مبادئ وقواعد النشر

E-mail

مواقع أخرى

Link

عربي

 

13.11.2004                                                       محمد سعيد آلوجي
تراجيديا حريق سينما آمودي ( عامودة )


إن يوم الثالث عشر من تشرين الثاني هو يوم تاريخي مثبت في ذاكرة الشعب الكردي في سوريا، وبصورة خاصة في عقول وقلوب أبناءه من أهالي وسكان مدينة آمودي (عامودة). هذه البلدة التي نكبت بأبنائها، وهم في الربيع الأول من عمرهم. أطفال كانوا كبراعم ورود لم تتفتح على الحياة بعد. طلاب مدارس في المرحلة الابتدائية جمعوا في صالة السينما الوحيدة للبلدة. ليُجمع من قيمة تذاكر دخولهم مبالغ لدعم ثورة الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي آنذاك كما قيل. علماً بأن أهالي البلدة كانوا قد انتهوا قبل أيام من جمع تبرعات نقدية وعينة بسخاء لذلك الغرض. فعصفت بهم تلك الكارثة حيث تحولت صالة العرض إلى أتون من الجحيم ليحرق بنيرانها حوالي 300 طفل من تلك البراعم الغضة، ولم تكن تلك الكارثة هي الأولى التي ألمت بتلك البلدة وأهاليها، فقد سبق أن أحرقت معظم البيوت فيها. فيما سمي وقتها ( بتوشا آمودي). أثناء الاحتلال الفرنسي رداً على المقاومة الوطنية لأهالي البلدة، وقد لا تكون هي الأخيرة طالما لم يحترم حقوق الإنسان فيها، أو في باقي البلدات والمدن الكردية في كردستان سوريا، ويشهد على ذلك حوادث 12 آذار هذا العام.

أتذكرك يا بلدتي الصبورة الصامدة أتذكر ذلك اليوم بكامل تفاصيله بالرغم من مضي 44 عاماً على تلك الكارثة التي حفرت آثارها في أعماقي، ووجدان كامل سكان أمودي ( عامودة ). أتذكر ذلك الليل السرمدي، ونواح أمهات أطفالك في ليلة الثالث عشر من تشرين الثاني عام ـ1960 ـ بعدما اندلع النار في جمع من أطفالك، وهم في عمر دراستهم الابتدائية حيث حشروا لمشاهدة فلم يُدفع ريعه لصالح ثورة الجزائر كما قيل، والتي لم تثني عليك ولم ولن تعزيك في أطفالك، وما أَنت لتشريد معظم سكان كردستان العراق عندما فَتحت أبوابها لصدام حسين وشاه إيران لينهوا فيما بعد ثورة الأكراد على الظلم عام 1975 ؟!.أهذا هو قدرنا يا ترى.؟.

كنا نرى أطفال البلدة في ذلك النهار يتراكضون فرحاً حيث سمح لهم بارتياد دار السينما فلم يكن أغلب أهالي البلدة يرغبون لشبابهم من ارتياد دور السينما لتحفظات عدة. لا سيما وأن الفلم المخصص ليعرض على أطفالهم بأوامر رسمية كان يتميز بطابع من الرعب.
كنت تجد الأطفال في حركة دائمة وفي كل مكان متلهفين لحضور فلم سينمائي. دون أن يخطر ببال أحد ما ينتظر أولئك الأطفال بعد ساعات قليلة.
كان قد عرض الفلم مرتين في نهار ذلك اليوم قبل أن تحل الكارثة بتلك البراعم حيث كانت السلطة المحلية لبلدة آمودي قد خصصت عرضاً مسائياً لأطفال البلدة. فلم يمض وقت قصير على بدء عرض الفلم حتى تصاعد الدخان من موقع الصالة، فأسرعت مع والدي لنقف على الحدث. وصلنا المكان لنجد حوالي ثلاثين شخصاً قد سبقونا إليه.
لمحت من بينهم السيد نذير آغا رحمه الله حيث كان يقف في حالة يرثى له. كان منهاراً لعدم تمكنه من معرفة مصير طفليه كان أسم أحدهما (ممدوح). وما زلت أتذكر شخص مدير بريد آمودي الذي كان يرتدي طربوشاً أحمر اللون عندما اقترب من " نذير آغا " ليقول له في تهكم وهو يبتسم (أي يوم هو هذا يا آغا ) فترنح نذير آغا وأشار إلى من يلف حوله من الرجال ليقوموا بتأديبه فولى على أعقابه ليغادر المكان بسرعة.

والذي أثار حفيظتي ولربما حفيظة معظم أهالي البلدة هو ذلك الحارس اللعين (أحد حراس البلدية ) "اسمه عيسى" والذي كان يكنى (بعيسى الزبال) حيث كان يعمل قبلها كعامل تنظيفات في البلدة. إنه كان قد أسند ظهره إلى الباب الوحيد للسينما والذي كان قد أغلقه بنفسه بحجة ألا يلج أحد من أهالي الأطفال إلى الداخل فيحترق، وبقينا حتى طلوع شمس اليوم التالي هنالك حيث تكشف لنا فيما بعد بأن حوالي خمسة عشر طفلاً قد تفحموا وراء ذلك الباب. لربما استطاع عدد منهم النجاة بنفسه لو لم يقوم ذلك الحارس اللعين بإغلاق الباب عليهم وبأوامر من المسؤولين كما كان يصرح به. ولم يسبق أن وجدنا في المكان أي من مسؤولي البلدة أم من المسؤولي المحافظة.

التهمت النيران حوالي 300 طفل من أطفال البلدة دون أن تسعى السلطات إلى نجدتهم، ولم يحضر إلى المكان غير سيارة إطفاء وحيدة وصغيرة وبعد أن انهار سقف السينما على من فيها تلك السيارة التي كانت مضخاتها لا تعمل بأي حال من الأحوال.
كذلك لم يحضر إلى المكان أية سيارة إسعاف على الإطلاق. فأي حق من حقوق المواطنة كنا نتمتع بها نحن الأكراد في ذلك الوقت،" وما زالت تنتهك فينا حتى الآن كامل حقوقنا وتدعي السلطات السورية بأنه لا توجد مشكلة كردية في سوريا ".

إلا أننا سنتذكر وإلى الأبد ذلك البطل الذي كان قد تمكن من إنقاذ حوالي عشرة أطفال قبل أن ينهار عليه من سقف السينما عمود حديدي ليؤدي إلى استشهاده وهو يحمل طفلين تحت إبطيه إنه " محمد سعيد آغا الدقوري ".
فرشت باحت المسجد الكبير للبلدة المسمى ( بجامع الشافعيين )، كذلك القسم الشمالي من الجامع الذي كان قد ألحق ببناءه القديم بجثث الأطفال بالكامل. كانت أحشاء أغلب الضحايا قد تدافعت إلى خارج بطونهم المهترئة. تلك الجثث التي كانت قد تفحمت وتفتت الكثير منها فحال دون التعرف على هويات الضحايا إلا بمنتهى الصعوبة. حيث شاع بأن عائلات كثيرة تاهت في أخذ أطفال عائلات أخرى بدلاً من أطفالها ثم أرجعتها بعد أن بكت عليهم ساعات طويلة، وأذكر بأن حوالي سبعة جثث قد دفنوا في قبر واحد، كذلك مليء كيسين كبيرين ببقايا أشلاء الجثث المتفتتة ليدفن في قبر حفر خصيصاً لذلك الغرض.

أما ما آلمني كثيراً. هو منظر ذلك الشيخ العجوز ( شيخي كاكيلو ) الذي كان يقود جنازة طفله ( عبد الله على عربته بالذات ) التي تركها وراءه بعد أن احترق مع رفاقه في السينما. حيث لم يجد والد عبد الله العجوز من يعاونه على نقل جثة ولده إلى مقبرة البلدة مما اضطر إلى أن يضعه في تلك العربة من الساحة المعروفة بساحة "مدفع رمضان" حيث كان يشرف بيته عليها ليدفعه إلى حيث مثواه الأخير، وكانت دموعه تنهمر طول الوقت وهو يسير به إلى مقبرة البلدة... حوادث مؤلمة كثيرة لا نرغب في سردها هنا.

هذا فقد دارت شبهات كثيرة حول الحادث بحد ذاته على أنه حادث مفتعل وأرغب أن أدون هنا بعضاً من ملاحظاتي بهذا الخصوص:

1. أنه لم نسمع بأنه قد انعقدت أية جلسة قضائية علنية أم سرية للبحث في أسباب حريق سينما آمودي، والتي أودت بحياة حوالي 300 طفل برئ، ولم نسمع بأن حكم على أي شخص لتلك الأسباب، كذلك لم ينشر أي تقرير رسمي ليبلغ به أهالي البلدة من الحكومة عن ما توصلت إليه بخصوص تلك القضية. سوى ما نقل عن العامل الذي كان يشرف على تشغيل السينما وهو ( قيا كوي ). بأنه اضطر لعرض الفلم أكثر من مرة بالرغم من معارضته لذلك. ولأسباب تتعلق بعدم قدرة الجهاز على التشغيل أكثر مما تم عرضه طوال ذلك اليوم.

2. عمدت سلطات المحافظة على نقل مدير ناحية آمودي ( عامودي ) بعد ذلك الحادث، حيث كان الكثيرون من أهالي المدينة قد رددوا بأنه أرسل من أخرج طفليه من السينما قبل أن تشتعل فيها النيران بحوالي نصف ساعة، هذا وقد منع محافظ الحسكة بذاته أهالي البلدة من إحياء ذكرى تأبين الحريق بعد الأربعينية الأولى. وأمر أثناء ذلك التأبين باعتقال من رددوا شعارات معادية لمن تسببوا في حريق السينما. كان الشعار وقتها التالي (على صخرة الأخوة العربية الكردية سنحطم رؤوس الذين تسببوا في حريق سينما أمودي، وغيرها المطالبة بإجراء تحقيق عادل في تلك القضية ). كنت واحداً من المتظاهرين حيث كان الموكب الجنائزي يسير باتجاه مقبرة المدينة في الأربعينية الأولى، ويتقدمنا المحافظ. أما من كان يهتف بالجموع فهو المرحوم ( عصمت فتح الله ). ولم يكن وقتها عضو قيادي حيث أمر المحافظ بإلقاء القبض عليه فضرب في المكان واعتقل بالفعل فوراً.

3. هذا ولم يعوض أهالي الضحايا، ولم يتلقوا أية امتيازات، أو حتى بطاقات تعزية من السلطات الحاكمة. بل كان نصيبهم التهديد بكسر أبواب محلات البلدة وزج أصحابها في السجن إن لم يفتحوا محلاتهم التي كانت قد أغلقت في إضراب تضاماً مع أهالي الضحايا مطالبين بأن يجري تحقيق عادل لكشف أسباب ذلك الحريق، واضطروا فيما بعد إلى إنهاء الإضراب وفتحها أبواب محلاتهم تحت التهديد الرسمي من السلطات بعد أن استمر الإضراب أسبوعاً واحداً.

                                                                                    محمد سعيد آلوجي

 

 

 
 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

مأساة سينما آمودي

 Kurdistana Bixetê

    كردستان سوريا  

 Syrische Kurdistan