساني – متى انسلخ عنها فقد الإله
والإنسانية معاً . فلكل انتماءه ولكل حضارته والتسابق إلى الانسلاخ
هو تسابق الخوف بعينه.
إن الخوف المدمج في العاطفة، هذا الشعور الإنساني في طبيعته
أحيانا و الإنساني في صناعته أحيانا أكثر يثني العقل عن القيام
بدوره, فإدراك المعنى يُحيلنا إلى السيطرة على نشاط عقلنا واجتثاث
المبادرة بكامل وعينا وكما يفرضه الموقف، و الحاجة تتطلب الثقة
المكتسبة من الوعي والتي تفرضها حماية الذات أي حماية خصوصيات
الجماعة، الحضارية منها والتاريخية.
لذا ذكرى أي حدث في الحياة العامة وخاصة تلك التي لها تأثير ونتائج
على الحياة العملية المستقبلية تبتعد عن وصفها أو وصمها بأنها لها
علاقة بالعاطفة وما يُبقي تلك الذكرى بجانبها الإيجابي هو القيام
بأشياء عملية .
لنستفد ولو مرة واحدة من الشعوب المنتصرة في العالم بفكرها وجهدها
وعملها وهي التي مرت بها مآس جعلتها نقطة بداية انطلاقها فوضعتها
في إطار العمل الجماعي لبناء الأمجاد على حُطامها، لنقلب صفحات
التاريخ ونستشف الأحداث والكوارث التي دفعت بشعوب معينة دون غيرها
التقدم على غيرها، أحاولنا يوماً فك رموز الجينوسايد (الابادة
الجماعية) بكلِّ ما تحويها من اُطرٍ فكرية وسياسية وتاريخية
ورمزية؟. وهل أحصينا الجينوسايدات الإيديولوجية التي تعرضنا إليها
منذ مئات السنين في سابقة للإصرار على أننا قومية تستند على أسس
حضارية وتاريخية وبأننا قوميون حضاريون, فلم تكن قوميتنا يوماً
وسيلة لإفناء الشعوب.
رغم كل هذا ما زال البعض يحاول فرض الخوف المُستنبع من العقول
الشمولية، فزمرة تدعو إلى ضبط النَفَسِ التي ما ضُبطت يوما إلا
بأمر من خالقها، وأخرى تروّج للفزع الذي عجز العقل عن تدبير
معانيه والكل مصرٌ على تحويل حدث البطولة إلى قصةٍ من قصص
الجدَّات في محاولةٍ لتهدئةِ الطفل الوليد المُصرِّ على البقاء
حياً بصرخته الأولى .
اذاً تحسُّبٌ، خوفٌ، فزعٌ، فانهيار في مدينة الفئران
(Bajarê Mişkan)
التي أصّرت الأقدار المصّيرةُ على اصطياد الأمل فيها, وسيلةٌ
اعتادها الآخرون بواسطة الأخوة إفناء الكيان قبل تطوره إلى وجودٍ
وخلق (مشكلةٍ) هم بغنى عنها. الحلّ مرهون بمدى قدرة الفرد على
إقناع الجماعة باغتيال الجانب العَفن من العقول السائدة هنا وهناك,
والرجوع إلى الذات لإعادة ترتيب الحسابات, حساباتٌ كانت قد رُتّبت
بأيدٍ خفية.
البعض مرميٌ في مُعتقل النسيان والبعض كبّل نفسه بالصبر وسط
المعركة وآخر انتحل دور (التوعية) ومثقف يخلط ضحكته (الواعية)
بدموع الأمهات ودماء الأبناء، ناسين أن الكل يدور في فلك الخوف
المُعلن والمهزلة التي باتت واضحة تماما.
تحركاتٌ , ثورات ممزوجةٌ بعقولٍ
فحضاراتٌ بَنتها جرأةُ أفراد لا أكثر. تصدّعات، إنهياراتٌ فركامٌ
من صنع الجبناء .. لا أكثر. ارواحٌ بحاجة إلى نيران الذكرى وشوارعٌ
تحتاج الحياة فوق حُطام الأيام المشبعة بالإهانات وأرضٌ لن ترضى
إلاّ بأن تُروى ثانيةً .
K
. M |