|
ستبقى السلطات السورية مطالبة بفتح تحقيق في إحراق سينما عامودا
ا لتهمت
في مثل هذا اليوم في 13 تشرين الثاني من عام 1960 النيران المندلعة
في سينما بلدة عامودا " آمودي " حوالي 280 طفلاً كردياً من أطفالنا
الذين فرض عليهم مشاهدة فلم رعب سينمائي " والذي كان يحظر عرضه إلا
على الكبار " لكنه يبدو بأن قدر أولئك الأطفال كان لا بد إلا أن
يُسوقَ إليهم بأوامر تلك السلطات الزبانية الذين كانوا يحكمون
المدينة ليتسببوا في قتل جيل كامل من تلامذة المرحلة الابتدائية
للمدينة " لأنهم كانوا قد فرضوا على أولئك التلاميذ مشاهدة ذلك
الفلم بحجة أن يخصصوا ريعه لمساعدة ثورة الجزائر ضد الاحتلال
الفرنسي في حينه ".
علماً بأن تلك السلطات كانت قد جمعت من أهالي المدينة على مدى أيام
أموالاً عينية ونقدية لتلك الثورة حيث لم يبخل أهالي المدينة من
التبرع بالكثير مما كانوا يملكونه. فتبرعوا حتى بأقوات أولادهم
وملابسهم وصيغ نسائهم.
إذاً لماذا أجبرت تلك السلطات أن يُجمعَ
أولئك التلاميذ الذين لم تتجاوز أعمارهم في
غلبيتهم الرابعة عشر من عمرهم ذلك المكان؟؟...
كان قد كرر شهود عيان كثيرون هذه الشهادة: بأن المشرف على تشغيل
تلك السينما المدعو " قيا كوي " كان قد قال للسلطات بأن جهاز
السينما قديم ولا يتحمل عرض الفلم للمرة الثالثة على التوالي وفي
ذلك اليوم. لكن السلطات أجبرته على تشغيل تلك الآلة.
وقال أكثر من شاهد عيان بأن مدير ناحية عاموا والذي كان يمثل قمة
هرم السلطة الحاكمة في المدينة. كان قد أرسل مسؤولين لإخراج ابنه
من دار تلك السينما قبل أن تُولعُ النيرانُ فيها بفترة كافية.
كذلك كان قد صرح أطفال كثيرون من الذين نجوا من تلك النيران،
والذين كانوا قد حشروا هم أيضاً لمشاهدة ذلك الفلم. بأنه سرعان ما
امتدت النيران من شرارة انبعثت من تلك الكوة التي كانت تُبعثُ من
خلالها شعاع العرض السينمائي. بمجرد أن انطلقت منها شرارة نار
لتبدأ بإحراق قماش كان قد أحيط بجدران السينما من الداخل، وكأن ذلك
القماش كان قد دهن للتو بمادة سريعة الاشتعال. وما هي إلا ثوان
معدودات حتى أحاطت النيران بكل جوانب صالة العرض الداخلية.
لكنني أتذكر شخصياً ذلك الحادث المفجع الذي مازالت أحتفظ بذكراه.
وسأبقى محتفظاً به إلى آخر يوم من حياتي...
كنت وقتها طفلاً لم أتجاوز الخامسة عشر من عمري عندما ركضت خلف
والدي الذي سارع إلى مكان الحادث. حيث كانت النيران لا تزال تلتهم
دار السينما والذي راعى انتباهي هو وقوف حارس من حراس بلدية عامودا
" آموي " أمام باب السينما والذي كان يصر على أن يبقيه موصداً بحجة
ألا يقتحمه أحد إلى الداخل فيحترق بتلك النيران التي كانت تلتهم
أجساد أطفال البلدة.
لم ألاحظ بين من تجمع من أولياء أولئك الأطفال أي مسؤول حكومي على
الإطلاق. سوى مدير بريد عاموداً الذي أطل بعد فترة من وصولنا وهو
يضح بملء فمه والذي توجه بالحديث إلى المرحوم نذير أغا الذي كان
يعد من أحد أعيان البلدة. والذي كان منهك القوى على ولديه
المحصورين داخل تلك النيران. توجه إليه مدير البريد هذا ليقول له
في تهكم !!.. أي يوم هذا يا آغا!!.. فترنح المرحوم غضبا وتوجه نحوه
ليشتمه. فغادر المكان مسرعاً.

ما زلت أتذكر حينما انهار سقف البناء لتعلوا ألسنة النيران عالياً
ويعلو معها صراخ أهالي الأطفال المتجمعين في المكان.
كما أتذكر بأننا بقينا نحوم حول السينما حتى صباح اليوم التالي.
ولم تحضر لا سيارة إسعاف ولا سيارة نجدة. سوى سيارة إطفاء صغيرة
بعد أن كان قد انهار سقف السينما على من فيها، وكان قد أرسل في طلب
تلك السيارة لتحضر من قامشلوا أم الحسكة لا أدري بالتحديد. لأن
البلدة لم يكن فيها مركز للإطفاء أساساً. علماً بأن تلك السيارة لم
تستطع أن تضخ ما بداخلها من مياه لأنها كانت معطلة.
وما زلت أتذكر حتى الآن تراكم حوالي عشرين جثة متفحمة أمام باب
السينما الذي كان قد أغلقه ذلك الحارس اللعين عيسى الزبال، ولربنا
كان سينجو بعضهم لولا أن أغلق الباب عليهم؟؟؟....
كما أتذكر جمجمة ذلك الطفل المحروق جسده بالكامل، والذي كان يحمله
شخصان ليضعان في مؤخرة سيارة "بيك آب" عندما ضرب رأسه في مؤخرة
السيارة لينفصل عن جسده ويتحطم على الأرض فيندفع من داخله دماغه
المغلي.
كذلك أتذكر، وأتذكر الكثير، والكثير من مآسي ذلك الحدث... ومنها
توضع الجثث بشكل متلاصقة على امتداد باحة المسجد الكبير للمدينة
وقسمها الشمالي، وتدافع أحشاء تلك الجثث من بطون أصحابها.... لكنني
لا أتذكر إطلاقاً بأن حوكم على أحد بتهمة إحراق تلك السينما عن قصد
أم عن إهمال. أو للتسبب في إحراقها...
وستبقى السلطات السورية مطالبة بفتح تحقيق عادل في إحراق تلك
السينما التي أودت بحياة جيل كامل من تلامذة مدارس البلدة من
الأكراد....
وبحلول الذكرى الخامسة والأربعين لإحراق سينما آمودي نعزي أنفسنا
وشعبنا الكردي في سوريا، وأولي الضحايا بهذه الفاجعة التي لن
ننساها إلى الأبد...
محمد سعيد آلوجي
|