|
نظام الرعب والقمع السوري كالنعامة تماما يخفي رأسه
الصغير في الرمال المتحركة حين يداهمه الخطر, ويراه من بعيد, ويدع
جسمه الضخم كالفضيحة في العراء أمام مرأى ومسمع الجميع , فهو لم
يقتنع بعد بسقوط توأمه في العراق ,ويصم أذنيه عما يسمعه من محاولات
إجتثاث جذوره السامة من تربة بلاد الرافدين , وتطهيرها من بقايا
تلك الأفكار السوداء العالقة والمنتجة للمجازر والدمار ,
والنظام المستبد دون خجل يحاول إعاقة ولادة التجربة الديمقراطية في
العراق الجديد , ولم يتعلم من إنهزامه المخجل في لبنان , بعد أن
زرع في ربوعه بذور الكراهية والفتن واالاحتراب.
مثله في ذلك مثل النازية بعد سقوط ( النورماندي ) , حين كانت تتجول
في شوارع باريس وكأن شيئا لم يكن , بينما كان الجنرال ( ديغول )
محرر فرنسا على أبواب العاصمة باريس, ومثل تشاوتشيسكو الذي لم يفقه
شيئاً عما يجري حوله في معسكره الإشتراكي، وصولا إلى إنهيار جدار
برلين, حتى ساعة إحتضاره السياسي, و نهايته الفظيعة....
إذا الرسالة لم تصل بعد , ويبدو إنها لن تصل, فنظام البعث الحاكم
لم يقتنع , ولم يتعلم , ولم يفقه شيئا من جدلية حركة التاريخ ,
والتغييرات العاصفة من حوله , وما يزيد الأمر خطورة مضيه في
المراهنة على قوة إستخباراته وشبكات الإرهاب الخفية, وما يملكه من
أسراب الخفافيش والغربان, وبقية طيور الظلام, التي بدأت تنقض على
من تراه وجبة دسمة لأسيادها. هذه المرة كانت ضحية القرصنة الشيخ
الدكتور محمد معشوق الخزنوي, العلامة الكردي الذي إمتاز خطابه
الديني بالإعتدال والواقعية, ومناشدته للعدالة, والمساواة, ومناهضة
الذل والخنوع. إختلفت الإجتهادات , والتفسيرات ,والتكهنات ,
والتوقعات , لكنها إتفقت جميعا تحت سقف أن الجريمة وقعت في قلب
عاصمة الدولة الأمنية دمشق, وفي وضح النهار, وفي ظل نظام يتباهى,
ويجهر بوقاحة أنه يملك القبضة الفولاذية الأمنية , وترسانة هائلة
من الأسرار والمعلومات التي لا تملكها دولة غيرها, فقد قدمت مثلا
للولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر, المشورة والخبرة
اللازمة لتعقب الملاحقين مقابل السكوت عن بعض مشاريعها, أيضا
تعهدها لدولة مثل المانيا بتقديم معلومات في غاية الخطورة عن نشطاء
إسلاميين من أصل سوري مقيمين على أراضيها, لعناصر لهم علاقة مباشرة
بخلية ( هامبورغ ) النشطة لمنظمة القاعدة, والتي ساهمت للتحضير
لإعتداءات سبتمبر مقابل أن لا تجري محاكمة علانية لجاسوسين سوريين
تم القبض عليهما متلبسين بالجرم المشهود، وبذلك يكون الفاعل في
جربمة إختطاف الشيخ ليس مجهولا, إنه وحده المستفيد من غيابه عن
الساحة , النظام مسؤول قانونيا , وسياسيا , وأمنيا عن غياب الدكتور
الخزنوي , هذا النظام الذي أخذ يمثل دور الأطرش والأخرس , فلم
يبادر حتى إلى تشكيل لجان تحقيق, أو اتهام جهة محددة لإخفاء
مسؤوليتها كما فعلت الحكومة المغربية في قضية اختطاف الزعيم
المغربي المعارض المهدي بن بركة, ففي عام 1965 , وفي الحي اللاتيني
في باريس اختطف قائد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المهدي بن بركة
الذي لفت أنظار العالم الثالث, والشعوب المناضلة إليه, وحين حملت
السلطات المغربية الحكومة الفرنسية مسؤولية اختفائه, ردت الحكومة
الفرنسية بأن من له مصلحة في غياب المهدي بن بركة يقف خلف إختفائه,
مشيرة بذلك أصابع الإتهام الى السلطات المغربية نفسها, كونها الجهة
الوحيدة التي لها مصلحة في غياب المعارض المغربي الكبير, والتي
كانت تلاحقه, وتتعقب خطاه أينما حل, بعد سبعة وثلاثين عاما كشف رجل
الإستخبارات المغربية السرية أحمد البخاري تفاصيل اختطاف المهدي,
وقتله بعد تعذيبه الشديد على يد الإستخبارات المغربية, وكيف تم
نقله على متن طيارة خاصة من فيللا في فرنسا إلى المغرب, حيث تم رمي
جثته في الاسيد, وبعد مرور ساعات كان الرجل قد ذاب تماما.
الشيخ الخزنوي لم يسافر إلى ليبيا كالإمام الشيعي موسى الصدر حتى
نطالب العقيد القذافي بالكشف عن مصيره المجهول, وهو لم يقم كالمهدي
بن بركة في فرنسا كي نحمل الحكومة الفرنسية مسؤولية إختفائه,
والدكتور الخزنوي لم يكن معارضا للعرش على طريقة ابن بركة, ولم يكن
قائدا لتنظيم كبير مثل الإتحاد الوطني للقوات الشعبية كما كان ابن
بركة, ولم يتقاسم مع الثوار والساسة الكبار أحلام التغيير العالمي,
فقط دعى في خطابه الديني إلى العدالة الغائبة, ورفع الغبن عن أبناء
الشعب الكردي, وإلى وطن أجمل لكافة السوريين, ولذلك إختفى.؟؟!!!.
|