خلط الأوراق يصب في مصلحة من..؟                                                   روني علي

10.04.05/ 22.20 /K.binxete

 
 

     يبدو وكأن حركة التاريخ، ومجمل إفرازات ما تشهدها الساحة الإقليمية من تسارع في وتيرة الأحداث، تجري بمعزل عن مطابخ السياسة الرسمية في بلادنا، أو هي بمنأى عن كل ما يجري ويدور حولها، سواء من حيث الترتيبات والمقدمات التي تتم صياغتها عبر مشروع دولي قيد التنفيذ والترجمة، يهدف الانتقال بالبشرية وتكويناتها من طور إلى آخر، من مرحلة تاريخية كانت سمتها الأساسية الإيديولوجيات الشمولية والأنظمة الدكتاتورية، جراء توازنات الحرب الباردة، إلى مرحلة تتجسد ملامحها في مفهوم الدولة القائمة على مرتكزات الديمقراطية الحقيقية والتعاقد بين الشعوب وكونية الثقافة البشرية، بحيث تصبح معها مجمل المعضلات والمشاكل البشرية لها انعكاساتها الدولية، وتمس بشكل أو بآخر موازين القوى في العلاقات الدولية، أي أنها تهدف إخراج الأزمات القطرية إلى حاضن دولي. أو من حيث استناد المشروع إلى عنصر القوة في وجه الأنظمة التي لا تمتلك إرادة التغيير ومستلزماته، وتقف في وجه استحقاقاته، وذلك من خلال ما نراه الآن على أرض الواقع،  سواء في القرارات الدولية التي تحاول أن تعيد الصياغة لمفهوم السيادة الوطنية كمصطلح، أو في التهديدات الجدية التي تلاحق التشكيلات القائمة وفق معطيات لم تعد تواكب لا مفاهيم العصر ولا درجة التطور البشري، من حيث التعبير المتداول في أن الكون قد أضحى قرية صغيرة  .

    ولا شك أن ممارسات وتخبطات الأنظمة الفردية على مدى عقود من الزمن، وما جرها على شعوبها من ويلات وانتكاسات، وتهديدها بذلك للأمن والسلم الدوليين من جهة، واستغاثة هذه الشعوب من جراء ما تعانيه في الدوائر المغلقة، وتأثيرها بذلك على الرأي العام العالمي، من جهة أخرى، قد شكلا السبب الرئيس في تفكير مراكز القوة الدولية باتجاه إعادة رسمها للخارطة السياسية الدولية، فهي من حيث أنها تضمن من خلال تعميمها لثقافة التعايش والديمقراطية، وحماية الأمن والسلم الدوليين، مصالحها الاستراتيجية، تلتقي في أبعادها بمصالح هذه الشعوب، استناداً إلى القواسم المشتركة المتجسدة في ترسيخ الديمقراطية وتجنيب الإنسان من شرور السلطة وآلة القمع، وإن كان هذا لا يمكن له أن يتحقق إلا بإعادة النظر في بؤر التوتر وطبيعة الأنظمة التي لا تمتلك القدرة على التغيير، وتغذي ثقافة الإرهاب وتهدد المستقبل .

     وعلى هذا يمكننا القول، بأن ما يجري الآن في منطقتنا من توتير للأجواء، واحتقان للأوضاع، وتسعير في الصراعات، إضافةً إلى المحاولات الجارية من قبل مراكز القرار الدولي داخل الأنظمة، وعبر الدبلوماسية المنظمة، هو من إفرازات السياسات التي طمست إرادة القوة لدى الشعوب، وجعلها ترزح تحت نير البؤس والفاقة والاضطهاد، لا بل هو تحصيل حاصل لممارسات الأنظمة ذاتها في استخفافها بطاقات مواطنيها، وإبعادهم عن المشاركة في تحمل المسؤولية في حياة البلد. وقد تشكل هذه المعضلة والتشويه الذي حصل في البنية الاجتماعية، السبب الرئيس في بعض التخبطات التي يعيشها مواطننا تجاه ما هو محكوم عليه في إطار التغيير الآتي، فعدم امتلاكه القدرة في مجاراة التشكيلات الثقافية المختلفة على المستوى الكوني، وانسجامه مع كل ما يحمله مشروع التغيير من مرتكزات، بحكم العوامل الآنفة الذكر وثقافته المتداولة، التي تمت ترسيخها في الذهنية المجتمعية، استناداً إلى عوامل دينية ومذهبية وإيديولوجية، يجعله أسير هاجس الضعف وشبح الخوف من الصهر والإذابة بأهوائه ونزعاته. إلا أنه، وفي الوقت نفسه، لا يغفل عن الركيزة الأساسية التي يستند إليها المشروع، والتي تتجسد في الديمقراطية ونزعة الخلاص والتحرر من الأنظمة الشمولية وثقافة الإقصاء والاضطهاد والاحتواء، وهذه الركيزة تشكل العنصر الرئيس في تقبله، وبالتالي تعميم المشروع وسرعة انتشاره في مجتمعاتنا، لكونها مدركة عجزها عن مواجهة أدوات السلطة استناداً إلى عواملها الذاتية من جهة، وعدم امتلاك هذه السلطات قدرة التصدي لمهام المرحلة، بحيث تلبي احتياجات الوطن والمواطن من خلال تعميم الوطن وفك الحصار عن الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى، وأن ما تقوم بها من بعض عمليات الترميم الشكلية الضيقة، ما هي إلا طحنا بلا طحين، كونها لا تبتعد عن الموروثات القائمة في الجسم السياسي.. بمعنى آخر نستطيع القول، إن عجز هذه الأنظمة في فهمها وقراءتها لروح العصر، سواء من حيث إنجازها لتشكيلتها السياسية وفق رؤيتها الخاصة بالديمقراطية، والتي يجب أن تمد هي أيضاً بجسور التفاعل مع الشارع، أو من حيث انخراطها في الدعوة العامة إلى ترتيب المستقبل وفق محددات جديدة، سيبقي الباب مفتوحاً وعلى مصراعيه أمام المزيد من الاحتقانات..

    فالسياسات التي راهنت على توازناتها، وهمشت مجمل القيم في مجتمعاتها استناداً إلى قوة الحديد والنار، وثقافة الصهر والإقصاء، تحصد الآن نتائج تخبطاتها، سواء من حيث هلاكها، أو من حيث عزلتها عن الفضاءات المحيطة بها، وهذا ما يجب أن يدركه النظام في بلدنا، ويعيد القراءة لأوضاعه في العديد من المسارات التي ساهمت في عزله عربياً وإقليمياً ودولياً، وعبر أكثر من بوابة، بدءً بأزمة العراق، مروراً بعملية السلام العربي الإسرائيلي، وانتهاءً بالأزمة اللبنانية جراء اغتيال رفيق الحريري.. وأن الأوراق التي كانت تشكل بالنسبة له مسند القوة في مراهناته، تتم حرقها على أكثر من محك، وبالتالي لم يبق بيده من قوة في التعاطي مع المستجدات – حتى إذا أراد أن يغير ما في داخله - سوى قوته الداخلية، وهذه تتوقف على مدى قدرته في التعاطي مع استحقاقاتها والتعامل معها من خلال تلبية متطلباتها وتوظيفها في موقعه الصحيح .. لأننا لو تمعنا القراءة فيما بين سطور المشروع، سنرى  أن كل هذا الحراك وهذه التحركات والتغييرات الحادة في المعطيات، لا تعزز من موقع سوريا في العملية السياسية الجارية، استناداً إلى آليات عملها، بل تقوض أداءها أكثر فأكثر، وتنهك مستلزمات قوتها، بحيث تدفعها باتجاه الوحدنة في حلبة الصراع، وذلك لأكثر من سبب، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي .. وإذا استثنيا بعض المنافذ الضيقة في اللعبة السياسية على الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وتجاوزنا حالة بعض المراهنين في النظام على بعض الفجوات فيهما، واستثمارها لبعض التكتيكات الآنية، والتي هي ذاتها قد تجلب المزيد من الاحتقان للوضع في المدى المنظور، نستطيع القول، أن هذا الرهان قد أقترب من نهاياته، بحكم المعطيات الجديدة، وتدخل أكثر من طرف دولي في إدارة الوضع، وانتقال اللعبة بمجملها من طورها الإقليمي إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، ناهيك عن ما يجري في الوسط العربي من مقايضات سياسية من جانب الأنظمة مع مراكز القوة الدولية على حساب ثوابتها التي كانت تتغنى بها على حساب شعوبها، سواء من جهة انفتاح الغالبية منها على الوضع الإسرائيلي، من حيث الزيارات المتبادلة وتوجيه الدعوات إلى الساسة الإسرائيليين، أو من جهة انخراطها في تعميم المسار التفاوضي العربي الإسرائيلي، أو من جهة إبدائها الرغبة في الإصلاحات الداخلية، بحيث توحي على أنها متناغمة مع ما يدعو إليه مشروع التغيير في المنطقة من جهة، وتتدارك بها أزماتها واحتقاناتها من جهة أخرى .. ناهيك عن التصريحات التي تبرئ ساحة هذه الأنظمة من كل ما يجري في العراق من عمليات قتل وإرهاب ..

    من خلاصة كل ما أتينا على ذكره، ومن خلال وقفة سريعة على الوضع في بلدنا وما يتعرض له، وبالترافق مع أداء النظام وشكل إدارته في التعاطي مع الوطن والمواطن، وانطلاقاً من مسؤولياتنا الوطنية التي تحتم علينا خدمة الوطن وتجنيبه من الانتكاسات والانكسارات، نستطيع القول، أن الشكل الذي يتبعه النظام في مواجهة الضعوطات، هو عملية خلط مقصود للأوراق، سواء في الوضع اللبناني أو الفلسطيني أو العراقي أو في الوضع الداخلي، لأن عليه أن يعلم كما قلنا، أن العقلية التي تم من خلالها التعامل مع الوضع الداخلي وعلى مر عقود، من اعتقال الرأي الآخر، وملاحقة الكلمة الحرة وفق ممارسات فوق قانونية وقوانين استثنائية، واحتكار السلطة بموجب دستور لم يعد يواكب لا المرحلة ولا التشكيلة السياسية والقومية في البلد، وعدم تحملها المسؤولية في مواجهة متطلبات الوضع، لم تعد تجد نفعاً أمام ما يجري في العالم من تحولات، بل يزيد المواطن ضعفاً وإنهاكاً، وأن المراهنة على بعض التكتيكات السياسية قد فقدت ركائزها، فالأولى به، إذا ما أراد التفاعل مع ما يجري بالاستناد إلى قوته الداخلية، أن يعيد النظر في مستلزمات هذه القوة، وبالترافق مع تفهم مستلزمات مشروع التغيير، وإلا فإن الخلط الحاصل في الأوراق لا يخدم سوى جر البلد إلى المزيد من المخاطر . 

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

الأرشيف

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Kurdistan Syrien