K.binxetê - 26.05.05

من أجل إطار كردي مرجعي ..
قراءة في أفكار دارا كيلو
 ـ  روني علي
 

   بداية أود أن أشير، بأن مجمل آراءنا وتصوراتنا حيال ما نطرحه بصدد لم الشمل الكردي ضمن دائرة التوافقات السياسية أو الهيكليات التنظيمية الموحدة ضمن قالب واحد، إنما هو مجرد رغبة عاطفية لا تنسجم حتى مع ادعاءات التغيير ذاتها، وقد تعود بأسبابها إلى حالة التشظي المفرطة والمرضية في الواقع السياسي / التنظيمي، والتي يعيشها الإنسان الكردي في صراعه مع القديم وتصارعه مع الجديد أو المستقبل، وهي بالتأكيد نابعة من إحساسه بالضعف والنقص، وعدم امتلاكه الوسائل الكافية لمواجهة ما هو مطالب به، أو تعود إلى التشكيلة الاجتماعية الكردية التي لا تمتلك من الخيارات إلا بالبحث عن الزعيم الأوحد والموقف الواحد والرؤية الواحدة .
ولكوننا، كحالة كردية لم نتخلص بعد من رواسب التراتبية القبلية، وفي كافة المجالات، من سياسية واجتماعية وثقافية، وننظر إلى الآخر وفق الميزان الحسابي من عوامل القوة والضعف، ونرى الألوان من خلال اللون المحبب لنا، ونقيّم المحيط بقدر ما يستجيب لرغباتنا، يكون الطرح - الحاضر الغائب – بالبحث عن المرجعيات أو الأطر الشاملة يدغدغ مشاعرنا وعواطفنا . بمعنى آخر، وفي سياق الإلمام بحاجات واحتياجات التطور، سواء الذهني أو التاريخي، وفي الوقوف على صيرورة الواقع السياسي الكردي وأسباب المآل الذي آل إليه وضع التنظيمات القائمة، من حيث برامجها وشرعيتها وثقافتها وجماهيريتها، نستطيع القول بأن عامل الوحدة – تجاوزاً – لا يكمن في الرغبات، بل لا بد من الوقف عند أسباب الحالة ومسببات أزماتها، وهي، وحسب فهمنا لمفردات الواقع، تتلخص في التالي :
لا شك أن الأداء السياسي الكردي المؤطر – وحتى اللحظة - هو – من حيث الجوهر والمخفي – انعكاس لواقع السلطة السياسية بتوازناتها ومفردات خطابها وأداءها السياسي، وإن كان هناك خطاب سياسي كردي يبحث – ظاهراً – لنفسه عن مسارات محددة في سياقات المشاريع التي تدعي التغيير، وبالتالي فإن التغيير الحقيقي في الواقع السياسي الكردي بخطابه وبرامجه وأدائه، مرهون بكليته بما سيؤول إليه وضع النظام القائم وفق ما يجري في المنطقة من حالات المد والجذر في مشاريع التغيير، بمعنى من المعاني، لا يمكننا أن نتنبأ بأي تغيير كردي في سوريا، ما لم تتوضح ملامح التغيير على صعيد السلطة، وهل هو تغيير داخلي أم تغيير خارجي، لأنه علينا أن ندرك تماماً بأن ما نعانيه اليوم من مجمل الحالات التي تقيدنا سياسياً ومعرفياً، هي من نتاج السلطة ذاتها، وإن كان يحمل الصبغة الكردية .. وهذا لا يعني مطلقاً بأننا نمتلك القدرة على إيقاف عجلة التطور أو الوقوف في وجه استحقاقات التغيير، وإنما، وفي سياق البحث عن نصيبنا من التغيير وفي مجرى عملية التغيير، نحاول تسليط الضوء على إفرازات العقل السياسي الكردي في المجال النظري والعملي، وعليه نقول بأننا ما زلنا أسرى توازنات لم نستطع المساس بها، نظراً للعوامل الذاتية الكردية المشتتة بين الادعاء والادعاء ..
فالحركة الكردية – عموماً – مقيدة ذاتها وبذاتها بخطوط السلطة ( الحمر )، وبالتالي لا يمكن لها تجاوزها إذا ما بقيت أطراف المعادلة الداخلية تفعل فعلها في غياب الحريات الديمقراطية، وتحت رحمة جملة من القوانين والممارسات الاستثنائية، ولا ننكر هنا بعض الخطوات الجنينية التي تحاول أن تسلك الطريق في غفلة من كماشة السلطة، أو في لعبة الرهان على بعض النماذج التي تطرح نفسها في شرقنا، أو كشكل من أشكال إدارة الأزمة في واقع التشرذم الحزبي، بحيث يكون هناك نوع من التجانس – وعبر بعض الواجهات والممارسات – بين موجة الغضب تجاه ما يحصل من جانب القاعدة والشارع، وسياسة الأمر الواقع التي تنتهجها القيادة ومراكز القرار الكردي، بحكم أن لا بديل لمجمل الدعوات إذا ما بقي التغيير مستهدفاً القشور، ويجري بحسب مراكز القرار السلطوي، وهذا ما يبقي من ( الكل ) السياسي الكردي المؤطر أسير كينونته وتوازناته ..
فالحديث عن أن » هناك تغيير كبير يحدث، وهناك تغييرات أكبر قادمة، ستحدد مستقبل سوريا لفترة طويلة «، يضعنا أمام امتحان من الدرجة العليا في الواقع النظري / العملي، لأنه علينا أن نبحث في صيغ التغيير وأشكالها وأطرافها وقواها الحاملة .. وهل الأطر الكردية تمارس مهامها وواجباتها حيال ما تدعي من تغيير ..
أعتقد أن هذه هي النقطة الأولى والأهم التي ينبغي لنا الوقوف عندها، حتى لو كنا مقتنعين نظرياً بأن » المنطقة تمر بمرحلة فك وإعادة تركيب على كافة المستويات، ضمن عملية من نفس النوع على المستوى العالمي«، وأن ذلك يتطلب منا جهوداً باتجاه إيجاد » إطار مرجعي كردي موحد ومتفق عليه، تركز عليه وتتوحد في إطاره مختلف الجهود الكردية في تفاعلها مع بقية مكونات المجتمع السوري من سلطة ومعارضة وغيرها من المؤسسات المدنية والاجتماعية، من أجل وضع المكون الكردي لسوريا المستقبل في موقعه الملائم « . بمعنى آخر، علينا الوقف عند رسم آليات التفاعل مع ما قد يستجد في المنطقة من انهيار في ذهنيات معينة وبناء لركائز ذهنيات تواكب ما يجري من تحولات، وبالتالي علينا الوقوف على حالة القائم من الأطر ومناقشة فهمها وتصوراتها حيال ما يجري ..
إن الشروط السياسية، والمستويات الثلاث من الطرح السياسي، التي تمت صياغتها من قبل الأستاذ دارا بغية إنجاز الإطار – المرجع - الحلم، تجعلنا في حيرة من أمرنا، بحيث تدخلنا في دوامة ننسى معها الواقع المعاش للحركة الكردية تاريخياً وراهناً، سواء من حيث أدائها أو من حيث تفكيرها وولاءاتها، وكأن هذه الحركة وليدة لحظتها، أو أنها مرتبكة في تحديدها لهويتها السياسية، وتحديد أهدافها وآليات تحقيقها، وذلك قفزاً من على صيرورتها التاريخية وتوازنات ولادتها .. وهنا تكمن الحلقة الأضعف في الطرح، لأنه وبقليل من التمحيص والاستنتاج، سيبدو لنا جمعياً بأن ما هو قادم من التغيير سيقض مضجع الكثيرين في هذه الأطر ذاتها، كونها ستنسف الامتيازات وركائز الوجود الحزبي، بمبرراتها وخلفياتها ..
من هذا الفهم، وعبر الدخول والمناقشة الذاتية في تفاصيل الحراك السياسي الكردي المقنع بأكثر من لون وشكل، أعتقد أن المهمة الأساسية لا تكمن في إنجاز الإطار – الحلم، بقدر الوقوف على أطراف التوازنات الكردية، وإخضاعها لمختبرات التغيير، لأننا سندرك حينها، بأننا نحاول – في البعض من تصوراتنا المستقبلية – الاستنجاد بالموتى لإحياء مشاريعنا المستقبلية، أو النفخ في قرب مقطوعة، كون الذي يقف على مسافة من التغيير الداخلي – الذاتي، لأسباب وعوامل باتت شبه معروفة لدى الكل، لا يستطيع أن يغير في الآخر قيد أنملة، بل يحاول جاهداً أن يجد المخارج للتهرب من استحقاقات التغيير، سواء من جهة ما يجري من تعاطي وتفاعل – شكلي – مع رموز المعارضة الوطنية، أو التوقيع على بعض البيانات بهدف تسويق الدعاية الحزبية، حتى لو كان الحزب لا يمثل سوى مجموعة بحجم عدد أصابع اليد أو اليدين .. ولكن، ولأن هذا هو القدر الذي يحكمنا، فلا ضير من القول، وعلى مبدأ القول العربي ( جود من الموجود ) ..
وبالعودة إلى رصد الحالة المعاشة للحركة الكردية – مازلت حتى اللحظة في حالة التعميم – وأخذ بعض التجارب بعين الاعتبار، كتجربة التحالف أو الجبهة الديمقراطية أو المجلس العام للتحالف أو بعض الوحدات الاندماجية التي فشلت، ماذا يمكننا أن نقدم للمتلقي الكردي في بحثنا عن خيارات وفق تصورات، هي في ذاتها تجاوز لحالة الواقع .. ألا يحق لنا أن ننضم إلى قافلة الأصوات التي عبرت عن ذاتها في خضم أحداث آذار الدامية، ووصفت الحركة برموزها وتجسيداتها وتعبيراتها، بتعبيراتهم الخاصة .. ثم أليست الأطر التجميعية القائمة، من تحالف وجبهة، هي مرجعيات بالنسبة للمنضوين تحت لوائها، فماذا أنجزت وبماذا تفكر وأين هي موقع أطرافها حيال المستجدات ..؟
فإذا وضعنا هذه اللوحة بتشكيلتها نصب أعيننا، كان علينا أن نعيد النظر في حساباتنا – وقد فعلتها في أكثر من مرة -، كي نستطيع الانطلاق من ذهنية متحررة من العاطفة، كونها لا تنسجم مع معطيات ما يجري في الواقع من إرهاصات ومخاضات، وبالتالي كان لنا أن ندفع بآرائنا تجاه ما يجب أن يكون، مع أخذنا السقف المحدود والمرسوم بعين الاعتبار ..
من جهتي أعتبر أن مسببات الأزمات السياسية الكردية تكمن في الوعي المبتور حين تناول أية قضية أو التفاعل معها، وأن ما يزيد في هذه الأزمات من إشكال، هي التراتبية التنظيمية التي تدعم وتشد من أزر مراكز القرار الكردي في منحاهم، بحيث تشكل في مجموعها لوحة متكاملة من حالة التقاعس في مواجهة الهجمات المتتالية على الشخصية الكردية، بخصوصيتها وهويتها، سواء عبر المشاريع السلطوية أو المشاريع الإقليمية، وبالتالي، وإذا ما أريد لنا أن نتفاعل مع التغيير، كان لا بد الانطلاق أولاً وثم أولاً من التغيير الذاتي، هذا التغيير الذي من شأنه أن يؤسس لمرتكزات ثقافة يمكننا من جني ثمار ما يجول في أذهاننا ..
وعلى هذا، فإن الدعوة إلى تشكيل مرجعية كردية من مجموعة من المتناقضات، ومجموعة من الخلفيات السياسية المختلفة في الولاءات، هي نوع من إدارة الأزمة الكردية إلى حين، ولو أنها تدغدغ بعض المشاعر هنا أو هناك، لأنه وببساطة يحق للكل أن يتساءل، من سيرسم الأفق السياسي لهذه المرجعية، وإلى أية معادلة سياسية ستستند، ومن أين ستأخذ شرعيتها، وأين ستجد مطبخها السياسي، وما هي القواسم المشتركة التي وعلى ضوئها سيجد الشارع الكردي طموحه في تحقيقها، وإلى أية درجة ستتفاعل مع شروط التغيير، وأطرافها الموزعة هنا أو هناك ما زالت بعيدة كل البعد عن احترام التغيير في حياتها التنظيمية .. بل الأهم من كل هذا وذاك هو، هل يمكن الوصول إلى التغيير عبر أدوات منتهية الصلاحية وسابقة على مجرد التفكير بالتغيير، والاستناد عليها كحامل للتغيير ..؟.
أعتقد أن الأجدى والعملي – الممكن – بالنسبة لحركتنا، ونظراً لواقع حالها، تكمن في الأطر القائمة على أساس الكتل السياسية المتجانسة نوعاً ما سياسياً ومنهجياً - وكنت قد تطرقت إلى ذلك في مقال آخر - . أي أن تعبر البرامج السياسية وأشكال ممارستها، وصيغ التعاطي مع خيارات التغيير، ومراكز التأثير من جهة الولاءات، عن أطر تعبر عن تلك الماهية، بحيث تأتي كل كتلة منسجمة إلى حد ما عن تصورات الأطراف المنضوية تحت سقفها . أما وأن يكون الحديث عن شيء في إطار المجموع – بضغط من الشارع ومناورة على الشارع – والممارسة شيء آخر على صعيد كل طرف، فهنا تكمن المصيبة، كما هي الحال عليها .. ولا نغالي إن قلنا بأن البعض يشط في طرحه - حين اللزوم - بعيداً عن توازناته بهدف احتواء ما يجري في داخله من حالات الاحتقان، وأن بعضاً آخر يقلص من تصوراته تحت تأثيرات معينة بهدف اجتياز بعض المحن إلى حين، وكلها من نتاج إدارة الأزمة الكردية لا أكثر ..
وفي الختام، وتأكيداً لما تم الوقوف عليه، أستطيع القول، بأن المشكلة الأساسية ليست مشكلة الطرح السياسي، وإن كان يحدد الهوية السياسية لحامله، وإنما هي مشكلة الممارسة السياسية / التنظيمية للطرح، فكل الدعوات السياسية الكردية من أقصاها إلى أقصاها لم تتجاوب بعد مع محددات الوجود الكردي من حيث سقف المطالب أو البعد السياسي، بمعنى أخر، هناك صيغ – سواء أكانت متهاونة أو موضوعية – لم تحدد خياراتها الدقيقة بعد، لأن الكل ما زال يهدف مغازلة سايكس بيكو، وبالتالي يدخل في غزل مع نتائجه وتداعياته، وبذلك فإن الضبابية ستكون من نصيب أي طرح مها ارتقى، حتى لو كان يهدف مبدأ حق تقرير المصير، مع أنني ميال إلى التعامل مع الواقع وفق محدداته وليس وفق تصورات جعلتها صيرورة التاريخ ما تشبه الأحلام، فعدم الوضوح في التعاطي مع مفردات الخطاب السياسي، وعدم بلورة الأهداف السياسية وفق ما يمليه الحقائق التاريخية، سيؤدي بنا إلى المزيد من التخبط، والمزيد من البحث عن بدائل مهما كانت شكلها، وكأن البديل ( النظري ) يملك في يده العصا السحرية، دون أن نلتفت إلى الوراء لنرى حجم التراكمات من جراء أساليب المواربة في الخطاب والتحاليل على المصطلحات حين تحديد الأهداف ..
 

 

 

 

 

جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي                      ©  ***     ©                       Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye

 

الرجوع ×××

الأرشيف

 Kurdistana Binxetê

    كردستان سوريا  

 Kurdistan Syrien