من المعروف أن القاهرة مازالت قادرة على أن تلعب الدور المركزي في
السياسة العربية والإقليمية حتى الآن بدون منازع، وهي التي يتطلع
إليها معظم الزعامات العربية عندما تستعصي الأزمات
على الحلول عندهم. سواء أكانت ناتجة عن خلافات داخلية كما هي الحال
في أزمات السودان، أم إقليمية، كالتي جرت بين تركيا، وسوريا أم
سوريا وإسرائيل. أم بين إسرائيل والفلسطينيين, أم في مسائل توفيقية
بين العرب والغرب، وقد تبادر هي أحياناً إلى الاتصال بأشقائها
العرب أم غيرهم في أوقات عندما ترى بأن ذلك يصب في المصلحة القومية
المشتركة،.
ومن هذا المنطلق فقد أطلقت القاهرة دعوتها لعقد مؤتمر دولي حول
العراق في يومي 22 ـ 23 تشرين الثاني/ نوفمبر في شرم الشيخ.
وبناءً عليه، ونقلاً عن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط قوله
بهذا الخصوص" بأنه سيتم عقد اجتماع في وزارة الخارجية المصرية يوم
الأحد "المقبل" على مستوى سفراء وممثلي الدول المدعوة للمشاركة في
هذا المؤتمر" والذي تم إعداد مسودة نص مشروع البيان الختامي
المتوقع صدوره عن هذا المؤتمر".
على أن تسلم الدعوات الرسمية في ذلك الاجتماع لممثلي تلك الدول
التي ستحضر المؤتمر.
كما نوه إلى أن مصر" ستتلقى خلال الفترة القادمة وجهات نظر الأطراف
المدعوة حول تلك الصياغة الأولية لمسودة البيان للوصول إلى صيغة
معدلة حيث ستستمر المشاورات والاتصالات إلى أن يتم التوصل إلى
توافق تام في هذا الخصوص".
ومن المعروف أن الدول التي ستشارك في هذا المؤتمر هي الدول
المجاورة للعراق "سوريا.
إيران. الأردن. السعودية. تركيا، والكويت". على أن تجتمع في شرم
الشيخ يوم 22 تشرين الثاني. لينضم إلى المؤتمر في اليوم الثاني يوم
23 تشرين الثاني
مجموعة الثماني، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة
المؤتمر الإسلامي.
ولطالما أن مسودة البيان الختامي قد تم إعداده، وسيتم توزيعه في
إجماع يوم "الأحد" على سفراء ومعتمدي الدول التي ستحضر المؤتمر.
فإلى أي مدى يمكن أن يعدل صيغة البيان هذا بعد للاتصالات التي
ستجري مع مصر في هذا الشأن فلا أحد يعرفها.
كذلك لا يمكن أن يتكهن أحد بما أصيغت به مسودة البيان هذا، وهنا
يفرض سؤال نفسه "هل أن هذا المؤتمر هو مؤتمر لتجديد الوصاية على
العراق". أم أن المؤتمر سيوصي بنقل السيادة إلى العراقيين بعد
الانتخابات المنوي إقامتها في يناير القادم، وهذا ما كان قد ألمح
إليه وزير الخارجية المصرية حيث قال " بأن المجتمع الدولي يتحرك من
خلال مؤتمر شرم الشيخ "للملمة الشأن العراقي ويوجه الأمور باتجاه
هدف تحقيق الاستقرار وخروج القوات الأجنبية".
وأشار إلى أن الهدف من مؤتمر شرم الشيخ هو هدف إيجابي وإنساني
وسياسي واقتصادي من اجل مساندة مستقبل العراق". وهنا لا بد أن
ننتظر النتائج التي سيتمخض عنه المؤتمر هل سيكون كما كان قد حدده
وزير الخارجية المصري " للملمة الشأن العراقي وما إلى ذلك .." وإلى
أي حد يمكن أن يلملم الشأن العراقي الذي عان أكثر من ثلاثة عقود من
الظلم والاستبداد والقهر، حيث تراكمت مأساة العراقيين حتى طفح
الكيل عندهم، ورضوا ورحبوا بتلك العمليات التي "سميت بعمليات تحرير
العراق ولولاها لبقي العراقيون يعانون الأمرين من صدام، وعدي،
وقصي، وتلك الزمر الموالية لهم. إلى أمد غير معروف".
وسرعان ما سعى المتضررون من سقوط النظام البعثي فعملوا بسرعة لخلق
وإثارة الفتن وانضم إليهم من لم يرق لهم رؤية "عراق حر. ديمقراطي.
فدرالي. موحد" لربما يصبح فيما بعد نموذجاً لدولة متقدمة يعيش في
أحضانه شعوب العراق في ود ومحبة ووئام. فسعى أولئك جميعاً "وقبل أن
يتمكن العراقيون من لملمة أمورهم" معتمدين على أخطاء تسببت به
القوات الأمريكية وغيرها كما هي في حل الجيش العراقي بدلاً من
تطهيره واستعابه لحفظ الأمن والاستقرار داخل العراق وو..
فعمت الفوضى ليطال معظم المناطق الجنوبية والوسطى ضد من قضوا على
أعته نظام في العصر الحديث ألا وهو النظام البعثي المقبور دون أن
يدعوا المجال لأبناء العراق البررة ليبنوا عراقهم الحبيب بكل بهدوء
وروية بدءاً من النواحي القانونية والدستورية والإدارية وتعويض
المتضررين ووو... فلننتظر ماذا يمكن لمؤتمر شرم الشيخ أن يلملم لهم
شأنهم وإن الأيام القليلة القادمة سترينا ذلك. حيث كان من المفروض
أن يلملم العراقيون شأنهم بأنفسهم فالعراق مليء بالكفاءات
والمختصين.
كما أن هناك سؤال أخر يطرح نفسه هنا بقوة ؟. هل ستكون الحكومة
العراقية جاهزة تماماً لتناول تلك المسائل التي ستطرح على مائدة
البحث في ذلك المؤتمر وفي هذه الظروف الحرجة التي تمر بها العراق
والتأثير فيها وتوجه تلك القرارات وتوصيات المؤتمر لصاح الشعوب
العراقية وما استجد على الساحة العراقية. حيث لا بد أن يستند وفد
الحكومة العراقية على ركيزة قانونية "ألا وهو ما تم إقراره من
قانون الإدارة العراقية المؤقتة" ليعطيهم القوة في تناول بنود
ما سيطرح في ذلك المؤتمر من جهة ولتتوافق مقرراته مع تطلعات الشعوب
العراقية من جهة أخرى.
ومن ناحية أخرى فإن هذا المؤتمر الذي يعتبر أهم محطة دولية سيتطبع
برؤية مستقبلية للعراق الجديد. عراق ما بعد صدام حسين. عراق يمكنه
أن يتحمل أعباءً هائلة من كل النواحي الدستورية والقانونية
والسياسية والاقتصادية وعمليات بناء البنية التحتية" بعد جلاء قوات
الاحتلال" أم المتعددة الجنسيات عنه. إن تم ذلك قريباً".
وبما أن الحكومة العراقية المؤقتة منهمكة حتى النهاية لتوفير الأمن
للعراق، في محاربة الإرهاب والقضاء على بؤر التوتر في بعض المدن
العراقية الوسطى والجنوبية، وسعيها الحثيث من أجل توفير الأجواء
المناسبة لإجراء الانتخابات في وقتها المحدد. فإن ذلك
لا بد أن ينقص من فرص تأهلها لتحصل على دعم أغلب القطاعات الشعبية
والدولية في نفس الوقت، دون أن نشك بقدرات ومهارة وزير خارجية
العراق السيد هوشيار زباري " الذي حمل رسالة العراق إلى الكثير من
دول العالم في أحلك الظروف بنجاح كبير وحتى الآن"،.
إلا أن افتقار الحكومة المؤقتة في العراق إلى مقومات كثيرة تتعلق
بسعيها الحثيث لفرض الأمن والقضاء على البؤئر الإرهابية وحيث أن
ذلك يوقع الضرر بكثير من الأبرياء ويفقد الكثيرون ممتلكاتهم
وأهاليهم علاوة على ما تجره الحروب والمنازعات والفتن الداخلية من
ويلات كما يجري في الفلوجة ومدن عراقية أخرى ومدينة الصدر ببغداد،
وما استجد على الساحة الكردستانية في مسألة كركوك وما تنشط لأثرها
الدعوات التي تعالت من مئات الألوف من أبناء الشعب الكردي تطالب
بحل تلك المسألة. كذلك المطالبة بإجراء استفتاء على حق تقرير
المصير في كردستان، أم ما تنشطت على مستوى كامل ذلك الإقليم من
لجان لتجمع أكثر من مليوني توقيع لتلك الأسباب والتي لا يمكن
الاستهانة بكل تلك التطورات الحاصلة والحساسة جداً، فإن استطاعت
حكومة إقليم كردستان أن تهدئ الأوضاع بشكل مؤقت فإنها قد تصبح في
وقت لاحق طرفاً أساسياً في تبني تلك الأمور جميعها، وعندها سيصعب
التوصل إلى حلول لصالح عراق فدرالي ديمقراطي وموحد. وهذا ما يؤكد
صحة طرحنا هو بأن يستند الوفد العراق على قوة قانون إدارة
الدولة العراقية المؤقتة لأن ذلك سوف يوفر لهم أرضية قانونية
تساعدهم نوعاً ما على استمالة شعبية لا بأس به في هذه الظروف
الحساسة التي يمر بها العراق.
على كل حال نتمنى من ملئ قلبنا حباً للعراق وأهله أن يتمكن الوفد
العراقي إلى المؤتمر القادم من أن يجسد فيه طموحات كل فئات الشعوب
العراقية وطوائفها، وأن يكون قادراًً على الاستفادة القصوى من هذا
المؤتمر استناداً على قوة قانون إدارة الدولة العراقية المؤقتة.
كلمة أخيرة. سيكون الباب مفتوحا على مصراعيه لكل فئات المجتمع
المدني في العراق للتمثل في المؤتمر المنوي إقامته في القاهرة
والموازي لهذا المؤتمر الدولي "إن تم ذلك فعلاً " عندها يمكنهم أن
يطرحوا رؤيتهم في عراق "حر. ديمقراطي. فدرالي، وموحد" وأن ينقلوا
معهم ما يملكون من مواد وثائقية يدعمون به ما يتطلعون إلى أن يتحقق
لهم في بلدهم "عراق المستقبل".
24.10.2004
محمد سعيد آلوجي/ ألمانيا