الأفق السياسي الكردي
...... بين
قراءة
الموقف
وتسكع
القرار
روني علي
أعتقد أن ثمة إشكال، بل اختلاج يشوب المنطق لدى البعض، حين
يحاول الوقوف على تصدعات (الموقف الكردي) وممارسات قمة الهرم
الحزبي إزاء أي فعل أو قرار، ورصد تداعيات الخطاب الارتجالي، اللا
مسؤول في أغلب الأحيان، وانعكاساته على مجمل مكونات الحراك السياسي
الوطني الدائر، وخاصةً الكردي منه، سواء من جهة بحثه في
التناقض الحاصل بين الادعاء والممارسة، أو من جهة احتماء (القمة)
بيافطات هي بعيدة كل البعد عن نبض الإنسان الكردي، ترافقاً مع
الدعوات المتصاعدة باتجاه ترسيخ دعائم دولة الحق والقانون، وذلك من
خلال الدخول في عوالم المنظومات السياسية الجديدة المطروحة – بقوة
– على الساحة الدولية، والتي تتجسد في تحقيق الديمقراطية بأبعادها
المختلفة، واحترام حقوق الإنسان، وبالتالي تحقيق المساواة بين
البشر، بغض النظر عن اللون والجنس والعرق ..
هذا الشرخ الحاصل في البنية الفكرية والسياسية لدى قطاعات في
المجتمع الكردي، وما تعانيه من حالة اللا استقرار في الرؤية تجاه
إحداثيات الفعل النضالي، يعود بمرده، لدى الغالبية، إلى تحاشيها
الدخول في قراءة مفردات الواقع والوقائع، أو فكها لطلاسم مرتكزات
القرار الحزبي وكذلك أسباب القصور المعرفي (القسري أحياناً) لدى
بعض صناع القرار حيال ما يجري، وذلك لأسباب لها مدلولاتها، ولهواجس
لها أبعادها، وقد تكون لها مبرراتها ..؟!، خاصةً وأن من شأن ذلك
الكشف عن الكثير من عورات وخلفيات العقلية التي تتحكم بمجريات
صناعة الموقف، من حيث ثقافتها ومراهناتها والمطبخ السياسي الذي
يساندها ويقولب أداءها السياسي في حالات كثيرة، وهذا ما يخشاه
الكثيرون، لأن الشكل التراتبي–الاستحكامي في العمل الحزبي، والخواء
المعرفي المسيطر على آليات صنع القرار، إضافةً إلى الإنهاك الذي
يعانيه الفرد – العضو وعدم امتلاكه لمقومات المواجهة استناداً إلى
الأسباب الآنفة الذكر، يحيله إلى التقاعد الطوعي في وجه مجمل
الممارسات، حتى وإن كانت تحمل في طياتها رائحة النتانة، بل أكثر من
ذلك، يتحاشى الوقوع في مصيدة الحقيقة، أو التصدي لاستحقاقاتها،
لكونها ستحمله ما لا طاقة له بها، أو تدفعه باتجاهات قد لا تحمد
عقباها، وبالتالي ينزوي جانباً في سلبيته تاركاً رأيه وتوقيعه
ومصيره في كل شيء تحت سيطرة المرجعية - أولي الأمر والقرار -، حتى
تكون الناطقة باسمه والمعبرة عن مكنونات وجدانه، متباهية بذلك أنها
تمثل رأي الشارع الكردي..؟.
ورب سائل يستفسر عن مناسبة هذا الحديث الإشكالي، أو عن الجدوى من
فتح هكذا ملفات ساخنة، ودعوة الجسم الحزبي إلى التمرد على ما هو
قائم ومعتاد في آليات صناعة القرار، في وضع يدعي الكل الحوار ووحدة
الصف الكردي في مواجهة ما قد يحمله المستقبل من إفرازات.؟. وقد
يعيش البعض حيرته أمام اللوحة السياسية / التنظيمية الكردية،
المتناقضة جداً مع مبررات أو حاجات وجودها، حين يقف بقدرة قادر
مكتوف الأيدي دون أن يكون له شأن لا في إدارة الأزمة ولا في التصدي
لأولئك الذين ينبشون في الذاكرة المهزومة للبحث عن شماعات قد تقيهم
من حالتهم وعبثية خطواتهم، أو تقدم لهم بعض مبررات الاستمرار، كتلك
التي يقدمونها كنوع من الوقاية حيال أية خطوة عملية من شأنها إخراج
الكرد من قمقم المخططات السلطوية ...
نعم .. هي تساؤلات ستكون مشروعة إذا كنا نبحث عن وحدة الصف الكردي
في إطار السياقات المطروحة، أو كنا من أنصار إدارة الأزمة الكردية
وعدم رفع الغطاء عن المسكوت عنه أو المستور .. أما ونحن نبحث عن
الإرادة في الإنسان كي يخرج من سلبيته والشكل الذي تقولب به بحكم
التربية الحزبية، ونحاول اختراق جدار الصمت ومتاريس القرارات
المتسكعة في ردهات المطابخ السياسية التي تستهدف بمخططاتها الكرد
وجوداً وحقوقاً، بل ونتحمل ما قد يجلبه لنا من نتائج، أعتقد أن
الآية هنا سوف تنقلب لا محالة، وبالتالي ستفرض ضرورة مواجهة
المتسكعين على كاهلنا من كل بد.. فلو حاولنا تلمس جوهر النضال
الكردي، والغاية من وجود هذا الكم الهائل من البثور التنظيمية في
الجسم السياسي الذي يدعي بتمثيل الشخصية الكردية، وطرح الأهداف
المدبجة في برامجها على بساط المناقشة، بالترافق مع شكل أدائها
وآليات عملها، فماذا ستكون النتيجة، وكيف لنا أن نحكم؟!. بعبارة
أخرى نقول، أية وسائل لنا أن نمارسها حتى نزيل الغبن عن الكاهل
الكردي، وأية رؤية لنا أن نمتلكها حتى ننشد الديمقراطية في بلدنا،
وأي طريق لنا أن نسلكه حتى نحرك الساكن في ضمائرنا كي لا يحكم
المستقبل علينا بالفناء ..؟. أعن طريق الاستقواء بتلك المخططات
نفسها وبالتالي مواجهة كل خطوة من شأنها التعبير عن مكنونات
الإنسان الكردي، أم بطرح البيانات تلو الأخرى وبتوقيع أطر جامعة،
الهدف منها تمرير خطط مراكز القرار السلطوي، وبالتالي تحويل الصراع
من صراع مع السلطة إلى مواجهة بين مكونات المجتمع السوري ..؟. دون
أن يقف أصحابها أمام التساؤل التالي : من قتل الخزنوي وكيف ولماذا
... ومن قتل تلك الكوكبة في آذار 2004، ... ومن قتل المعتقل في
سجنه ... ومن حرم عشرات الآلاف من أبناء الكرد من مقومات الحياة
وسلخهم عن هويتهم الوطنية..؟. ولماذا إدانة أرقى أشكال النضال
السلمي الديمقراطي الذي جرى في القامشلي يوم 5/6، ولم يتم إدانة
غيره من هذه الأشكال .. ثم كيف لمريدي ومروجي هذه البيانات أن تقنع
نفسها على أن الشكل الذي اتبع في القامشلي مدان كردياً، وإذا كان
كذلك فأية أشكال أخرى مطروحة في أجندة النضال السياسي السلمي
الكردي حتى يتم اتباعه .. بعيداً عن البيانات وأحاديث الزوايا
الضيقة ..؟.
قد لا نتفق فهذا حق، وقد نختلف وهذا أيضاً طبيعي، لكن أن نساوم حتى
على المساومات، وعبر الثقة التي تمت انتزاعها من بعض البسطاء
ولغايات هي ليست واردة في قاموس الذين اغتصبت ثقتهم، فهذا ما
يستدعي الوقف عنده وقراءة مدلولاته ..! وهنا لا بد للذين انتزعت
ثقتهم قبل غيرهم أن يتساءلوا، لماذا تم إدانة المسيرة السلمية التي
جرت في القامشلي، حتى من قبل الذين ابدوا استعدادهم مسبقاً ومارسوا
البعض من نشاطاتها في كوبانية مثلاً .. أهو مجرد ترف سياسي أم خطوة
على طريق التمييز، أم أن هناك ما هو بحاجة إلى النبش والتمحيص ..
وقد نختلف فيه وعليه أيضاً ..
فالكل يعلم أنه، وإبان الانكسار الحزبي في أحداث آذار الدامية، ومن
خلال الترتيب لبعض البيانات التي جاءت بتوقيع مجموع الأحزاب
الكردية، تم التهليل والتطبيل لمصطلح الإطار الشامل، ولذلك ما
يبرره، استناداً إلى المتراكم في ذاكرتنا، بأن حركتنا – ودائماً -
تبحث عن القواسم الجامعة في المنعطفات الانكسارية . وعلى الكل أن
يعلم بأنه يتم الآن الترتيب لمصطلح جديد بصيغة القديم وأهدافه، وهو
مشروع إنجاز مرجعية كردية، بغض النظر عن مناقشة آلياته ودلالاته،
كون ما حصل في القامشلي وكوبانية من شأنه سحب البساط من تحت أقدام
بعض المتسكعين على أبواب بعض المطابخ السياسية، وبالتالي لا بد لهم
من التحرك صوب الانقضاض على أية خطوة أو بادرة مشابهة لها
مستقبلاً، والسبيل إلى ذلك لا يتم إلا عن طريق المرجعيات التي ستشد
من أزر المساومات السياسية حتى تكون هي القاعدة وما خلاها نشاذ
بنشاذ، لأن الوقوف على تداعيات بيانات الإدانة، وما رافقها من ظروف
وعوامل، وما تم حشدها وتجييشها من أسلحة وأدوات وحالات الاستقواء،
حتى وإن أفضت إلى بث الفرقة بين النسيج الوطني السوري، سيرى بأن
القادم هو أفدح في المرارة والخسارة على الصعيد الحق الكردي
المشروع ..
وقد لا يتفق البعض مع الهواجس التي تنتابني، بأن ما صدر عن بعض
الأطر الكردية التي تدعي الحنكة السياسية، لم يكن القصد منه هو
إدانة المسيرة ذاتها، وإنما علاوة على ذلك، فقد كانت رسالة واضحة
في الاستياء إلى الوليد الجديد من توحيد فصيلين كرديين باسم حزب
آزادي، كون هذا الوليد وما أقدم علية من خطوة جريئة، قد وضع اللبنة
الأولى على طريق الفرز الحقيقي بين النماذج والسلوكيات السياسية
الكردية في سوريا، وبالتالي وضع حد فاصل بين الرؤية إلى القضية
الكردية من خلال الموقف والتعامل معها عبر التسكع، هذا من جهة، ومن
جهة أخرى فإن تلك البيانات والالتصاق ببعض المراكز والرموز
السلطوية جاءت بالترافق مع انعقاد مؤتمر حزب البعث، وما كان يثار
من أحاديث حول قانون الأحزاب، وبالتالي قد يمنح البعث بعض التوجهات
السياسية بعض الميزات ، ومن هنا فقد أراد مهندسو البيانات أن
يأخذوا زمام المبادرة – بضربة معلم – لينالوا عطف البعث عسى أن
يحتلوا موقعاً في قائمة المشمولين بقانون الأحزاب، وهذا ما لا يمكن
الوصول إليه إلا عبر إدانة الموقف الكردي الذي تجسد في المسيرات
الاحتجاجية، وإن كان قد سهى عنهم بأن استكمال هذه الخطوة تحتاج إلى
وحدة اندماجية بين أقطاب البيانات وذلك للتخلص من حالات التشتت ..
وقد يتحقق ذلك لا حقاً ...
إذا، المسألة ليست كما تصورها البعض على أنها حالة غير اعتيادية،
أو أنها مساومة سياسية، وإنما هي تعبير عن المزيد من التسكع لكسب
الود وعطف مراكز القرار.. وكل ذلك – بالتأكيد - يبقى مرهون بعامل
أساسي، والذي يتجسد في رؤية المكون الوطني السوري إلى أشكال
النضالي السياسي السلمي بعيداً عن المراكز التي ترى ذاتها ووجودها
في الإبقاء على ما هو قائم، لأنه لو تم استيعاب المرحلة بشروطها
واستحقاقاتها، وعلى أن البلد لا بد له أن يتغير، وأن الحقوق لا بد
لها أن تنتزع إذا لم يتم مداراة حالات الاحتقان، فإن مصير البيانات
وأصحابها ليس سوى حكم التاريخ ...