الإثنين 13   كانون الأول   2004 - السنة  72 - العدد  22166
حقوق الإنسان' في عين عاصفة الديمقراطية

 

يصادف هذا الأسبوع الذي عقد خلاله "المنتدى الديمقراطي"، أو "منتدى المستقبل للشرق الأوسط"، وحيث يعقد اليوم مؤتمر المعارضة اللبنانية جلسته الختامية.

يصادف الذكرى الخمسين لإعلان حقوق الإنسان، في دورة استثنائية للجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة الذي انعقدت خصيصاً في "قصر شايو" في باريس في 9 و10 كانون الأول 1948.

ولا نجد ما نتذكّره أفضل من خاتمة الخطبة التي ألقاها سفير لبنان الدكتور شارل مالك مقدماً المشروع إلى الجمعية العمومية، باسم لجنة الصياغة (اشتغلت طوال سنتين لإنجازه) التي كان هو مقررها وكان له الدور الأكبر في التوصّل إلى الصيغة التي أجمع عليها العالم، على رغم ما كان قد بدأ يفسّخه من نزاعات بين شرقه الشيوعي و غربه الديمقراطي.

قال الدكتور مالك حرفياً:

"آلاف العقول [من كل الدول] قد ساهمت في صياغة هذا الإعلان. كل عضو من أعضاء اللجنة قد تعهّد بموجبه تعهّداً قاطعاً باحترام حقوق الإنسان، المنصوص عنها هنا بهذه الشمولية للمرة الأولى، والتقيّد بها لأنها عصارة المبادئ التاريخية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، المعبّر عنها هنا بوضوح لا سابق له وبدقّة ومسؤولية كما ولا مرة من قبل".

ثم استطرد:

"(...) وأنا شخصياً أعرف وأفقه ما تعهّدت حكومتي تحقيقه والتقيّد به عندما أولتني شرف توقيع شرعة سان فرنسيسكو في 26 حزيران 1945 [إنشاء منظمة الأمم المتحدة]. وإذا لم تتقيّد حكومتي بما تعهّدت به، ففي وسعي أن أعارض حكومتي وأشاغب ضدّها وأنا على يقين أني إذ ذاك أتمتع بتأييد العالم كله. هكذا، إذا لم تكن قوانين بلادي وتصرّفاتها منسجمة مع المبادئ التي يكرّسها هذا الإعلان، فإن القوانين والتصرّفات ستعدّل تدريجاً، لأن "الإعلان العالمي" ستكون له قوة الرقابة الفعّالة التي تساعد في تغيير الواقع. ونحن [الأمم المتحدة] سنفعل أكثر: سنضع اتفاقات دولية مبنية على نصّ "الإعلان"، ثم نلحقها بتدابير تنفيذية تلزم الدول بالمحافَظة على حقوق الإنسان والسهر على تقيّد الجميع بهذه الحقوق".

وتلا الخطبة المالكية الطويلة تصفيق حاد، ثم طرح رئيس الجمعية العمومية وزير خارجية فرنسا (بصفتها الدولة المضيفة) روبير شومان، مشروع "الإعلان" على التصويت، فأجمع عليه الحضور، بامتناع ثمانية لم يكن بينهم ممثل لأية دولة كبرى.

في خاتمة هذا الاستذكار التاريخي، حسبنا تسجيل فقرات أربع مما يفترض أنه صار معلوماً من "الإعلان" لأنها تعنينا في إطار ما نواجه لبنانياً وسورياً وعربياً:

المادة 21  الفقرة 3:  إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبَّر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

المادة 29 الفقرة 2: يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.

المادة 29 الفقرة 3: لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.

المادة 30: ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخوّل لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه.

I

انطلاقاً من هذه المبادئ، ما هي المواقف والقرارات التي تبدو لنا ملزمة، ملائمة وممكنة:

أولاً: من الخطأ الظنّ أن في وسع الدول العربية تأخير السير في الإصلاح الديمقراطي إلى أن تعالج القضية الفلسطينية على نحو عادل وشامل. وحدها دول عربية ديمقراطية تلتزم حقوق الإنسان يمكن أن تكون لها الصدقية الدولية، فضلاً عن البنية السياسية والاجتماعية والثقافية التي تمكّنها من الوصول إلى ما نطمح إليه.

أما الأمل الذي أنطلق من الخمسينات في أن الأنظمة العسكريتارية، المبطّنة بأيديولوجيات ممسخرة، فقد ثبت فشله، ولعل هذه الأنظمة كانت، من حيث لا تدري، أداة العدو للانحدار بنا من نكبة إلى نكسة إلى نكبة ونحن سكارى بالعنتريات "الهمايونية" الفارغة التي أدت إلى الاستبداد السياسي والتقهقر الحضاري، اجتماعياًً واقتصادياً وثقافياً، بل وعسكرياً خصوصاًً.

ثانياً: وحدها الدولة الديمقراطية تقدر على أن تؤمّن لنا مناعة ضد التخلّف الذي يولد منه اليأس، وهو الأرض الخصبة للعنف بل "الإرهاب" والثورات العبثية. صحيح أن ما يسمى الآن الإنماء المستمر، في جميع الحقول، يحصّن النظام الديمقراطي مستقبلياً، صحيح.  ولكن وحدها الأنظمة الديمقراطية الشرعية المؤمنة بحقوق الإنسان والملتزمة بإعلانه العالمي - يمكنها أن تقوم بهذا الإنماء بصورة منوّرة وعملية ومن غير فساد وهدر فتقهقر، لأنها وحدها تقدر على ضمان اشتراك المواطن الحر في مسؤولية الإنماء.

ثالثاً: الديمقراطية لا يمكن نشرها إلا بالوسائل الديمقراطية. من هنا أن لا تلازم ممكناً ولا مقبولاً بين الاجتياح الأمريكي للعراق بحجّة بناء مجتمع ديمقراطي، وبين الدعوة الدولية إلى أن نبني ديمقراطيات مؤسسة ومرسّخة ومجذّرة في تراثنا ومثالياتنا الديمقراطية. والطريق الوحيد إلى ذلك احترام المادة 30 من إعلان حقوق الإنسان وبقية المواد التي تنصّ على ذلك والتي تعرّضنا مخالفتها للرقابة الدولية، بل المحاسبة الدولية.

II

رابعاً: التصرّف السوري في لبنان لا يمكن "تحليله" أو تشريعه بموجب أية عقيدة مقبولة عالمياً، فضلاً عن مخالفته كل ما جاء في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، بل "ميثاق منظمة الأمم المتحدة" التي تنصّ أحكامها على منع مخالفة مبادئ الشرعية الدولية وحقوق الإنسان.

خامساً: كذلك تصرّف الدولة اللبنانية زاخر بالمخالفات للشرعية الدولية وحقوق الإنسان، وبالأخصّ الحق في الحصانات القضائية (وما أكثرها ولن نعدد)...

(وفي المناسبة (بين هلالين)، لا بد من التساؤل كيف تكون للعدالة اللبنانية أية صدقية  وكيف يطمئن المواطن العادي (ولا نقول: وليد جنبلاط أو مروان حماده) إلى "حقوقيتها" عندما يتعهد وزيرها، علناً وبعنترية يمجها الذوق السليم، بأنه ستكون لديه "خيوط" يعلنها حول "الجريمة" الغاية في الغرابة التي نجا منها قاض جرت محاولة اغتياله بمسدسه هو وتنقضي المهلة وضعفها، وسيادته يتكل ربما على قلة ذاكرة الناس، فلا يبوح عن خيط واحد يدل على جدية التحقيق؟؟؟).

III

سادساً: إذا كانت الغاية من الاستراتيجية التاريخية العقائدية السورية هي الوصول بلبنان إلى التوحّد مع سوريا، فطريق دمشق الحالي يؤدي إلى العكس، لأنه يقضي على البقية الباقية من "الأخوية القومية" التي تربط بين البلدين ليستبدل بها التبعية التي لا مستقبل لها ولن تصمد في وجه دفع ديمقراطي محتم الحصول، ينطلق من حرص العالم اليوم، وبنوع أخص من حرص الشعبين السوري واللبناني على قيام أنظمة عربية ديمقراطية يتمتع المواطن في ظلها بحقوق الإنسان كاملة غير منقوصة.

والمثال التاريخي الذي يجب أن تُنعم فيه دمشق النظر (إذا كان لا يزال عندها من يقدر على العقلانية أو يقبل عليها!) هو مثال الاتحاد الأوروبي الذي فشلت كل المحاولات لإقامته بالقوة، وكان آخرها الاحتلال النازي لفرنسا وسائر الدول الأوروبية... بينما نجح ديغول وأديناور في طيّ صفحات الحقد وذكريات الحروب بين بلديهما فرنسا وألمانيا وأوجدا ما تطوّر نحو وحدة سيكون لها قريباً دستور مشترك، بإقبال إيطاليا ثم سائر الدول المتاخمة لهما وصولاً إلى بولونيا التي كانت مشيّعة، فأوكرانيا التي تعاني أزمة ديمقراطية بسببٍ من "الاتحادية"، من غير أن تسيّر سيارة مفخخة ضد أحد ولا فتح "سجن عربي" يُزج فيه آلاف المتظاهرين.

سابعاً: ثمة منطق جيو-سياسي قومي كان ولا يزال يسير بالدول العربية (وفي طليعتها سوريا ولبنان) في اتجاه وحدوي. ولسنا في حاجة إلى أن نذكّر أن كل المحاولات التي تمت حتى الآن انتهت ، بدون استثناء، بالعنف والى العنف لأنها انطلقت من "منطق القوة" والإستقواء ضد الاستضعاف (المبطّن باليأس كما في حال سوريا لما ذهبت إلى عبد الناصر واليمن لما أتاها عبد الناصر فضلاً عن المحاولات الليبية يميناً ويساراً الخ...).

وأما الوحدة السورية اللبنانية، فقد تتم يوماً، ولكن ليس بلف لبنان بشباك عنكبوت نصف خيوطه اتفاقات اقتصادية غير متوازنة ولا واقعية، ثم و"شبه-دستورية" غير قابلة للتطبيق ولا هي تطبّق... ونصف خيوطه الأخرى مخابراتية ومافياوية.

ستتم الوحدة عندما يشعر اللبنانيون أنهم يذهبون إلى الشام أحراراً، (لا مخطوفين ولا أسرى سريين) بدل أن تغرّبهم الشام عن لبنانهم... فيشاركون إذ ذاك في الحياة السورية اللبنانية وفي نظام دستوري ديمقراطي "حقوق إنساني"، مشترك... فلا تخطف سوريا، وعلناً، حق لبنان في تقرير مصيره، ولا يدّعي لبنان وضع يده على حق تقرير مصير سوريا... بل تتحوّل "وحدة المسار" الدبلوماسية الزائفة السخيفة إلى "وحدة  مصير"، كما في النموذج الأوروبي، وسلميا ومن أجل السلام.و يتدرّج ذلك التوحد إلى الأردن، والعراق المحرر وفلسطين متى قامت جمهوريتها.

IV

"عين العاصفة" التي تهبّ على المنطقة (هل تدرك "دمشق البشّار" كما سألها وليد جنبلاط؟) قد لا تستمر ومحورها بغداد، بل ستقترب منا أكثر فأكثر. نقولها ولا نخاف لأننا نطمئن إلى مناعة طبيعية عميقة في نفوس اللبنانيين غلّبتهم على ربع قرن من حروب خاضوها من أجل الآخرين، وعادت عرى وحدتهم "وثقى" لا تنفصم مهما هوّلوا ضدها بحروبٍ يصطنعون!

"عين العاصفة" تقترب، لأن فلسطين، لا العراق (ولا السعودية) هي القضية الشرق الأوسطية المركزية، وثمة تصميم واقتناع متزايد، وظروف موضوعية متسارعة، تدل على قرب تصدّي العالم لمحاولة حلّها.

الدول العربية كلها، بما فيها سوريا "الشقيقة"، تبدو متسربلة حائرة... فهل يقدر لبنان أن يظل غريباً، يشيح ببصره والبصيرة عن "عين العاصفة"؟

نتوجه بالسؤال لا إلى الحكومة الكرامية المضحكة المبكية، بل إلى المعارضة التي ستعقد اليوم مؤتمراً تتوسع فيه قاعدتها الشعبية والحزبية.

نتوجه بالسؤال، مطالبين بأن تتسع آفاق المؤتمر إلى ارفع من البحث في الدوائر (والتحالفات) الانتخابية، وهل يكون القضاء (و"القدر"؟) أم المحافظة أم... أم... المحدلة أم البوسطة. أم "قهوة القزاز"!!!

الشعب ينتظر من المعارضة التي بها يفرح، ويؤيدها حتى الخائف من إعلان ذلك، أن تطل عليه برؤية تاريخية الأبعاد للمستقبل اللبناني ولدور لبنان الحر الخلاّق في المستقبل الإقليمي المرتبط مصيرنا بتطوراته، إن لشيء فعلى الأقل بسبب الوجود الفلسطيني على أرضنا.

... ينتظر الشعب أن يكون الكلام عظيماً، وصادقاً، في مستوى ما صدر مرّات عن بكركي البطريرك صفير وأسلافه أيام الأزمات والقرارات الكبار، وفي مستوى ما يتساءل الناس لماذا وليد جنبلاط وحده ينفرد بكلامه ومنطقه، ولو كان صعب الإدراك على بعضهم أحياناً.

 
 
 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

أرشيف المقالات

الرجوع ×××

الأرشيف السياسي

 Kurdistana Bixetê

    كردستان سوريا  

 Syrische Kurdistan