|
بداية، يحق لنا، نحن الذين كابدنا طويلاً في تشنجات وإرهاصات المشاريع
التقاربية والوحدوية، أن نهنأ أنفسنا قبل غيرنا، على ما تم تحقيقه
من وحدة اندماجية بين فصيلين كرديين ( اليساري الكردي والاتحاد
الشعبي )، كان من الطبيعي أن يكونا في هكذا وضع وموقع، منذ أن تلمس
الكل بأن ما يجمعهم هو أكثر وأكبر بكثير من عوامل الفرقة والتشتت،
سواء من جهة المنبع الفكري أو الذهنية الثقافية أو ركائز القرار
السياسي، مع أنه لم يزل هناك ما يحز في النفس، بأن هذه الوحدة لم
تشمل إطارها الكامل . بمعنى آخر لم تكتمل صيغتها من حيث ما كان
مرجو منها، وذلك قد يعود إلى بعض التراكمات والرواسب، سواء
التاريخية منها أو المتعلقة بآليات التعامل من قبل البعض مع طموحات
الشارع الكردي، من حيث تقديمهم للثانوي والشخصي على الأساسي، وإن
كانت هناك مبررات تأخذ في بعض ثناياها من أسباب وعوامل، تحتاج
الوقوف عندها ودحضها بغية الاستقرار والاستمرار، لكنها ومع ذلك فهي
مبررات ليست إلا، وتشكل في جوهرها غطاء التهرب من استحقاقات
المستقبل، إذا نظرنا إليها من زاوية احتياجات الحراك السياسي
الدائر في هذه المرحلة، بالترافق مع ما يجري في المنطقة من تغييرات
بنيوية وجوهرية ..
وبقدر ما نهنئ فيه أنفسنا، نتوجه بالتهنئة الصادقة إلى كل شعور
ينبض فرحاً لهذا الوليد المتشكل من أحشاء المخاض السياسي الكردي،
ونخص منهم أصحاب العلاقة، وكلنا أمل بمستقبل ننشد فيه وحدة الصف
والموقف ضمن كتل وكيانات سياسية تلتقي سوية على قواسم مشتركة،
بعيدة كل البعد عن مبدأ المحاصصة في توزيع التركات، والمساواة في
اقتسام الغنائم، بحيث لا تتحول بمجرد الانطلاقة إلى نوع من صفقات
سياسية، الهدف منها ذر الرماد في وجدان الشارع الكردي، بل تستند
إلى قواسم مشتركة في الرؤية والذهنية وآلية التعامل والتفاعل مع
مستقبل الحالة الكردية بأهدافها ومتطلباتها، بحقوقها وواجباتها..
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يشكل هذا الوليد المتشكل، الحاضن، أو
الفكرة الأولى، لمجمل التيارات والأطر والفعاليات التي تؤمن – من
حيث الجوهر – بأنه قد آن الأوان لعودة الطاقات إلى المنبع، وفق
برنامج يأخذ في اعتباره مجمل المستجدات من سياسية ومعرفية، أي أن
يشكل هذا الوليد النواة الأولى في انطلاقة المشروع السياسي القومي
الكردي، وفق مرتكزات سياسية ومعرفية تشاركية تلبي حاجات واحتياجات
مجمل مكوناته وأطرافه ...
ولا نجافي الحقيقة إن قلنا بأن ما وقفنا عليه، قد يشكل خليطاً بين
العاطفة والواقعية، لكوننا من جهة - وإذا ما حاورنا المنطق – ما
نزال أسيري فلسفة حفرت مساراتها الانكماشية في البنيان السياسي
لواقع الأطر السياسية / التنظيمية القائمة، والتي – هذه الأطر – ما
تزال أسيرة هاجس الأنا والذات الحزبية، وإن كانت تعيش لحظة الشرخ
بين ما هو تاريخي بأبعاده المختلفة، وما هو مستقبلي بتداعياته
المؤلمة نوعاً ما، من حيث أن أي تغيير في المفاهيم والآليات، هو
هدم لمكتسبات الأنا المتشكل على مر عقود من الزمن، وهذا قد يكون
بعيد المنال في صيرورة سياقات التفاعل الكردي مع الاستحقاقات، وهو
ما يدفع بالبعض إلى تسمية ما حصل، وفي لحظتها التاريخية، بصفقة
سياسية بين أقطاب تنازعت كثيراً على الأهواء والامتيازات . ومن جهة
أخرى، فإن نشوة العاطفة، ومن خلال تحقيق الوحدة، تدفعنا باتجاه
مغازلة الواقع، واعتبار ما حصل أول خطوة على طريق تفهم مفاهيم
المرحلة، ونحاول المزج بين ما هو قسري وما هو رغبة في محاكاة
المنطق، كي نقول بأن لا خيار سوى الذي تحقق، حتى لو كانت صفقة،
وحتى لو وجد في الدمج نوع من المغازلة أو التنازل، وكان رداً
عملياً، أو التفافاً من نوع مخطط على مشاريع التغيير الداخلي، التي
كانت تهدف الأطر التي توحدت نفسها، سواء من حيث البرامج أو من حيث
الآليات، بما في ذلك النظرة إلى التغيير والمستقبل ..
فإذا كانت خيارات التغيير في المنطقة ما تزال غير مكتملة الأهداف
والمرامي، وغير متبلورة الصيغ، سواء من جهة السلطة أو المعارضة،
وسواء من جهة نصيب السلطة في ذلك، أو نصيب القوى الديمقراطية، فإن
الذي حصل، هو تحصيل حاصل لمفردات الفهم الكردي تجاه خيارات التغيير
. بمعنى آخر نستطيع القول، بأن مجمل العوامل والشروط، سواء الذاتية
منها أو الموضوعية، وأمام الحالة التي نحن عليها، لا تحتمل القفزات،
خاصةً إذا كانت في الهواء ودون أفق مرسوم .. ومن هنا، كان لا بد من
الانسجام مع الخطوة ومباركتها، حتى ومباركة التنازلات التي قدمت
وتثمينها، وإن كانت الاستمرارية فيها ما تزال معلقة على شروط
جوهرية، وهي لا شك دون تلك التي يتفنن بها البعض بهدف التهرب من
استحقاقات الوحدة، وذلك لسبب بسيط، هو كونهم أكثر تناغماً- من حيث
الجوهر – مع توازنات الحراك السياسي الدائر بنواظمه وضوابه وحدوده،
وأكثر حذراً من الدخول في معمعان التغيير، وإن كانت هناك بعض
الشعارات المنثورة هنا أو هناك، أو كان هناك بعض النشاطات المرسومة
سلفاً، والتي تخدم اليافطات المرفوعة، وإدارة الأزمة الكردية حسب
رؤية المراكز الأكثر فعلاً وتأثيراً في القرار الكردي ..
وحتى لا نكون شاهدي زور على الحقائق، ومنافقين في تناول الأخطاء،
ومهللين أو مصفقين للخطوة بدافع العاطفة فقط، يحق لنا أن نقول، بأن
الوحدة المعلنة، ولو أنها تشكل خطوة شجاعة، فهي منقوصة بما هو
مأمول منها، خاصةً وأنها ترافقت مع الكثير من المفاصل الأساسية
باتجاه التغيير في الساحة الإقليمية، وتمخضت عن جملة من حالات
الارتقاء في الفعل الميداني الجماهيري الكردي في الساحة الكردية في
سوريا، وبالتالي، وإذا ما أريد للخطوة أن تنجز وفق تصوراتنا، فإن
من مهامها الأساسية، هي تحويل ذاتها إلى حالة انعكاسية لما يجري في
المخاض الكردي من إرهاصات، وذلك من خلال الفعل وليس عبر الادعاء .
ومن هنا فإن المطلوب من الوليد المتشكل هو تحويله للفعل السياسي
إلى برنامج عمل، وليس الاتكاء على برنامج قيد الصدأ والتآكل، كما
هي العادة في الكيانات القائمة . بمعنى آخر، أن يكون الوليد
منفتحاً على التغيير الذاتي قبل أي شيء آخر، وعلى الغير الكردي قبل
الأغيار، وملبياً لما جاء في بيان الإعلان .. وإلا، ولكون يحمل في
إعلانه – مجرد إعلانه – بذور الانقضاض عليه من قبل الكثيرين من
المتضررين، فإن مصيره سوف لا يكون بأحسن كما كان الحال عليه حين
كان كل من طرفيه يغرداً منفرداً في خانته، بل أسوأ وأمّر، وهذا ما
يجب أن يدركه الجميع ويتداركه....
روني علي
|