في 10 تشرين الثاني(نوفمبر) 2004 تم
تقديم كتاب "الأسد والأكراد: شريعة الغاب" للصحفي السوري
المقيم في روسيا، من أصل كردي، السيد رضوان باديني. ويبدو أن
تنظيم هذا اللقاء مع الصحافة كان له سبب آخر، فبالإضافة إلى
مناسبة صدور الكتاب، كان يراد من هذا المؤتمر الصحفي "تسليط
الأضواء على الأحداث التي شهدتها المنطقة الكردية منذ فترة من
الزمن". ولذلك كان الهدف الأساس، حسبما جاء في مختصر "بريس
ريليز" هو "إعطاء صورة دقيقة للرأي العام عما جرى في 12 آذار
2004 من وجهة نظر شاهد عيان، وإطلاعه على المسألة الكردية في
سوريا بوجه عام".
باختصار شديد إن فحوى تلك الأحداث هو
ما يلي: أثناء التحضيرات لمباراة كرة القدم في مدينة قامشلي
الكردية بين فريق هذه المدينة "جهاد" والفريق الضيف من مدينة
دير الزور "الفتوة" أستقدم حوالي ثلاثة آلاف من المشجعين
العرب، الذين سمحوا لأنفسهم بالتطاول على الأكراد وذمهم بدون
مبرر. نتيجة للمناوشات التي جرت على هذه الأرضية قتل ثلاثة من
الحدث الكرد في الملعب. في نفس اليوم أرتفع عدد القتلى إلى 20
شخصاً والجرحى 150 لكن في هذه المرة نتيجة مناوشات واشتباكات
مع الشرطة وقوى الأمن الداخلي.
في نفس المساء، وكرد فعل على هذه
الأحداث، عمت المنطقة برمتها حالة هيجان وغليان وصلت درجة
انتفاضة شعبية. لقد أفرغ المحتجين جام غضبهم على المؤسسات
الحكومية ومراكز الشرطة وسخروا أو حطموا شعارات ورموز السلطة،
صور وتماثيل آل الأسد (الأب والابن). كانت ردة فعل السلطات
عنيفة وقاسية. أعلن حالة الطوارئ في المنطقة، قطعت الاتصالات
بالهاتف النقال والإنترنيت..وجرت اعتقالات عشوائية كثيرة؛ بل
قد استدرجت الحكومة في ردع الأكراد بعض العشائر العربية إلى
جانبها. حسب معلومات "منظمة العفو الدولية" وصل عدد قتلى هذه
الأحداث 100 شخص والجرحى حوالي 400؛ بينما زاد عدد المعتقلين
2000 شخص.
في قاعة المؤتمرات كان هناك عدد كبير
من الأكراد سواء ممن ينتمون إلى دول الاتحاد السوفيتي السابق
أو من الدول الأجنبية. إن اهتمامهم بهذه الأحداث مسألة واضحة
ومفهومة، فبالنسبة لهم "ها هو الجزء الأصغر من بلادهم ينتفض
بدوره بينما كانت أخبار الحركات الكردية السابقة تعني أكراد
تركيا وإيران والعراق. إذاً الآن هو دور أبناء الجزء الأخير
السوري، الذي كان هادئاً، رغم إن هذا الهدوء كان نسبياً جداً.
فمن النقاش الذي جرى في القاعة اتضح أن هذه المسألة كانت
موجودة فعلياً منذ وقت طويل، لكن المعلومات المتعلقة بجزء من
الدول الصديقة للاتحاد السوفيتي السابق كانت تصفى أو تخفى عن
الرأي العام بغية عدم إزعاج الصديق السوري الأسد ـ الذي تعني
ترجمته الحرفية إلى الروسية قيصر الحيوانات المفترسة.
الأكراد ينتمون إلى المجموعة
الإيرانية. عددهم أكثر من 40 مليون نسمة. نصفهم يعيشون في
تركيا، وحوالي 13 مليون منهم في إيران؛ وعددهم في العراق خمسة
ملايين(مناطقهم هي الأغنى بالبترول) والقسم الأخير يعيشون في
سوريا، بالقرب من الحدود التركية. هذا ما تبين من الحوار مع
مؤلف الكتاب السيد رضوان باديني الحقوقي والصحفي الذي بدا
متمكنا بشكل لامع من ناصية المعلومات المختلفة عن الوضع الكردي
في سوريا و لجوانبه التاريخية والثقافية والحقوقية. وفي جواب
على إحدى الأسئلة المتعلقة بالوضع الديني للأكراد أجاب المؤلف:
"96% من الأكراد مسلمون سنة، لكن الدين، كإيديولوجية سياسية،
لا يلعب دوراً أساسياً في تعبئة الرأي العام الكردي". وحسب
السيد باديني" إن الأكراد الذين هم ضحايا خطة سياسة تستبيح
حقوقهم، تزيد عندهم دور الحقائق والقيم القومية على المشاعر
الدينية". لا بل تستخدم هذه المشاعر المشتركة لهم مع العرب في
الإمعان في صهرهم، أي كعامل مساعد للتطبيق والممارسات العملية
ضدهم، وهو فحوى ومضمون غالبية خطب الجوامع في مناطقهم.
وباستثناء عدد قليل من رجال الدين من أصل كردي ، المندمجين مع
النخبة الحاكمة أمثال السيد محمد سعيد رمضان البوطي عميد كلية
الشريعة ومفتي الجمهورية السيد أحمد كفتارو الذي توفي منذ فترة
وجيزة، يقف رجال الدين الأكراد عموما على جانب قضية شعبهم.
أكثرهم شهرة هم الشيوخ المنحدرين من العائلة المعروفة-الخزنوي.
عدد من أبناء من هذه العائلة هم من طلائع الطريقة النقشبندية
في سوريا. وقد ذكر السيد باديني بالمناسبة ذاتها مسألة وجود
أقلية كردية غير مسلمة من الإيزديين. ( الذين ينتمون بجذورهم
إلى الديانة الكردية القديمة الزرادشتية)، بالإضافة إلى وجود
عدد من الأكراد المسيحيين. ويذكر المؤلف في كتابه الكثير عن
الوسائل والأساليب التي اعتمدها أحد أقطاب السياسة الكردية
للبعث محمد طلب هلال بغية الوقوع بالأكراد بعضهم ببعض نتيجة
استغلال هذه الفروقات الدينية. حيث كان الأخير قد دعا حرفياً
في إحدى كراساته: " يجب منع الشيوخ الأكراد من مزاولة مهنتهم
في المنطقة ونقلهم إلى المناطق العربية، وتعيين رجال دين عرب
مكانهم".
في الإعلان الذي تم فيه دعوة
الصحفيين إلى هذا اللقاء كان يوجد كذلك إشارة إلى إمكانية
التطرق إلى للوضع العام في سوريا، وعن الشروخ الجديدة في
أيديولوجية حزب البعث الحاكم بدون شراكة حقيقية منذ أكثر من
أربعة عقود. وبما أنني كنت (كمراسل بورتال) من المراسلين
القلائل المختصين بهذه المسألة، انتهزت الفرصة لأسأل المؤلف عن
الوضع الديني- السياسي العام في المجتمع السوري. وقد أجابني
السيد رضوان باديني:" لم تصل التناقضات الموجودة في هذا الجانب
إلى التناحر المفتوح. ولكن هناك بوادر واضحة على تفاقم هذا
الصراع بل ومؤشرات تدل على إمكانية حدوث أزمات على هذه
الأرضية."
فكما هو معروف أن الغالبية العظمى من
سكان سوريا هم مسلمون سنة بينما الأقلية الحاكمة تنتمي إلى
الطائفة العلوية التي كانت هامشية فترة طويلة. وبعد استلام
الأسد السلطة عام 1970 تغيير وضعهم بشكل جذري. فالعلويون
يشكلون النخبة السياسية، بل الأصح قول، النخبة السياسية
-العسكرية والاقتصادية في البلاد. بالمناسبة، ينص الدستور
السوري على أن الرئيس يجب أن يكون مسلماً سنياً، وهذا ما حدا
بالرئيس الأسد في بداية عهده للطلب من مفتي الجمهورية السيد
كفتارو آنئذٍ باستصدار فتوى يقوم الرئيس بموجبها بتغيير مذهبه
رسمياً. وهو ما حدث. لكن الرئيس الجديد بشار الأسد لم يلجأ إلى
هذا الإجراء، على عكس والده. وهذا لا يعني بشيء تجاوزه في
القوة والهيبة والده. أنه ليس مستقلاً في اتخاذ القرارات
السياسية والاقتصادية الهامة. وهذه الأمور تأثرت بشكل كبير
بغزو الأمريكي للعراق. فبعد أن كانت سوريا تستفيد بدرجة هائلة
من تمويل العراق بالسلاح والذخيرة والمواد المختلفة، وتتحكم
بجزء هام من النفط العراقي...تزداد اليوم حدة الخلافات المبطنة
وبهدوء بين النخبة الحاكمة والأكثرية السنية وعدد من المسيحيين
على طرق الاستئثار في هذه المسائل. وذكر السيد باديني أن بعض
الأطراف السنية اتصلت بالأكراد وطلبوا التنسيق بغية توحيد
الجهود السياسية للجميع.
عموماً تشير المعطيات بضرورة الاهتمام بالأخبار الواردة من
الاتجاه السوري، حيث يمكن لهذه الدولة أن تصبح مسرحاً جديداً
لأحداث قد تنشأ على أرضية سياسية قومية أو سياسية دينية في
منطقة الشرق الأوسط الغير مستقرة.